Indexed OCR Text

Pages 241-260

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
إليها، ثمَّ أعتقَها وتزوَّجَها .. فذلكَ لهُ أجرانِ)) (١) .
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( كلُّكُمْ راع وكلُّكُمْ مسؤولٌ عنْ
رعيَّهِ))(٢) .
فجملةُ حقِّ المملوكِ : أنْ يشركَهُ في طعمتِهِ وكسوتِهِ ، ولا يكلِّفَهُ فوقَ
طاقتِهِ ، ولا ينظرَ إليهِ بعينِ الكبرِ والازدراءِ .
وأنْ يعفوَ عنْ زلَّتِهِ ، ويتفكّرَ عندَ غضبهِ عليهِ بهفوتِهِ أوْ بجنايتِهِ في
معاصيهِ ، وجنايتِهِ على حقِّ اللهِ تعالى، وتقصيرِهِ في طاعتِهِ ، معَ أنَّ
قدرةَ اللهِ عليهِ فوقَ قدرتِهِ .
وروى فضالةُ بنُ عبيدٍ: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( ثلاثةٌ
لا يُسألُ عنهُمْ :
رجلٌ فارقَ الجماعةَ ، أوْ عصى إمامَهُ ، فماتَ عاصياً ، فلا يُسألُ
عنهُ(٣).
وامرأةٌ غابَ عنها زوجُها وقدْ كفاها مؤنةَ الدنيا ، فتبرَّجَتْ بعدَهْ ، فلا
يُسألُ عنها )).
(١) رواه البخاري (٩٧، ٢٥٤٤)، ومسلم ( ١٥٤).
(٢) رواه البخاري ( ٨٩٣)، ومسلم ( ١٨٢٩).
(٣) في نسخة الحافظ الزبيدي (٣٢٧/٦): ( ورجل عصى إمامه ومات عاصياً ، فلا يسأل
عنهما ) .
٢٤١

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
و(( ثلاثةٌ لا يُسألُ عنهُمْ: رجلٌ ينازعُ اللهَ سبحانَهُ رداءَهُ، ورداؤُهُ الكبرياءُ
وإزارُهُ العزّ، ورجلٌ في شكٍّ منَ اللهِ، والقَنوطُ مِنْ رحمةِ اللهِ))(١) .
تم كتابآداب الصحية والأخوة والمعاشرة مع أصناف الخلق
وهو الكتاب الخامس من ربع العادات من كتب إحياء علوم الذين
والحمد تدرب العالمين، حمدًا دائمًا كثير الطيّبً مباركا فيه
وصلى الله على سيدنا محمد الشّبي العربي المصطفى
خبرة التد من خلقه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً
يتلوه كتاب آداب العزلة
جن
(١) رواهما الطبراني في (( الكبير)) (٣٠٦/١٨، ٣٠٧)، وابن حبان في « صحيحه »
(٤٥٥٩)، وفيهما: ((وعصى إمامه فمات عاصياً، فلا يسأل عنه، وأمة أو عبد أبق
من سيده فمات ... )) وانظر ((الإتحاف)) (٣٢٧/٦ -٣٢٨).
٢٤٢

ككِتَابُ
الَابُ الُزَلَّةِ
وهو الكتاب التناوس من ربع العادات
من كتب إحياء علوم الدين
٠٠
٢٤٣

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
كتاب آداب العزلة
بِسِْلِهِ الرّحمنِ الرَّّمِ
ـدن
الحمدُ للهِ الذي أعظمَّ النعمةَ على خيرةِ خلقِهِ وصَفوتِهِ ، بأنْ صرفَ
هممَهُمْ إلى مؤانستِهِ ، وأجزلَ حظَّهُمْ مِنَ التلُّذِ بمشاهدةِ آلائِهِ وعظمتِهِ ،
ورؤَّحَ أسرارَهُمْ بمناجاتِهِ وملاطفتِهِ ، وحقَّرَ في قلوبِهِمُ النظرَ إلى متاع الدنيا
وزهرتِها حتَّى اغتبطَ بعزلتِهِ كلُّ مَنْ طُويتِ الحُجُبُ عنْ مجاري فكرتِهِ ،
فاستأنسَ بمطالعةِ سُبُحاتِ وجهِهِ تعالى في خلوتِهِ (١) ، واستوحشَ بذلكَ عنِ
الأُنْسِ بالإنسِ وإنْ كانَ مِنْ أخصِّ خاصَّتِهِ .
والصَّلاةُ على سيدنا محمدٍ سيِّدِ أنبيائِهِ وخيرتِهِ ، وعلى آلِهِ وصحابتِهِ
سادةِ الخلقِ وأثمَّتِهِ (٢) .
أن بعد:
تحمي
فإنَّ للناس اختلافاً كثيراً في العزلةِ والمخالطةِ وتفضيلِ إحداهما على
الأخرى ، معَ أنَّ كلَّ واحدةٍ منهما لا تنفكُّ عنْ غوائلَ تنفرُ عنها ، وفوائدَ
تدعو إليها .
(١) سبحات: بضمتين ؛ أي : نوره وبهاؤه وجلاله وعظمته .
(٢) في (أ): ( الحق ) بدل ( الخلق ) .
٢٤٥
.

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
وميلُ أكثرِ العبَّادِ والزهَّادِ إلى اختيارِ العزلةِ وتفضيلها على المخالطةِ ،
وما ذكرناهُ في كتابِ الصحبةِ مِنْ فضيلةِ المخالطةِ والمؤاخاةِ والمؤالفةِ يكادُ
يناقضُ ما مالَ إليهِ الأكثرونَ مِنِ اختيارِ الاستيحاشِ والخلوةِ ، فكشفُ الغطاءِ
عنِ الحقِّ في ذلكَ مهمٌّ ، ويحصلُ ذلكَ برسمِ بابينِ :
البابُ الأوَّلُ : في نقلِ المذاهبِ والحججِ فيها .
البابُ الثاني : في كشفِ الغطاءِ عنِ الحقِّ بحصْرِ الفوائدِ والغوائلِ .
٧.
٢٤٦

ربع العادات
کتاب آداب العزلة
البَابُ الْأَوَّلُ
في نقل المذاهب الأقاويل وذكر محمية الفريقين في ذلك
أمَّا المذاهبُ: فقدِ اختلفَ الناسُ فيها، وظهرَ هذا الاختلافُ بينَ التابعينَ:
فذهبَ إلى اختيارِ العزلةِ وتفضيلها على المخالطةِ : سفيانُ الثوريُّ ،
وإبراهيمُ بنُ أدهمَ ، وداوودُ الطائيُّ ، وفضيلُ بنُ عياضٍ ، وسليمانُ
الخوَّاصُ ، ويوسفُ بنُ أسباطٍ ، وحذيفةُ المرعشيُّ ، وبشرٌّ الحافي .
وقالَ أكثرُ التابعينَ باستحبابِ المخالطةِ ، واستكثارِ المعارفِ والإخوانِ؛
للتألُّفِ والتحبُّبِ إلى المؤمنينَ ، والاستعانةِ بِهِمْ في الدينِ ؛ تعاوناً على البرِّ
والتقوى، ومالَ إلى هذا: سعيدُ بنُ المسيَّبِ ، والشعبيُّ ، وابنُ أبي ليلى ،
وهشامُ بنُ عروةَ، وابنُ شُبْرِمَةَ ، وشريحٌ ، وشريكُ بنُ عبدِ اللهِ ، وابنُ
عيينةَ، وابنُ المباركِ، والشافعيُّ، وأحمدُ ابنُ حنبلٍ ، وجماعةٌ(١).
(١) قوت القلوب (٢١٤/٢)، وهنا سرد الشارح الحافظ الزبيدي أقوالاً في تفضيل العزلة
أو الخلطة على أختها، ثم قال: ( وقال الكرماني في (( شرح البخاري)) : المختار في
عصرنا تفضيل الاعتزال ؛ لندور خلو المحافل من المعاصي ، وقال البدر العيني : أنا
موافق له فيما قال ، فإن الاختلاط مع الناس في هذا الزمان لا يجلب إلا الشرور ، وقال
أبو البقاء الأحمدي : وأنا أقول بأفضلية العزلة لبعدها عن الرياء في العمل ، وخلو
الخاطر وشهود سر الوحدانية في الأزل ، قلت : وأنا موافق لما قالوا من تفضيل
العزلة؛ لفساد الزمان والإخوان، والله المستعان). ((إتحاف)) (٣٣١/٦).
٢٤٧

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
والمأثورُ عنِ العلماءِ مِنَ الكلماتِ ينقسمُ إلى كلماتٍ مطلقةٍ تدلُّ على
الميلِ إلى أحدِ الرأيينِ ، وإلى كلماتٍ مقرونةٍ بما يشيرُ إلى علَّةِ الميلِ ،
فلننقلِ الآنَ مطلقاتِ تلكَ الكلماتِ ؛ لنتبيَّنَ المذاهبَ فيها ، وما هوَ مقرونٌ
بذكرِ العلَّةِ نوردُها عندَ التعرُّضِ للغوائلِ والفوائدِ ، فنقولُ :
قدْ رُويَ عنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: ( خذوا بحظَّكُمْ مِنَ العزلةِ)(١).
وقالَ ابنُ سيرينَ : ( العزلةُ عبادةٌ)(٢).
وقالَ الفضيلُ : ( كفى باللهِ مُحبّاً ، وبالقرآنِ مؤنِساً ، وبالموتِ واعظاً ،
اتخذِ اللهَ صاحباً ، ودع الناسَ جانباً)(٣).
وقالَ أبو الربيع الزاهدُ لداوودَ الطائيِّ: عظْني ، قالَ : صُمْ عنِ الدنيا ،
واجعلْ فطرَكَ الآخرةَ ، وفرَّ مِنَ الناسِ فراركَ مِنَ الأسدِ (٤).
وقالَ الحسنُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( كلماتٌ أحفظُهُنَّ مِنَ التوراةِ : قنعَ ابنُ آدَمَ
فاستغنىُ ، اعتزلَ الناسَ فَسَلِمَ ، تركَ الشهواتِ فصارَ حرّاً، تركَ الحسدَ
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١١) من زيادات نعيم بن حماد ، وابن حبان في
((روضة العقلاء)) ( ص ٨١).
(٢) رواه الخطابي في ((العزلة)) (٢٧).
(٣) رواه الخطابي في ((العزلة)) (٣٣) بتمامه، والقطعة الأخيرة (اتخذ الله صاحباً ... )
رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٧٣/٧) عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يرتجزه إذا
عمل .
جر
(٤) رواه الخطابي في ((العزلة)) (٣٤)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٦٠).
G
٢٤٨

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
فظهرَتْ مروءتُهُ، صبرَ قليلاً فتمثَّعَ طويلاً )(١) .
وقالَ وهيبُ بنُ الوردِ : ( بلغَنا أنَّ الحكمةَ عشرةُ أجزاءٍ ؛ تسعةٌ منها في
الصمتِ ، والعاشرُ في عزلةِ الناسِ )(٢) .
وقالَ يوسفُ بنُ مسلمٍ لعليٍّ بنِ بكَّارِ : ما أصبرَكَ على الوحدةِ - وقدْ كانَ
لزمَ البيتَ - فقالَ: كنتُ وأنا شابٌ أصبرُ على أشدَّ مِنْ هذا ، كنتُ أجالسُ
الناسَ ولا أكلِّمُهُمْ (٣) .
وقالَ سفيان الثوريُّ : ( هذا وقتُ السكوتِ ، وملازمةِ البيوتِ )(٤)
وقالَ بعضُهُمْ : كنتُ في سفينةٍ ومعنا شابٌ من العلويَّةِ(٥) ، فمكثَ معنا
سبعاً لا نسمعُ لهُ كلاماً ، فقلنا لهُ: يا هذا؛ قدْ جمعَنا اللهُ وإيّاكَ منذُ سبع
ولا نراكَ تخالطُنا ولا تكلِّمُنا ؟! فأنشأَ يقولُ (٦):
[من الوافر ]
قَلِيلُ الْهَمِّ لا وَلَدٌ يَمُوتُ وَلا أَمْرٌ يُحاذِرُهُ يَفُوتُ
نحو
(١) رواه الخطابي في (( العزلة)) (٣٧)، فهي خمس كلمات ، ولكل منها شاهد في
المرفوع من الأخبار. ((إتحاف)) (٣٣٢/٦).
(٢) رواه الخطابي في ((العزلة)) (٣٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٤٢/٨)، ورواه
مرفوعاً ابن عدي في (( الكامل)) (٤٤٢/٦).
(٣) رواه الخطابي في ((العزلة)) (٣٩).
(٤) ذكره الخطابي في ((العزلة)) (٤٠) عقب الخبر الآتي .
(٥) أي: من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ((إتحاف)) (٣٣٢/٦).
(٦) رواه الخطابي في (( العزلة)) (٤٠) عن محمد بن يوسف النحوي ، عن بعض أشياخه،
وانظر ((شرح نهج البلاغة)) (٤٠/١٠- ٤١).
٢٤٩
دن

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
قَضَى وَطَرَ الصِّبا وَأَفادَ عِلْماً فَغَايَتُهُ التَّفَرُّدُ وَالشُّكُوتُ
وقالَ إبراهيمُ النخعيُّ لرجلٍ : ( تفقَّهْ ثمَّ اعتزلْ) ، وكذا قالَ الربيعُ بنُ
خُثيمٍ(١) .
وقيلَ : كانَ مالكُ بنُ أنسٍ يشهدُ الجنائزَ ، ويعودُ المرضى ، ويعطي
الإخوانَ حقوقَهُمْ، فتركَ ذلكَ واحداً واحداً حتَّى تركَها كلَّها ، وكانَ يقولُ :
( لا يتهيّأُ للمرءِ أنْ يخبرَ بكلِّ عذرٍ لهُ)(٢) .
وقيلَ لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ : لوْ تفرغتَ لنا ؟ فقالَ : ذهبَ الفراغُ ، فلا
فراغَ إلا عندَ اللهِ تعالى(٣).
وقالَ الفضيلُ : ( إنِّي لأجدُ للرجلِ عندي يداً إذا لقيَني ألا يسلّمَ عليَّ ،
وإذا مرضتُ ألا يعودَني ) .
eAg٠
وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ : بينما الربيعُ بنُ خُثيمٍ جالسٌ على بابِ دارِهِ
إذْ جاءَهُ حجرٌ فصكَّ جبهتَهُ، فشجَّهُ، فجعلَ يمسحُ الدمَ ويقولُ : لقدْ
وُعظتَ يا ربيعُ ، فقامَ ودخلَ دارَهُ ، فما جلسّ بعدَ ذلكَ على بابِ دارِهٍ حَتَّى
أُخرِجَتْ جنازتُهُ(٤) .
02
(١) رواه الخطابي في ((العزلة)) (٤٢) عنهما بسندين متفرقين .
(٢) رواه الخطابي في (( العزلة)) (٥٠)، واستمر على العزلة نحو اثنتي عشرة سنة ، وأقام
عليه أهل عصره النكير، وكثر فيه الكلام. ((إتحاف)) (٣٣٣/٦).
(٣) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٣٨٥/٧).
(٤) أورده ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (٣٣/٣).
٢٥٠

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
وكانَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ وسعيدُ بنُ زيدٍ لزما بيوتَهُما بالعقيقِ ، فلمْ
يكونا يأتيانِ المدينةَ لجمعةٍ ولا غيرِها، حتَّى ماتا بالعقيقِ(١).
وقالَ يوسفُ بنُّ أسباطٍ : سمعتُ سفيانَ الثوريَّ يقولُ : ( واللهِ الذي
لا إلهَ إلا هوَ ؛ لقدْ حلَّتِ العزلةُ)(٢).
وقالَ بشرُ بنُ عبدِ اللهِ : ( أقِلَّ مِنْ معرفةِ الناسِ ؛ فإنَّكَ لا تدري ما يكونُ
يومَ القيامةِ ، فإنْ تكنْ فضيحةٌ .. كانَ مَنْ يعرفُكَ قليلاً)(٣).
ودخلَ بعضُ الأمراءِ على حاتم الأصمِ ، فقالَ لهُ : ألكَ حاجةٌ ؟ فقالَ :
نعمْ ، قالَ : ما هيَ ؟ قالَ : ألا تراني ولا أراكَ .
وقالَ رجلٌ لسهلِ : أريدُ أنْ أصحبّكَ ، فقالَ : إذا ماتَ أحدُنا ؛ فمَنْ
يصحبُهُ الآخرُ .. فليصحبُهُ الآنَ (٤) .
٨: بال، والـ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((العزلة والانفراد)) (٥٨)، وأصله عند مالك في ((الموطأ))
(٢٣٢/١) .
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٨/٦)، ونقل اليافعي في ((الإرشاد والتطريز))
(ص١٣٣) عن بعض العارفين: (إن كانت حلَّت في زمانه .. فقد وجبت في زماننا).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((العزلة والانفراد)) (١٠٢)، وأبو نعيم في (( الحلية))
(٢٤١/٦) عن بشر بن منصور السَّليمي.
(٤) في (أ): (فمن يصحبه .. فليصحبه الآن)، وفي (ب): ( فمن يصحبه إلى
الآخرة .. فليصحبه الآن)، والخبر رواه القشيري في ((الرسالة)) (ص ٤٨٧)،
ولفظه: إذا مات أحدنا فمن يصحبه الباقي ؟ قال: الله ، فقال له: فليصحبه الآن . قال
الحافظ الزبيدي : (وفيه صحة إطلاق الصحبة على الله، ويؤيده خبر: (( اللهم ؛ أنت
الصاحب في السفر"). ((إتحاف)) (٣٣٤/٦).
٢٥١

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
وقيلَ للفضيل : إنَّ علياً ابنَكَ يقولُ : لوددتُ أنِّي في مكانٍ أرى الناسَ
ولا يروني ، فبكى الفضيلُ وقالَ: يا ويحَ عليٍّ! أفلا أتمَّها فقالَ: لا أراهُمْ
ولا يروني ؟!(١).
وقال الفضيلُ أيضاً : ( مِنْ سخافةِ عقْلِ الرجلِ كثرةُ معارفِهِ)(٢).
وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( أفضلُ المجالسِ مجلسٌ في قعْرِ
بيتِكَ ، لا ترى ولا تُرى)(٣) .
فهذهِ أقاويلُ المائلينَ إلى العزلةِ .
(١) قال الحافظ الزبيدي: (أخرجه صاحب (( الحلية))، أشار بذلك إلى أن المقام الثاني
أفضل وأعلى درجة، إذ رؤيته للناس شغل كبير عن الله تعالى). ((إتحاف))
(٦ /٣٣٤ ) .
(٢) روى نحوه ابن أبي الدنيا في ((العزلة والانفراد)) (١٣٨) موقوفاً على عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه .
(٣) نسبه الحافظ الزبيدي لصاحب ((الحلية)). ((إتحاف)) (٦/ ٣٣٤).
٢٥٢
உ

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
ذكر محج المائلين إلى المخالطة ووجد ضعفها
احتجَّ هؤلاءِ بقولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَغُواْ ... ﴾
الآيةَ، وبقولِهِ تعالى: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾، فامتنَّ على الناسِ بالسببِ
المؤلِّفِ .
وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ المرادَ بهِ تفرُّقُ الآراءِ واختلافُ المذاهبِ في معاني
كتابِ اللهِ وأصولِ الشريعةِ ، والمرادُ بالألفةِ : نزعُ الغوائلِ مِنَ الصدورِ ،
وهيَ الأسبابُ المثيرةُ للفتنِ المحرِّكُ للخصوماتِ ، والعزلةُ لا تنافي ذلكَ .
واحتجُّوا بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( المؤمنُ إلَفٌ مألوفٌ، ولا خيرَ
فيمَنْ لا يألفُ ولا يُؤلفُ))(١) .
وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ لأنَّهُ إشارةٌ إلى مذمَّةِ سوءِ الخُلُقِ الذي تمتنعُ بسببِهِ
المؤالفةُ، ولا يدخلُ تحتَهُ الحسنُ الخلقِ ، الذي إنْ خالطَ .. أَلِفَ وأُلِفَ ،
ولكنَّهُ تركَ المخالطةَ اشتغالاً بنفسِهِ ، وطلباً للسلامةِ مِنْ غيرِهِ .
واحتجُّوا بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ فارقَ الجماعةَ شبراً .. خلعَ
ربقةَ الإِسلام منْ عنقِهِ))(٢) .
.97
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٠٠/٢)، والطبراني في ((الكبير)) (١٣١/٦)،
والحاكم في ((المستدرك)) (٢٣/١).
(٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٥٧/٨).
٢٥٣

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
وقالَ : (( مَنْ فارقَ الجماعةَ فماتَ .. فميتتُهُ جاهليَّةٌ))(١) ، وبقولِهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ شقَّ عصا المسلمينَ والمسلمونُ في إسلام
دامج .. فقدْ خلعَ ربقةَ الإسلامِ منْ عنِقِهِ))(٢) .
وهذا ضعيفٌ ؛ لأنَّ المرادَ بهِ الجماعةُ التي اتفقتْ آراؤُهُمْ على إمامِ
بعقدِ البيعةِ ، فالخروجُ عليهِمْ بغيٌّ، وذلكَ مخالفةٌ بالرأيِ وخروجٌ عليهِمْ ،
وذلكَ محظورٌ ؛ لاضطرارِ الخلقِ إلى إمامِ مطاعٍ يجمعُ رأيَهُمْ ، ولا يكونُ
ذلكَ إلا بالبيعةِ مِنَ الأكثرِ، فالمخالفةُ فيها تشويشٌ مثيرٌ للفتنةِ ، فليسَ في
هذا تعرُّضٌ للعزلةِ.
واحتجوا بنهيِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عَنِ الهجرِ فوقَ ثلاثٍ ؛ إذْ قالَ :
(( مَنْ هجرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ فماتَ .. دخلَ النارَ))(٣)، وقالَ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ: (( لا يحلُّ لمسلم أنْ يهجرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ ، والسابقُ يدخلُ
الجنَّةَ)) (٤)، وقالَ: ((مَنْ هجرَ أخاهُ سنةً .. فهوَ كسافكِ دمِهِ))(٥) ، قالوا :
والعزلةُ هجرُهُ بالكلِّيَّةِ .
(١) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢٠٧٠٧) .
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٥/١١).
(٣) رواه أبو داوود (٤٩١٤) .
(٤) رواه البخاري ( ٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٩) دون زيادة الجملة الأخيرة ، وعند
الطبراني في «الأوسط)) ( ٧٨٧٠): ((والذي يبدأ بالسلام يسبق إلى الجنة)).
(٥) رواه أبو داوود ( ٤٩١٥)، وفيه : ( کسفك دمه ) بدل ( کسافك دمه ) .
٢٥٤

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
وهذا ضعيفٌ ؛ لأنَّ المرادَ بهِ الغضبُ على الناسِ ، واللجاجُ فيهِ بقطعِ
الكلامِ والسلام والمخالطةِ المعتادةِ ، فلا يدخلُ فيهِ تركُ المخالطةِ أصلاً مِنْ
غيرِ غضبٍ ، معَ أنَّ الهجر فوقَ ثلاثٍ جائزٌ في موضعينِ :
أحدُهُما : أنْ يرى فيهِ استصلاحاً للمهجورِ في الزيادةِ .
والثاني : أنْ يرىُ لنفسِهِ سلامةً فيهِ .
والنهيُ وإنْ كانَ عاماً فهوَ محمولٌ على ما وراءَ الموضعينِ
المخصوصينِ ؛ بدليلٍ ما رُوِيَ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ هجرَهَا ذا الحجةِ والمحرَّمَ وبعضَ صفرٍ (١) .
وروى عمرُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ اعتزلَ نساءَهُ وآلىُ منهُنَّ شهراً ،
وصعدَ إلى غرفةٍ لهُ، وهيَ خزانتُهُ ، فلبثَ تسعاً وعشرينَ يوماً ، فلمَّا نزلَ ..
قيلَ لهُ: إنَّكَ كنتَ فيها تسعاً وعشرينَ؟ فقالَ: ((الشهرُ قدْ يكونُ تسعةً
وعشرينَ))(٢).
(١) وإنما الهجْرُ وقع في حق أم المؤمنين زينب ؛ إذ طلب منها صلى الله عليه وسلم أن تعطي
صفية بعيراً مكان بعيرها الذي كان قد اعتلَّ ، فقالت : أنا أعطي تلك اليهودية ، فغضب
النبي صلى الله عليه وسلم فهجرها ، وعائشة رضي الله عنها هي راوية الحديث ،
فالضمير في قولها : ( فهجرها ) عائد على زينب لا عليها ، والحديث رواه أبو داوود
( ٤٦٠٢ ) .
(٢) الحديث ضمن خبر طويل رواه ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم كما في (( البخاري))
(٢٤٦٨)، و(مسلم)) (١٤٧٩)، ورواه البخاري (١٩١٠)، ومسلم (١٠٨٥)
عن أم سلمة بنحو لفظ المصنف واختصاره .
٢٥٥

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
وروتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((لا
يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاهُ فوقَ ثلاثة أيام ، إلا أنْ يكونَ ممَّنْ لا تُؤْمنُ
بوائقُهُ)) (١) ، فهذا صريحٌ في التخصيصِ، وعلى هذا ينزَّلُ قولُ الحسنِ
رضيَ اللهُ عنهُ حيثُ قالَ : ( هجرانُ الأحمقِ قربةٌ إلى اللهِ )(٢) ؛ فإنَّ ذلكَ
يدومُ إلى الموتِ ، إذِ الحماقةُ لا يُنتظرُ علاجُها .
وذُكِرَ عندَ محمدِ بنِ عمرَ الواقديِّ رجلٌ هجرَ رجلاً حتَّى ماتَ ، فقالَ :
( هذا شيءٌ قدْ تقدَّمَ فيهِ قومٌ: سعدُ بنُ أبي وقّاصٍ كانَ مهاجراً لعمَّارِ بنِ
ياسرٍ حتَّى ماتا، وعثمانُ بنُ عقَّانَ كانَ مهاجراً لعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ،
وعائشةُ كانَتْ مهاجرةٌ لحفصةَ ، وكانَ طاووسٌ مهاجراً لوهْبٍ بنِ منبِّهِ حتَّى
ماتَ)(٣) ، وكلُّ ذلكَ يحملُ على رؤيتِهِمْ سلامتَهُمْ في المهاجرةِ .
(١) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٤٦/٦)، والخطابي في ((العزلة)) (٤٧) ثم قال:
( ومحمد بن الحجاج المصفر وإن لم يكن بالقوي عند أهل الحديث .. فإن دلائل
الكتاب والسنة والقياس متضافرة على جواز هجران من لا تؤمن بوائقه والتباعد عنه ، بل
هو الواجب على كل أحد من الناس ) .
(٢) رواه الخطابي في ((العزلة)) (٤٨)، وكذا جعله الديلمي في (( مسند الفردوس))
( ٧٠٠٤) من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما .
حن:
ـجز
(٣) رواه الخطابي في ((العزلة)) (٤٩)، وزاد أمثلة الحافظ المناوي في ((فيض القدير))
(٢٣٤/٦) حيث قال: ( والحسن وابن سيرين ، وهجر ابن المسيب أباه وكان زياتاً
فلم يكلمه إلى أن مات ، وكان الثوري يتعلم من ابن أبي ليلى ثم هجره ، فمات ابن
أبي ليلى فلم يشهد جنازته ، وهجر أحمد ابن حنبل عمه وأولاده لقبولهم جائزة
السلطان)، وروى مالك في ((الموطأ)) (٦٣٤/٢) عن عطاء بن يسار: ( أن
معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها ، فقال أبو الدرداء :
=
٢٥٦

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
واحتجوا بما رُوِيَ أنَّ رجلاً أتى الجبلَ ليتعبَّدَ فيهِ، فجيءَ بهِ إلى
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: (( لا تفعلْ أنتَ ولا أحدٌ مِنكُمْ، لَصبرُ
أحدِكُمْ في بعضِ مواطنِ الإسلامِ خيرٌ لهُ مِنْ عبادةِ أحدِكُمْ وحدَهُ أربعينَ
عاماً))(١) .
والظاهرُ : أنَّ هذا إنَّما كانَ لما فيهِ مِنْ تركِ الجهادِ معَ شدَّةِ وجوبِهِ في
ابتداءِ الإسلامِ ؛ بدليلٍ ما رُوِيَ عنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ : غزونا
على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فمررْنا بشعبٍ فيهِ عيينةٌ طيِّةُ
الماءِ ، فقالَ واحدٌ مِنَ القومِ : لوِ اعتزلتُ الناسَ في هذا الشعبِ ، ولنْ
أفعلَ ذلكَ حتَّى أذكرَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : (( لا تفعلْ ؛ فإنَّ مقامَ أحدِكُمْ في سبيلِ اللهِ خيرٌ مِنْ صلاتِهِ في أهلِهِ
ستينَ عاماً، ألا تحبُّونَ أنْ يغفرَ اللهُ لكُمْ وتدخلوا الجنَّةَ ، اغزوا في
3
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل ، فقال له
=
معاوية : ما أرى بمثل هذا بأساً ، فقال أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية ؟! أنا
أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه ! لا أساكنك بأرض أنت
بها ... ) الخبر.
وفي ذيل خبر الخطابي المزبور قال : ( وإنما كان هجران طاووس وهباً لأن وهباً مال في
آخر أمره إلى رأي القدرية وأظهره للناس ، فعاتبه طاووس على ذلك ، فلما لم ينته
عنه .. نابذه وهجره ) .
(١) رواه أبو داوود الطيالسي في ((مسنده)) (١٢٠٩)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة))
(٢٢٦٠/٤)، والبيهقي في (( الشعب)) (٩٢٧٥) بنحوه .
٢٥٧

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
سبيلِ اللهِ؛ فإنَّهُ مَنْ قاتلَ في سبيلِ اللهِ فُواقَ ناقةٍ .. أدخَلَهُ اللهُ الجنَّةَ))(١) .
واحتجوا بما روى معاذُ بنُ جبلِ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ: ((إنَّ
الشيطانَ ذئبُ الإنسانِ كذئبِ الغنمِ ، يأخذُ القاصيةَ والناحيةَ والشاردةَ ،
إِيَّاكُمْ والشعابَ، وعليكُمْ بالعامَّةِ والجماعةِ والمساجدِ» (٢).
وهذا إنَّما أرادَ بهِ مَنِ اعتزلَ قبلَ تمامِ العلمِ ، وسيأتي بيانُ ذلكَ ، وأنَّ
ذلكَ منهيٌّ عنهُ إلا لضرورةٍ .
(١) رواه الترمذي (١٦٥٠)، وفيه: ( سبعين ) بدل ( ستين ).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٣٢/٥)، والطبراني في «الكبير)) (١٦٤/٢٠).
٢٥٨

ربع العادات
كتاب آداب العزلة
ذكر مجمع الماللين إلى تفضيل العزلة
احتجوا بقولِهِ تعالى حكايةً عنْ إبراهيمَ عليهِ السلامُ: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا
تَّدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ... ) الآيةَ، ثمّ قالَ تعالى: ﴿فَلَمَّا أَعْتَزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ وَكُلََّ جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ إشارةً إلى أنَّ ذلكَ ببركةِ العزلةِ.
وهذا ضعيفٌ ؛ لأنَّ مخالطةَ الكفار لا فائدةَ فيها إلا دعوتُهُمْ إلى الدينِ ،
وعندَ اليأسِ مِنْ إجابتِهِمْ فلا وجهَ إلا هجرتُهُمْ، وإنَّما الكلامُ في مخالطةِ
المسلمينَ وما فيها مِنَ البركةِ ؛ لما رُوِيَ أنَّهُ قيلَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : الوضوءُ مِنْ جَرِّ مخمَّرٍ أحبُّ إليكَ أوْ مِنْ هذهِ المطاهرِ التي يتطهّرُ
منها الناسُ ؟ فقالَ : (( بلْ مِنْ هذهِ المطاهرِ ؛ التماساً لبركةٍ أيدي
المسلمينَ ))(١) .
ورُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا طاف بالبيتِ .. عدلَ إلى زمزمَ ليشربَ
منها، فإذا التمرُ المنقعُ في حياضِ الأدم وقدْ مغثَهُ الناسُ بأيديهِمْ وهمْ يتناولونَ
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٩٨)، وابن عدي في ((الكامل)) (٣٧٤/٢)،
وأبو نعيم في (( الحلية)) (٢٠٣/٨)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، ولفظه :
((بل من هذه المطاهر، إن دين الله الحنيفية السمحة))، قال : وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يبعث إلى المطاهر ، فيؤتى بالماء ، فيشربه يرجو بركة أيدي
المسلمين ، ورواه عبد الرزاق في (( المصنف )) (٧٤/١) عن محمد بن واسع مرسلاً .
والجُّ : جمع جرَّة ، الإناء المعهود المصنوع من الخزف .
٢٥٩

كتاب آداب العزلة
ربع العادات
منهُ ويشربونَ(١)، فاستسقىُ منهُ وقالَ: ((اسقوني))، فقالَ العباسُ: إنَّ
هذا النبيذَ شرابٌ قدْ مُغِثَ وخِيضَ بالأيدي ، أفلا آتيكَ بشرابٍ أنظفَ منْ
هذا منْ جَرِّ مخمَّرٍ في البيتِ ؟ فقالَ: ((اسقوني مِنْ هذا الذي يشربُ منهُ
الناسُ، ألتمسُ بركةَ أيدي المسلمينَ))، فشربَ منهُ(٢).
فإِذاً ؛ كيفَ يُستدلُّ باعتزالِ الكفارِ والأصنام على اعتزالِ المسلمينَ معَ
كثرةِ البركةِ فِيهِمْ ؟
واحتجوا أيضاً بقولٍ موسى عليه السلامُ: ﴿ وَإِن ◌َّمْ نُوْمِنُوْ لِى فَأْتَرِلُونِ﴾، فإنَّهُ
فزعَ إلى العزلةِ عندَ اليأسِ مِنْهُمْ .
وقال تعالى في أصحابِ الكهفِ: ﴿وَإِ اعْتَزَ لْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ
فَأَوُاْ إِلَى الْكَهْفِ يَشُرْ لَكُمْرَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أمرَهُم بالعزلةِ .
وقدِ اعتزلَ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قريشاً لمَّا آذوهُ وجفوهُ، ودخلَ
الشِّعْبَ (٣)، وأمرَ أصحابَهُ باعتزالِهِمْ والهجرةِ إلى أرضِ الحبشةِ(٤)،
(١) مغثه الناس : مرسوه ودلكوه .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٢٠/١)، والأزرقي في (( أخبار مكة)) (٥٢/٢-٥٣)
بنحوه ، وأصله عند البخاري (١٦٣٦)، ولفظ المصنف في ((القوت)) (٢٣٤/٢).
(٣) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (١٧٧/١) موصولاً ومرسلاً، وعنده أن المشركين هم من
حصروا بني هاشم في شِعْب أبي طالب، ورواه البيهقي في ((الدلائل)) (٣١١/٢) من
طريق موسى بن عقبة الواقدي صاحب (( المغازي )) وفيه اختيار أبي طالب الدخول ، وأنه
هو من أمر به .
من
0
(٤) رواه أبو داوود (٣٢٠٥) .
٢٦٠