Indexed OCR Text

Pages 221-240

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
حقوق الأقارب والرقم
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يقولُ اللهُ تعالى: أنا الرحمنُ ،
وهذهِ الرحمُ ، شققْتُ لها اسماً من اسمي، فمَنْ وصلها .. وصلْتُهُ ، ومنْ
قطعَها بتثُّهُ ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ سرَّهُ أنْ يُنسأَ لهُ في أثرِهِ ، ويُوسَّعَ عليهِ
في رزقِهِ .. فليصلْ رحمَهُ )) ، وفي روايةٍ أخرى: (( مَنْ سرَّهُ أنْ يُمدَّ لهُ في
عمرِهِ، ويُوسَّعَ لَهُ في رزقِهِ .. فليتقِ اللهَ وليصلْ رحمَهُ))(٢).
وقيلَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أيُّ الناسِ أفضلُ ؟ فقالَ :
((أتقاهُمْ للهِ وأوصلُهُمْ للرحمِ، وآمَرُهُمْ بالمعروفِ، وأنهاهُمْ عنِ
المنكرِ))(٣).
وقالَ أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( أوصاني خليلي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بصلةٍ
(١) رواه البخاري (٥٩٨٩)، ومسلم (٢٥٥٥) بنحوه من حديث عائشة رضي الله عنها ،
وهو عند أبي داوود ( ١٦٩٤)، والترمذي ( ١٩٠٧) بلفظ المصنف من حديث
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه .
(٢) رواه البخاري ( ٢٠٦٧)، ومسلم ( ٢٥٥٧) من حديث أنس رضي الله عنه ، وزيادة :
(فليتق الله) عند أحمد في «المسند)) (١٤٣/١) من حديث علي كرم الله وجهه .
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٣٢/٦)، والطبراني في (( الكبير)) (٢٥٧/٢٤) من
حديث درة بنت أبي لهب رضي الله عنها .
٢٢١

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
الرحمِ وإِنْ أدبرَتْ، وأمرَني أنْ أقولَ الحقَّ وإنْ كانَ مرّاً)(١) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : «إنَّ الرحمَ معلَّقةٌ بالعرشِ ، وليسَ الواصلُ
المكافىءَ، ولكنِ الواصلُ الذي إذا انقطعَتْ رحمُهُ .. وصلَها))(٢).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((إنَّ أعجلَ الطاعةِ ثواباً صلةُ الرحمِ ، حتَّى
إنَّ أهلَ البيتِ ليكونونَ فُجَّاراً، فتنمو أموالُهُمْ ويكثرُ عددُهُمْ إذا وصلوا
أرحامَهُمْ))(٣) .
وقالَ زيدُ بنُ أسلمَ : لمَّا خرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى
مكَّةَ .. عرضَ لهُ رجلٌ ، فقالَ : إنْ كنتَ تريدُ النساءَ البيضَ والنوقَ الأُدْمَ ..
فعليكَ ببني مدلج ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ قدْ منعَ منِّي بني
مدلجٍ بصلتِهِمُ الرحمَ ))(٤) .
وقالَتْ أسماءُ بنتُ أبي بكرِ الصديقِ رضيّ اللهُ عنهُما : قدمَتْ عليَّ
أمِّي ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ إنَّ أمي قدمَتْ عليَّ وهيَ مشركةٌ ،
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (١٥٩/٥)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٤٤٩).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٦٣/٢)، وهو عند البخاري (٥٩٩١) دون الجملة
الأولى منه .
(٣) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٤٤٠)، والطبراني في (( الأوسط)) (١٠٩٦).
(٤) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢٧٦)، وزاد: (( وطعنهم في ألباب الإبل))،
قال القاسم بن سلام في ((غريب الحديث)) (٣٠/٣): ( وبعضهم يرويه: ((في ليَّات
الإبل)) ) ثم نعته بالمحفوظ .
٢٢٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
أفأصلُها؟ قالَ: ((نعم))، وفي روايةٍ: أفأعطيها؟ قالَ: (( نعمْ،
صليها))(١) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( الصدقةُ على المساكين صدقةٌ ، وعلى
ذي الرحمٍ ثنتانِ ))(٢) .
ولمَّا أرادَ أبو طلحةَ أنْ يتصدَّقَ بحائطٍ لَهُ كانَ يعجبُهُ؛ عملاً بقولِهِ
تعالى: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ .. قالَ: يا رسولَ اللهِ ؛ هوَ في
سبيلِ اللهِ والفقراءِ والمساكينِ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( وجبَ
أجرُكَ، فاقسمْهُ في أقاربِكَ))(٣).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( أفضلُ الصدقةِ على ذي الرحمِ
الكاشحِ)) (٤)، وهوَ في معنى قولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «أفضلُ الفضائلِ
أَنْ تصلَ مَنْ قطَعَكَ، وتعطيَ مَنْ حرمَكَ، وتصفحَ عمَّنْ ظلمَكَ))(٥).
(١) رواه البخاري (٣١٨٣)، ومسلم (١٠٠٣)، والرواية الثانية عند البيهقي في ((السنن
الكبرى)) (١٩١/٤ ) .
(٢) رواه الترمذي (٦٥٨)، والنسائي (٩٢/٥)، وابن ماجه (١٨٤٤).
(٣) رواه البخاري (١٤٦١)، وهو بلفظه عند الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢٨٥).
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٤١٦/٥)، والطبراني في ((الكبير)) (١٣٨/٤)،
والكاشح : هو الذي يضمر العداوة ويطوي عليها كشحه ، والكشح : ما بين الخاصرة
إلى الضلع الخلفي .
(٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٣٨/٣)، والطبراني في ((الكبير)) (١٨٨/٢٠)، والخرائطي
في ((مكارم الأخلاق)) (٢٩٥).
٢٢٣

كتاب آداب الصحبة
192
ربع العادات
ورُوِيَ أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ كتبَ إلى عمَّالِهِ: ( مُرُوا الأقاربَ أنْ
يتزاوروا ولا يتجاوروا )(١) وإنَّما قالَ ذلكَ لأنَّ التجاورَ يورثُ التزاحمَ على
الحقوقِ ، وربَّما يورثُ الوحشةَ وقطيعةَ الرحمِ .
ـحة
جرخ
(١) أورده ابن قتيبة في ((عيون الأخبار)) (٨٨/٣)، كتب بذلك إلى أبي موسى الأشعري
رضي الله عنه .
٢٢٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
حقوق الوالدين والولد
لا يخفى أنَّهُ إذا تأكَّدَ حقُّ القرابةِ والرحم فأخصُّ الأرحام وأمسُها
الولادةُ، فيتضاعفُ تأكُّدُ الحقِّ فيها، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لنْ
يجزيَ ولدٌ والدَهُ حتَّى يجدَهُ مملوكاً فيشتريَهُ فيعتقَهُ )) (١).
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((برُّ الوالدينِ أفضلُ مِنَ الصلاةِ والصدقةِ
والصوم والحجِّ والعمرةِ والجهادِ في سبيلِ اللهِ)) (٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ أصبحَ مُرضياً لأبويهِ .. أصبحَ لهُ بابانِ
مفتوحانٍ إلى الجنَّةِ ، ومَنْ أمسىُ .. فمثلُ ذلكَ، وإنْ كانَ واحداً ..
فواحدٌ ، ومَنْ أصبحَ مسخطاً لأبويهِ .. أصبحَ لهُ بابانِ مفتوحانٍ إلى النارِ ،
ومَنْ أمسى .. مثلُ ذلكَ، وإنْ كانَ واحداً .. فواحدٌ، وإنْ ظَلَما ، وإنْ
ظَلَما، وإِنْ ظَلَما))(٣).
(١) رواه مسلم ( ١٥١٠) .
(٢) قال الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (٣١٤/٦): ( قال العراقي: لم أجده هكذا ،
وروى أبو يعلى - في «مسنده)) [٢٧٦٠] - والطبراني في «الصغير)) [٨٠/١]
و(( الأوسط)) (٢٩٣٦) من حديث أنس : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، قال: (( هل بقي من والديك أحد ؟)) قال:
أمي، قال: (( قابل الله في برها، فإذا فعلت ذلك .. فأنت حاج ومعتمر ومجاهد))
وإسناده حسن ) .
(٣) رواه هناد في ((الزهد)) (٩٩٣)، والبيهقي في (( الشعب)) (٧٥٣٨)، ونحوه عند
البخاري في (( الأدب المفرد)) (٧).
٢٢٥

كتاب آداب المصحبة
ربع العادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ الجنَّةَ يُوجدُ ريحُها مِنْ مسيرةِ خمسٍ
مئةٍ عامٍ ، ولا يجدُ ريحَها عاقٌ ولا قاطعُ رحٍ))(١) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( برَّ أَمَّكَ وأباكَ، وأختكَ وأخاكَ، ثمّ
أدناكَ فأدناكَ))(٢).
ويُروىُ أنَّ اللهَ تعالى قالَ لموسى عليهِ السلامُ : يا موسى ؛ إنَّهُ مَنْ برّ
والديه وعقّني .. كتبتُهُ بارّاً، ومَنْ برَّني وعقَّ والديهِ .. كتبتُهُ عاقّاً .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللهِ وعقوقُ
الوالدينِ))(٣) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( لا يدخلُ الجنَّةَ مدمنُ خمرٍ، ولا عاقٌّ
لوالديهِ ، ولا منَّانٌ ))(٤).
وقيلَ : لمَّا دخلَ يعقوبُ على يوسفَ عليهما السلامُ .. لمْ يقمْ لَهُ ،
فأوحى اللهُ تعالى إليهِ : أنتعاظمُ أنْ تقومَ لأبيكَ ؟! وعزَّتي وجلالي ؛
لا أخرجْتُ مِنْ صلبكَ نبيّاً .
(١) رواه الطبراني في ((الصغير)) (١٤٥/١) من حديث أبي هريرة ، وليس فيه ذكر
القاطع، وهي في ((الأوسط)) (٥٦٦٠) من حديث جابر، إلا أنه قال: ((ألف عام)).
(٢) رواه النسائي (٦١/٥) ضمن حديث، وهو عند أحمد في (( المسند)) (٢٢٦/٢) مفرداً
من حديث أبي رمثة رضي الله عنه ، وفي (أ) بزيادة ( برَّ ) أوَّلَه ، وليست في الحديث.
(٣) هذا الحديث والذي يليه زيادة من (أ)، والحديث رواه البخاري (٦٩١٩)، ومسلم
( ٨٧ ) .
(٤) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٣٥٦).
٢٢٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما على أحدٍ إذا أرادَ أنْ يتصدَّقَ بصدقةٍ أنْ
يجعلَها لوالديهِ إذا كانا مسلمينٍ ، فيكونَ لوالديهِ أجرُها ويكونَ لهُ مثلُ
أجورِهِما مِنْ غيرِ أنْ ينقصَ مِنْ أجورِهِما شيءٌ))(١).
وقالَ مالكُ بنُ ربيعةَ : بينما نحنُ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذْ
جاءَهُ رجلٌ مِنْ بني سَلِمةً ، فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ هلْ بقيَ عليَّ منْ برِّ أبويَّ
شيءٌ أَبرُّهُما بهِ بعدَ وفاتِهِما؟ قالَ: (( نعمِ ، الصلاةُ عليهما، والاستغفارُ
لهما ، وإنفاذُ عهدِهِما، وإكرامُ صديقِهِما ، وصلةُ الرحم التي لا تُوصلُ إلا
بهما)»(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ مِنْ أبرِّ البرِّ أنْ يصلَ الرجلُ أهلَ وُدِّ أبيهِ
بعدَ أنْ يولِّيَ الأبُ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((برُّ الوالدةِ على الوالدِ ضعفانٍ))(٤).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((دعوةُ الوالدةِ أسرعُ إجابةً))، قيلَ:
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ٣٠٧/٥٣) .
(٢) رواه أبو داوود ( ٥١٤٢)، وابن ماجه (٣٦٦٤).
(٣) رواه مسلم (٢٥٥٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٤٣١) دون قوله أخيراً: ( الأب ).
(٤) الذي رواه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨) مرفوعاً عن أبي هريرة قال : جاء
رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ؛ من أحق الناس بحسن
صحابتي؟ قال: ((أمُّك))، قال: ثم مَنْ؟ قال: (( ثم أُمُّك)) ، قال : ثم مَنْ ؟ قال :
((ثم أمُّك))، قال: ثم مَنْ؟ قالَ: (( ثمَّ أبوكَ)).
٢٢٧

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
يا رسولَ اللهِ ؛ ولِمَ ذاكَ؟ قالَ : (( هيَ أرحمُ مِنَ الأَبِ ، ودعوةُ الرحم
لا تسقطُ ))(١) .
وسألَهُ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ؛ مَنْ أبرُّ؟ فقالَ: (( برَّ والديكَ))،
فقالَ : ليسَ لي والدانِ ، فقالَ: (( برَّ ولدَكَ، كما أنَّ لوالديكَ عليكَ
حقّاً .. كذلكَ لولدِكَ عليكَ حقٌّ))(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((رحمَ اللهُ والداً أعانَ ولدَهُ على برِّهِ))(٣)
(١) قال الحافظ العراقي: ( لم أقف له على أصل). ((إتحاف)) (٣١٦/٦).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((العيال)) (١٥١) من حديث عمران بن عبد الله الخزاعي مرسلاً
وليس فيه: (( كما أن لوالديك ... ))، وقال الحافظ العراقي: ( رواه النوقاتي في
كتاب (( معاشرة الأهلين)) من حديث عثمان بن عفان دون قوله: ((فكما أن
لوالديك ... ))، وهذه القطعة رواها الطبراني من حديث ابن عمر ، قال الدارقطني في
((العلل)) (٤١١/١٢): إن الأصح وقفه على ابن عمر). ((إتحاف)) (٣١٦/٦).
وعند مسلم (١١٥٩) في رواية من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ((وإن
لولدك عليك حقاً))، قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) (٤٣/٨): ( فيه
أن على الأب تأديب ولده وتعليمه ما يحتاج إليه من وظائف الدين ، وهذا التعليم
واجب على الأب وسائر الأولياء قبل بلوغ الصبي والصبية ، نص عليه الشافعي
وأصحابه ، قال الشافعي وأصحابه : وعلى الأمهات أيضاً هذا التعليم إذا لم يكن أب ؛
لأنه من باب التربية ، ولهن مدخل في ذلك ، وأجرة هذا التعليم من مال الصبي ، فإن
لم يكن له مال .. فعلى من تلزمه نفقته ؛ لأنه مما يحتاج إليه ) .
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٥٩٢٤)، وهناد في ((الزهد)) (٩٩٥) عن
الشعبي مرسلاً، ووصله من حديثه السلميُّ في ((آداب الصحبة)) (١٣٧) من طريق آل
البيت عن علي كرم الله وجهه .
؟
ـن
٢٢٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
أيْ : لمْ يحملْهُ على العقوقِ بسوءِ عملِهِ .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ساووا بينَ أولادِكُمْ في العطيّةِ))(١) .
وقدْ قيلَ : ( ولدُكَ ريحانتُكَ سبعاً ، وخادمُكَ سبعاً ، ثمَّ هوَ عدوُكَ أوْ
شريكُكَ )(٢) .
وقالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( الغلامُ يُعقُّ عنهُ يومَ السابع ويُسمَّى ويُماطُ عنهُ الأذى ، فإذا بلغَ ستَ
سنينَ .. أُدِّبَ، فإذا بلغَ تسعَ سنينَ .. عُزِلَ فراشُهُ، فإذا بلغَ ثلاثَ عشرةَ
سنةً .. ضُربَ على الصلاةِ، فإذا بلغَ ستَ عشرةَ سنةً .. زوَّجَهُ أبوهُ، ثمَّ
أخذَ بيدِهِ وقالَ : قدْ أدبْتُكَ وعلَّمْتُكَ وأنكحتُكَ ، أعوذُ باللهِ مِنْ فتنتِكَ في
الدنيا وعذابِكَ في الآخرةِ)) (٣).
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٥٤/١١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٧٧/٦)
من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً ، وروى البخاري ( ٢٥٨٧) مرفوعاً :
((اعدلوا بين أولادكم)).
(٢) أورده ابن قتيبة في ((عيون الأخبار)) (٩٤/٣)، ومعنى ( ريحانتك سبعاً) : هو بمنزلة
الريحان تشمه وتحبه سبع سنين ؛ كما روى الترمذي ( ١٩١٠ ) عن خولة بنت حكيم
رضي الله عنها : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو محتضن أحد ابني
ابنته وهو يقول: ((إنكم لتبخِّلون وتجبِّون وتجهّلون، وإنكم لمن ريحان الله)).
(٣) قال الحافظ العراقي: (رواه أبو الشيخ في كتاب ((الضحايا والعقيقة))، إلا أنه قال:
(( وأدبوه لسبع وزوجوه لسبع عشرة))، ولم يذكر الصوم ، وفي إسناده من لم يسم ).
((إتحاف )" (٣١٧/٦)، وجمل الحديث متوازعة في كتب السنة.
...
٢٢٩

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مِنْ حقِّ الولدِ على الوالدِ أنْ يحسنَ أدبَهُ ،
ويحسنَ اسمَهُ ))(١) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( كلُّ غلام رهينٌ - أَوْ رهينةٌ - بعقيقتِهِ ،
تُذُبحُ عنهُ يومَ السابع، ويُحلقُ رأسُهُ))(٢) .
وقالَ قتادةُ: (إذا ذُبحَتِ العقيقةُ .. أُخذَتْ صوفةٌ منها فاستُقبلَتْ بها
أوداجُها ، ثمَّ تُوضعُ على يافوخ الصبيِّ حتَّى يسيلَ منهُ مثلُ الخيطِ، ثمَّ يُغسلُ
رأسُهُ ويُحلقُ بعدَهُ )(٣).
وجاءَ رجلٌ إلى عبدِ اللهِ بنِ المباركِ ، فشكا إليهِ بعضَ ولِدِهِ ، فقالَ : هلْ
دعوتَ عليهِ ؟ قالَ : نعمْ ، قالَ : أنتَ أفسدتهُ .
ويُستحبُ الرفْقُ بالولدِ، رأى الأقرعُ بنُ حابسٍ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ وهوَ يقبّلُ ولدَهُ الحسنَ ، فقالَ: إنَّ لي عشرةٌ مِنَ الولِدِ ما قبَّلْتُ واحداً
منهُمْ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّ مَنْ لا يرحمُ .. لا يُرحمُ))(٤).
ـدة
(١) رواه البيهقي في (( الشعب)) (٨٢٩١، ٨٣٠٠) من حديث ابن عباس وعائشة رضي الله
عنهم .
(٢) رواه أبو داوود (٢٨٣٧)، والترمذي (١٥٢٢)، والنسائي (١٦٦/٧)، وابن ماجه
(٣١٦٥ ) .
بصن
(٣) رواه أبو داوود (٢٨٣٧) تتمة الحديث السابق ، وقتادة أحد رواته ، والتدمية مكروهة
عند الجمهور ، ورأوا مكانها التضمخ بالخَلوق والزعفران ، وممن ذهب إليها من
الشافعية الإمام الماوردي ، وكلام المصنف يشير إلى هذا أيضاً. انظر ((طرح التثريب))
(٢١٥/٥-٢١٦) .
(٤) رواه البخاري (٥٩٩٧)، ومسلم ( ٢٣١٨).
٢٣٠

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
يوماً : ((اغسلي وجهَ أسامةَ))، فجعلتُ أغسلُهُ وأنا أتقيهِ ، فضربَ يدي ،
ثُمَّ أخذَهُ فغسلَ وجهَهُ، ثمَّ قبَّلَهُ، ثمَّ قالَ: (( قدْ أحسنَ بنا إذْ لمْ يكنْ
جاريةٌ ))(١).
وتعثَّر الحسنُ والنبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على منبرِهِ ، فنزلَ ، فحملَهُ ،
وقرأَ قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٢).
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ شدَّادٍ : بينَما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يصلِّي
بالناسِ .. إذْ جاءهُ الحسنُ، فركبَ عنقَهُ وهوَ ساجدٌ، فأطالَ السجودَ
بالناسِ حتَّى ظنُّوا أنَّهُ قدْ حدثَ أمرٌ ، فلمَّا قضى صلاتهُ .. قالوا: قدْ أطلتَ
-
(١) رواه ابن ماجه (١٩٧٦) ولفظه عنها رضي الله عنها: عثر أسامة بعتبة الباب فشُجَّ في
وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أميطي عنه الأذى))، فتقذَّرته ، فجعل
يمصُّ عنه الدم ويمُّه عن وجهه ، ثم قال: (( لو كان أسامة جارية .. لحليته وكسوته
حتى أنفُّقه ))، ورواه ابن راهويه في ((مسنده)) ( ١٧٧٥ ) بنحو لفظ المصنف ، وفيه :
أصاب وجه أسامة شيء فدمي ، فغسلت وجهه ، فمسحه رسول الله صلى الله عليه وسلم
بقميصه وقال : ((أحسن الله بنا إذ لم يكن جارية)) ، وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا نظر إلى وجه أسامة بعد موت أبيه .. بكى. وفي (ب): (وأنا آنفُهُ) ، وفي
هامشها : ( نسخة : أتعيَّبُهُ) .
(٢) رواه أبو داوود (١١٠٩)، والترمذي (٣٧٧٤)، والنسائي (١٠٨/٣)، وابن ماجه
(٣٦٠٠)، من حديث بريدة ، ولفظه: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل
الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان ، فنزل ،
فأخذهما، فصعد بهما المنبر ثم قال: (( صدق الله ﴿إِنَّمَآ أَمَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ ،
رأيت هذين فلم أصبر)) ، ثم أخذ في الخطبة .
٢٣١

كتاب آداب الصحية
ربع العادات
السجودَ يا رسولَ اللهِ حتَّى ظننَّا أَنَّهُ قَدْ حدثَ أمرٌ! فقالَ: ((إنَّ ابني قِدٍ
ارتحلَني، فكرهتُ أنْ أعجلَهُ حتَّى يقضيَ حاجَتَهُ)) (١).
وفي ذلك فوائدُ :
إحداها : القربُ منَ اللهِ تعالى، فإنَّ العبدَ أقربُ ما يكونُ منَ اللهِ تعالى إذا
كانَ ساجداً .
وفيه : الرفقُ بالولدِ ، والبرُّ ، وتعليمٌ لأمتِهِ .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ريحُ الولدِ مِنْ ريحِ الجنَّةِ))(٢).
وقالَ يزيدُ بنُ معاويةَ : أرسلَ أبي إلى الأحنفِ بنِ قيسٍ ، فلمَّا صارَ
إليهِ .. قالَ لهُ : يا أبا بحرٍ ؛ ما تقولُ في الولدِ ؟ قالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛
ثمارُ قلوبِنا ، وعمادُ ظهورِنا ، ونحنُ لهُمْ أرضٌ ذليلةٌ ، وسماءٌ ظليلةٌ ،
وبِهِمْ نصولُ على كلِّ جليلةٍ ، فإنْ طلبوا .. فأعطِهِمْ، وإنْ غضبوا ..
فأرضِهِمْ يمنحوكَ وُدَّهُمْ، ويحبُّوكَ جهدَهُمْ، ولا تكنْ عليهِمْ ثقلاً ثقيلاً
فيملُّوا حياتَكَ ، ويحبُّوا وفاتَكَ، ويكرهوا قربَكَ ، فقالَ لهُ معاويةُ : للهِ أنتَ
يا أحنفُ! لقدْ دخلتَ عليَّ وأنا مملوءٌ غضباً وغيظاً على يزيدَ ، فلمَّا خرجَ
الأحنفُ مِنْ عندِهِ .. رضيَ عنْ يزيدَ ، وبعثَ إليهِ بمئتي ألفِ درهمٍ ، ومئتي
(١) رواه النسائي (٢٢٩/٢) عن عبد الله بن شداد عن أبيه، شك بين الحسن والحسين
رضي الله عنهما .
(٢) رواه الطبراني في ((الصغير)) (٢١/٢)، و((الأوسط)) (٥٨٥٦) من حديث ابن عباس
رضي الله عنهما .
٢٣٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
ثوبٍ ، فأرسلَ يزيدُ إلى الأحنفِ بمئة ألفِ درهم ، ومئةٍ ثوبٍ ، فقاسمَهُ إِيَّاها
على الشطرٍ(١) .
فهذهِ هيَ الأخبارُ الدالَّةُ على تأكُّدِ حقِّ الوالدينِ ، وكيفيةُ القيام بحقَّهِما
تُعرفُ ممَّا ذكرناهُ في حقِّ الأخوَّةِ ؛ فإنَّ هذهِ الرابطةَ آكدُ مِنَ الأخوَّةِ ، بلْ
يزيدُ ههنا أمرانِ :
أحدُهما : أنَّ أكثرَ العلماءِ على أنَّ طاعةَ الأبوينِ واجبةٌ في الشبهاتِ وإِنْ لمْ
تجبْ في الحرامِ المحضٍ ، حتَّى إذا كانا يتنغصانِ بانفرادِكَ عنهُما بالطعامِ ..
فعليكَ أنْ تأكلَ معَهُما ؛ لأنَّ تركَ الشبهةِ ورعٌ ، ورضا الوالدينِ حتمٌ .
وكذلكَ ليسَ لكَ أنْ تسافرَ في مباحٍ أوْ نافلةٍ إلا بإذنِهِما ، والمبادرةُ إلى
الحجِّ الذي هوَ فرضُ الإسلامِ نفلٌ ؛ لأنَّهُ على التأخيرِ ، والخروجُ لطلبٍ
العلمِ نفلٌ إلا إذا كنتَ تطلبُ علمَ الفرْضِ مِنَ الصلاةِ والصومِ ولمْ يكنْ في
بلدِكَ مَنْ يعلِّمُكَ، وذلكَ كمَنْ يُسْلِمُ ابتداءً في بلدٍ ليسَ فيها مَنْ يعلُّمُهُ شرْعَ
الإسلام ، فعليهِ الهجرةُ ، ولا يتقيَّدُ بحقِّ الوالدينِ .
قالَ أبو سعيد الخدريُّ : هاجرَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
مِن اليمنِ وأرادَ الجهادَ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((هلْ باليمنِ أبواكَ؟))
قالَ: نعمْ، قالَ: ((هلْ أذِنا لكَ؟)) فقالَ: لا ، فقالَ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ: ((فارجعْ إلى أبويكَ فاستأذنْهُما، فإنْ فعلا .. فجاهدْ، وإلا ..
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((العيال)) (١٥٢)، ونحوه الدينوري في (( المجالسة وجواهر
العلم)) ( ص ١٩١ ) .
٢٣٣
درة

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
فيزَّهُما ما استطعتَ ؛ فإنَّ ذلكَ خيرُ ما تلقى اللهَ بهِ بعدَ التوحيدِ ))(١).
وجاءَ آخرُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يستشيرُهُ في الغزوِ ، فقالَ :
((ألكَ والدةٌ؟)) قالَ: نعمْ، قالَ: ((فالزمْها؛ فإنَّ الجنَّةَ تحتَ
رجليها)» (٢) .
وجاءَ آخرُ وطلبَ البيعةً على الهجرةِ ، وقالَ : ما جئتُكَ حتَّى أبكيتُ
والديَّ، فقالَ: ((ارجعْ إليهِما فأضحكْهُما كما أَبْكيتَهُما))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( حقُّ كبيرِ الإخوةِ على صغيرِهِمْ كحقِّ
الوالدِ على ولدِهِ )) (٤).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( إذا استصعبَتْ على أحدِكُمْ دابَتُهُ ، أَوْ ساءَ
خلقُ زوجتِهِ أوْ أحدٌ مِنْ أهلِ بيتِهِ .. فليؤذِّنْ في أذنِهِ ))(٥) .
(١) رواه أبو داوود (٢٥٣٠) إلى قوله: ((وإلا .. فبرَّهُما))، وعند البخاري (٣٠٠٤)،
ومسلم (٢٥٤٩) من حديث عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم
يستأذنه في الجهاد، فقال: ((أحيٍّ والداك؟)) قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهد)).
(٢) رواه النسائي (١١/٦)، وابن ماجه ( ٢٧٨١) .
(٣) رواه أبو داوود (٢٥٢٨)، والنسائي (١٤٣/٧)، وابن ماجه ( ٢٧٨٢).
(٤) رواه أبو داوود في ((المراسيل)) (٤٨٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٥٥٣) من
حديث سعيد بن العاص مرسلاً ، ورواه أبو نعيم في (( تاريخ أصبهان» (١٥٨/١) من
حديث أبي هريرة مرفوعاً .
(٥) قال الحافظ العراقي: (رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) من حديث الحسين بن
علي بن أبي طالب بسند ضعيف نحوه). ((إتحاف)) (٦/ ٣٢٢).
٢٣٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
حقوق الملوك
اعلمْ : أنَّ ملكَ النكاح قدْ سبقَ ذكرُ حقوقِهِ في آدابِ النكاحِ .
فأمَّا ملكُ اليمينِ .. فهوَ أيضاً يقتضي حقوقاً في المعاشرةِ لا بدَّ مِنْ
مراعاتِها .
فقدْ كانَ مِنْ آخرِ ما أوصى بهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ قالَ :
(( اتقوا اللهَ فيما ملكَتْ أيمانُكُمْ، أطعموهُمْ ممَّا تأكلونَ، واكسوهُمْ ممَّا
تلبسُونَ ، ولا تكلّفُوهُمْ مِنَ العملِ ما لا يطيقونَ ، فما أحببتُمْ .. فأمسكوا ،
وما كرهتُمْ .. فبيعُوا، ولا تعذِّبوا خلقَ اللهِ، فإنَّ اللهَ سبحانَهُ ملَّكَكُمْ
إِيَّاهُمْ، ولوْ شاءَ .. لملَّكَهُمْ إِيَّاكُمْ))(١) .
(١) قال الحافظ العراقي: ( هو مفرق في عدة أحاديث، فروى أبو داوود [٥١٥٦] من
حديث علي : كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الصلاة الصلاة،
اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم))، وفي ((الصحيحين)) من حديث أنس : كان آخر وصية
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت: (( الصلاة الصلاة وما ملكت
أيمانكم))، ولهما - البخاري [٣٠]، ومسلم [١٦٦١] - من حديث أبي ذر:
(« أطعموهم مما تأكلون ، واكسوهم مما تلبسون ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن
كلفتموهم .. فأعينوهم )) لفظ رواية لمسلم، وفي رواية أبي داوود [٥١٦١]: (( من
لاءمكم من مملوكیکم .. فأطعموهم مما تأكلون ، واكسوهم مما تلبسون ، ومن لم
يلائمكم منهم .. فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله تعالى))، وإسناده صحيح ) .
((إتحاف)) (٦ / ٣٢٣).
٢٣٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( للمملوكِ طعامُّهُ وكسوتَهُ بالمعروفِ ،
ولا يكلّفُ مِنَ العملِ ما لا يطيقُ))(١).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( لا يدخلُ الجنَّةَ خِبٌّ، ولا متكبِّرُ ،
ولا خائنٌ، ولا سيِِّىءُ المَلَكَةِ» (٢).
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ : جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ كمْ نعفو عنِ الخادم ؟ فصمتَ عنهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ ثمّ قالَ: ((اعفُ عنهُ في كلِّ يومٍ سبعينَ مرَّةً))(٣).
فه
وكانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يذهبُ إلى العوالي كلَّ يوم سبتٍ ، فإذا وجدَ
عبداً في عملٍ لا يطيقُهُ .. وضعَ عنهُ منهُ(٤) .
ويُروى عنْ أبي هريرةَ أنَّهُ رأى رجلاً على دابَتِهِ وغلامُهُ يسعى خلفَهُ ،
فقالَ لهُ : يا عبدَ اللهِ ؛ احملْهُ، فإنَّما هوَ أخوكَ، روحُهُ مثلُ روحِكَ ،
(١) رواه مسلم (١٦٦٢).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٤/١)، واقتصر الترمذي (١٩٤٦)، وابن ماجه
(٣٦٩١) على ( سيىء الملكة)، وقوله: ( سبىء الملكة) أي: يسيءُ السيرة مع من
يملكه . والخِبُّ بالكسر : الخدَّاع . وليس لفظ ( متكبر ) عندهم .
(٣) رواه أبو داوود (٥١٦٤)، والترمذي ( ١٩٤٩).
(٤) هو عند مالك في ((الموطأ)) (٢/ ٩٨٠) بلاغاً ، والعوالي : موضع بقرب المدينة ، به
نخيل وزراعة ، كأنه جمع عالية ، ومعنى ( عنه منه ) : خففه عليه بأن يعينه بنفسه في
عمله. ((إتحاف)) (٦ / ٣٢٤).
٢٣٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
فحملَهُ ، ثمَّ قالَ : ( لا يزالُ العبدُ يزدادُ مِنَ اللهِ بُعداً ما مشى خلفَهُ)(١).
وقالَتْ جاريةٌ لأبي الدرداءِ : إنِّي سمَّمْتُكَ منذُ سنةٍ ، وما عملَ فيكَ
شيئاً ، فقالَ : لِمَ فعلتِ ذلكَ ؟ فقالتْ : أردتُ الراحةَ منكَ، فقالَ : اذهبي
فأنتِ حرَّةٌ لوجهِ اللهِ .
حر
وقالَ الزهريُّ : ( متى قلتُ للمملوكِ: أخزاكَ اللهُ .. فهوَ حرٌ)(٢).
وقيلَ للأحنفِ بنِ قيسٍ : ممَّنْ تعلَّمْتَ الحلمَ ؟ قالَ : مِنْ قيسٍ بِنِ
عاصمٍ، قيلَ : فما بلغَ منْ حلمِهِ ؟ قالَ : بينما هوَ جالسٌ في دارِهِ .. إذْ أنتْهُ
خادمةٌ لهُ بسَقُودٍ عليهِ شواءٌ، فسقطَ السَّقُودُ مِنْ يدِها على ابنِ لهُ، فعقرَهُ
فماتَ ، فدهشَتِ الجاريةُ ، فقالَ : ليسَ يسكنُ روعَ هذِهِ الجاريةِ إلا
العتقُ ، فقالَ لها : أنتِ حرَّةٌ لا بأسَ عليكِ(٣).
وكانَ عونُ بنُ عبدِ اللهِ إِذا عصاهُ غلامُهُ .. قالَ : ما أشبهَكَ بمولاكَ ،
مولاكَ يعصي مولاهُ ، وأنتَ تعصي مولاكَ .
وأغضبَهُ يوماً ، فقالَ: إنَّما تريدُ أنْ أضربَكَ، اذهب فأنتَ حرِّ(٤).
(١) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٢١/١) من كلام أبي الدرداء رضي الله عنه .
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف )) (٤٤٧/٩) عن الشعبي رحمه الله تعالى .
(٣) أورده القشيري في ((رسالته)) (ص٤١١)، والسَّقُّود : الحديد الذي يُشوى عليه
اللحم .
(٤) رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص١٣٩)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(١٧/٥٠ ) .
٢٣٧

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وكانَ عندَ ميمونِ بنِ مهرانَ ضيفٌ ، فاستعجلَ على جاريتِهِ بالعَشاءِ ،
فجاءَتْ مسرعةً ومعها قصعةٌ مملوءةٌ ، فعثرَتْ فأراقتْها على رأسِ سيِّدِها
ميمونٍ ، فقالَ : يا جاريةُ ؛ أحرقتِنِي ، قالتْ: يا معلُّمَ الخيرِ ، ومؤدِّبَ
الناسِ ؛ ارجعْ إلى ما قالَ اللهُ تعالى، قالَ : وما قالَ الله تعالى؟ قالَتْ :
وَاُلْكَظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، قالَ: قدْ كظمتُ غيظي، قالتْ: ﴿وَالْعَافِينَ
عَنِ النَّاسِ﴾، قالَ : قدْ عفوتُ عنكِ ، قالَتْ : زدْ ؛ فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ :
﴿ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، قالَ: أنتِ حرَّةٌ لوجهِ اللهِ(١) .
وقالَ ابنُ المنكدرِ: إنَّ رجلاً مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
ضربَ عبداً لهُ، فجعلَ العبدُ يقولُ: أسألُكَ باللهِ ، أسألُكَ بوجهِ اللهِ ، فلمْ
يعِهِ ، فسمعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صياحَ العبدِ ، فانطلقَ إليهِ ، فلمَّا
رأى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أمسكَ يدَهُ ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : (( سألَكَ بوجهِ اللهِ فلمْ تعفِهِ ، فلمَّا رأيتَنَي أمسكتَ يدكَ ؟! قالَ : فإِنَّهُ
حرّ لوجهِ اللهِ يا رسولَ اللهِ، فقالَ: ((لوْ لمْ تفعلْ .. لسفعَتْ وجهَكَ
النارُ))(٢).
(١) روى نحوه البيهقي في ((الشعب)) (٧٩٦٤) عن علي بن الحسين رضي الله عنهما .
(٢) عزاه الحافظ العراقي لابن المبارك في (( الزهد)) عن محمد بن المتكدر مرسلاً ، ورواه
مسلم (١٦٥٩) مرفوعاً عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أنه كان يضرب غلامه ،
فجعل يقول : أعوذ بالله ، قال : فجعل يضربه ، فقال : أعوذ برسول الله ، فتركه ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله، لله أقدر عليك متك عليه))، قال:
فأعتقه . وسيأتي قريباً .
٢٣٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( العبدُ إذا نصحَ لسيِّدِهِ وأحسنَ عبادةَ اللهِ ..
فلهُ أجرُهُ مرَّتينِ )) (١) .
ولمَّا أُعتقَ أبو رافع .. بكى وقالَ: ( كانَ لي أجرانِ ، فذهبَ
أحدُهُما)(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((عُرِضَ عليَّ أوَّلُ ثلاثةٍ يدخلونَ الجنَّةَ ،
وأوَّلُ ثلاثةٍ يدخلونَ النارَ ؛ فأمَّا أوَّلُ ثلاثةٍ يدخلونَ الجنَّةَ : فالشهيدُ ، وعبدٌ
مملوكٌ أحسنَ عبادةَ ربِّهِ ونصحَ لسيِّدِهِ ، وعفيفٌ متعقِّفٌ ذو عيالٍ ، وأوَّلُ
ثلاثةٍ يدخلونَ النارَ : أميرٌ مسلَّطٌ، وذو ثروةٍ لا يُعطِي حقَّ اللهِ ، وفقيرٌ
فخورٌ))(٣).
وعنْ أبي مسعودٍ الأنصاريِّ قالَ : بينا أنا أضربُ غلاماً لي .. إذْ سمعتُ
صوتاً مِنْ خلفي: (( اعلمْ أبا مسعودٍ مرتينِ ، فالتفتُّ، فإذا رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فألقيتُ السوطَ مِنْ يدي، فقالَ: (( واللهِ ؛ للهُ أقدرُ
عليكَ منكَ على هذا))(٤)
(١) رواه البخاري (٢٥٤٦)، ومسلم (١٦٦٤).
(٢) حكاه عنه النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٤٨٩/٢)، وكان أعتقه صلى الله
عليه وسلم يومَ بشَّرَهُ بإسلام العباس رضي الله عنه .
(٣) رواه الترمذي (١٦٤٢) ولم يذكر الثلاثة الأخيرة ، وبتمامه ابن حبان في (( صحيحه ))
( ٤٦٥٦ ) .
(٤) رواه مسلم (١٦٥٩) ، وقد تقدم قريباً تعليقاً .
: 5
٢٣٩

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا ابتاعَ أحدُكُمُ الخادمَ .. فليكنْ أوَّلُ
شيءٍ يطعمُهُ الحلوَ ؛ فإنَّهُ أطيبُ لنفسِهِ )) رواهُ معاذٌ (١).
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا أتى أحدَكُمْ
خادمُهُ بطعامِهِ .. فليجلسْهُ، وليأكلْ معهُ، فإنْ لمْ يفعلْ .. فليناولْهُ)).
وفي روايةٍ: ((إذا كفى أحدَكُمْ مملوكُهُ صنعةً طعامِهِ ، فكفاهُ حرَّهُ
ومؤنتَهُ، وقرَّبَهُ إليهِ .. فليجلسْهُ، وليأكلْ معَهُ ، فإنْ لم يفعلْ .. فليناوِلْهُ ،
أوْ ليأخذْ أكلةً فليروِّغْها - وأشارَ بيدِهِ - وليضعْها في يدِهِ وليقلْ: كُلْ
هذهِ))(٢).
ودخلَ على سلمانَ رجلٌ وهوَ يعجنُ ، فقالَ: يا أبا عبدِ اللهِ(٣)؛
ما هذا؟ قالَ : بعثنا الخادمَ في شغلٍ ، فكرهْنا أنْ نجمعَ علیهِ
عملينِ (٤).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ كانَتْ عندَهُ جاريةٌ، فعالَها وأحسنَ
(١) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٥١٢).
(٢) الحديث بلفظ المصنف وروايتيه رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٥١٣،
٥١٤)، وهو بنحوه عند البخاري (٢٥٥٧)، ومسلم ( ١٦٦٣)، ومعنى
( فليروغها ): يغمسها بالإدام ونحو ذلك .
(٣) هي كنية سيدنا سلمان رضي الله تعالى عنه. ((الإصابة)) (٦٠/٢).
(٤) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٣٦٥)، وأبو نعيم في ((الحلية))
(٢٠٠/١) .
٢٤٠