Indexed OCR Text

Pages 81-100

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
عرشِهِ يومَ القيامةِ يشيّعونَهُ إلى الجنَّةِ)(١) .
وفي الأثرِ : ( ما زارَ رجلٌ أخاً في اللهِ شوقاً إلى لقائِهِ إلا ناداهُ ملكٌ مِنْ
خلفِهِ .. طبتَ وطابتْ لكَ الجنَّةُ)(٢).
وقالَ عطاءٌ: ( تفقَّدوا إخوانَكُمْ بعدَ ثلاثٍ ، فإنْ كانوا مرضى ..
فعودُوهُمْ، أوْ مشاغيلَ .. فأعينوهُمْ، أوْ كانوا نسوا .. فذكِّرُوهُمْ)(٣).
ورُويَ أنَّ ابنَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما كانَ يلتفتُ يميناً وشمالاً بينَ يدي
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فسألَّهُ عنْ ذلكَ، فقالَ : أحببتُ رجلاً،
فأنا أطلبُهُ ولا أراهُ، فقالَ: (( إذا أحببتَ أحداً .. فسلّهُ عنِ اسمِهِ واسمٍ
أبيهِ، وعنْ منزِلِهِ، فإنْ كانَ مريضاً .. عدْتَهُ، وإنْ كانَ مشغولاً .. أعنتَهُ))،
وفي روايةٍ : ((وعنِ اسمٍ جدِّهِ وعشيرتِهِ)) (٤) .
وقالَ الشعبيُّ في الرجلِ يجالسُ الرجلَ ، فيقولُ: أعرفُ وجهَهُ
ولا أعرفُ اسمَهُ : تلكَ معرفةُ النَّوَكَيُّ (٥).
(١) كذا في ((القوت)) (٢١٩/٢)، ورواه عبد الله بن وهب في ((جامعه)) (١٦٨).
(٢) رواه بلفظه ابن المبارك في ((الزهد)) (٧٠٩) عن سعد الطائي ، ورواه مرفوعاً
عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٠٣/١١)، والبزار كما في (( مختصر زوائده))
(١٨١٣)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٤١٤٠).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٨/٥).
(٤) كذا في ((القوت)) (٢١٩/٢)، وقد رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٧٧٢)،
والسلمي في (( آداب الصحبة)) (٤٤).
(٥) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٧٧٣)، والنَّوكى : الحمقى.
٨١

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقيلَ لابنِ عباسٍ : مَنْ أحبُّ الناسِ إليكَ ؟ قالَ: جليسي(١) .
وقالَ : ( ما اختلفَ رجلٌ إلى مجلسي ثلاثاً مِنْ غيرِ حاجةٍ لهُ إليَّ فعلمتُ
ما مكافأتُهُ مِنَ الدنيا )(٢).
وقال سعيدُ بنُ العاصِ : ( لجليسي عليَّ ثلاثٌ : إذا دنا .. رحبتُ بهِ ،
وإذا حدَّثَ .. أقبلتُ عليهِ، وإذا جلسَ .. أوسعتُ لهُ)(٣).
وقدْ قالَ تعالى: ﴿رُحَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ إشارةً إلى الشفقةِ والإكرامِ ، ومِنْ تمامٍ
الشفقةِ ألا ينفردَ بطعام لذيذٍ أوْ بحضورٍ في مسرَّةِ دونَهُ ، بلْ يتنغَّصُ لفراقِهِ ،
ويستوحشُ بانفرادِهِ عنْ أخيهِ .
د.ص
(١) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٤٥) بلفظ: ( أكرم الناس عليَّ جليسي).
(٢) قوت القلوب (٢١٩/٢).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢١٩/٢)، ورواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٣٧/٢١).
٨٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
الحقّ الثالث: على اللسان بالشيكوت مرةً وبالنّطق أخرى
ئن
أمّا السكوتُ : فهوَ أنْ يسكتَ عنْ ذکرِ عیوبِهِ في حضرتِهِ وغیتِهِ ، بلْ
يتجاهلُ عنهُ، ويسكتُ عنِ الرَدِّ عليهِ فيما يتكلّمُ بهِ : فلا يماريهِ ولا يناقشُهُ ،
وأنْ يسكتَ عنِ التجُّسِ والسؤالِ عنْ أحوالِهِ ، وإذا رآهُ في طريقٍ أوْ في
حاجةٍ(١) ولمْ يفاتحْهُ بذكرٍ غرضِهِ ومصدرِهِ وموردِهِ .. فلا يسألُهُ عنهُ ، فربّما
يثقلُ عليهِ ذكرُهُ ، أَوْ يحتاجُ إلى أنْ يكذبَ فيهِ .
وأنْ يسكتَ عنْ أسرارِهِ التي بثَّها إليهِ ، فلا يبثُّها إلى غيرِهِ ألبتةَ ، ولا إلى
أخصِّ أصدقائِهِ ، ولا يكشفُ شيئاً منها ولوْ بعدَ القطيعةِ والوحشةِ ؛ فإنَّ ذلكَ
مِنْ لؤْمِ الطبعِ وخبثِ الباطنِ .
وأنْ يسكتَ عنِ القدحِ في أحبابِهِ وأهلِهِ وولدِهِ .
وأنْ يسكتَ عنْ حكايةِ قدْحِ غيرِهِ فيهِ ، فإنَّ الذي سبَّكَ مَنْ بلَّغْكَ ، قالَ
أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: ( كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا يواجهُ أحداً
بشيءٍ يكرهُهُ)(٢) ، والتأذِّي يحصلُ أوّلاً مِنَ المبلِّغِ ، ثمَّ مِنَ القائلِ.
نعمُ ، لا ينبغي أنْ يخفيَ ما يسمعُ مِن الثناءِ عليهِ ؛ فإنَّ السرورَ بهِ أوَّلاً
يحصلُ مِنَ المبلِّغ للمدْحِ ، ثمَّ مِنَ القائلِ ، وإخفاءُ ذلكَ مِنَ الحسدِ .
(١) في (ب): (أو في جماعة)، وهو مناسب للسياق كذلك .
(٢) رواه أبو داوود (٤١٨٢)، والترمذي في ((الشمائل)) (٣٤٦).
٨٣

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وبالجملةِ : فليسكتْ عنْ كلِّ كلام يكرهُهُ جملةً وتفصيلاً ، إلا إذا وجبَ
ےے
عليهِ النطقُ في أمرٍ بمعروفٍ ، أوْ نهي عن منكرٍ ، ولمْ يجدْ رخصةً في
السكوتِ .. فإذْ ذاكَ لا يبالي بكراهتهِ ؛ فإنَّ ذلكَ إحسانٌ إليهِ في التحقيقِ ،
وإنْ كانَ يظُ أنَّها إساءةٌ في الظاهرِ(١) .
أمَّا ذكرُ مساوئِهِ وعيوبِهِ ومساوىءِ أهلِهِ .. فهوَ مِنَ الغيبةِ ، وذلكَ حرامٌ
في حقِّ كلٍّ مسلمٍ ، ويزجرُكَ عنهُ أمرانِ :
أحدُهما : أنْ تطالعَ أحوالَ نفسِكَ ، فإنْ وجدتَ فيها شيئاً واحداً
مذموماً .. فهوِّنْ على نفسِكَ ما تراهُ مِنْ أخيكَ، وقدِّرْ أنَّهُ عاجزٌ عنْ قهرٍ
نفسِهِ في تلكَ الخصلةِ الواحدةِ كما أنَّكَ عاجزٌ عمَّا أنتَ مبتلىّ بهِ ،
ولا تستثقلْهُ بخصلةٍ واحدةٍ مذمومةٍ ، فأيُّ الرجالِ المهذَّبُ ؟!
وكلُّ ما لا تصادفُهُ مِنْ نفسِكَ في حقِّ اللهِ تعالى .. فلا تنتظرْهُ مِنْ أخيكَ
في حقِّ نفسِكَ ، فليسَ حقُّكَ عليهِ بأكثرَ مِنْ حقِّ اللهِ عليكَ .
والأمرُ الثاني : أنْ تعلمَ أنَّكَ لوْ طلبتَ منزهاً عنْ كلِّ عيبٍ .. اعتزلتَ عنِ
الخلقِ كافَّةٌ ، ولمْ تجدْ مَنْ تصاحبُهُ أصلاً ، فما مِنْ أحدٍ مِنَ الناسِ إلا ولهُ
محاسنُ ومساوىءُ ، فإذا غلبَتِ المحاسنُ المساوىءَ .. فهوَ الغايةُ
والمنتهى ، والمؤمنُ الكريمُ أبداً يُحضرُ في نفسِهِ محاسنَ أخيهِ ؛ لينبعثَ مِنْ
(١) ومنهم من قال: يكتبه في لوح ، فيعرض عليه ، لعله يعتبر فيرتدع عنه ، فهذا هو أولى
الأشياء، وأبعد من غرور المواجهة. ((إتحاف)) (٢١١/٦).
٨٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
قلبهِ التوقيرُ والودُّ والاحترامُ، وأمَّا المنافقُ اللئيمُ .. فإنَّهُ أبداً يلاحظ
المساوىءَ والعيوبَ .
قالَ ابنُ المباركِ : ( المؤمنُ يطلبُ المعاذيرَ ، والمنافقُ يطلبُ
العثراتِ )(١).
وقالَ الفضيلُ : ( الفتوَّةُ الصفحُ عنْ زلاَّتِ الإخوانِ)(٢) .
ولذلكَ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( استعيذوا باللهِ مِنْ جارِ السوءِ؛
الذي إِنْ رأى خيراً .. سترَهُ، وإنْ رأى شراً .. أظهرَهُ))(٣).
وما مِنْ شخصٍ إلا ويمكنُ تحسينُ حالِهِ بخصالٍ فيهِ ، ويمكنُ تقبيحُهُ
أيضاً ، رويَ أنَّ رجلاً أثنى على رجلٍ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
فلما كانَ مِنَ الغدِ .. ذمَّهُ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أنتَ بالأمسِ تثني
عليهِ واليومَ تذمُّهُ؟! )) فقالَ : واللهِ ؛ لقدْ صدقتُ عليهِ بالأمسِ وما كذبتُ
عليهِ اليومَ ، إنَّهُ أرضاني بالأمسِ ؛ فقلتُ أحسنَ ما علمتُ فيهِ ، وأغضبَني
اليومَ ؛ فقلتُ أقبحَ ما علمتُ فيهِ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّ مِنَ
(١) حكاه الحافظ الزبيدي عن صاحب ((القوت)). («إتحاف)) (٢١٢/٦).
(٢) رواه القشيري في ((الرسالة)) (ص ٣٩٠)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
( ٤٨ /٤٣٠ ) .
(٣) رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢٧٨/٦) من حديث أبي هريرة مرفوعاً ، وقد
تقدم بعضه في حديث الفواقر الثلاث ، وروى النسائي (٢٧٤/٨) عن أبي هريرة
مرفوعاً: « تعوذوا بالله من جار السوء في دار المقام ، فإن جار البادية يتحول عنك ».
٨٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
البيانِ لسحراً »(١)، وكأنّهُ كرهَ ذلكَ، فشبَّهَهُ بالسحرِ .
ولذلكَ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في خبرٍ آخرَ : « البَذاءُ والبيانُ شعبتانٍ
مِنَ النفاقِ))(٢) .
وفي حديثٍ آخرَ : ((إنَّ اللهَ يكرهُ لكُمُ البيانَ كلَّ البيانِ))(٣).
ولذلكَ قالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ما أحدٌ مِنَ المسلمينَ يطيعُ اللهَ فلا
يعصيهِ ، ولا أحدٌ يعصي اللهَ ولا يطيعُهُ، فمَنْ كانَتْ طاعتُهُ أغلبَ مِنْ
معاصيهِ .. فهوَ عدْلٌ)(٤)، وإذا جُعِلَ مثلُ هذا عدلاً في حقِّ اللهِ تعالى ..
فبأنْ تراهُ عدلاً في حقِّ نفسِكَ ومقتضى أخوَّتِكَ أولى .
وكما يجبُ عليكَ السكوتُ بلسانِكَ عنْ مساوئِهِ .. يجبُ عليكَ السكوتُ
بقلبِكَ : وذلكَ بترْكِ إساءة الظنِّ ، فسوءُ الظنِّ غيبةٌ بالقلبِ ، وهوَ منهيٌّ عنهُ
أيضاً ، وحدُّهُ : ألا تحملَ فعلَهُ على وجهٍ فاسدٍ ما أمكنَ أنْ تحملَهُ علی وجهٍ
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٦٦٧)، والحاكم في ((المستدرك)) (٦١٣/٣)
والرجلان هما الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم .
(٢) رواه الترمذي ( ٢٠٢٧) .
(٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٦٦/٨) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وقال
الحافظ العراقي : ( رواه ابن السني في كتاب (( رياضة المتعلمين)) من حديث أبي أمامة
بسند ضعيف). ((إتحاف)) (٢١٣/٦).
(٤) رواه الخطيب في ((الكفاية)) (ص٧٥ - ٧٦)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
( ٦٤ / ١٩٧ ) بنحوه .
٨٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
حسنٍ ، فأمَّا ما انكشفَ بيقينٍ ومشاهدةٍ .. فلا يمكنُكَ ألا تعلمَهُ ، وعليكَ
أنْ تحملَ ما تشاهدُ على سهوٍ ونسيانٍ إِنْ أمكنَ .
وهذا الظنُّ ينقسمُ إلى ما يسمَّى تفرُّساً ، وهوَ الذي يستندُ إلى علامةٍ، فإنَّ
ذلكَ يحرِّكُ الظنَّ تحريكاً ضرورياً لا يُقدرُ على دفعِهِ ، وإلى ما منشؤُهُ سوءُ
اعتقادِكَ فيهِ ، حتَّى يصدرَ منهُ فعلٌ لهُ وجهانٍ ، فيحملُكَ سوءُ الاعتقادِ على أنْ
تنزلَهُ على الوجهِ الأرداِ مِنْ غيرِ علامةٍ تخصُّهُ بها ، وذلكَ جنايةٌ عليهِ بالباطنِ ،
وذلكَ جارٍ في حقِّ كلِّ مؤمنٍ(١) ؛ إذْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ قدْ
حرَّمَ مِنَ المؤمنِ دمَهُ ومالَهُ وعرضَهُ، وأنْ يُظنَّ بهِ ظُنُّ السَّوْءِ))(٢).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إيّاكُمْ والظنَّ؛ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديثِ))(٣).
وسوءُ الظنِّ يدعو إلى التجُّسِ والتحُّسِ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: (( لا تحسَّسوا، ولا تجسّسوا ، ولا تقاطَعوا ، ولا تدابروا ، وكونوا
- عِبادَ اللهِ - إخواناً)) (٤)، والتجسُّسُ في تطلُّع الأخبارِ، والتحُّسُ بالمراقبةِ
بالعينِ(٥) ، فسترُ العيوبِ والتجاهلُ والتغافلُ عنها شيمةُ أهلِ الدينِ .
(١) في هامش (ب) : نسخة : (حرام) بدل ( جارٍ) .
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣١/١١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٢٨٠).
(٣) رواه البخاري (٥١٤٤، ٦٠٦٤)، ومسلم ( ٢٥٦٣).
(٤) هو تتمة الحديث المتقدم قبله .
(٥) وأصله : طلب الشيء بحاسته ؛ كاستراق السمع وإبصار الشيء بخفية ، وقيل :
الأول : التفحص عن عورات الناس وبواطن أمورهم بنفسه أو بغيره ، والثاني : أن
يتولاه بنفسه ، وقيل: الأول يخصُّ الشر، والثاني أعم. ((إتحاف)) (٢١٤/٦).
٨٧

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
ويكفيكَ تنبيهاً على كمالِ الرتبةِ في سترِ القبيح وإظهارِ الجميلِ أنَّ اللهَ
تعالى وُصِفَ بهِ في الدعاءِ، فقيلَ: ( يا مَنْ أظهرَ الجميلَ وسترَ
القبيحَ) (١) ، والمرضيُّ عندَ اللهِ مَنْ تخلَّقَ بأخلاقِهِ ؛ فإنَّهُ ستَّارُ العيوبِ
وغفَّارُ الذنوبِ ، ومتجاوزٌ عنِ العبيدِ ، فكيفَ لا تتجاوزُ أنتَ عمَّنْ هوَ مثلُكَ
أوْ فوقَكَ ، وما هوَ بكلِّ حالٍ عبدَكَ ولا مخلوقَكَ ؟!
وقدْ قالَ عيسى عليهِ السلامُ للحواريينَ : كيفَ تصنعونَ إذا رأيتُمْ أخاكُمْ
نائماً وقدْ كشفَتِ الريحُ ثوبَهُ عنهُ؟ قالوا : نسترُهُ ونغطِّيهِ ، قالَ : بلْ تكشفونَ
عورتَهُ ، قالوا : سبحانَ اللهِ! مَنْ يفعلُ هذا؟! فقالَ : أحدُكُمْ يسمعُ
بالكلمةِ في أخيهِ فيزيدُ عليها ويشيعُها بأعظمَ منها(٢) .
واعلمْ : أنَّهُ لا يتمُّ إيمانُ المرءِ ما لمْ يحبَّ لأخيهِ ما يحبُّ لنفسِهِ ، وأقلُّ
درجاتِ الأخوّةِ أنْ يعاملَ أخاهُ بما يحبُّ أنْ يعاملَهُ بهِ ، ولا شكَّ في أنَّهُ ينتظرُ
منهُ سترَ العورةِ ، والسكوتَ عنِ المساوىءِ والعيوبِ ، ولوْ ظهرَ لهُ منهُ نقيضُ
ما ينتظرُهُ .. اشتدَّ عليهٍ غيظُهُ وغضبُهُ ، فما أبعدَهُ عنِ الإنصافِ إذا كانَ ينتظرُ
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٥٤٤/١) وتمامه: (يا من أظهر الجميل ، وستر
القبيح ، يا من لا يؤاخذ على الجريرة ، ولا يهتك الستر ، يا عظيم العفو ، يا حسن
التجاوز ، يا واسع المغفرة ، يا باسط اليدين بالرحمة ، يا صاحب كل نجوى ، ويا
منتهى كل شكوى ، يا كريم الصفح ، يا عظيم المنِّ ، يا مبتدىء النعم قبل استحقاقها ،
يا ربنا ، ويا سيدنا ، ويا مولانا ، ويا غاية رغبتنا ؛ أسألك يا الله ألا تشويَ خلقي
بالنار ) .
(٢) قوت القلوب (٢٢٢/٢).
٨٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
منهُ ما لا يضمرُهُ لهُ، ولا يعزمُ عليهِ لأجلِهِ ، وويلٌ لهُ في نصِّ كتابِ اللهِ
تعالى حيثُ قالَ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَّفِّفِينَ ﴿هُ الَّذِينَ إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ «آيَهُ وَإِذَا
كَالُوهُمْ أَو قَزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، فكلُّ مَنْ يلتمسُ مِنَ الإنصافِ أكثرَ ممَّا تسمحُ بهِ
نفسُهُ .. فهوَ داخلٌ تحتَ مقتضى هذهِ الآيةِ .
ومنشأُ التقصيرِ في سترِ العورةِ أوِ السعي في كشفِها : الداءُ الدفينُ في
الباطنِ ، وهوَ الحقدُ والحسدُ ؛ فإنَّ الحقودَ الحسودَ يمتلىءُ باطنُهُ بالخبْثِ ،
ولكنَّهُ يحبسُهُ في باطنِهِ ، ويخفيهِ ولا يبديهِ مهما لمْ يجدْ لهُ مجالاً ، فإذا وجدَ
فرصةً .. انحلَّتِ الرابطةُ، وارتفعَ الحياءُ ، وترشَّحَ الباطنُ بخبثِهِ الدفينِ .
ومهما انطوى الباطنُ على حقدٍ وحسدٍ .. فالانقطاعُ أولى ، قالَ بعضُ
الحكماءِ : ( ظاهرُ العتابِ خيرٌ مِنْ مكنونِ الحقدِ ، ولا يزيدُ لطفُ الحقودِ
إلا وحشةً منهُ)(١) ، ومنْ في قلبِهِ سخيمةٌ على مسلم .. فإيمانُهُ ضعيفٌ
وأمرُهُ مخطرٌ ، وقلبُهُ خبيثٌ لا يصلحُ للقاءِ اللهِ .
وقدْ روىُ عبدُ الرحمنِ بنُ جبيرِ بنِ نفيرٍ عنْ أبيهِ أَنَّهُ قالَ : كنتُ باليمنِ ،
ولي جارٌ يهوديٌّ يخبرني عنِ التوراةِ ، فقدمَ عليَّ اليهوديُّ مِنْ سفرٍ ،
فقلتُ : إنَّ اللهَ تعالى قدْ بعثَ فينا نبياً ، فدعانا إلى الإسلام ، فأسلمْنا ، وقدْ
نزَّلَ علينا كتاباً مصدقاً للتوراةِ ، فقالَ اليهوديُّ: صدقتَ، ولكنَّكُمْ
(١) قوت القلوب (٢٢٢/٢) .
٨٩

كتاب آداب الصحية
ربع العادات
لا تستطيعونَ أنْ تقوموا بما جاءَكُمْ بهِ ، إنَّا نجدُ نعتَهُ ونعتَ أمَّتِهِ في التوراةِ: أنَّهُ
لا يحلُّ لامرىءٍ يخرجُ مِنْ عتبةِ بابهِ وفي قلبِهِ سخيمةٌ على أخيهِ المسلمِ (١).
ومِنْ ذلكَ : أَنْ يسكتَ عنْ إفشاءِ سرِّهِ الذي استودعَهُ إِيَّاهُ : ولهُ أنْ ينكرَهُ
وإنْ كانَ كاذباً ، فليسَ الصدقُ واجباً في كلِّ مقام ؛ فإنَّهُ كما يجوزُ للرجلِ أنْ
يخفيَ عيوبَ نفسِهِ وأسرارَهُ وإن احتاجَ إلى الكذبِ .. فلهُ أنْ يفعلَ ذلكَ في
حقٌّ أخيهِ ؛ فإنَّ أخاهُ نازلٌ منزلتَهُ ، وهما كشخصٍ واحدٍ لا يختلفانِ إلا
بالبدنِ .
٧٠٠٠٠
هذهِ حقيقةُ الأخوّةِ .
ولذلكَ لا يكونُ بالعملِ بينَ يديهِ مرائياً وخارجاً عنْ أعمالِ السرِّ إلى
أعمالِ العلانيةِ ، فإنَّ معرفةَ أخيهِ بعملِهِ كمعرفتِهِ بنفسِهِ مِنْ غيرِ فرقٍ ، وقدْ
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ سترَ عورةَ أخيهِ .. سترَهُ اللهُ تعالى في الدنيا
والآخرةِ)) (٢).
وفي خبرٍ آخرَ: « فكأنَّما أحيا موءودةٌ مِنْ قبرها)»(٣).
(١) قوت القلوب (٢٢٢/٢)، والسخيمةُ: الحقد والضغينة والموجدة في النفس.
ـون
(٢) رواه ابن ماجه (٢٥٤٦) وفيه: (يوم القيامة ) بدل ( في الدنيا والاخرة )، وعند
البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠): ((ومن ستر مسلماً .. ستره الله يوم القيامة)).
(٣) رواه أبو داوود (٤٨٩١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٢٤١) وزيادة: ( من قبرها)
عنده .
٩٠

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا حدَّثَ الرجلُ بحديثٍ ثمَّ التفتَ .. فهوَ
أمانةٌ)) (١) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( المجالسُ بالأمانةِ إلا ثلاثةَ مجالسَ ،
مجلسٌ يُسفكُ فيهِ دمٌّ حرامٌ ، ومجلسٌ يُستحلُّ فيهِ فرجٌ حرامٌ ، ومجلسٌ
يُستحلُّ فيهِ مالٌ مِنْ غيرِ حلِّهِ ))(٢) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( إنَّما يتجالسُ المتجالسانِ بالأمانةِ ،
ولا يحلُّ لأحدِهِما أنْ يفشيَ على صاحبِهِ ما يكرهُ))(٣).
3
قيلَ لبعضِ الأدباء : كيفَ حفظُكَ للسرِ ؟ قالَ: أنا قبرُهُ(٤) .
وقدْ قيلَ : ( صدورُ الأحرارِ قبورُ الأسرارِ )(٥) .
وقيلَ : إنَّ قلبَ الأحمقِ في فيهِ ، ولسانَ العاقلِ في قلبهِ ؛ أيْ :
لا يستطيعُ الأحمقُ إخفاءَ ما في نفسِهِ ، فييديهِ مِنْ حيثُ لا يدري ، فمِنْ هذا
يجبُ مقاطعةُ الحمقى، والتوقِّي عنْ صحبتِهِمْ ، بلْ عَنْ مشاهدتِهِمْ .
(١) رواه أبو داوود ( ٤٨٦٨)، والترمذي (١٩٥٩).
(٢) رواه أبو داوود ( ٤٨٦٩)، فمن قال : أريد قتل فلان، أو الزنا بفلانة ، أو مال فلان
ظلماً .. لا يجوز للمستمعين حفظ سرُّه، بل عليهم إفشاؤه دفعاً للمفسدة. ((إتحاف))
(٦ /٢١٧ ) .
(٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٩١)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ١٠٦٧٧) عن
أبي بكر بن حزم مرسلاً .
(٤) قوت القلوب (٢٢٤/٢)، ونحوه في ((عيون الأخبار)) (٣٩/١).
(٥) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٩/ ٣٧٧) عن ذي النون المصري .
٩١

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقدْ قيلَ لآخرَ : كيفَ تحفظُ السرّ؟ قالَ : أجحدُ المُخبرَ ، وأحلفُ
للمستخيرِ (١) .
وقالَ آخرُ : أسترُهُ وأسترُ أَنِّي أسترُهُ .
[من الطويل]
وعبَّرَ عنهُ ابنُ المعتزُّ بقولِهِ(٢):
وَمُسْتَوْدِعِي سِرّاً تَبَوَّأْتَ كَتْمَهُ فَأَوْدَعْتَهُ صَدْرِي فَصارَ لَهُ قَبْرَا
وقالَ آخرُ وأرادَ الزيادةَ عليهِ (٣):
[من الطويل]
لأَنِّي أَرَى الْمَقْبُورَ يَنْتَظِرُ النَّشْرا
وَمَا السِّرُّ فِي صَدْرِي كَثاٍ بِقَبْرِهِ
بِما كانَ مِنْهُ لَمْ أُحِطْ ساعَةٌ خُبْرا
ولَكِنَّنِي أَنْسَاهُ حَتَّىْ كَأَنَّنِي
عَنِ السِّرِّ وَالْأَحْشَاءِ لَمْ تَعْلَمِ السِّرَّا
وَلَوْ جَازَ كَتْمُ أَلْسِّرِّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ
وأفشى بعضُهُمْ سرّاً لهُ إلى أخيهِ، ثمَّ قالَ لهُ : حفظتَ ؟ فقالَ: بلْ
نسيتُ (٤) .
وكانَ أبو سعيدٍ الثوريُّ يقولُ : (إذا أردتَ أنْ تؤاخِيَ رجلاً .. فأغضبْهُ ،
(١) عيون الأخبار (٤٠/١)، قوت القلوب (٢٢٤/٢).
(٢) رواه له صاحب ((القوت)) (٢٢٤/٢) قال: ( ومن أحسن ما سمعت في حفظ السر
ما حدثني بعض أشياخنا عن إخوان له دخلوا على عبد الله بن المعتز ، فاستنشدوه شيئاً
من شعره في حفظ السر، فأنشدهم على البديهة )، والبيت ليس في (( ديوانه )).
(٣) الأبيات لمحمد بن داوود الأصبهاني كما في ((القوت)) (٢٢٤/٢)، وانظر " لباب
الآداب)) لابن منقذ ( ص ٢٤١).
(٤) قوت القلوب (٢٢٤/٢).
٩٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
ثمَّ دُسنَّ عليهِ مَنْ يسألُهُ عنكَ وعنْ أسراركَ ؛ فإنْ قالَ خيراً وكتمَ سَرَّكَ ..
فاصحبْهُ)(١) .
وقيلَ لأبي يزيدَ : مَنْ تصحبُ مِنَ الناسِ ؟ قالَ : مَنْ يعلمُ منكَ
ما يعلمُ اللهُ، ثمَّ يسترُ عليكَ كما يسترُ اللهُ (٢).
وقالَ ذو النونِ : ( لا خيرَ في صحبةٍ مَنْ لا يحبُّ أنْ يراكَ إلا
معصوماً )(٣).
ومَنْ أفشى السرَّ عندَ الغضبِ .. فهوَ اللئيمُ؛ لأنَّ إخفاءَهُ عندَ الرضا
تقتضيهِ الطباعُ السليمةُ كلُّها ، وقدْ قالَ بعضُ الحكماءِ : ( لا تصحبْ مَنْ
يتغيّرُ عليكَ عندَ أربع: عندَ غضبِهِ ورضاهُ، وعندَ طمعِهِ وهواهُ)(٤) ، بلْ
ينبغي أنْ يكونَ صدْقُ الأخوَّةِ ثابتاً على اختلافِ هذهِ الأحوالِ ، ولذلكَ
قيلَ(٥) :
[من الكامل]
وَتَرَى الْكَرِيمَ إِذَا تَصَرَّمَ وَصْلُهُ يُخْفِي الْقَبِيحَ وَيُظْهِرُ الإِحْسانا
يُخْفِي الْجَمِيلَ وَيُظْهِرُ أَلْبُهْتَانا
وَتَرَى اللَّئِيمَ إِذا تقَضَّى وَصْلُهُ
(١) كذا في ((القوت)) (٢٢٥/٢)، وقد رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) ( ص٩١)
من قول لقمان لابنه .
(٢) قوت القلوب (٢٢٥/٢).
(٣) قوت القلوب (٢٢٥/٢) .
(٤) قوت القلوب (٢٢٦/٢).
(٥) قوت القلوب (٢١٥/٢) حيث قال قبلهما : ( أنشدنا بعض العلماء الحكماء ).
٩٣

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ العباسُ لابنِهِ عبدِ اللهِ : إنِّي أرى هذا الرجلَ - يعني عمرَ رضيَ اللهُ
عنهُ - يقدِّمُكَ على الأشياخ ، فاحفظْ عنِّي خمساً : لا تفشينَّ لهُ سرّاً ،
ولا تغتابنَّ عندَهُ أحداً، ولا تجرينَّ عليهِ كذباً، ولا تعصينَّ لهُ أمراً ،
ولا يطلعنَّ منكَ على خيانةٍ ، فقالَ الشعبيُّ : كلُّ كلمةٍ مِنْ هُذهِ الخمسِ خيرٌ
مِنْ ألفٍ (١) .
ومِنْ ذلكَ : السكوتُ عنِ المماراةِ والمدافعةِ في كلٌّ ما يتكلَّمُ بهِ أخوكَ :
قالَ ابنُ عباسٍ : ( لا تمارِ سفيهاً فيؤذيَكَ، ولا حليماً فيقليَكَ)(٢).
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «مَنْ تركَ المراءَ وهوَ مبطلٌ .. يُنِيَ لهُ
بيتٌ في ربضِ الجنَّةِ ، ومَنْ تركَهُ وهوَ محقٌّ .. بُنِيَ لهُ بيتٌ في أعلى
الجنةِ))(٣)، هذا معَ أنَّ تركَهُ مبطلاً واجبٌ ، وقدْ جعلَ ثوابَ النفلِ أعظمَ ؛
لأنَّ السكوتَ عنِ الحقِّ أشدُّ على النفسِ مِنَ السكوتِ على الباطلِ ، وإنَّما
الأجرُ علىَ قَدْرِ النصبِ .
وأشدُّ الأسبابِ لإثارةِ نارِ الحقدِ بينَ الإخوانِ المماراةُ والمناقشةٌ ؛ فإنَّها
(١) رواه الطبراني في «الكبير)) (٢٦٥/١٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٨/١)، ولم
يذكرا الأخيرتين، وهو عند صاحب ((القوت)) (٢٢٤/٢) من روايتين أدخل إحداهما
في الأخرى .
(٢) رواه أبو داوود في ((الزهد)) ( ٣٤٨) ضمن وصية له .
00
(٣) رواه الترمذي ( ١٩٩٣)، وابن ماجه (٥١ ).
٩٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
عينُ التدابرِ والتقاطع ، فإنَّ التقاطعَ يقعُ أوَّلاً بالآراءِ ، ثُمَّ بالأقوالِ ، ثُمَّ
بالأبدانِ، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا تدابروا ، ولا تباغضوا ،
ولا تحاسدوا ، ولا تقاطعوا ، وكونوا - عبادَ اللهِ - إخواناً ، المسلمُ أخو
المسلمٍ ، لا يظلمُهُ ولا يحرمُهُ ولا يخذلُهُ ، بحسْبِ المرءِ مِنَ الشرِّ أنْ يحقرَ
أخاهُ المسلمَ))(١).
وأشدُّ الاحتقار المماراةُ ؛ فإنَّ منْ ردَّ على غيرِهِ كلامَهُ .. فقدْ نسبَهُ إلى
الجهلِ والحمقِ ، أَوْ إلى الغفلةِ والسهوِ عنْ فهمِ الشيءِ على ما هوَ عليهِ ،
وكلُّ ذلكَ استحقارٌ ، وإيغارٌ للصدرِ وإيحاشٌ .
وفي حديث أبي أمامة الباهليِّ قالَ : خرج علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ونحنُ نتمارى، فغضبَ وقالَ: (( ذَرُوا المراءَ لقلَّةٍ خيرِهِ، وذَرُوا
المراءَ فإنَّ نفعَهُ قليلٌ، وإنَّهُ يهيِّجُ العداوةَ بينَ الإخوانِ))(٢).
وقالَ بعضُ السلفِ : ( مَنْ لاحى الإخوانَ وماراهُمْ .. قلَّتْ مروءَتَهُ ،
وذهبَتْ كرامتُهُ )(٣).
(١) رواه مسلم (٢٥٦٤) .
(٢) رواه أبو إسماعيل الهروي في ((ذم الكلام وأهله)) (٥٧)، وابن عساكر في « تاريخ
دمشق)) (٣٦٧/٣٣) ضمن خبر طويل، وصدره عند الطبراني في ((الكبير))
(١٥٢/٨) .
(٣) قوت القلوب (٢٢٢/٢)، وقد روى البيهقي في ((الشعب)) (٨٠٨١): ((ومن لاحى
الرجال .. سقطت مروءته ، وذهبت كرامته)).
٩٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ الحسنِ : ( إِيَّاكَ ومماراةَ الرجالِ ؛ فإنَّكَ لنْ تعدِمَ مكرَ
حليمٍ ، أوْ مفاجأةَ لئيمٍ)(١) .
وقالَ بعضُ السلفِ : ( أعجزُ الناسِ مَنْ قصَّرَ في طلبِ الإخوانِ ،
وأعجزُ منهُ مَنْ ضِيَّعَ مَنْ ظَفْرَ بهِ منهمْ )(٢) .
وكثرةُ المماراةِ توجبُ التضييعَ والقطيعةَ ، وتورثُ العداوةَ ، وقدْ قالَ
الحسنُ : ( لا تشترِ عداوةَ رجلٍ بموذَّةِ ألفِ رجلٍ )(٣).
وعلى الجملةِ : فلا باعثَ على المماراةِ إلا إظهارُ التمييزِ بمزيدِ العقلِ
والفضلِ ، واحتقارُ المردودِ عليهِ بإظهارِ جهلِهِ ، وهذا يشتملُ على التكثُرِ
والاحتقارِ ، والإيذاءِ والشتْمِ بالحمْقِ والجهلِ ، ولا معنى للمعاداةِ إلا
هذا ، فكيفَ تضافُّهُ الأخرَّةُ والمصافاةُ ؟!
وقدْ روى ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
أنَّهُ قالَ: (( لا تمار أخاكَ، ولا تمازحْهُ، ولا تعدْهُ موعداً فتخلفَهُ))(٤).
(١) رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص٩٨)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(٣٨٨/٢٧) .
(٢) رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص١٠٣).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٢٢/٢)، ورواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص٩٤) عن
إسماعيل بن مسلم .
(٤) رواه الترمذي ( ١٩٩٥ ).
٩٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( إنَّكُمْ لا تسعونَ الناسَ بأموالِكُمْ ،
ولكنْ ليسعْهُمْ منكُمْ بسطُ وجهٍ وحسْنُ خلقٍ))(١) .
والمماراةُ مضادةٌ لحسْنِ الخلقِ .
وقدِ انتهى السلفُ في الحذرِ عنِ المماراةِ والحضِّ على المساعدةِ إلى
حدٍّ لمْ يَروا السؤالَ أصلاً ، وقالوا : إذا قلتَ لأخيكَ : قُمْ، فقالَ : إلى
أينَ؟ .. فلا تصحبْهُ(٢).
كيد
بلْ قالوا : ينبغي أنْ يقومَ ولا يسألَ .
وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ : كانَ لي أخٌ بالعراقِ ، فكنتُ أجيتُهُ في
النوائبٍ ، فأقولُ : أعطني مِنْ مالكَ شيئاً ، فكانَ يلقي إليَّ كيسَهُ ، فآخذُ منهُ
ما أريدُ، فجئتُهُ ذاتَ يومٍ ، فقلتُ : أحتاجُ إلى شيءٍ ، فقالَ: كمْ تُريدُ ؟
فخرجَتْ حلاوةُ إخائِهِ مِنْ قلبِي (٣) .
وقالَ آخرُ : إذا طلبتَ مِنْ أخيكَ مالاً ، فقالَ : ماذا تصنعُ بهِ ؟ .. فقدْ
تركَ حقَّ الإخاءِ(٤).
(١) رواه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (٥٣٦)، والطبراني في « مكارم
الأخلاق)) (١٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٢٤/١)، وأبو نعيم في (( الحلية))
(١٠ /٢٥ ) .
(٢) قوت القلوب (٢/ ٢٢٢).
(٣) قوت القلوب (٢/ ٢٢٢) .
(٤) قوت القلوب (٢/ ٢٢٢).
٩٧

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
واعلمْ : أنَّ قَوامَ الأخوّةِ بالموافقةِ في الكلام والفعلِ وبالشفقةِ ، قالَ
أبو عثمانَ الحيريُّ: (موافقةُ الإخوانِ خيرٌ مِنَ الشفقةِ عليهِمْ)(١)، وهوَ
كما قالَ .
G
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٤/١٠).
٩٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
الحق الرابع: على اللّسان بالنطق
فإنَّ الأَخوَّةَ كما تقتضي السكوتَ عَنِ المكارهِ فتقتضي أيضاً النطقَ
بالمحابِّ ، بلْ هوَ أخصُّ بالأخوَّةِ ؛ لأنَّ مَنْ قنعَ بالسكوتِ .. صحبَ أهلَ
القبورِ ، وإنَّما تُرادُ الإخوانُ ليُستفادَ منهُمْ، لا ليُتخلَّصَ عنْ أذاهُمْ،
والسكوتُ معناهُ كفُّ الأذى .
فعليهِ أنْ يتودَّدَ إليهِ بلسانِهِ ، ويتفقدَهُ في أحوالِهِ التي يحبُّ أنْ يُتفقَّدَ
فيها ؛ كالسؤالِ عَنْ عارضٍ إنْ عرضَ ، وإظهارِ شغْلِ القلبِ بسببِهِ ،
واستبطاءِ العافيةِ عنهُ، وكذا جملةُ أحوالِهِ التي يكرهُها ، ينبغي أنْ
يظهرَ بلسانِهِ وأفعالِهِ كراهتَها ، وجملةُ أحوالِهِ التي يُسرُّ بها ، ينبغي أنْ يظهرَ
بلسانِهِ مشاركتهُ لهُ في السرورِ بها ، فمعنى الأخوَّةِ المساهمةُ في السرَّاءِ
والضرَّاءِ .
وقدْ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إذا أحبَّ أحدُكُمْ أخاهُ .. فليخبرُهُ))(١)،
وإنَّما أمرَ بالإخبارِ لأنَّ ذلكَ يوجبُ زيادةَ حبٍّ ، فإنْ عرفَ أنَّكَ تحبُّهُ ..
أحبَّكَ بالطبع لا محالةَ ، فإذا عرفتَ أنَّهُ أيضاً يحبُّكَ .. زادَ حبُّكَ لا محالةَ ،
فلا يزالُ الحبُّ يتزايدُ مِنَ الجانبينِ ويتضاعفُ .
(١) رواه أبو داوود (٥١٢٤)، والترمذي (٢٣٩٢).
٩٩

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
والتحابُ بينَ المؤمنينَ مطلوبٌ في الشرع ، ومحبوبٌ في الدينِ ،
ولذلكَ علَّمَ فيهِ الطريقَ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((تهادوا تحابُوا)) (١).
ومنْ ذلكَ : أَنْ تدعوَهُ بأحبِّ أسمائِهِ إليهِ في غيبتِهِ وحضورِهِ : قالَ عمرُ
رضيَ اللهُ عنهُ: ( ثلاثٌ يصفينَ لكَ وُدَّ أخيكَ : أنْ تسلُّمَ عليهِ إذا لقيتَهُ
أوّلاً، وتوسعَ لهُ في المجلسِ ، وتدعوَهُ بأحبٌّ أسمائِهِ إليهِ )(٢) .
ومِنْ ذلكَ : أَنْ تثنيَ عليهِ بما تعرفُ مِنْ محاسنٍ أحوالِهِ عندَ مَنْ يؤثرُ هوَ
الثناءَ عندَهُ : فإنَّ ذلكَ مِنْ أعظمِ الأسبابِ في جلْبِ المحبَّةِ ، وكذلكَ الثناءُ
على أولادهِ وأهلِهِ ، وصنعتِهِ وفعلِهِ ، حتَّى على عقلِهِ وخلقِهِ وهيئتِهِ ، وخطِّهِ
وشِعْرِهِ وتصنيفِهِ ، وجميع ما يفرحُ بهِ ، وذلكَ مِنْ غيرِ كذبٍ وإفراطٍ ، ولكنْ
تحسينُ ما يقبلُ التحسينَ لا بدَّ منهُ .
وآكدُ مِنْ ذلكَ: أَنْ تبلغَهُ ثناءَ مَنْ أثنى عليهِ معَ إظهارِ الفرحِ بهِ ، فإنّ
إخفاءَ ذلكَ محضُ الحسدِ .
(١) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٩٤).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٣١٦)، والسلمي في (( آداب الصحبة »
(٤٢)، وقد رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٢٩/٣) مرفوعاً من حديث عثمان بن
طلحة رضي الله عنه .
١٠٠