Indexed OCR Text
Pages 61-80
ربع العادات كتاب آداب الصحبة عر ونعني بالعاقلِ : الذي يفهمُ الأمورَ على ما هيَ عليهِ ؛ إِمَّا بنفسِهِ ، وإمَّا إذا فُهِمَ ومعُلِّمَ . وأمَّا حُسْنُ الخلُقِ : فلا بدَّ منهُ ؛ إذْ ربَ عاقلٍ يدركُ الأشياءَ على ما هيَ عليهِ ولكنْ إذا غلبَهُ غضبٌ أوْ شهوةٌ ، أَوْ بخلٌ أوْ جبنٌ .. أطاعَ هواهُ ، وخالفَ ما هوَ المعلومُ عندَهُ ؛ لعجزِهِ عنْ قهرِ صفاتِهِ ، وتقويمٍ أخلاقِهِ ، فلا خيرَ في صحبتِهِ . % وأمَّا الفاسقُ المصرُّ على الفسقِ : فلا فائدةً في صحبتِهِ ؛ لأنَّ مَنْ يخافُ اللهَ لا يصرُّ على كبيرةٍ ، ومَنْ لا يخافُ اللهَ لا تُؤْمنُ غائلتُهُ ، ولا يُوثقُ بصداقتِهِ ، بلْ يتغيَّرُ بتغيُّرِ الأغراضِ ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿وَلَا نُطِعَ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَُّ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ﴾، وقال تعالى: ﴿ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَنَّبَعَ هَوَنَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن ◌َّنْ تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَوْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ﴾ وقالَ : ﴿ وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ﴾ ، وفي مفهوم ذلكَ زجرٌ عنِ الفاسقِ. وأمَّا المبتدعُ : ففي صحبتِهِ خطرُ سرايةِ البدعةِ ، وتعدِّي شؤمِها إليهِ ، فالمبتدعُ مستحقٌّ للهجرِ والمقاطعةِ ، فكيفَ تُؤْثَرُ صحبتُهُ ؟! وقدْ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ في الحثِّ على طلبِ التديّنِ في الصديقِ فيما ٦١ كتاب آداب الصحبة ربع العادات رواهُ سعيدُ بنُ المسيَّبِ ، قالَ : ( عليكَ بإخوانِ الصدقِ .. تعشْ في أكنافِهِمْ ، فإنَّهُمْ زينةٌ في الرخاءِ ، وعدَّةٌ في البلاءِ ، وضعْ أمرَ أخيكَ على أحسنِهِ حتَّى يجيئَكَ ما يغلبُكَ منهُ، واعتزلْ عدوَّكَ ، واحذرْ صديقَكَ إلا الأمينَ منَ القوم ، ولا أمينَ إلا مَنْ خشيَ اللهَ، ولا تصحبِ الفاجرَ فتتعلَّمَ مِنْ فجورِهِ ، ولا تطلعْهُ على سرِّكَ ، واستشرْ في أمرِكَ الذين يخشونَ اللهَ تعالى)(١) . وأمَّا حسنُ الخلُق .. فقدْ جمعَهُ علقمةُ العُطارديُّ في وصيَتِهِ لابنِهِ لمَّا حضرَتْهُ الوفاةُ، قالَ : ( يا بنيَّ ؛ إنْ عرضَتْ لكَ إلى صحبةِ الرجالِ حاجةٌ .. فاصحبْ مَنْ إذا خدمتَهُ .. صانَكَ، وإنْ صحبتَهُ .. زانَكَ، وإنْ قعدَتْ بكَ مؤنةٌ .. مانَكَ، اصحبْ مَنْ إذا مددَتْ يدَكَ بخيرٍ .. مدَّها، وإنْ رأى منكَ حسنةً .. عدَّها، وإن رأى سيئةً .. سدَّها، اصحبْ مَنْ إذا سألتَهُ .. أعطاكَ، وإِنْ سكتَ .. ابتداكَ، وإنْ نزلَتْ بكَ نازلةٌ .. واساكَ ، اصحبْ مَنْ إذا قلتَ .. صدَّقَ قولَكَ، وإنْ حاولتما أمراً .. أمَّرَكَ، وإنْ تنازعتُما .. آثْرَكَ)(٢). در حن فكأنَّهُ جمعَ بهذا جميعَ حقوقِ الصحبةِ ، وشرطَ أنْ يكونَ قائماً تر جنى (١) قوت القلوب (٢١٥/٢) ضمن وصية له، وقد رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) ( ص٨٩ ) . (٢) رواه صاحب ((القوت)) (٢١٦/٢) عن يحيى بن أكثم ، روى ذلك الخبر عن علقمة العطاردي للمأمون ، والسياق عنده . ٦٢ ۔ ربع العادات كتاب آداب الصحبة بجميعِها ، قالَ ابنُ أكثمَ : قالَ المأمونُ : فأينَ هذا؟! فقيلَ لهُ : أتدري لِمَ أوصاهُ بذلكَ ؟ قالَ: لا ، قالَ : لأنَّهُ أرادَ ألا يصحبَ أحداً . وقالَ بعضُ الأدباءِ : ( لا تصحبْ مِنَ الناسِ إلا مَنْ يكتمُ سرَّكَ ، ويسترُ عيبَكَ ، ويكونُ معكَ في النوائبِ ، ويؤثرُكَ بالرغائبِ ، وينشرُ حسنَكَ ، ويطوي سيِّتَكَ، فإنْ لمْ تجدْهُ . . فلا تصحبْ إلا نفسَكَ)(١) . وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ(٢): [من الرجز] إِنَّ أَخَاكَ أَلْحَقَّ مَنْ كَانَ مَعَكْ وَمَنْ يَضُرُّ نَفْسَهُ لِيَنْفَعَكْ وَمَنْ إِذا رَيْبُ زَمَانٍ صَدَعَكْ شَتَّتَ شَمْلَ نَفْسِهِ لِيَجْمَعَكْ وقالَ بعضُ العلماءِ : ( لا تصحبْ إلا أحدَ رجلينِ: رجلٌ تتعلَّمُ منهُ شيئاً مِنْ أمرٍ دينِكَ فينفعُكَ، ورجلٌ تعلَّمُهُ شيئاً منْ أمرِ دِينِهِ فيقبلُ منكَ ، والثالثُ فاهربْ منهُ )(٣) . وقالَ بعضُهُمْ: ( الناسُ أربعةٌ : فواحدٌ حلْوٌ كلُّهُ فلا يُشبعُ منهُ، وآخرُ موّ كلُّهُ فلا يُؤْكلُ منهُ ، وآخرُ فيهِ حموضةٌ فخذْ مِنْ هذا قبلَ أنْ يأخذَ منكَ ، (١) قوت القلوب (٢٢٦/٢) . (٢) والذي في ((القوت)) (٢٢٠/٢): (وروينا عن الحسن بن علي عليهما السلام في وصف الأخ كلاماً رجزاً جامعاً مختصراً) وذكرهما ، والبيتان مما نسب للمأمون ، وانظر ((عيون الأخبار)) (٤/٣)، و((الجليس الصالح الكافي)) (٣٥٨/١). (٣) قوت القلوب (٢٢٦/٢). ٦٣ كتاب آداب الصحبة ربع العادات وآخرُ فيهِ ملوحةٌ فخذْ منهُ وقتَ الحاجةِ فقطْ)(١). وقالَ جعفرٌ الصادقُ رضيَ اللهُ عنهُ : لا تصحبْ خمسةً : الكذابُ ؛ فإنَّكَ منهُ على غررٍ ، وهوَ مثلُ السرابِ ، يقرِّبُ منكَ البعيدَ ، ويبعِّدُ منكَ القريبَ ، والأحمقُ ؛ فإنَّكَ لستَ منهُ على شيءٍ، يريدُ أنْ ينفعَكَ فيضرَّكَ ، والبخيلُ ؛ فإنَّهُ يقطعُ بكَ أحوجَ ما تكونُ إليهِ ، والجبانُ ؛ فإنَّهُ يسلمُكَ ويفرُ عندَ الشدّةِ ، والفاسقُ ؛ فإنَّهُ يبيعُكَ بأكلةٍ أوْ أقلَّ منها ، فقيلَ : وما أقلُّ منها ؟ قالَ : الطمعُ فيها ثمَّ لا ينالُها(٢). وقالَ الجنيدُ : ( لأَنْ يصحيَني فاسقُ حسَنُ الخلقِ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ يصحبَني قارىءٌ سيِّىُ الخُلُقِ)(٣). وقالَ ابنُ أبي الحَواري : قالَ لي أستاذي أبو سليمانَ : ( يا أحمدُ ؛ لا تصحبْ إلا أحدّ رجلينِ : رجلاً ترتفقُ بهِ في أمرٍ دنياكَ ، أَوْ رجلاً تزيدُ معَهُ وتنتفعُ بهِ في أمرٍ آخرتِكَ، والاشتغالُ بغيرِ هذينٍ حمقٌ كبيرٌ) (٤) . وقالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ : ( اجتنبْ صحبةَ ثلاثةٍ مِنْ أصنافِ الناسِ : (١) قوت القلوب (٢٣٧/٢). (٢) قوت القلوب (٢٣٧/٢)، والقول لأبي جعفر محمد بن علي يخاطب ابنه جعفر بن محمد رضي الله عنهم، ونحوه رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٨٣/٣)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤١ /٤٠٩). (٣) حكاه الحافظ الزبيدي عن صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٢٠٢/٦). (٤) قوت القلوب (٢٢٦/٢). ٦٤ ربع العادات كتاب آداب الصحبة الجبابرةِ الغافلينَ، والقرَّاءِ المداهنينَ، والمتصوِّفةِ الجاهلينَ )(١). واعلمْ : أنَّ هذهِ الكلماتِ أكثرُها غيرُ محيطٍ بجميع أغراضِ الصحبةِ ، والمحيطُ ما ذكرناهُ مِنْ ملاحظةِ المقاصدِ ، ومراعاةِ الشروطِ بالإضافةِ إليها ، فليسَ ما يُشترطُ للصحبةِ في مقاصدِ الدنيا مشروطاً في الصحبةِ في الآخرةِ والأخوَّةِ؛ كما قالَهُ بشرُ بنُ الحارثِ : ( الإخوةُ ثلاثةٌ: أخٌ لآخرتِكَ، وأخٌ لدنياكَ، وأخٌ لتأنسَ بهِ )(٢) ، وقلَّما تجتمعُ هذهِ المقاصدُ في واحدٍ ، بلْ تتفرَّقُ على جمع ، فتتفرَّقُ الشروطُ فِيهِمْ لا محالةَ . وقدْ قالَ المأمونُ : ( الإخوانُ ثلاثةٌ : أحدُهُمْ مثلُهُ مثلُ الغذاءِ لا يُستغنىُ عنهُ، والآخرُ مثلُهُ مثلُ الدواءِ يُحتاجُ إليهِ في وقتٍ دونَ وقتٍ ، والثالثُ مثلُهُ مثلُ الداءِ لا يُحتاجُ إليهِ قطَّ، ولكنَّ العبدَ قدْ يُبتلى بهِ ، وهوَ الذي لا أنسَ فيهِ ولا نفعَ)(٣). وقدْ قيلَ : ( مثلُ جملةِ الناسِ مثلُ الشجرِ والنباتِ ، فمنها ما لهُ ظلٌّ وليسَ لهُ ثمرٌ ، وهوَ مثلُ الذي يُنتَفَعُ بهِ في الدنيا دونَ الآخرةِ ، فإنَّ نفعَ الدنيا كالظلِّ السريع الزوالِ ، ومنها ما لهُ ثمرٌ وليسَ لهُ ظلٌّ، وهوَ مثلُ الذي يصلحُ للآخرةِ دون الدنيا ، ومنها ما لهُ ثمرٌ وظلٌّ جميعاً، ومنها ما ليسَ لهُ واحدٌ منهما ؛ كأمّ غَيْلانَ ، تمزِّقُ الثيابَ ولا طعمَ فيها ولا شرابَ، ومثلُهُ (١) رواه الأزدي في ((طبقات الصوفية)) ( ص١٠٢) عن يحيى بن معاذ. (٢) قوت القلوب (٢٢٦/٢) بنحوه . (٣) قوت القلوب (٢٢٦/٢). ٦٥ كتاب آداب الصحبة ربع العادات مِنَ الحيواناتِ الفأرةُ والعقربُ؛ كما قال تعالى: ﴿يَدْعُوْ لَمَنْ ضَرُّهُ: أَقْرِبُ مِن نَّفْعِةٍ، لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾﴾(١). وقال الشاعرُ(٢): [من البسيط] لا يَسْتَوُونَ كَمَا لا يَسْتَوِي الشَّجَرُ أُلنَّاسُ شَتَّى إِذا ما أَنْتَ ذُقْتَهُمُ وَذاكَ لَيْسَ لَهُ طَعْمٌ وَلَا ثَمَرُ هَـذَا لَهُ ثَمَرٌ حُلْوٌ مَذاقَتُهُ فإذاً؛ مَنْ لمْ يجدْ رفيقاً يؤاخيهِ ويستفيدُ بهِ أحدَ هذهِ المقاصدِ .. فالوحدةُ أولى بهِ ، قالَ أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( الوحدةُ خيرٌ مِنَ الجليسِ السوء، والجليسُ الصالحُ خيرٌ مِنَ الوحدةِ) ويُروى مرفوعاً(٣). وأمَّا الديانةُ وعدمُ الفسقِ : فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَّ﴾، ولأنَّ مشاهدةَ الفسقِ والفسَّاقِ تهوِّنُ أمرَ المعصيةِ على القلبِ ، وتبطلُ نفرةَ القلبِ عنها ، وقالَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ : ( لا تنظروا إلى (١) قوت القلوب (٢٢٧/٢)، وشجرة أم غيلان : شجرة الغضا، وهو شوك البرية، وسميت به لما تزعم العرب أنها مأوى شياطين الجن ، كذا أفاده الحافظ الزبيدي ، وحكى في ((تاج العروس)) أن لها ثمراً أحلى من العسل ، ونقل عن شيخه ردًّ سبب التسمية وقول من قال : ( أم غيلان ) على أنها جمع غول . ٢ (٢) البيتان للمؤمِّل بن أميل. انظر ((لباب الآداب)) (٧٨/٢). (٣) رواه ابن أبي عاصم في ((الزهد)) (٦٥)، ورواه مرفوعاً الحاكم في ((المستدرك)) (٣٤٣/٣) من حديثه . ٦٦ ربع العادات كتاب آداب الصحبة الظلمةِ فتحبطَ أعمالُكُمُ الصالحةُ)(١) . بلْ هؤلاءِ لا سلامةَ في مخالطتِهِمْ ، وإنَّما السلامةُ في الانقطاع عنهُمْ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ أيْ : سلامةً، والألفُ بدلٌ مِن الهاءِ ، ومعناهُ: إنَّا سَلِمْنا مِنْ إثمِكُمْ، وأنتُمْ سلمتُمْ مِنْ شرِّنا(٢) . وأمَّا الحريصُ على الدنيا : فصحبتُهُ سٌّ قاتلٌ ؛ لأنَّ الطباعَ مجبولةٌ على التشُّهِ والاقتداءِ ، بلِ الطبعُ يسرقُ مِنَ الطبع مِنْ حيثُ لا يدري صاحبُهُ ، فمجالسةُ الحريصِ على الدنيا تحرِّكُ الحرْصَ ، ومجالسةُ الزاهدِ تزهِّدُ في الدنيا ، فلذلكَ تُكُرهُ صحبةُ طلَّبِ الدنيا ، وتُستحبُّ صحبةُ الراغبينَ في الآخرةِ . ٨. ٨٠ قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( أحيوا الطاعاتِ بمجالسةِ مَنْ يُستحيا منهُ )(٣). حري (١) قوت القلوب (٢٣٥/٢) . (٢) قوت القلوب (٢٣٥/٢)، ومثال الإبدال قول مكرز بن حصن : تبدَّل حصْنٌ بأزواجه عِشاراً وعَبقرةً عبقرا أراد : عبقرةً ، فأبدل من الهاء ألفاً ، وفي الآية لازدواج الكلم ومراعاة الفاصلة . (٣) حكاه السلمي في ((آداب الصحبة)) (٣٣). ٦٧ كتاب آداب الصحبة ربع العادات وقالَ أحمدُ ابنُ حنبلِ رحمَهُ اللهُ: ( ما أوقعَني في بليَّةٍ إلا صحبةُ مَنْ لا أحتشمُهُ)(١). وقالَ لقمانُ : ( يا بنيَّ ؛ جالسِ العلماءَ، وزاحمْهُمْ بركبتيكَ ؛ فإنَّ القلوبَ لتحيا بالحكمةِ كما تحيا الأرضُ الميتةُ بوابلِ القطرِ )(٢) . فهذا ما أَرَدْنا أنْ نذكرَهُ مِنْ معاني الأخوَّةِ وشروطِها وفوائدِها ، فلنشرع الآنَ في ذكرٍ حقوقِها ولوازمِها ، وطريقِ القيام بها . (١) رواه السلمي في ((آداب الصحبة)) (٣٤). (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) (١٠٠٢/٢) بلاغاً، وعند البيهقي في ((المدخل إلى السنن الكبرى)» (٤٤٥) عن عبيد الله بن عمر رضي الله عنهما. ٦٨ ربع العادات كتاب آداب الصحبة البَابُ الثَّاني في حقوق الأخوة والصحية اعلمْ : أَنَّ عقدَ الأُخوَّةِ رابطةٌ بينَ الشخصينِ كعقدِ النكاحِ بينَ الزوجينِ ، وكما يقتضي النكاحُ حقوقاً يجبُ الوفاءُ بها قياماً بحقِّ النكاح كما سبقَ ذكرُهُ في كتابِ آدابِ النكاحِ .. فكذا عقدُ الأخوّةِ ، فلأخيكَ عليكَ حقٌّ في المالِ ، وفي النفسِ ، وفي اللسانِ ، وفي القلبِ ، بالعفوِ ، وبالدعاءِ ، وبالإخلاصِ والوفاءِ ، وبالتخفيفِ وتركِ التكلَّفِ والتكليفِ ، وذلكَ يجمعُهُ ثمانيةٌ حقوقٍ : ٩٠٠٩٠ الحقّ الأوّل: سيفى المال قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مثلُ الأخوينِ مثلُ اليدينِ تغسلُ إحداهما الأُخرى)»(١)، وإنَّما شبَّهَهُما باليدينِ لا باليدِ والرِّجْلِ لأَنَّهُما يتعاونانِ على غرضٍ واحدٍ ، فكذا الأخوانِ إنَّما تتمُّ أخوَّتَهُما إذا توافقا في (١) قوت القلوب (٢١٤/٢)، وقد رواه السلمي في ((آداب الصحبة)) ( ١٢٨)، وابن شاهين في ((الترغيب والترهيب)) (٤٣٣)، والديلمي في (( مسند الفردوس)) (٦٤١١)، ورواه الحربي في ((الحربيات)) عن سلمان رضي الله عنه موقوفاً، وحكى سنده الحافظ الزبيدي في (( الإتحاف)) ( ٦ /١٧٤ ). ٦٩ كتاب آداب الصحبة ربع العادات مقصدٍ واحدٍ ، فهما مِنْ وجهٍ كالشخصِ الواحدِ ، وهذا يقتضي المساهمةَ في السرَّاءِ والضرَّاءِ ، والمشاركةَ في المآلِ والحالِ ، وارتفاعَ الاختصاصِ والاستئثارِ . والمواساةُ بالمالِ معَ الأخوَّةِ على ثلاثِ مراتبَ : أدناها : أنْ تنزلَهُ منزلةَ عبدِكَ أو خادمِكَ ، فتقومَ بحاجتهِ مِنْ فضلةِ مالكَ، فإذا سنحَتْ لهُ حاجةٌ ، وكانَتْ عندكَ فضلةٌ على حاجتِكَ .. أعطيتَهُ ابتداءً ، ولمْ تحوجْهُ إلى السؤالِ ، فإنْ أحوجتَهُ إلى السؤالِ .. فهوَ غايةٌ التقصيرِ في حقِّ الأخوّةِ . الثانيةُ : أَنْ تنزلَهُ منزلةً نفسِكَ، وترضى بمشاركتِهِ إِيَّاكَ في مالِكَ ، ونزولِهِ منزلتَكَ، حتَّى تسمحَ بمشاطرتِهِ المالَ . قالَ الحسنُ : ( كانَ أحدُهُمْ يشقُّ إزارَهُ بِينَهُ وبينَ أخيهِ باثنينٍ )(١) . الثالثةُ - وهيَ العليا - : أنْ تؤثرَهُ على نفسِكَ، وتقدِّمَ حاجتَهُ على حاجتِكَ ، وهذهِ رتبةُ الصدِّيقينَ ، ومنتهى درجاتِ المتحابِّينَ ، ومِنْ تمامٍ هُذهِ الرتبةِ الإيثارُ بالنفسِ أيضاً ؛ كما رُوِيَ أنَّهُ سُعِيَ بجماعةٍ مِنَ الصوفيّةِ إلى بعضِ الخلفاءِ ، فأمرَّ بضربِ رِقابِهِمْ ، وفيهِمْ أبو الحسينِ النوريُّ ، فبادرَ إلى السَّفِ ليكونَ هوَ أوَّلَ مقتولٍ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ : فقالَ : أحببتُ أنْ ـجر عن (١) حكى الحافظ الزبيدي نقله عن صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٢٠٤/٦). ٧٠ ربع العادات کتاب آداب الصحبة أوئرَ إخواني بالحياةِ في هذهِ اللحظةِ ، فكانَ ذلكَ سببَ نجاةٍ جميعِهِمْ ، في حكايةٍ طويلةٍ(١). فإنْ لمْ تصادفْ نفسَكَ في رتبةٍ مِنْ هذهِ الرتبِ معَ أخيكَ .. فاعلمْ أنَّ عقدَ الأخوّةِ لمْ ينعقدْ بعدُ في الباطنِ ، وإنَّما الجاري بينَكُما مخالطةٌ رسميَّةٌ ، لا وقعَ لها في العقلِ والدينِ ، فقدْ قالَ ميمونُ بنُ مهرانَ : ( مَنْ رضيَ مِن الإخوانِ بتركِ الأفضالِ .. فليؤاخ أهلَ القبورِ)(٢). حر وأمَّا الدرجةُ الدنيا .. فليسَتْ أيضاً مرضيةً عندَ ذوي الدينِ ، رُوِيَ أنَّ عتبةَ الغلامَ جاءَ إلى منزلِ رجلٍ كانَ قدْ آخاهُ ، فقالَ : أحتاجُ مِنْ مالِكَ إلى أربعةِ آلافٍ، فقالَ: خُذ ألفينِ، فأعرضَ عنهُ وقالَ : آثرتَ الدنيا على اللهِ، أما استحييتَ أنْ تدَّعيَ الأخوَّةَ في اللهِ وتقولَ هذا؟!(٣). ومنْ كانَ في الدرجةِ الدنيا مِنَ الأخوَّةِ ينبغي ألا تعاملَهُ في الدنيا ، قالَ أبو حازم : ( إذا كانَ لكَ أخٌ في اللهِ تعالى .. فلا تعاملْهُ في أمورٍ دنياكَ)(٤)، وإنَّما أرادَ بهِ مَنْ كانَ في هذهِ الرتبةِ . (١) رواها أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٥٠/١٠)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٤١٩). (٢) كذا في ((القوت)) (٢٢٣/٢)، ورواه بنحوه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٣٦٢/٦١) . (٣) قوت القلوب (٢٢٢/٢). (٤) نقله الحافظ الزبيدي عن صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٢٥٠/٦). ٧١ كتاب آداب الصحبة ربع العادات وأمَّا الرتبةُ العليا .. فهيَ التي وصفَ اللهُ تعالى المؤمنينَ بها في قولِهِ : ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أيْ: كانوا خلطاءَ في الأموالِ ، لا يميزُ بعضُهُمْ رحلَهُ عنْ بعضٍ(١) . وكانَ فيهِمْ مَنْ لا يصحبُ مَنْ قالَ: نعلي؛ لأنَّهُ أضافَهُ إلى نفسِهِ (١). وجاءَ فتحُ الموصليُّ إلى منزلِ أخٍ لَهُ وكانَ غائباً ، فأمرَ جاريتهُ فأخرجَتْ صندوقَهُ ، ففتحَهُ وأخرجَ حاجتَهُ ، فأخبرَتِ الجاريةُ مولاها ، فقالَ : إِنْ صدقتٍ .. فأنتِ حرَّةٌ لوجهِ اللهِ ؛ سروراً بما فعلَ (١) . وجاءَ رجلٌ إلى أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ وقالَ : إنِّي أريدُ أنْ أوْاخيَكَ في اللهِ ، فقالَ : أتدري ما حقُّ الإخاءِ ؟ قالَ : عرِّفْني، قالَ: ألَّ تكونَ أحقَّ بدينارِكَ ودرهمِكَ مِنِّي ، قالَ: لمْ أبلغْ هذهِ المنزلةَ بعدُ ، قالَ : فاذهبْ عنِّي(٢) . وقالَ عليٍّ بنُ الحسينِ رضيَ اللهُ عنهُما لرجلٍ : هلْ يدخلُ أحدُكُمْ يدَهُ في كمِّ أخيهِ أوْ كيسِهِ فيأخذُ منهُ ما يريدُ بغيرِ إذنٍ ؟ قالَ : لا ، قالَ : فلستُم بإخوانٍ (٣). (١) قوت القلوب (٢/ ٢٢٢). (٢) قوت القلوب (٢٢٣/٢). (٣) كذا في ((القوت)) (٢٢٣/٢)، والخبر رواه ابن أبي الدنيا في ((الإخوان)) ( ١٥٩)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (١٨٧/٣) عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر رضي الله عنهما . ٧٢ ربع العادات كتاب آداب الصحبة ودخلَ قومٌ على الحسنِ رضيَ اللهُ عنهُ ، فقالوا : يا أبا سعيدٍ ؛ أصلَّيتَ؟ قالَ : نعمْ ، قالوا : فإنَّ أهلَ السوقِ لمْ يصلُّوا بعدُ ، قالَ : ومنْ يأخذُ دينَهُ مِنْ أهلِ السوقِ ؟! بلغَني أنَّ أحدَهُمْ يمنعُ أخاهُ الدرهمَ . قالَهُ كالمتعجِّبِ منهُ(١) . وجاءَ رجلٌ إلى إبراهيمَ بنِ أدهمَ رحمهُ اللهُ وهوَ يريدُ بيتَ المقدسِ ، فقالَ لهُ : إنِّي أريدُ أنْ أرافقَكَ ، فقالَ لهُ إبراهيمَ : علىُ أنْ أكونَ أملكَ الشيئِكَ منكَ ، قَالَ: لا، قالَ: أعجبَني صدقُكَ(٢). وكانَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ رحمهُ اللهُ إذا رافقَهُ رجلٌ لمْ يخالفْهُ ، وكانَ لا يصحبُ إلا مَنْ يوافقُهُ، وصحبَهُ رجلٌ شرَّاكٌ (٣)، فأهدى رجلٌ إلى إبراهيمَ في بعضٍ المنازلِ قصعةً مِنْ ثريدٍ ، ففتحَ جِرابَ رفيقِهِ وأخذَ حزمةٌ مِنْ شُرُكٍ، وجعلَها في القصعةِ ، وردّها إلى صاحبِ الهديَّةِ ، فلمَّا جاءَ رفيقُهُ قالَ : أينَ الشُّرُكُ ؟ قالَ : ذلكَ الثريدُ الذي أكلتّهُ أَيْشٍ كانَ ؟ قالَ : كنتَ تعطيهِ شراكينٍ أوْ ثلاثةً ، قالَ : اسمحْ .. يسمحْ لكَ (٤) . وأعطى مرَّةً حماراً كانَ لرفيقِه بغيرِ إذنِهِ رجلاً رآهُ راجلاً ، فلمّا (١) رواه أحمد في ((الزهد)) (١٦٦٨). (٢) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٢٨/٨)، وفي رواية عنده زيادة: ( فنعم الصاحب أنت ) . (٣) شرَّاك: وهو الذي يعمل الشَّرَك للنعال. ((إتحاف)) (٢٠٦/٦). (٤) قوت القلوب (٢٢٣/٢). ٧٣ كتاب آداب الصحبة ربع العادات جاءَ رفيقُهُ .. سكتَ ولمْ يكرهْ ذلكَ(١) . قالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : أُهديَ لرجلٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رأسُ شاةٍ ، فقالَ : أخي فلانٌ أحوجُ مِنِّي إليهِ ، فبعثَ بهِ إليهِ ، فبعثَهُ ذلكَ الإنسانُ إلى آخرَ ، فلمْ يَزِلْ يبعثُ بهِ واحدٌ إلى آخرَ حتَّى رجعَ إلى الأوَّلِ بعدَ أنْ تداولَهُ سبعةٌ (٢) . ورُوِيَ أنَّ مسروقاً ادَّانَ ديناً ثقيلاً، وكانَ على أخيهِ خيثمةَ دينٌ ، قالَ : فذهبَ مسروقٌ فقضى دينَ خيثمةَ وهوَ لا يعلمُ ، وذهبَ خيثمةُ فقضى دينَ مسروقٍ وهوَ لا يعلمُ(٣) . ولمَّا آخى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ وسعدِ بنِ الربيع .. آثرهُ سعدٌ بالمالِ والنفسِ ، فقالَ : باركَ اللهُ لكَ فيهما ، فآثرَهُ عبدُ الرحمنِ بما آثْرَهُ بهِ ، وكأنَّهُ قبلَهُ ثمَّ آثرَهُ بهِ ، وذلكَ مساواةٌ ، والبدايةُ إيثارٌ، والإيثارُ أفضلُ مِنَ المساواةِ (٤). وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُ : ( لَوْ أَنَّ الدنيا كلَّها لي ، فجعلتُها في فمٍ أخٍ مِنْ إخواني .. لاستقللْتُها لهُ)(٥). (١) كذا في ((القوت)) (٢٢٣/٢) وبنحوه رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٤/٧). (٢) انظر ((الإتحاف)) (٣٩٨/١). (٣) قوت القلوب (٢١٧/٢). (٤) كذا في ((القوت)) (٢٢٤/٢)، وقصة إيثار سعد لعبد الرحمن رضي الله عنهما عند البخاري ( ٣٧٨٠) . (٥) قوت القلوب (٢٢٤/٢). ٧٤ ربع العادات كتاب آداب الصحبة وقال أيضاً : ( إنِّي لألقمُ اللقمةَ أخاً مِنْ إخواني، فأجدُ طعمَها في حلقي )(١) . ولمَّا كانَ الإنفاقُ على الإخوانِ أفضلَ مِنَ الصدقاتِ على الفقراءِ .. قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( لعشرونَ درهماً أعطيها أخي في اللهِ .. أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أتصدَّقَ بمئةِ درهمٍ على المساكينِ )(٢). وقال أيضاً : ( لأنْ أصنعَ صاعاً مِنْ طعامٍ وأجمعَ عليهِ إخواني في اللهِ .. أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أعتقَ رقبةٌ)(٣). واقتداءُ الكلِّ في الإيثارِ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ فإنَّهُ دخلَ غيضةً معَ بعضِ أصحابِهِ ، فاجتنى منها سواكينِ ؛ أحدُهُما معوجٌّ ، والآخرُ مستقيمٌ ، فدفعَ المستقيمَ إلى صاحبِهِ ، فقالَ لهُ : يا رسولَ اللهِ ، كنتَ واللهِ أحقَّ بالمستقيمِ مِنِّي، فقالَ: (( ما منْ صاحبٍ يصحبُ صاحباً ولوْ ساعةً مِنَ النهارِ إلا سُئِلَ عنْ صحبتِهِ : هلْ أقامَ فيها حقَّ اللهِ أمْ أضاعَهُ ؟))(٤) . وخرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى بئرٍ يغتسلُ عندَها ، فأمسكَ (١) قوت القلوب (٢٢٤/٢) . (٢) قوت القلوب (٢٢٤/٢) . (٣) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٦٦). (٤) كذا في ((القوت)) (٢٣٧/٢)، وقد رواه بنحوه الطبري في ((تفسيره )) (١١٢/٥/٤)، وابن حبان في ((المجروحين)) (١٥٦/١)، والنهرواني في ((الجليس الصالح)) (٣٩٥/١) . :55 ٧٥ كتاب آداب الصحبة ربع العادات حذيفةُ بنُ اليمانِ الثوبَ وقامَ يسترُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى اغتسلَ ، ثمَّ جلسَ حذيفةُ ليغتسلَ ، فتناولَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الثوبَ ، وقامَ يسترُ حذيفةَ عنِ الناسِ ، فأبىُ حذيفةُ وقالَ : بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللهِ؛ لا تفعلْ، فأبى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلا أنْ يسترَهُ بالثوبِ حتَّى اغتسلَ (١) . فأشارَ بهذا إلى أنَّ الإيثارَ هوَ القيامُ بحقِّ الله عزَّ وجلَّ في الصحبةِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما اصطحبَ اثنانِ قطَّ إلا كانَ أحبُّهُما إلى اللهِ تعالى أرفقَهُما بصاحبهِ))(٢) . ورُوِيَ أنَّ مالكَ بنَ دينارٍ ومحمدَ بنَ واسعٍ دخلا منزلَ الحسنِ وكانَ غائباً ، فأخرجَ محمدُ بنُ واسع سلَّةً فيها طعامٌ مِنْ تحتِ سريرِ الحسنِ ، فجعل يأكلُ ، فقالَ لهُ مالكٌ: كفَّ يدَكَ حتَّى يجيءَ صاحبُ البيتِ ، فلمْ يلتفتْ محمدٌ إلى قولِهِ ، وأقبلَ على الأكلِ ، وكانَ أبسطَ منهُ وأحسنَ خلقاً ، فدخلَ الحسنُ ، فقالَ : يا مويلِكُ ؛ هكذا كنّا ، لا يحتشمُ بعضُنا عنْ بعضٍ حتّى ظهرتَ أنتَ وأصحابُكَ (٣). (١) قال الحافظ الزبيدي: (أخرجه ابن أبي عاصم في ((الوحدان))). ((إتحاف )) ( ٦ / ٢٠٧ ) . (٢) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٤٤)، وابن حبان في «صحيحه)) ( ٥٦٦)، وفيه هناك: ( أشدهما حباً لصاحبه)، واللفظ المثبت في ((القوت)) (٢١٧/٢) . (٣) كذا في ((القوت)) (٢٣٢/٢)، ورواه ابن قدامة في ((المتحابين)) (١١١). ٧٦ ربع العادات كتاب آداب الصحبة وأشارَ بهذا إلى أنَّ الانبساطَ في بيوتِ الإخوانِ مِنَ الصفاءِ في الأخوّةِ ، كيفَ وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، وقالَ: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَهُ﴾ إذْ كانَ الأخُ يدفعُ مفتاحَ بيتِهِ إلى أخيهِ ، ويفوِّضُ التصرُّفَ كما يريدُ ، وكانَ يتحرَّجُ عنِ الأكلِ بحكمِ التقوىُ، حتَّى أنزلَ اللهُ هُذهِ الآيةَ ، وأذنَ لهُمْ في الانبساطِ في طعامِ الإخوانِ والأصدقاءِ(١). ٠۵ (١) ثم قال عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيَكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا﴾ بحضرة الإخوان ﴿أُوْ أَشْتَاتًا﴾ حال تفرقهم، فسوَّى بين غيبتهم ومشهدهم ؛ لتسوية إخوانهم بينهم وبين أملاكهم ، واستواء قلوبهم مع ألسنتهم في البذل والمحبة لتناول المبذول ، وهذا تحقيق. ((إتحاف)) (٢٠٨/٦) . ٧٧ كتاب آداب الصحبة ربع العادات الحقّ الثّاني: في الإعانة النفس في قضاء الحاجات والقيام بها قبل السؤال، وتقديمها على الحاجات الخاصة وهذهِ أيضاً لها درجاتٌ كما للمواساةِ بالمالِ ، فأدناها القيامُ بالحاجةِ عندَ السؤالِ والقدرةِ ، ولكنْ معَ البشاشةِ والاستبشارِ ، وإظهارِ الفرحِ وقبولِ المنَّةِ . قالَ بعضُهُمْ: ( إذا استقضيتَ أخاكَ حاجةٌ فلمْ يقضِها .. فذكِّرْهُ ثانيةً ؛ فلعلَّهُ أنْ يكونَ قَدْ نسيَ ، فإنْ لمْ يقضِها .. فكبِّرْ عليهِ ، واقرأْ هذهِ الآيةَ : ﴿ وَالْمَوْنَى يَبْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾﴾(١). ٧٠٠٠٧ وقضى ابنُ شُبْرُمَةً حاجةٌ لبعضٍ إخوانِهِ كبيرةً ، فجاءَهُ بهديَّةٍ ، فقالَ : ما هذا؟! قالَ: لما أسديتَهُ إليَّ، فقالَ: خذْ مالَكَ عافاكَ اللهُ، إذا سألتَ أخاكَ حاجةً ، فلمْ يجهدْ نفسَهُ في قضائِها .. فتوضَّأْ للصلاةِ وكبِّرْ عليهِ أربعَ تكبيراتٍ ، وعدُّهُ في الموتى(٢) . وقالَ جعفرُ بنُ محمدٍ : ( إنِّي لأتسارعُ إلى قضاءِ حوائج أعدائي مخافةً أنْ أردَّهُمْ فيستغنوا عنِّي )(٣) ، هذا في الأعداءِ، فكيفَ في الأصدقاءِ ؟! (١) قوت القلوب (٢٢٣/٢). (٢) كذا في ((القوت)) (٢٢٣/٢)، ورواه البيهقي في (( الشعب)) (١٠٤١٨)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٣٠٦/٣٤) . حن (٣) رواه السلمي في (( آداب الصحبة)) ( ١٤٩). ٧٨ ربع العادات كتاب آداب الصحبة وكانَ في السلفِ مَنْ يتفقَّدُ عيالَ أخيهِ وأولادَهُ بعدَ موتِهِ أربعينَ سنةً يقومُ بحاجتِهِمْ(١)، ويتردَّدُ كلَّ يومٍ إليهِمْ، ويمونُهُمْ بمالِهِ ، فكانوا لا يفقدونَ مِنْ أبيهِمْ إلا عينَهُ، بلْ كانوا يرونَ منهُ ما لمْ يرَوا مِنْ أبيهِمْ في حياتِهِ . وكانَ الواحدُ منهُمْ يتردّدُ إلى بابِ دارِ أخيهِ ويسألُ ويقولُ : هلْ لكُمْ زيتٌ؟ هلْ لكُمْ ملحٌ ؟ هلْ لكُمْ حاجةٌ ؟ وكانَ يقومُ بها مِنْ حيثُ لا يعرفُهُ أخوهُ، وبهذا تظهرُ الشفقةُ والأخوَّةُ(٢) . فإذا لمْ تثمرِ الشفقةُ حتَّى يشفقَ على أخيهِ كما يشفقُ على نفسِهِ .. فلا خيرَ فيها ، قالَ ميمونُ بنُ مهرانَ : ( مَنْ لمْ تنتفعْ بصداقتِهِ .. لمْ تضرَّكَ عداوتُهُ ) . وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ألا وإنَّ للهِ أوانيَ في أرضِهِ ، وهيَ القلوبُ ، فأحبُّ القلوبِ إلى اللهِ تعالى أصفاها وأصلبُها وأرقُّها))(٣)، . والي - مالى (١) روى ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٣١٠) عن الحسن قال: ( إن كان الرجل ليخلف أخاه في أهله بعد موته أربعين سنة ) . (٢) روى ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٤٣٢/٤٨) عن الفضيل وقد سأله رجل عن المؤاخاة : ( إن كان الرجل ليحفظ ولد أخيه من بعد موته يتعاهدهم أربعين خمسين سنة عمره كله ، يأتي أهله فيقوم على بابه فيقول : هل لكم من حاجة ؟ تريدون شيئاً ؟ عندکم دقیق ؟ عند کم سویق ؟ عند کم زیت ؟ عندکم حطب ؟ عندكم كذا ؟ حتى يسألهم عن الكسوة ، فيقولون : نعم ، فيقول : أروني ، فإن كان عندهم ، وإلا .. اشترى لهم الخادم بخمس مئة درهم ) . (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٩٧/٦) من حديث أبي أمامة مرفوعاً ، ونحوه من حديث أبي عنبسة الخولاني رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) ( ٨٤٠) بنحوه ، واللفظ هنا = ٧٩ معر كتاب آداب الصحبة ربع العادات أصفاها مِنَ الذنوبِ ، وأصلبُها في الدينِ ، وأرقُّها على الإخوانِ . وبالجملةِ : فينبغي أنْ تكونَ حاجةُ أخيكَ مثلَ حاجتِكَ ، أَوْ أهمّ مِنْ حاجتِكَ ، وأنْ تكونَ متفقِّداً لأوقاتِ الحاجةِ ، غيرَ غافلٍ عنْ أحوالِهِ ؛ كما لا تغفُلُ عنْ أحوالِ نفسِكَ ، وتغنيَهُ عنِ السؤالِ وإظهارِ الحاجةِ إلى الاستعانةِ ، بلْ تقومُ بحاجتِهِ كأنَّكَ لا تدري أنَّكَ قمتَ بها ، ولا ترى لنفسِكَ حقّاً بسببٍ قيامِكَ بها ، بل تتقلَّدُ منَّةً بقبولِهِ سعيَكَ في حقِّهِ وقيامَكَ بأمرِهِ . ولا ينبغي أنْ تقتصرَ على قضاءِ الحاجةِ ، بلْ تجتهدُ في البدايةِ بالإكرامِ في الزيادةِ ، والإيثارِ والتقديمِ على الأقاربِ والولدِ . كانَ الحسنُ يقولُ : ( إخوانُنا أحبُّ إلينا مِنْ أهلِنا وأولادنا ؛ لأنَّ أهلَنا يذكِّرونَنَا الدنيا وإخوانَنَا يذكَّروننا الآخرةَ)(١). وقالَ الحسنُ : ( مَنْ شَيَّعَ أخاهُ في اللهِ .. بعثَ اللهُ ملائكةٌ مِنْ تحتِ = عند صاحب ((القوت)) (١١٧/١) عن علي رضي الله عنه، وسيأتي للمصنف في وصف القلب . (١) قوت القلوب (٢١٩/٢) عن الحسن وأبي قلابة، وفيه (٢٢٠/٢) قال: (وكان عبد الله بن الحسن البصري يصرف إخوان الحسن إذا جاؤوا لطول لبثهم عنده ولشدة شغله بهم ، فيقول لهم: لا تملُّوا الشيخ ، فكان الحسن إذا علم ذلك .. يقول : دعهم يا لكع ؛ فإنهم أحب إلي منكم ، هؤلاء يحبوني لله عز وجل ، وأنتم تريدوني للدنيا ) . ٨٠