Indexed OCR Text

Pages 21-40

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
لا أفطرُهُ، وقمتُ الليلَ لا أنامُهُ ، وأنفقتُ مالي عِلْقاً عِلْقاً في سبيلِ اللهِ ،
أموتُ يومَ أموتُ وليسَ في قلبي حبُّ لأَهلِ طاعةِ اللهِ ، وبغضٌ لأهلِ
معصيةِ اللهِ .. ما نفعَني ذلكَ شيئاً )(١).
وقالَ ابنُ السمَّاكِ عندَ موتِهِ : ( اللهمَّ ؛ إنَّكَ تعلمُ أنِّي إذا كنتُ
أعصيكَ .. كنتُ أحبُّ مَنْ يطيعُكَ، فاجعلْ ذلكَ قربةً لي إليكَ)(٢) .
وقالَ الحسنُ على ضدِّهِ : ( يا بنَ آدَمَ ؛ لا يغرنَّكَ قولُ مَنْ يقولُ :
(( المرءُ مَعَ مَنْ أحبَّ))؛ فإنَّكَ لنْ تلحقَ الأبرارَ إلا بأعمالِهِمْ؛ فإنَّ اليهودَ
والنَّصارى يحبُّونَ أنبياءَهُمْ وليسوا معَهُمْ)(٣) .
وهذهِ إشارةٌ إلى أنَّ مجرَّدَ ذلكَ مِنْ غيرِ موافقةٍ في بعضِ الأعمالِ أوْ
كلُّها .. لا ينفعُ(٤).
(١) قوت القلوب (٢١٨/٢) بنحوه ، والعِلْق: النفيس من كل شيء.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٣٤٧).
(٣) ذكر الحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة )) (ص٣٧٩) أنه رواه العسكري من جهة
داوود بن المحبر .
(٤) والموافقة في بعضها يكون بأصل الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فقد يكون
العبد صادقاً في حبه مقصراً في حقه كما يقول أبو عثمان الحيري ، وانظر كلام الحافظ
البيهقي في ((الشعب)) (٤٩٥ - ٤٩٨)، وقد حكى الحديث الذي رواه البخاري
(٦٧٨٠): أن رجلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله، وكان
يلقب حماراً ، وكان يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه
وسلم قد جلده في الشراب ، فأتي به يوماً ، فأمر بجلده ، فقال رجل من القوم :
اللهم ؛ العنه ، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تلعنوه ؛
فوالله ما علمتُ إلا أنه يحب الله ورسوله )) .
٢١
ـرة

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
وقالَ الفضيلُ في بعضٍ كلامِهِ : ( هاه ؛ تريدُ أنْ تسكنَ الفردوسَ ،
وتجاورَ الرحمنَ في دارِهِ معَ النبيِّينَ والصِّديقينَ والشهداءِ والصالحينَ ؟ بأيِّ
عملٍ عملتَهُ ؟! بأيِّ شهوةٍ تركتَها؟! بأيِّ غيظٍ كظمتَهُ ؟! بأيِّ رحمٍ قاطعٍ
وصلتَها؟! بأيِّ زلَّةٍ لأخيكَ غفرتَها؟! بأيِّ قريبٍ باعدتَهُ في اللهِ ؟! بأيِّ بعيد
قاربتَهُ في اللهِ ؟!)(١) .
زيت
ويُروىُ أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى موسى عليهِ السلامُ : هلْ عملتَ لي عملاً
قطُّ ؟ فقالَ : إِلاهي؛ إنِّي صلَّيتُ لكَ، وصمتُ ، وتصدَّقْتُ وزَّيتُ ،
فقالَ : إِنَّ الصلاةَ لكَ برهانٌ، والصومَ جُنَّةٌ ، والصدقةَ ظلٌّ ، والذكرُ نورٌ ،
فأيَّ عملٍ عملتَ لي ؟ قالَ موسى عليهِ السلامُ : إلهي ؛ دلَّني على عملٍ هوَ
لكَ ، قالَ : يا موسى ؛ هلْ واليتَ لي وليّاً قطَّ، وهلْ عاديتَ فيَّ عدوّاً
قطُّ ؟ فعلمَ موسى عليهِ السلامُ أنَّ أفضلَ الأعمالِ الحبُّ في اللهِ والبغضُ
في اللهِ(٢).
٠٩
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( لوْ أنَّ رجلاً قامَ بينَ الركنِ والمقامِ
يعبدُ اللهَ سبعينَ سنةً .. لبعثَهُ اللهُ يومَ القيامةِ معَ مَن يحبُّ)(٣).
ـحر
(١) وهذا الخبر هو مجموع خبرين رواهما أبو نعيم في ((الحلية)) (٨٥/٨، ٩٠).
(٢) روى الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ١٦٦)، وأبو نعيم في
(«الحلية)) (٣١٧/١٠) بنحوه، وفي (ب): (والزكاة نور)، وفي (هـ) :
( والذكر أنس ) .
(٣) رواه الدارمي في ((سننه)) (٣١٨، ٣١٩) بنحوه عن علي وسلمان رضي الله عنهما .
٢٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحية
وقالَ الحسنُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( مصارمةُ الفاسقِ قربانٌ إلى اللهِ)(١).
وقالَ رجلٌ لمحمدٍ بنِ واسع : إنِّي لأَحِبُّكَ في اللهِ ، فقالَ : أحبَّكَ الذي
أحببتَي لهُ، ثمَّ حوَّلَ وجهَهُ وقالَ: اللَّهُمَّ ؛ إنِّي أعوذُ بكَ أنْ أُحبَّ فيكَ
وأنتَ لي مبغضٌ (٢).
ودخلَ رجلٌ على داوودَ الطائيِّ، فقالَ لهُ : ما حاجتُكَ ؟ فقالَ :
زيارتُكَ، فقالَ : أَمَّا أنتَ .. فقدْ عملتَ خيراً حينَ زرتَ ، ولكنِ انظرْ ماذا
ينزلُ بي إذا قيلَ لي : مَنْ أنتَ فتزارَ ؟ أمِنَ الزهَّادِ أنتَ ؟ لا واللهِ ، أمِنَ العبَّادِ
أنتَ ؟ لا واللهِ ، أمِنَ الصالحينَ أنتَ؟ لا واللهِ، ثمَّ أقبلَ يوبِّخُ نفسَهُ
ويقولُ : كنتُ في الشبيبةِ فاسقاً ، فلمَّا شِخْتُ .. صرْتُ مرائياً ، واللهِ ؛
لَلْمُرائي شرٌّ مِنَ الفاسقِ .
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إذا أصابَ أحدُكُمْ ودّاً مِنْ أخيهِ .. فليتمسّكْ
بهِ ، فقلَّما يصيبُ ذلكَ )(٣).
وقالَ مجاهدٌ : ( المتحابُّون في اللهِ تعالى إذا التقوا فكَشرَ بعضُهُمْ إلى
(١) رواه أبو إسماعيل الهروي في ((ذم الكلام وأهله)) ( ٦٩٣).
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٦) من زيادات نعيم بن حماد، وأبو نعيم في
(( الحلية)) (٣٤٨/٢) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)» (١٥١/٥٦).
(٣) قوت القلوب (٢/ ٢١٤) .
٢٣

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
بعضٍ .. تتحاتُ عنهُمُ الخطايا كما يتحاثُّ ورقُ الشجرِ في الشتاءِ إذا
يبسَ)(١) .
وقالَ الفضيلُ : ( نظرُ الرجلِ إلى وجهِ أخيهِ على المودَّةِ والرحمةِ
عبادةٌ )(٢) .
(١) كذا في ((القوت)) (٢١٧/٢)، وكشر: ضحك، وقد روى الطبراني في (( الكبير))
(٢٥٦/٦) مرفوعاً: ((إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم، فأخذ بيده .. تحاتَّت عنهما
ذنوبهما كما تتحات الورق من الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف ... )) الحديث .
(٢) قوت القلوب (٢١٧/٢) .
٢٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
بيان معنى الأخوة في الله، وتمييزها عن الأخوة في الدنيا
اعلمْ : أنَّ الحبَّ في اللهِ والبغضَ في اللهِ غامضٌ، وينكشفُ الغطاءُ عنهُ
بما نذكرُهُ، وهوَ أنَّ الصحبةَ تنقسمُ إلى ما يقعُ بالاتفاقِ ؛ كالصحبةِ بسببٍ
الجوارِ ، أَوْ بسببِ الاجتماع في المكتبِ ، أَوْ في المدرسةِ ، أوْ في
السوقِ ، أوْ على بابِ السلطانِ ، أَوْ في الأسفارِ ، وإلى ما ينشأُ اختياراً
ويُقصدُ ، وهوَ الذي نريدُ بيانَهُ ؛ إذِ الأخوّةُ في الدينِ واقعةٌ في هذا القسمِ
لا محالةَ ، إذْ لا ثوابَ إلا على الأفعالِ الاختياريةِ ، ولا ترغيبَ إلا فيها ،
والصحبةُ عبارةٌ عنِ المجالسةِ والمخالطةِ والمجاورةِ ، وهذهِ الأمورُ
لا يقصدُ الإنسانُ بها غيرَهُ إلا إذا أحبَّهُ؛ فإنَّ غيرَ المحبوبِ يُجتنبُ ويُساعدُ ،
ولا تُقُصدُ مخالطتُهُ .
والذي يُحبُّ فإمَّا أنْ يُحبَّ لذاتِهِ لا ليُتوصَّلَ بهِ إلى محبوبٍ ومقصودٍ
وراءَهُ ، وإمَّا أَنْ يُحبَّ للتوصُّلِ بهِ إلى مقصودٍ ، وذلكَ المقصودُ إمَّا أنْ يكونَ
مقصوراً على الدنيا وحظوظِها ، وإمَّا أنْ يكونَ متعلقاً بالآخرةِ ، وإمَّا أنْ
يكونَ متعلقاً باللهِ تعالى ، فهذهِ أربعةُ أقسامٍ .
أمَّا القسمُ الأوَّلُ : وهوَ حبُّكَ الإِنسانَ لذاتِهِ :
فذلكَ ممكنٌ ، وهوَ أنْ يكونَ هوَ في ذاتِهِ محبوباً عندَكَ ، على معنى أنَّكَ
تلتذُّ برؤيتِهِ ومعرفتِهِ ومشاهدةِ أخلاقِهِ ؛ لاستحسانِكَ لهُ ، فإنَّ كلَّ جميلٍ لذيذٌ
٢٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
في حقِّ مَنْ أَدركَ جمالَهُ ، وكلُّ لذيذٍ محبوبٌ، واللذَّةُ تتبعُ الاستحسانَ ،
والاستحسانُ يتبعُ المناسبةَ والملاءمةَ والموافقةَ بينَ الطباعِ .
ثمَّ ذلكَ المستحسنُ إمَّا أنْ يكونَ هوَ الصورةَ الظاهرةَ ؛ أعني : حسنَ
الخِلْقَةِ ، وإمَّا أنْ يكونَ هوَ الصورةَ الباطنةَ ؛ أعني : كمالَ العقلِ وحسنَ
الأخلاقِ ، ويتبعُ حسنَ الأخلاقِ حسنُ الأَفعالِ لا محالةَ ، ويتبعُ كمالَ العقلِ
غزارةُ العلمِ ، وكلُّ ذلكَ مستحسنٌ عندَ الطبع السليمِ والعقلِ المستقيمِ ،
وكلُّ مستحسنٍ مستلذّ بهِ ومحبوبٌّ ، بلْ في ائتلافِ القلوبِ أمرٌ أغمضُ مِنْ
هذا ؛ فإنَّهُ قَدْ تستحكمُ الموذَّةُ بينَ شخصينٍ مِنْ غيرِ مَلاحةٍ في صورةٍ ،
ولا حسنٍ في خَلْقٍ وخُلُقٍ ، ولكنْ لمناسبةٍ باطنةٍ توجبُ الألفةَ والموافقةً ؛
فإنَّ شبهَ الشيءِ منجذبٌ إليهِ بالطبع، والأشباهُ الباطنةُ خفيَّةٌ ، ولها أسبابٌ
دقيقةٌ ليسَ في قوَّةِ البشرِ الاطلاعُ عليها .
وعنْ ذلكَ عبَّرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قالَ: ((الأرواحُ
جنودٌ مجنّدةٌ، فما تعارفَ منها .. ائتلفَ، وما تناكرَ منها .. اختلفَ))(١)،
فالتناكرُ نتيجةُ التباينِ ، والائتلافُ نتيجةُ التناسبِ الذي عبَّرَ عنهُ بالتعارفِ .
وفي بعضِ الألفاظِ: ((الأرواحُ جنودٌ مجنّدةٌ تلتقي، فَتَشْامُّ في الهواءِ))(٢)
(١) رواه مسلم ( ٢٦٣٨) .
(٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٥٢١٦)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة))
(١٩٦٨/٤)، قال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٨٢/٦) بعد أن نقل تخريج هذا
الحديث عن الحافظ العراقي : ( ورأيت بالهامش نقلاً من خط الحافظ ابن حجر
=
٢٦

ربع العادات
جيم.
كتاب آداب الصحبة
وقدْ كنَّى بعضُ العلماءِ عنْ هذا بأنْ قالَ : ( إنَّ اللهَ تعالى خلقَ
الأرواحَ ، ففلقَ بعضَها فلْقاً، وأطافَها حولَ العرشِ ، فأيُّ روحينٍ مِنْ
فلقتينِ تعارفا هناكَ فالتقيا .. تواصلا في الدنيا)(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ أرواحَ المؤمنينِ ليلتقيانِ على مسيرةٍ
يومٍ وما رأى أحدُهُما صاحبَهُ قطُ))(٢).
ورُوِيَ أنَّ امرأةٌ بمكةً كانَتْ تُضحكُ النساءَ ، وكانَتْ بالمدينةِ أخرى ،
فنزلَتِ المكيَّةُ على المدنيَّةِ ، فدخلَتْ على عائشةَ رضيَ اللهُ عنها ،
فأضحكَتْها ، فقالَتْ : أينَ نزلتِ ، فذكرَتْ لها صاحبتَها ، فقالَتْ:
صدقَ اللهُ ورسولُهُ، سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ:
((الأرواحُ جنودٌ مجنّدةٌ ... )) الحديثَ(٣).
ما نصه : حديث علي اختلفوا في رفعه ووقفه ، وقد روي من حديث ابن مسعود ) .
وحديث ابن مسعود رضي الله عنه رواه البيهقي في ((الشعب)) (٨٦٢٠) قال :
( الأرواح جنود مجندة ، تلاقى فتشامُ كما تشامُّ الخيل ، فما تعارف ... ) الخبر .
(١) قوت القلوب (٢٣٥/٢).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٢٠/٢)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٦١).
(٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٨٦٢١)، وفي هذا المعنى ما روى أبو نعيم في
((الحلية)) (٨٤/٢) أنه لما اجتمع أويس بهرم بن حيان العبدي ولم يكن لقيه قبلُ ..
خاطبه أويسٌ باسمه ، فتعجب لذلك هرمٌ وقال : يرحمك الله ! من أين عرفت اسمي
واسم أبي ؟ فوالله ما رأيتك قط ولا رأيتني ، قال : عرفت روحي روحك حيث كلمت
نفسي ؛ لأن الأرواح لها أنفس كأنفس الأجساد ، وإن المؤمنين يتعارفون بروح الله عز
وجل ، وإن نأت بهم الدار وتفرقت بهم المنازل .
٢٧

1
كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
والحقُّ في هذا : أنَّ المشاهدةَ والتجربةَ تشهدُ للائتلافِ عندَ التناسبِ ،
والتناسبُ في الطباع والأخلاقِ باطناً وظاهراً أمرٌ مفهومٌ .
وأمَّا الأسبابُ التي أوجبَتْ تلكَ المناسبةَ .. فليسَ في قوَّةِ البشرِ الاطلاعُ
عليها ، وغايةُ هذيانِ المنجِّم أنْ يقولَ : إذا كانَ طالعُهُ على تسديسٍ طالع
غيرِهِ أَوْ تثليثِهِ (١) .. فهذا نظرُ الموافقةِ والموذَّةِ؛ فتقتضي التناسبَ والتوادّ ،
وإذا كانَ على مقابلتِهِ أوْ تربيعِهِ .. اقتضى التباغضَ والعداوةَ ! وهذا لوْ
صدقَ بكونِهِ كذلكَ في مجاري سنَّةِ اللهِ في خلقِ السماواتِ والأرضِ .. لكانَ
الإشكالُ فيهِ أكثرَ مِنَ الإشكالِ في أصلِ التناسبِ ؛ فلا معنى للخوضِ فيما
لا يُكشفُ سرُّهُ للبشرِ ، فما أوتينا مِنَ العلمِ إلا قليلاً .
ويكفينا في التصديقِ بذلكَ التجربةُ والمشاهدةُ ؛ فقدْ وردَ الخبرُ بهِ ، قالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ أنَّ مؤمناً دخلَ إلى مجلسٍ فيهِ مئةُ منافقٍ ومؤمنٌ
واحدٌ .. لجاءَ حتَّى يجلسَ إليهِ، ولوْ أنَّ منافقاً دخلَ إلى مجلسٍ فيه مئةُ
مؤمنٍ ومنافقٌ واحدٌ .. لجاءَ حتَّى يجلسَ إليهِ))(٢)، وهذا يدلُّ على أنَّ شبهَ
الشيءٍ منجذبٌ إليهِ بالطبع وإنْ كانَ هوَ لا يشعرُ بهِ .
(١) طالع اليوم هو البرج الذي فيه الشمس ، وطالع الساعة هو برجها الذي هو مختص بها .
((إتحاف)) ( ٦ /١٨٣ ).
(٢) رواه أبو الشيخ في ((الأمثال)) (١٠٨) مرفوعاً، وأوقفه البيهقي في ((الشعب))
(٨٦٢٠) على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقد ذكر قريباً، وأوله: (الأرواح
جنود مجندة ... ) الحديث .
٢٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وكانَ مالكُ بنُ دينارٍ يقولُ : ( لا يتفقُ اثنانِ في عشرةٍ إلا وفي أحدِهِما
وصفٌ مِنَ الآخرِ ، وإنَّ أشكالَ الناسِ كأجناسِ الطيرِ ، ولا يتفقُ نوعانٍ مِنَ
الطيرِ في الطيرانِ إلا وبينَهُما مناسبةٌ ) ، قالَ : فرأى يوماً غراباً معَ حمامةٍ ،
فعجبَ مِنْ ذلكَ ، فقالَ : اتفقا وليسَا مِنْ شكلٍ واحدٍ ! ثمَّ طارا ، فإذا هما
أعرجانِ ، فقالَ : مِنْ ههنا اتفقا (١).
ولذلكَ قالَ بعضُ الحكماءِ : كلُّ إنسانٍ يأنسُ إلى شكلِهِ ، كما أنَّ كلَّ
طيرٍ يطيرُ معَ جنسِهِ ، وإذا اصطحبَ اثنانِ برهةً مِنْ زمانٍ ولم يتشاكلا في
الحالِ .. فلا بدَّ أنْ يفترقا(٢)، وهذا معنىَ خفيٌّ تفطَّنَ لهُ الشعراءُ حتَّى قَالَ
قائلُهُمْ (٣):
[من السريع]
فَقُلْتُ قَوْلاً فِيهِ إِنْصافُ
وَقائِلٍ كَيْفَ تَفَارَقْتُما
وَالنَّاسُ أَشْكالٌ وَأُلَّفُ
لَمْ يَكُ مِنْ شَكْلِي فَفارَقْتُهُ
(١) قوت القلوب (٢٣٥/٢)، أما الغراب .. فإنه يمشي مشية الأعرج، وأما الحمامة ..
فكان أصابها العرج حقيقة ، فقوله : ( هما أعرجان ) على التغليب ، أو كان العرج
فيهما حقيقة. ((إتحاف)) (٦ /١٨٤).
وقال الحافظ الزبيدي أيضاً : ( وهذه الحكاية اشتهر بين الخواص نسبتها للمصنف ،
وأنه هو الذي كان يقول بالمناسبة ، وهو الذي رأى غراباً وبلبلاً يمشيان متفقين في
صحن المسجد الأقصى ، فلما رأوا ذلك .. أنكروا على المصنف ، فتعجب من ذلك
حتى كاد أن يقول بعدم التناسب ، فبينما كذلك إذ أخذ بحجر فرماهما به ، فطارا ، فإذا
البلبل أعرج، فقال: من هلهنا اتفقا). ((إتحاف)) (٦ / ١٨٤).
(٢) قوت القلوب (٢٣٥/٢) .
(٣) البيتان لمحمد بن حازم الباهلي في ((ديوانه)) ( ص ٧٥ ).
٢٩

كتاب آداب الصحبة
ـوم
ربع العادات
فقدْ ظهرَ مِنْ هذا أنَّ الإنسانَ قدْ يُحبُّ لذاتِهِ ، لا لفائدةٍ تُنَالُ منهُ في حالٍ
أوْ مآلٍ ، بلْ لمجرَّدِ المجانسةِ والمناسبةِ في الطباع الباطنةِ والأخلاقِ
الخفيَّةِ .
واسعة.
ويدخلُ في هذا القسمِ الحبُّ للجمالِ إذا لمْ يكنِ المقصودُ قضاءَ
الشهوةِ ؛ فإنَّ الصورةَ الجميلةَ مستلذَّةٌ في عينِها وإنْ قُدِّرَ فقدُ أصلِ الشهوةِ ،
حتَّى يُستلذُّ النظرُ إلى الفواكِهِ ، والأنوارِ والأزهارِ ، والتفاحِ المشربِ
بالحمرةِ ، وإلى الماءِ الجاري والخضرةِ .. مِنْ غيرِ غرضٍ سوى عينِها .
وهذا الحبُّ لا يدخلُ فيهِ الحبُّ للهِ ، بلْ هوَ حبٌّ بالطبع وشهوةِ النفسِ ،
ويُتصوَّرُ ذلكَ ممَّنْ لا يُؤْمنُ باللهِ ، إلا أنَّهُ إذا اتصلَ بهِ غرضٌ مذمومٌ .. صارَ
مذموماً ؛ كحبِّ الصورةِ الجميلةِ لقضاءِ الشهوةِ حيثُ لا يحلُّ قضاؤها ، وإنْ
لمْ يتصلْ بهِ غرضٌ مذمومٌ .. فهوَ مباحٌ لا يُوصفُ بحمدٍ ولا بذمِّ ؛ إذِ الحبُّ
إمَّا محمودٌ ، وإمَّا مذمومٌ، وإمَّا مباحٌ لا يُحمدُ ولا يُذمُّ .
القسمُ الثاني : أنْ يحبَّهُ لينالَ مِنْ ذاتِهِ غيرَ ذاتِهِ :
فيكونَ وسيلةً إلى محبوبٍ غيرِهِ ، والوسيلةُ إلى المحبوبِ محبوبٌ ،
وما يُحبُّ لغيرِهِ كانَ ذلكَ الغيرُ هوَ المحبوبَ بالحقيقةِ ، ولكنَّ الطريقَ إلى
المحبوبِ محبوبٌ ، ولذلكَ أحبَّ الناسُ الذهب والفضةَ ولا غرضَ فيهما ؛
إذْ لا يُطعمانِ ولا يُشربانِ ، ولكنَّهما وسيلةٌ إلى المحبوباتِ ، فمِنَ الناسِ مَنْ
٣٠

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
يُحبُّ كما يُحبُّ الذهب والفضةُ مِنْ حيثُ إنَّهُ وسيلةٌ إلى المقصودِ ؛ إذْ
يتوصَّلُ بهِ إلى نيلِ جاهٍ أوْ مالٍ أوْ علمٍ ؛ كما يحبُّ الرجلُ سلطاناً لانتفاعِهِ
بمالِهِ أوْ جاهِهِ ، ويحبُّ خواصَّهُ لتحسينِهِمْ حالَهُ عندَهُ، وتمهيدِهِمْ أمرَهُ في
قلبهِ ، فالمتوسَّلُ إليهِ إنْ كانَ مقصورَ الفائدةِ على الدنيا .. لمْ يكنْ حِبُّهُ مِنْ
جملةِ الحبِّ في اللهِ .
وإنْ لمْ يكنْ مقصورَ الفائدةِ على الدنيا ، ولكنَّهُ ليسَ يقصدُ بهِ إلا الدنيا ؛
كحبُّ التلميذِ لأستاذِهِ ، فهوَ أيضاً خارجٌ عنِ الحبِّ للهِ؛ فإنَّهُ إنَّما يُحبُّهُ
ليحصِّلَ منهُ العلمَ لنفسِهِ ، فمحبوبُهُ العلمُ ، فإذا كانَ لا يقصدُ العلمَ للتقرُّبِ
إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، بلْ لينالَ بهِ الجاهَ والمالَ والقبولَ عندَ الخلقِ ..
فمحبوبُهُ الجاهُ والقبولُ ، والعلمُ وسيلةٌ إليهِ ، والأستاذُ وسيلةٌ إلى العلم ،
فليسَ في شيءٍ مِنْ ذلكَ حبّ للهِ ؛ إذْ يُتصوَّرُ كلُّ ذلكَ ممَّنْ لا يؤمنُ باللهِ تعالى
أصلاً .
ثُمَّ ينقسمُ هذا أيضاً إلى مذموم ومباح ، فإنْ كانَ يقصدُ بهِ التوصُّلَ إلى
مقاصدَ مذمومةٍ ؛ مِنْ قهرِ الأقرانِ ، وحيازةِ أموالِ اليتامى ، وظلمِ الرعيّةِ
بولايةِ القضاءِ أوْ غيرِهِ .. كانَ الحبُّ مذموماً ، وإنْ كانَ يقصدُ بهِ التوصُّلَ إلى
مباحٍ .. فهوَ مباحٌ، وإنَّما تكتسبُ الوسيلةُ الحكمَ والصفةَ مِنَ المقصدِ
المتوسَّلِ إليهِ ؛ فإنَّها تابعةٌ لهُ ، غيرُ قائمةٍ بنفسِها .
٣١

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
القسمُ الثالثُ : أَنْ يحبَّهُ لا لذاتِهِ ، بلْ لغيرِهِ ، وذلكَ الغيرُ ليسَ راجعاً إلى
حظوظِهِ في الدنيا ، بلْ يرجعُ إلى حظوظِهِ في الآخرةِ :
فهذا أيضاً ظاهرٌ لا غموضَ فيهِ ، وذلكَ كمَنْ يحبُّ أستاذَهُ وشيخَهُ لأنَّهُ
يتوسَّلُ بهِ إلى تحصيلِ العلمِ وتحسينِ العملِ ، ومقصودُهُ مِنَ العلمِ والعملِ
الفوزُ في الآخرةِ ، فهذا مِنْ جملةِ المحبِّيْنَ في اللهِ .
وكذلكَ مَنْ يحبُّ تلميذَهُ لأنَّهُ يتلقَّفُ منهُ العلمَ ، وينالُ بواسطتِهِ رتبةً
التعليمِ ، ويرقى بهِ إلى درجةِ التعظيمٍ في ملكوتِ السماءِ ؛ إذْ قالَ عيسى
عليهِ السلامُ : ( مَنْ علمَ وعملَ وعلَّمَ .. فذلكَ يُدعىُ عظيماً في ملكوتٍ
السماءِ)(١) ، ولا يتمُّ التعليمُ إلا بمتعلُّم، فهوَ إذاً آلةٌ في تحصيلِ هذا
الكمالِ ، فإنْ أحبَّهُ لأنَّهُ آلةٌ لَهُ ؛ إذْ جعلَ صدرَهُ مزرعةٌ لحرثِهِ الذي هوَ سببُ
ترقِّيهِ إلى رتبةِ العظمةِ في ملكوتِ السماءِ .. فهوَ محبٌّ في اللهِ .
بلِ الذي يتصدَّق بأموالِهِ للهِ ، ويجمعُ الضيفانَ ، ويهِّئُ لهُمُ الأطعمةَ
اللذيذةَ الغريبةَ تقرُّباً إلى اللهِ ، فأحبَّ طبَّاخاً لحسْنِ صنعتِهِ في الطبيخِ .. فهوَ
في جملةِ المحبِّينَ في اللهِ عزَّ وجلَّ، وكذا لوْ أحبَّ مَنْ يتولَّى لهُ إيصالَ
الصدقةِ إلى المستحقّينَ .. فقدْ أحبَّهُ في اللهِ .
بلْ نزيدُ على هذا ونقولُ : إذا أحبَّ مَنْ يخدمُهُ بنفسِهِ في غسْلِ ثيابِهِ ،
وكنسٍ بيتِهِ ، وطبخ طعامِهِ ، ويفرِّغُهُ بذلكَ للعلمِ والعملِ ، ومقصودُهُ منِ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٩٣/٦)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله))
( ٧٩١، ١٢١٦ ) .
٣٢

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
استخدامِهِ في هذهِ الأعمالِ الفراغُ للعبادةِ .. فهوَ محبٌّ في اللهِ .
بلْ نزيدُ عليهِ ونقولُ : إذا أحبَّ مَنْ ينفقُ عليهِ مالَهُ ، ويواسيهِ بکسوتِهِ
وطعامِهِ ومسكنِهِ ، وجميع أغراضِهِ التي يقصدُها في دنياهُ ، ومقصودُهُ مِنْ
جملةِ ذلكَ الفراغُ للعلمِ والعملِ المقرِّبِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ .. فهوَ محبّ
في اللهِ ، فقدْ كانَ جماعةٌ مِنَ السلفِ تكفَّلَ بكفايتِهِمْ جماعةٌ مِن أولي
الثروةِ ، وكانَ المواسِي والمواسَىُ جميعاً مِنَ المتحابِّينَ في اللهِ .
بلْ نزيدُ على ذلكَ ونقولُ : مَنْ نكح امرأةً صالحةً ليتحصَّنَ بها عنْ
وساوسِ الشيطانِ ، ويصونَ بها دينَهُ ، أَوْ ليُولدَ لهُ منها ولدٌ صالحٌ يدعو لهُ ،
وأحبّ زوجتهُ لأنَّها آلتُهُ في هذهِ المقاصدِ الدينيةِ .. فهوَ محبٌّ في اللهِ
تعالى، ولذلكَ وردَ في الأخبارِ وفورُ الأجرِ والثوابِ على الإنفاقِ على
العيالِ ، حتَّى اللقمةِ يضعُها الرجلُ في في امرأتِهِ .
بلْ نقولُ : كُّ مَنِ استُهِرَ بحبِّ اللهِ وحبِّ رضائِهِ ، وحبِّ لقائِهِ في الدارِ
الآخرةِ ، فإذا أحبَّ غيرَهُ كانَ محبّاً في اللهِ ؛ لأنَّهُ لا يُصوَّرُّ أنْ يحبَّ شيئاً إلا
المناسبتِهِ لما هوَ محبوبٌ عندَهُ ، وهوَ رضا اللهِ عزَّ وجلَّ .
بلْ أزيدُ على هذا وأقولُ : إذا اجتمعَ في قلبِهِ محبَّانِ ؛ محبَّةُ اللهِ ومحبّةُ
الدنيا ، واجتمعَ في شخصٍ واحدٍ المعنيانِ جميعاً، حتَّى صلحَ لأنْ
يتوسَّلَ بهِ إلى اللهِ وإلى الدنيا ، فإذا أحبَّهُ لصلاحِهِ للأمرينِ .. فهوَ مِنَ
المحبِّينَ في اللهِ ؛ كمَنْ يحبُّ أستاذَهُ الذي يعلِّمُهُ الدينَ ويكفيهِ مهمَّاتٍ
الدنيا بالمواساةِ بالمالِ ، فأحبَّهُ مِنْ حيثُ إنَّ في طبعِهِ طلبَ الراحةِ في الدنيا
٣٣
حں

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
والسعادة في الآخرةِ ، فهوَ وسيلةٌ إليهما .. فهوَ محبٍّ في اللهِ .
وليسَ مِنْ شرطِ حبِّ اللهِ ألا يحبّ في العاجلِ حظّاً ألبتةَ ؛ إذِ الدعاءُ الذي
أمرَ بهِ الأنبياءُ صلواتُ اللهِ عليهِمْ وسلامُهُ فيهِ جمعٌ بينَ الدنيا والآخرةِ ، ومِنْ
ذلكَ قولُهُمْ: ((ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً))(١) .
وقالَ عيسىُ عليهِ السلامُ في دعائهِ : ( اللَّهُمَّ ؛ لا تَشْمِتْ بي عدوِّي ،
ولا تسُؤْ بِي صديقي ، ولا تجعلْ مصيبتي في ديني ، ولا تجعلِ الدنيا أكبرَ
همِّي)(٢) ، فدفعُ شماتةِ الأعداءِ مِنْ حظوظِ الدنيا ، ولمْ يقلْ: ( ولا تجعلِ
الدنيا أصلاً مِنْ همِّي ) ، بلْ قالَ : ( لا تجعلْها أكبرَ همِّي ) .
وقال نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في دعائِهِ: ((اللَّهُمَّ؛ إنِّي أسألُكَ رحمةً
أنالُ بها شرفَ كرامتِكَ في الدُّنيا والآخرةِ)) (٣).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((اللَّهُمَّ ؛ عافني مِنْ بلاءِ الدُّنيا وعذابٍ
الآخرةِ )) (٤) .
(١) رواه مسلم (٢٦٨٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ( ٩٦٧٢).
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٧/١١)، وأحمد في ((الزهد)) (٤٩٢).
(٣) هو جزء من حديث طويل رواه الترمذي (٣٤١٩).
(٤) رواه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٦٦/٢) ولفظه: ((وأعوذ بك من جهد بلاء الدنيا
ومن عذاب الآخرة))، ونحوه عند أحمد في ((المسند)) (١٨١/٤) ولفظه: ((اللهم ؛
أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة)» ، قال الحافظ
الزبيدي : ( ومما يشهد لههذا المقام أيضاً ما رواه مسلم [٢٧٢٠] من حديث أبي هريرة
رفعه : (( اللهم ؛ أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها
معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي))). ((إتحاف)) (١٨٧/٦ ).
ـون
٣٤

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
وعلى الجملةِ : فإذا لمْ يكنْ حبُّ السعادةِ في الآخرةِ مناقضاً لحبّ اللهِ
تعالى .. فحبُّ السلامةِ والصحَّةِ والكفايةِ والكرامةِ في الدنيا كيفَ يكونُ
مناقضاً لحبِّ اللهِ ؟
والدنيا والآخرةُ عبارةٌ عنْ حالتينِ ، إحداهما أقربُ مِنَ الأخرى ، فكيفَ
يُصوَّرُ أنْ يحبَّ الإنسانُ حظوظَ نفسِهِ غداً ولا يحبّها اليومَ ؟! وإنَّما يحبُّها
غداً ؛ لأنَّ الغدَ سيصيرُ حالاً راهنةً ، فالحالةُ الراهنةُ لا بدَّ أنْ تكونَ مطلوبةً
أيضاً ، إلا أنَّ الحظوظَ العاجلةَ منقسمةٌ إلى ما يضادُ حظوظَ الآخرةِ ويمنعُ
منها ؛ وهيَ التي احترزَ عنها الأنبياءُ والأولياءُ ، وأمروا بالاحترازِ عنها ،
وإلى ما لا يضادُ؛ وهيَ التي لم يمتنعوا منها ؛ كالنكاح الصحيح ، وأكلٍ
الحلالِ ، وغيرِ ذلكَ .
2
فما يضادُّ حظوظَ الآخرةِ فحقُّ العاقلِ أنْ يكرهَهُ ولا يحبَّهُ ؛ أعني : أنْ
يكرههُ بعقلِهِ لا بطبعِهِ ، كما يكرهُ التناولَ مِنْ طعام لذيذٍ لملكِ مِنَ الملوكِ
يعلمُ أنَّهُ لَوْ أقدمَ عليهِ .. لقُطعَتْ يدُهُ أَوْ حُزَّتْ رقِبتُهُ ، لا بمعنى أنَّ الطعامَ
اللذيذَ يصيرُ بحيثُ لا يشتهيهِ بطبعِهِ ولا يستلذُّهُ لوْ أكلَهُ ؛ فإنَّ ذلكَ محالٌ ،
ولكنْ على معنى أنَّهُ يزجرُهُ عقلُهُ عنِ الإقدام عليهِ ، وتحصلُ فيهِ كراهةٌ
للضررِ المتعلّقِ بهِ .
والمقصودُ مِنْ هذا: أنَّهُ لوْ أحبَّ أستاذَهُ لأنَّهُ يواسيهِ ويعلِّمُهُ، أوْ تلميذَهُ
لأنَّهُ يتعلَّمُ منهُ ويخدمُهُ، وأحدُهُما حظٍّ عاجلٌ والآخرُ آجلٌ .. لكانَ في
٣٥

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
زمرةِ المتحابِّينَ في اللهِ ، ولكنْ بشرطٍ واحدٍ ؛ وهوَ أنْ يكونَ بحيثُ لوْ منعَهُ
العلمَ مثلاً، أوْ تعذَّرَ عليهِ تحصيلُهُ .. لنقصَ حبُّهُ بسببهِ ، فالقدْرُ الذي ينقصُ
بسببٍ فقدِهِ هوَ للهِ تعالى ، ولهُ على ذلكَ القدْرِ ثوابُ الحبِّ في اللهِ .
تَمـ
وليسَ بمستنكرٍ أنْ يشتدَّ حبُّكَ لإنسانِ لجملةِ أغراضٍ ترتبطُ لكَ بهِ ، فإنِ
امتنعَ بعضُها .. نقصَ حِبُّكَ، وإنْ زادَ .. زادَ الحبُّ ، فليسَ حِبُّكَ للذهبِ
كحبِّكَ للفضَّةِ إذا تساوى مقدارُهُما ؛ لأنَّ الذهبَ يوصلُ إلى أغراضٍ هيَ
أكثرُ ممَّا توصِلُ إليهِ الفضَّةُ، فإذاً يزيدُ الحبُّ بزيادةِ الغرض ، ولا يستحيلُ
اجتماعُ الأغراضِ الدنيويَّةِ والأخرويَّةِ ، فهوَ داخلٌ في جملةِ الحبِّ للهِ .
وحدُّهُ: هوَ أنَّ كلَّ حبِّ لولا الإيمانُ باللهِ واليوم الآخرِ .. لمْ يُتصوَّرْ
وجودُهُ .. فهوَ حبِّ في اللهِ ، وكذلكَ كلُّ زيادةٍ في الحبِّ لولا الإيمانُ باللهِ لمْ
تكنْ تلكَ الزيادةُ .. فتلكَ الزيادةُ مِنَ الحبِّ في اللهِ ، فذلكَ وإنْ دقَّ فهوَ عزيزٌ .
قالَ الجريريُّ : ( تعاملَ الناسُ في القرنِ الأوَّلِ بالدينِ حتَّى رَقَّ الدينُ ،
وتعاملوا في القرنِ الثاني بالوفاءِ حتَّى ذهبَ الوفاءُ ، وفي الثالثِ بالمروءةِ
حتَّى ذهبتِ المروءةُ، ولمْ يبقَ إلا الرهبةُ والرغبةُ)(١).
(١) رواه السلمي في ((آداب الصحبة)) (٨١)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٣٧٣) من
طريقه ، وعندهما زيادة : ( حتى ذهبت المروءة ، ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى
ذهب الحياء ، ثم صار الناس يتعاملون بالرغبة والرهبة ) ، والقرن : أهل الزمان
الواحد .
٣٦

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
القسمُ الرابعُ : أَنْ يحبَّ للهِ وفي اللهِ ، لا لينالَ منهُ علماً أوْ عملاً، أو يتوسَلَ
بهِ إلى أمرٍ وراءَ ذاتِهِ :
وهذا أعلى الدرجاتِ ، وهوَ أدقُّها وأغمضُها ، وهذا القسم أيضاً
ممكنٌ ؛ فإنَّ مِنْ آثارِ غلبةِ الحبِّ أنْ يتعدّى مِنَ المحبوبِ إلى كلِّ مَنْ يتعلَّقُ
بالمحبوبِ ويناسبُهُ ، ولوْ منْ بُعْدٍ، فمَنْ أحبَّ إنساناً حبّاً شديداً .. أحبَّ
مُحبَّ ذلكَ الإنسانِ ، وأحبَّ محبوبَهُ، وأحبَّ مَنْ يخدمُهُ ، وأحبَّ مَنْ يثني
عليهِ محبوبُهُ ، وأحبَّ مَنْ يتسارعُ إلى رضا محبوبِهِ ، حتَّى قالَ بقيَّةُ بنُ
الوليدِ: ( إنَّ المؤمنَ إذا أحبَّ المؤمنَ .. أحبَّ كلبَهُ)(١) ، وهوَ كما قالَ ،
ويشهدُ لهُ التجربةُ في أحوالِ العشّاقِ ، ويدلُّ عليهِ أشعارُ الشعراءِ ، ولذلكَ
يحفظُ ثوبَ المحبوبِ وتحفتّهُ ؛ تذكرةً مِنْ جهتِهِ ، ويحبُّ منزلَهُ ومحلتَهُ
وجيرانَهُ ، حتَّى قالَ مجنونُ بني عامرٍ (٢) :
[من الوافر]
أُقَبِّلُ ذا الْجِدارَ وَذَا الْجِدارا
أَمُرَّ عَلَى الدِّارِ دِيارِ لَيْلَی
وَمَا حُبُّ الدِّيارِ شَغَفْنَ قَلْبِي وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيارا
فإذاً ؛ المشاهدةُ والتجربةُ تدلُّ على أنَّ الحبَّ يتعدَّى مِنْ ذاتِ المحبوبِ
إلى ما يحيطُ بهِ ويتعلَّقُ بأسبابِهِ ، ويناسبُهُ ولَوْ مِنْ بُعْدٍ ، ولكنَّ ذلكَ مِنْ
(١) أي: أحب كل شيء يتعلق به حتى كلبه. («إتحاف)) (١٨٨/٦). وفي هذا المعنى
أنشدوا :
أحبُّ كلب مِنْ كلاباتِ الناسْ
إليَّ نَبْحاً كلبُ أمِّ العِبَّاسْ
(٢) ديوانه ( ص ١٧٠ ) .
٣٧

كتاب آداب الصحية
ربع العادات
خاصِّيةِ فرْطِ المحبَّةِ ، فأصلُ المحبَّةِ لا يكفي فيهِ .
ويكونُ اتساعُ الحبِّ في تعدِّيهِ مِنَ المحبوبِ إلى ما يكتنفُهُ ويحيطُ بهِ
ويتعلَّقُ بأسبابِهِ بحسَبِ إفراطِ المحبَّةِ وقوَّتِها ، وكذلكَ حبُّ اللهِ سبحانَهُ
وتعالى إذا قَويَ وغلبَ على القلبِ .. استولى عليهِ حتَّى انتهى إلى حدٍّ
الاستهتارِ ، فيتعدَّى إلى كلِّ موجودٍ سواهُ ؛ فإنَّ كلَّ موجودٍ سواهُ أثرٌ مِنْ آثارِ
قدرتِهِ ، ومَنْ أحبَّ إنساناً .. أحبَّ صنعتهُ وخطَّهُ وجميعَ أفعالِهِ ، ولذلكَ
كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا حُمِلَ إليهِ باكورةٌ منَ الفواكِهِ (١) .. مسحَ
بها عينيهِ وأكرمَها وقالَ: ((إنَّهُ قريبُ العهدِ بربّنا))(٢).
وحبُّ اللهِ تعالى تارةً يكونُ لصدْقِ الرجاءِ في مواعيدِهِ ، وما يُتوقَّعُ في
الآخرةِ مِنْ نعيمِه ، وتارةً لما سلفَ مِنْ أياديهِ وصنوفِ نعمتِهِ ، وتارةٌ لذاتِهِ
لا لأمرٍ آخرَ ، وهوَ أدقُّ ضروبِ المحبَّةِ وأعلاها ، وسيأتي تحقيقُها في كتابِ
المحبّةِ مِنْ ربع المنجياتِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى ، وكيفما اتفقُ حبُّ اللهِ ؛ فإذا
(١) أي : أول الثمر.
(٢) رواه الطبراني في ((الصغير)) (١١/٢): ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أُتي
بالباكورة من الثمرة .. قبَّلها ، أو جعلها بين عينيه، ثم أعطاها أصغر من يحضره من
الولدان)، ورواه مرسلاً عن ابن شهاب أبو داوود في (( المراسيل )) ( ٤٧٠، ٤٧١)
وفيه: ((اللهم؛ كما بلغتنا أولها فبلغنا آخرها)) ، وبنحوه كذلك عند البيهقي في
(الدعوات الكبير)) (٥١٤)، وإكرامه لها بهذا الفعل ، وبإعطائها لمن لم يصب
ذنباً، ولم ترد لفظة: ( وأكرمها) عندهم ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((قريب العهد
برينا )) ورد بنحوه عند مسلم ( ٨٩٨ ) قاله صلى الله عليه وسلم في حق باكورة المطر ،
إذا كان يحسر عن ثوبه ليصيبه المطر ويقول: ((لأنه حديث عهد بربه)).
ـدرة
٣٨

ربع العادات
كتاب آداب الصحبة
قويَ .. تعدَّى إلى كلِّ متعلِّقِ بهِ ضرباً مِنَ التعلُّقِ، حتَّى يتعدّى إلى ما هوَ في نفسِهِ
مؤلمٌ مكروهٌ، ولكنْ فرْطُ الحبِّ يضعفُ الإحساسَ بالألمِ، والفرحُ بفعلٍ
المحبوبِ وقصدِهِ إِيَّاهُ بالإيلامِ يغمرُ إدراكَ الألمٍ ، وذلكَ كالفرحِ بضربةٍ مِنَ
المحبوبِ أوْ قرصةٍ فيها نوعُ معاتبةٍ ؛ فإنَّ قوَّةَ المحبَّةِ تثيرُ فرحاً يغمرُ إدراكَ الألم
فيهِ ، وقدِ انتَهَتْ محبَّةُ اللهِ تعالى بقوم إلى أنْ قالوا: لا نفرِّقُ بينَ البلاءِ
والنعمةِ (١) ؛ فإنَّ الكلَّ مِنَ اللهِ ، ولا نفرحُ إلا بما فيهِ رضاهُ، حتَّى قالَ بعضُهُمْ:
( لا أريدُ أَنْ أنالَ مغفرةَ اللهِ بمعصيةِ اللهِ ) ، وقالَ سُمنونٌ (٢) :
[من مخلع البسيط]
حن
وَلَيْسَ لِي فِي سِواكَ حَظّ فَكَيْفَمَا شِئْتَ فَأَخْتَبَرْنِي
وسيأتي تحقيقُ ذلكَ في كتابِ المحبَّةِ .
والمقصودُ: أنَّ حبَّ اللهِ تعالىُ إذا قَوِيَ .. أثمرَ حبَّ كلٍّ منْ يقومُ بحقِّ
عبادةِ اللهِ في علمٍ أوْ عملٍ ، وأثمرَ حبَّ كلِّ مَنْ فيهِ صفةٌ مرضيّةٌ عندَ اللهِ مِنْ
خُلُقٍ حسنٍ ، أوْ تأذَّبَ بأدبِ الشرع ، وما مِنْ مؤمنٍ محبٍّ للآخرةِ ومحبٌّ للهِ
إلا إذا أُخبرَ عنْ حالِ رجلينٍ ؛ أحدُهُما: عالمٌ عابدٌ ، والآخرُ : جاهلٌ
فاسقٌ .. إلا وجدَ في نفسِهِ ميلاً إلى العالمِ العابدِ ، ثمَّ يضعفُ ذلكَ الميلُ
ويقوى بحسَبِ ضعْفٍ إيمانِهِ وقوَّتِهِ ، وبحسَبِ ضعفٍ حبِِّ للهِ وقوَّتِهِ ، وهذا
الميلُ حاصلٌ وإنْ كانا غائبينِ عنهُ ، بحيثُ يعلم أنَّهُ لا يصيبُهُ منهما خيرٌ
د. مات.
(١) كما بينه المصنف رحمه الله تعالى في كتاب الشكر.
(٢) عقلاء المجانين (ص ٣٣٩)، والرسالة القشيرية (ص٨٨).
٣٩

كتاب آداب الصحبة
ربع العادات
ولا شرٌّ في الدنيا ولا في الآخرةِ ، فذلكَ الميلُ هوَ حبٌّ في اللهِ وللهِ مِنْ غیرِ
حظّ ، فإنَّهُ إنَّما يحبُّهُ لأنَّ اللهَ يحبُّهُ، ولأنَّهُ مرضيٍّ عندَ اللهِ تعالى، ولأنَّهُ
يحبُّ اللهَ تعالى، ولأنَّهُ مشغولٌ بعبادةِ اللهِ تعالى، إلا أنَّهُ إذا ضعفَ .. لمْ
يظهرْ أثرُهُ، فلا يظهرُ لهُ ثوابٌ ولا أجرٌ، فإذا قَوِيَ .. حملَ على الموالاةِ
والنصرةِ ، والذبِّ بالنفسِ والمالِ واللسانِ ، وتتفاوتُ الناسُ فيهِ بحسَبِ
تفاوتِهِمْ في حبِّ الله تعالى .
ولوْ كانَ الحبُّ مقصوراً على حظّ يُنالُ مِنَ المحبوبِ في الحالِ أَوِ
المآلِ .. لما تُصوِّرَ حبُّ الموتى منَ العلماءِ والعبَّادِ، ومِنَ الصحابةِ
والتابعينَ ، بلْ مِنَ الأنبياءِ المنقرضينَ صلواتُ اللهِ عليهِمْ وسلامُهُ ، وحبُّ
جميعِهِمْ مكنونٌ في قلبٍ كلِّ مسلمٍ متديّنٍ ، ويتبينُ ذلكَ بغضبِهِ عندَ طعْنٍ
أعدائِهِمْ في واحدٍ منْهُمْ ، وبفرحِهِ عند الثناءِ عليهمْ وذكرِ محاسِنِهِمْ ، وكلُّ
ذلكَ حبِّ للهِ؛ لأنَّهُمْ خواصٌّ عبادِ اللهِ ، ومَنْ أحبَّ ملكاً أوْ شخصاً
جميلاً .. أحبَّ خواصَّهُ وخدمَهُ، وأحبَّ مَنْ أحبَّهُ .
إلا أنَّهُ يُمتحنُ الحبُّ بالمقابلةِ بِحظوظِ النفسِ(١)، وقدْ يغلبُ بحيثُ لا يبقى
للنفسِ حظٌّ إلا فيما هوَ حظُّ المحبوبِ، وعنهُ عبََّ قولُ مَنْ قالَ(٢): [من الوافر
فَأَتْرُكُ مَا أُريدُ لِما يُرِيدُ
أُرِيدُ وِصالَهُ وَيُرِيدُ هُجْرِي
(١) والعبارة في ( أ): ( إلا أنه يمتحن القلب بالمقابلة لحظوظ النفس ) .
(٢) البيت لابن المنجم الواعظ، انظر ((فوات الوفيات)) (٣٠١/٢)، و(( الوافى
بالوفيات)) ( ٢٦٨/١٨) .
٤٠