Indexed OCR Text

Pages 561-580

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
وكانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ واقفاً معَ سليمانَ بنِ عبدِ الملكِ ، فسمعَ
سليمانُ صوتَ الرعدِ ، فجزعَ ووضعَ صدرَهُ على مقدمةِ الرحْلِ ، فقالَ لهُ
عمرُ : هذا صوتُ رحمتِهِ ، فكيفَ إذا سمعتَ صوتَ عذابِهِ ، ثُمَّ نظرَ
سليمانُ إلى الناس فقالَ: ما أكثرَ الناسَ ! فقالَ عمرُ : خصماؤُكَ يا أميرَ
المؤمنينَ، فقالَ لهُ سليمانُ: ابتلاكَ اللهُ بِهِمْ(١).
ثر
وحُكِيَ أنَّ سليمانَ بنَ عبدِ الملكِ قِدِمَ المدينةَ وهوَ يريدُ مَّةَ ، فأرسلَ
إلى أبي حازم فدعاهُ ، فلما دخلَ عليهِ .. قالَ لهُ سليمانُ : يا أبا حازم ؛
ما لنا نكرهُ الموتَ؟ فقالَ: لأنَّكُمْ خَرَّبْتُمْ آخرتَكُمْ وعمَّرْتُمْ دنياكُمْ ، فكرهْتُمْ
أنْ تنتقلوا مِنَ العمرانِ إلى الخرابِ .
%
فقالَ : يا أبا حازم ؛ كيفَ القدومُ على اللهِ تعالىُ ؟ قالَ: يا أميرَ
المؤمنينَ ؛ أمَّا المحسنُ .. فكالغائبِ يقدَمُ على أهلِهِ، وأمَّا المسيءُ ..
فكالآبقِ يقدَمُ على مولاهُ .
فبكىُ سليمانُ وقالَ : ليتَ شعري ! ما لي عندَ اللهِ ؟ قالَ أبو حازمٍ :
اعرضْ نفسَكَ على كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ ؛ حيثُ قالَ: ﴿إِنَّ الْأَبْزَارَ لَفِى نَعِيمٍ
وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى ◌َِيمٍ﴾.
الأشعري ، ووقع في (أ، د): (ومن أغرُّ ممن اغترَّ بي ) وهو موافق لإحدى نسخ
=
((عيون الأخبار)) كما بين ذلك محققُهُ .
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٨٨/٥).
٥٦١
."

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
قالَ سليمانُ : فأينَ رحمةُ اللهِ ؟ قالَ : قريبٌ مِنَ المحسنينَ .
ثمّ قالَ سليمانُ : يا أبا حازم ؛ أيُّ عبادِ اللهِ أكرمُ ؟ قالَ : أهلُ المروءةِ
والتقى .
قالَ : فأيُّ الأعمالِ أفضلُ ؟ قالَ : أداءُ الفرائضِ معَ اجتنابِ المحارمِ .
قالَ : فأيُّ الدعاءِ أسمعُ ؟ قالَ : دعاءُ المحسَنِ إليهِ للمحسنينَ .
قالَ : فأيُّ الصدقةِ أفضلُ ؟ قالَ : السائلُ البائسُ، وجهْدُ المقلِّ، ليسَ
فيها مَنٌّ ولا أذىّ .
خ زينه
قالَ : فأيُّ القولِ أعدلُ ؟ قالَ : قولُ الحقِّ عندَ مَنْ تخافُ وترجو .
قالَ : فأيُّ المؤمنينَ أكيسُ ؟ قالَ : رجلٌ عملَ بطاعةِ اللهِ ودعا الناسَ
إليها .
٨٥٠٠
قالَ : فأيُّ المؤمنينَ أخسرُ؟ قالَ : رجلٌ خطا في هوىُ أخيهِ وهوَ
ظالمٌ ، فباعَ آخرتَهُ بدنيا غيرِهِ .
ـســ
٤٠
،حں
قالَ سليمانُ : فما تقولُ فيما نحنُ فيهِ ؟ قالَ : أوتعفيني ؟ قالَ : لا بدَّ ،
ولكنْ نصيحةٌ تلقيها إليَّ، قالَ: يا أميرَ المؤمنينَ ؛ إنَّ آباءَكَ قهروا الناسَ
بالسيفِ ، وأخذوا هذا الملكَ عنوةً مِنْ غيرِ مشورةٍ مِنَ المسلمينَ ولا رضاً
منهُمْ ، حتَى قتلوا منهُمْ مقتلةً عظيمةٌ ، وقدِ ارتحلوا ، فلوْ شعرتَ بما قالوا
وما قيلَ لهُمْ ، فقالَ لهُ رجلٌ مِنْ جلسائِهِ : بئسما قلتَ ، قالَ أبو حازمٍ :
إِنَّ اللهَ تباركَ وتعالى قدْ أخذَ الميثاقَ على العلماءِ ليُبينْنَّهُ للناس ولا يكتمونَهُ ،
٥٦٢
جن

ربع العادات
حن
كتاب الحلال والحرام
قالَ : فكيفَ لنا أنْ نصلحَ هذا الفسادَ ؟ قالَ : أنْ تأخذَهُ مِنْ حلِّهِ فتضعَهُ في
حقِّهِ ، فقالَ سليمانُ : ومَنْ يقدرُ على ذلكَ ؟ فقالَ : مَنْ يطلبُ الجنَّةَ
ويخافُ مِنَ النارِ .
فقالَ سليمانُ : ادعُ لي ، فقالَ أبو حازم : اللهمَّ ؛ إنْ كانَ سليمانُ
وليَّكَ .. فيسِّرْهُ لخيرِ الدنيا والآخرةِ، وإنْ كانَ عدوَّكَ .. فخذْ بناصيتِهِ إلى
ما تحبُّ وترضى .
ـن
جن
فقالَ سليمانُ : أوصني، فقالَ: أوصيكَ وأُوجِزُ؛ عظَّمْ ربَّكَ، ونزُّهْهُ
أنْ يراكَ حيثُ نهاكَ، أَوْ يفقدَكَ حيثُ أمرَكَ(١).
وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ لأبي حازم : عظْني ، فقالَ : اضطجعْ ، ثمّ
اجعلِ الموتَ عندَ رأسِكَ ، ثمَّ انظرْ ما تحبُّ أنْ يكونَ فيكَ تلكَ الساعةَ ..
فخذْ بِهِ الآنَ ، وما تكرهُ أنْ يكونَ فيكَ تلكَ الساعةَ .. فدعْهُ الآنَ ، فلعلَّ
تلكَ الساعةُ قريبٌ(٢).
ودخلَ أعرابيٌّ على سليمانَ بنِ عبدِ الملكِ، فقالَ : تكلَّمْ يا أعرابيُّ ؛
فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ إنِّي مكلِّمُكَ بكلام فاحتملْهُ وإنْ كرهتَهُ ، فإنَّ
وراءَهُ ما تحبُّ إنْ قبلتَهُ، فقالَ : يا أعرابيُّ؛ إنَّا لنجودُ بسعةِ الاحتمالِ على
(١) روى هذا الخبر بألفاظ متقاربة مع زيادات الدارمي في ((سننه)) ( ٦٧٣)، والدينوري
في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٥٨٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٤/٣).
(٢) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٣١٧/٥).
فت
٥٦٣
ـحن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
3
مَنْ لا نرجو نصحَهُ ، ولا نأمنُ غشَّهُ، فكيفَ بمَنْ نأمَنُ غشَّهُ ونرجو
نصحَهُ ؟! فقالَ الأعرابيُّ: يا أميرَ المؤمنينَ ؛ إنَّهُ قدْ تَكتَّفَكَ رجالٌ أساؤوا
الاختيارَ لأنفسِهِمْ، وابتاعوا دنياهُمْ بدينِهِمْ، ورضاكَ بسخطِ ربِّهِمْ ، خافوكَ
في اللهِ عزَّ وجلَّ ولمْ يخافوا اللهَ فيكَ، حربٌ للآخرةِ سلْمٌ للدنيا ، فلا
تأمنْهُمْ على ما ائتمنَكَ اللهُ عزَّ وجلَّ عليهِ ، فإنَّهُمْ لمْ يألوا في الأمانةِ تضييعاً ،
وفي الأمَّةِ خسفاً وعسفاً ، وأنتَ مسؤولٌ عمَّا اجترحوا ، وليسوا بمسؤولينَ
عمَّا اجترحتَ ، فلا تصلحْ دنياهُمْ بفسادِ آخرتِكَ، فإنَّ أعظمَ الناسِ غبْناً مَنْ
باعَ آخرتَهُ بدنيا غيرِهِ ، فقالَ سليمانُ : أما إنَّكَ يا أعرابيُّ قدْ سللْتَ لسانَكَ
وهوَ أقطعُ سيفَيْكَ ، فقالَ: أجلْ يا أميرَ المؤمنينَ؛ ولكنْ لكَ لا عليكَ(١).
وحُكِيَ أنَّ أبا بكرةَ دخلَ على معاويةَ ، فقالَ : اتقِ اللهَ يا معاويةُ ؛ واعلمْ
أنَّكَ في كلِّ يومٍ يخرجُ عنكَ ، وفي كلِّ ليلةٍ تأتي عليكَ .. لا تزدادُ منَ الدنيا
إلا بعداً، ومِنَ الآخرةِ إلا قرباً ، وعلى أثرِكَ طالبٌ لا تفوتُهُ، وقدْ نصبَ
لكَ عَلَماً لا تجوزُهُ، فما أسرعَ ما تبلغُ العَلَمَ ، وما أوشكَ ما يلحقُ بكَ
الطالبُ ، وإنَّ وما نحنُ فيهِ زائلٌ ، وفي الذي نحنُ إليهَ صائرونَ باقٍ ، إنْ
خيراً .. فخيرٌ، وإنْ شراً .. فشرٍ.
فهكذا كانَ دخولُ أهلِ العلمِ على السلاطينِ ؛ أعني : علماءَ الآخرةِ ،
فأمَّا علماءُ الدنيا .. فيدخلونَ يتقرَّبونَ إلى قلوبِهِمْ، فيدلُّونَهُمْ على
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ١٧٥/٦٨).
٥٦٤

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
من
الرخصِ ، ويستنبطونَ لهُمْ بدقائقِ الحيلِ طرقَ السعةِ فيما يوافقُ أغراضَهُمْ ،
وإنْ تكلِّموا بمثلِ ما ذكرناهُ في معرضٍ الوعظِ .. لمْ يكنْ قصدُهُمْ الإصلاحَ ،
بلِ اكتسابُ الجاهِ والقبولِ عندَهُمْ ، وفي هذا غرورانِ يغتُّ بِهما الحمقى :
أحدُهما: أنْ يظهروا أنَّ قصدَهُمْ في الدخولِ عليهِمْ إصلاحُهُمْ بالوعظِ ،
وربَّما يلبّسونَ على أنفسِهِمْ بذلكَ، وإنَّما الباعثُ لهُمْ شهوةٌ خفيَّةٌ للشهرةِ ،
وتحصيلُ المعرفةِ عندَهُمْ .
3
وعلامةُ الصدقِ في طلبِ الإصلاحِ أنَّهُ لوْ تولَّى ذلكَ الوعظَ غيرُهُ ، ممَّنْ
هوَ مِنْ أقرانِهِ منَ العلماءِ ، ووقعَ موقعَ القبولِ ، وظهرَ بهِ أثرُ الصلاحِ ..
فينبغي أنْ يفرحَ بذلكَ ، ويشكرَ اللهَ تعالى على كفايتِهِ هذا المهمّ ؛ كمَنْ
وجبَ عليهِ أنْ يعالجَ مريضاً ضائعاً ، فقامَ بمعالجتِهِ غيرُهُ ، فإنَّهُ يعظمُ بهِ
فرحُهُ ، فإنْ كانَ يصادفُ في قلبِهِ ترجيحاً لكلامِهِ على كلامٍ غيرِهِ .. فهوَ
مغرورٌ .
الثاني : أنْ يزعمَ أَنِّي أقصدُ الشفاعةَ لمسلمٍ في دفع ظلامةٍ ، وهذا أيضاً
مَظِنَّةُ الغرورِ ، ومعيارُهُ ما تقدَّمَ ذكرُهُ .
وإِذْ ظهرَ طريقُ الدخولِ عليهِمْ . . فلنرسمْ في الأحوالِ العارضةِ في مخالطةِ
السلاطينِ ومباشرةٍ أموالِهِمْ مسائلَ :
تراك
٥٦٥
زفا

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
ـز
مَثَالَةٌ
[فِيمَنْ بعثَ إليهِ السلطانُ مالاً ليفرِّقَهُ]
إذا بعثَ إليكَ السلطانُ مالاً لتفرِّقَهُ على الفقراءِ ، فإنْ كانَ لهُ مالكٌ
معيَّنٌ .. فلا يحلُّ أخذُهُ، وإنْ لمْ يكنْ ، بلْ كانَ حكمُهُ أنَّهُ يجبُ التصدُّقُ بِهِ
على المساكينِ كما سبقَ .. فلكَ أنْ تأخذَهُ وتتولَّى تفرقتَهُ ، ولا تعصي
بأخذِهِ ، ولكنْ مِنَ العلماءِ مَنِ امتنعَ منْ ذلكَ ، فعندَ هذا ينظرُ فِي الأَوْلىُ ،
فنقولُ : الأَوْلىُ أنْ تأخذَهُ إنْ أمنتَ ثلاثَ غوائلَ :
الغائلةُ الأُولى: أنْ يظنَّ السلطانُ بسببٍ أخذِكَ أنَّ مالَهُ طيِّبٌ ، ولولا أنَّهُ
طيِّبٌ .. لما كنتَ تمُّ اليدَ إليهِ، ولا تُدخلُهُ في ضمانِكَ، فإنْ كانَ
كذلكَ .. فلا تأخذْهُ ؛ فإنَّ ذلكَ محذورٌ ولا يفي الخيرُ في مباشرتِكَ التفرقةَ
بما يحصلُ لهُ مِنَ الجرأةِ على کسْبِ الحرامِ .
حثر.
٢٠
شں
ٹ
ئن
ئن
ـحن
گے
٢٤
الغائلةُ الثانيةُ : أَنْ ينظرَ إليكَ غيرُكَ مِنَ العلماءِ والجهَّالِ، فيعتقدونَ أَنَّهُ
حلالٌ، فيقتدونَ بكَ في الأخذِ ، ويستدلُونَ بهِ على جوازِهِ، ثُمَّ
لا يفرِّقونَ، فهذا أعظمُ مِنَ الأوَّلِ، فإنَّ جماعةٌ يستدلُّونَ بأخذِ الشافعيِّ
رضيَ اللهُ عنهُ على جوازِ الأخذِ ، ويغفُلُونَ عنْ تفرقتِهِ وأخذِهِ على نيّةِ
التفرقةِ ، فالمقتدى والمتشبّهُ بهِ ينبغي أنْ يحترزَ مِنْ هذا غايةَ الاحترازِ ، فإنَّهُ
يكونُ فعلُهُ سببَ ضلالِ خلقٍ كثيرٍ .
٥٦٦
٣ ٪

ربع العادات
جومي
كتاب الحلال والحرام
وقدْ حكى وهبُ بنُ منبهِ أنَّ رجلاً أَتِيَ بهِ إلى ملكِ بمشهدٍ مِنَ الناسِ ليُكْرِهَ
على أكلٍ لحمِ الخنزيرِ ، فلمْ يأكلْ ، فَقُدِّمَ إليهِ لحمُ غنمٍ وأُكرِهَ بالسيفِ ،
فلمْ يأكلْ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ : إنَّ الناسَ قَدِ اعتقدوا أنِّي طُولبتُ بأكلٍ
لحم الخنزيرِ ، فإذا خرجتُ سالماً وقدْ أكلتُ .. فلا يعلمونَ ماذا أكلتُ
فيضلُّونَ(١) .
ـة
ودخلَ وهبُ بنُ منبهٍ وطاووسٌ على محمدِ بنِ يوسفَ أخي الحجّاجِ
وكانَ عاملاً ، وكانَ في غداةٍ باردةٍ في مجلسٍ بارزٍ ، فقالَ لغلامِهِ : هلمَّ ذلكَ
الطيلسانَ وألقِهِ على أبي عبدِ الرحمنِ - أيْ: طاووسٍ - وكانَ قَدْ قعدَ على
كرسيٍّ ، فألقى عليهِ ، فلمْ يزلْ يحرِّكُ كتفيهِ حتَّى ألقى الطيلسانَ عنهُ،
فغضبَ محمدُ بنُ يوسفَ ، فقالَ وهبّ : كنتَ غنياً عنْ أنْ تغضبَهُ ، لوْ
أخذتَ الطيلسانَ وتصدقتَ بهِ ، قالَ : نعمْ ، لولا أنْ يقولَ مَنْ بعدي: إنَّهُ
أخذَهُ طاووسٌ ، ولا يصنعُ بهِ ما أصنعُ بهِ .. إذاً لفعلتُ(٢).
حة
الغائلةُ الثالثةُ: أنْ يتحرَّكَ قلبُكَ إلى حبِّهِ لتخصيصِهِ إِيَّاكَ وإيثارِهِ لكَ بما
أنفذَهُ إليكَ، فإنْ كانَ كذلكَ .. فلا تقبلْ ؛ فإنَّ ذلكَ هوَ السُّ القاتلُ ،
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٦٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٥/٤)، وفيه
قوله عند امتناعه وكان قد قُدِّم له لحم جدي : لا ، قد علمت أنه هو - لحم الجدي -
ولكني خفت أن يفتتن الناس بي ، فإذا أريد أحدهم على أكل لحم الخنزير .. قال : قد
أكله فلان ، فيستن بي ، فأكون فتنة لهم ، فقتل رحمة الله عليه .
(٢) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (١٠١/٨)، وقريب منه عند صاحب ((الحلية)) (٤/ ٤).
٥٦٧
دں

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
والداءُ الدفينُ ؛ أعني : ما يحبِّبُ الظلمةَ إليكَ، فإنَّ مَنْ أحبيتَهُ لا بدَّ أنْ
تحرصَ عليهِ وتداهنَ فيهِ ؛ قالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( جُبلَتِ النفوسُ
على حبِّ مَنْ أحسنَ إليها)(١) ، وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((اللَّهُمَّ ؛
لا تجعلْ لفاجرٍ عندي يداً فيحبَّهُ قلبي))(٢)، بيَّنَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّ
القلبَ لا يكادُ يمتنعُ عنْ ذلكَ .
ورُوِيَ أنَّ بعضَ الأمراءِ أرسلَ إلى مالكِ بنِ دينارٍ بعشرةِ آلافٍ درهم ،
فأخرجَها كلَّها ، فأتاهُ محمدُ بنُ واسع وقالَ : ما صنعتَ بما أعطاكَ هذا
المخلوقُ ، فقالَ : سلْ أصحابي ، فقالوا : أخرجَهُ كلَّهُ ، فقالَ :
أنشدكَ اللهَ ؛ أقلبُكَ أشدُّ حبّاً لهُ الآنَ أمْ قبلَ أنْ يرسلَ إليكَ ؟ فقالَ : بلِ
الآنَ، قالَ : إِنَّما كنتُ أخافُ هذا(٣).
(١) رواه القضاعي في ((مسنده)) (٥٩٩) من طريق ابن عائشة مرفوعاً ، وقد أشار الحافظ
الزبيدي إلى احتمال وقوع الوهم بين عائشة وابن عائشة في الرواية ، قال : ( ولم أر
أحداً من الحفاظ نسبه إلى عائشة مطلقاً)، وطوّل الكلام في تخريجه. ((إتحاف))
(١٤٧/٦)، وقد رواه كذلك أبو نعيم في ((الحلية)) (١٢١/٤)، وانظر ((المقاصد
الحسنة)) ( ص١٧١ )، ويؤيده الحديث بعده .
(٢) قال الحافظ العراقي: (رواه ابن مردويه في (( التفسير)) من رواية كثير بن عطية عن
رجل لم يسمَّ، ورواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) [٢٠١١] من حديث معاذ،
وأبو موسى المديني في كتاب (( تضييع العمر والأيام )) من طريق أهل البيت مرسلاً ،
وأسانيده ضعيفة). ((إتحاف)) (١٤٨/٦).
ـجن
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٤/٢)، وفيه أن جواب مالك: اللهم ؛ لا ، قال :
ترى أي شيء دخل عليك ؟ فقال مالك لجلسائه : إنما مالك حمار ، إنما يعبد الله مثل
محمد بن واسع .
٥٦٨

ربع العادات
م.
كتاب الحلال والحرام
وقدْ صدقَ ؛ فإنَّهُ إذا أحبَّهُ .. أحبَّ بقاءَهُ، وكرهَ عزلَهُ ونكبتَهُ وموتَهُ ،
وأحبّ اتساعَ ولايتِهِ وكثرةَ مالِهِ ، وكلُّ ذلكَ حبّ لأسبابِ الظلمِ ، وهوَ
مذمومٌ، قالَ سلمانُ وابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( مَنْ رضيَ بأمرٍ وإنْ
غابَ عنهُ .. كانَ كمَنْ شهدَهُ)(١).
وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ قيلَ: ( لا ترضَوا
بأعمالِهِمْ)(٢)، فإنْ كنتَ في القوَّةِ بحيثُ لا تزدادُ حبّاً لَهُمْ بِذلكَ .. فلا
بأسَ بالأخذِ .
ہے
وقدْ حُكِيَ عنْ بعضِ عِبَّادِ البصرةِ أنَّهُ كانَ يأخذُ أموالاً ويفرِّقُها ، فقيلَ
لهُ: ألا تخافُ أنْ تحبَّهُمْ؟ فقالَ: لوْ أخذَ رجلٌ بيدي وأدخلَني الجنَّةَ ثمَّ
عصىُ ربَّهُ ما أحبَّهُ قلبي ؛ لأنَّ الذي سخّرَهُ للأخذِ بيدي هوَ الذي أبغضُهُ
لأجلِهِ ؛ شكراً لهُ على تسخيرِهِ إِيَّاهُ .
حي
وبهذا تبينَ أنَّ أخذَ المالِ الآنَ منهُم وإنْ كانَ ذلكَ المالُ بعينِهِ مِنْ وجهٍ
حلالٍ .. محذورٌ ومذمومٌ؛ لأنَّهُ لا ينفكُ عنْ هذهِ الغوائلِ .
(١) وقد روى ذلك البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٦٦/٧) عن عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه بلفظ : ( إذا عمل بالخطيئة في الأرض .. كان من شهدها فكرهها كمن
غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها .. كان كمن شهدها )، وقد رواه مرفوعاً أبو داوود
(٤٣٤٥)، وبلفظ المصنف هو عند أبي يعلى في (( المسند)) (٦٧٨٥) من حديث
الحسين رضي الله عنه .
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) (١٥٦/١٢/٧) عن أبي العالية .
٥٦٩
حن حن
حن
دن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
مَثْلَةٌ
[فإنْ جازَ أخذُ مالِهِ وتفريقُهُ .. فهلْ يجوزُ سرقتُهُ ونحوُها وتفريقُهُ ؟]
إِنْ قالَ قائلٌ : إذا جازَ أخذُ مالِهِ وتفرقتُهُ . . فهلْ يجوزُ أنْ يُسرقَ مالُهُ ، أوْ
تُخْفى وديعتُهُ وتُكِرَ وتُقُرَّقَ على الناسِ ؟
ج
فنقولُ : ذلكَ غيرُ جائزٍ ؛ لأنَّهُ ربما يكونُ لهُ مالكٌ معيَّنٌ ، وهوَ على عزمٍ
أنْ يردَّهُ عليهِ ، وليسَ هذا كما إذا بعثَهُ إليكَ، فإنَّ العاقلَ لا يُظُّ بِهِ أنْ
يتصدَّقَ بما يعلمُ مالكَهُ ، فيدلُّ تسليمُهُ على أنَّهُ لا يعرفُ مالكَهُ ، فإنْ كانَ
ممَّنْ يشكلُ عليهِ مثلُهُ .. فلا يجوزُ أنْ يقبلَ منهُ المالَ ما لمْ يعرفْ ذلكَ .
ثمَّ كيفَ يسرقُ ويُحتملُ أنْ يكونَ ملكُهُ قدْ حصلَ لهُ بشراءٍ في ذمَّتِهِ ؟! فإنَّ
اليدَ دلالةٌ على الملكِ، فهذا لا سبيلَ إليهِ، بلْ لوْ وجدَ لقطةً، وظهرَ أنَّ صاحبَها
جنديٌّ، واحتملَ أنْ تكونَ لهُ بشراءٍ في الذمَّةِ أَوْ غيرِهِ .. وجبَ الردُّ عليهِ .
فإذاً ؛ لا يجوزُ سرقةُ مالِهِمْ، لا منهُمْ ولا ممَّنْ أودعَ عندَهُ ، ولا يجوزُ
إنكارُ وديعتِهِمْ، ويجبُ الحدُّ على سارقِ مالِهِمْ إلا إذا ادَّعى السارقُ أنَّهُ ليسَ
ملكاً لهُمْ ، فعندَ ذلكَ يسقطُ الحدُّ بالدعوى .
مَثَالَةٌ
[في بيانِ حرمةِ المعاملةِ معَ السلاطينِ وأتباعِهِمْ]
المعاملةُ معهُمْ حرامٌ ؛ لأنَّ أكثرَ مالِهِمْ حرامٌ ، فما يُؤخذُ عوضاً فهوَ
٢
٥٧٠

ربع العادات
روميـ
كتاب الحلال والحرام
حرامٌ، فإنْ أدَّى الثمنَ مِنْ موضع يعلمُ حلَّهُ .. فيبقى النظرُ فيما سلَّمَ إليهِمْ،
فإِنْ علمَ أنَّهُمْ يعصونَ اللهَ بهِ ؛ كبيعِ الديباجِ منهُمْ وهوَ يعلمُ أنَّهُمْ
يلبسونَهُ .. فذلكَ حرامٌ؛ كبيع العنبِ مِنَ الخمَّارِ ، وإنَّما الخلافُ في
الصحّةِ ، وإنْ أمكنَ ذلكَ ، وأمكنَ أنْ يلبسَها نساؤُهُ . . فهوَ شبهةٌ مكروهةٌ ،
هذا فيما يُعصىُ في عينِهِ مِنَ الأموالِ ، وفي معناهُ بيعُ الفرسِ منهُمْ ، لا سيما
في وقتٍ ركوبِهِمْ إلى قتالِ المسلمينَ أوْ جبايةِ أموالِهِمْ ؛ فإنَّ ذلكَ إعانةٌ لَهُمْ
بفرسِهِ ، وهيَ محظورةٌ .
C
عن
فأمَّا بيعُ الدراهمِ والدنانيرِ منهُمْ ، وما يجري مجراهُ ممَّا لا يُعصىُ بهِ في
عينهِ، بلْ يُتوصَّلُ بهِ إلى الظلم .. فهوَ مكروهٌ ؛ لما فيهِ مِنْ إعانتِهِمْ على
الظلم ؛ لأنَّهُمْ يستعينونَ على ظلمِهِمْ بالأموالِ والدوابِّ وسائرِ الأسبابِ ،
وهذهِ الكراهيةُ جاريةٌ في الإهداءِ إليهِمْ، وفي العملِ لهُمْ مِنْ غيرِ أجرةٍ ،
حتَّى في تعليمِهِمْ وتعليمٍ أولادِهِمُ الكتابةَ والترسُّلَ والحسابَ .
وأمَّا تعليمُ القرآنِ .. فلا يُكرهُ إلا مِنْ حيثُ أخذُ الأجرةِ ، فإنَّ ذلكَ حرامٌ
إلا مِنْ وجهٍ يُعلمُ حلُّهُ .
ولوِ انتصبَ وكيلاً لهُمْ ليشتريَ لَهُمْ في الأسواقِ مِنْ غيرِ جُعْلِ أَوْ أجرةٍ ..
فهوَ مكروهٌ مِنْ حيثُ الإعانةُ .
وإنِ اشترىُ لَهُمْ ما يعلمُ أنَّهُمْ يقصدونَ بهِ المعصيةَ ؛ كالغلام ،
والديباجِ للفراشِ واللبسِ ، والفرسِ للركوبِ إلى الظلم والقتلِ .. فذلكَ
٥٧١
دن
P

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
حن
حرامٌ ، فمهما ظهرَ قصدُ المعصيةِ بالمبتاع .. حصلَ التحريمُ ، ومهما لمْ
يظهرْ ، واحتملَ بحكمِ الحالِ ودلالتِها عليهِ .. حصلتِ الكراهةُ .
مَثْتَالَةٌ
[حرمةُ الانتفاع بالأسواقِ التي بنوها منْ حرامٍ]
الأسواقُ التي بنَوها بالمالِ الحرامِ تحرمُ التجارةُ فيها ، ولا يجوزُ
سكناها ، فإنْ سكنَها تاجرٌ واكتسبَ بطريقٍ شرعيٍّ .. لمْ يحرمْ كسبُهُ وكانَ
عاصياً بسكناهُ ، وللناس أنْ يشتروا منهُمْ، ولكنْ لؤْ وجدوا سوقاً أخرى ..
فالأولى الشراءُ منها ؛ فإنَّ ذلكَ إعانةٌ لسكناهُمْ ، وتكثيرٌ لكراءِ حوانيتِهِمْ ،
وكذلكَ معاملةُ السوقِ التي لا خراجَ لهُمْ عليها أحبُّ مِنْ معاملةِ سوقٍ لهمْ
عليها خراجٌ .
وقدْ بالغَ قومٌ حتَّى لمْ يجوِّزوا معاملةَ الفلاحينَ وأصحابِ الأراضي التي
لهُمْ عليها الخراجُ ؛ لأنَّهُم ربَّما يصرفونَ ما يأخذونَ إلى الخراج ، فيحصلُ
بهِ الإعانةُ ، وهذا غلوٌّ في الدينِ ، وحرجٌ على المسلمينَ ؛ فإنَّ الخراجَ قدْ
عمَّ الأراضيَ ، ولا غنى بالناسِ عنِ ارتفاعِ الأرضِ ، فلا معنى للمنع منهُ ،
ولوْ جازَ هذا .. لحرمَ على المالكِ زراعةُ الأرضِ ؛ حتَّى لا يُطلبَ خراجُها
منهُ ، وذلكَ ممَّا يطولُ ويتداعى إلى حسمٍ بابِ المعاشِ .
حن شن جن جن ثن ان
ـخن
٥٧٢
من

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
مَثَآلَة
[حرمةُ معاملةِ أعوانِ السلاطينِ ومتنفذيهم]
معاملةُ قضاتِهِمْ وعمَّالِهِمْ وخدمِهِمْ حرامٌ كمعاملتِهِمْ ، بلْ أشدُّ .
أمَّا القضاةُ .. فلأنَّهُمْ يأخذونَ مِنْ أموالِهِمُ الحرامَ الصريحَ ، ويكِّرونَ
جمعَهُمْ ، ويغرُّونَ الخلقَ بزيِّهِمْ، فإنَّهُمْ على زيِّ العلماءِ ، ويختلطونَ
بِهِمْ ، ويأخذونَ مِنْ أموالِهِمْ، والطباعُ مجبولةٌ على التشبُّهِ والاقتداءِ بذوي
الجاهِ والحشمةِ ، فَهُمْ سببُ انقيادِ الخلقِ إليهم .
وأمَّا الخدمُ والحشمُ .. فأكثرُ أموالِهِمْ مِنَ الغصبِ الصريحِ ، ولا يقعُ في
أيديهِمْ مالُ مصلحةٍ وميراثٍ وجزيةٍ ولا وجهُ حلالٍ حتَّى تضعفَ الشبهةُ
باختلاطِ الحلالِ بأموالِهِمْ، قالَ طاؤُوسٌ: ( لا أشهدُ عندَهُمْ وإنْ تحقَّقْتُ ؛
لأنِّي أخافُ تعدِّيَهُمْ على مَنْ شهدتُ عليهِ)(١) .
وبالجملةِ : إنَّما فسدتِ الرعيَّةُ بفسادِ الملوكِ ، وفسادُ الملوكِ بفسادٍ
العلماءِ، فلولا القضاةُ السوءُ والعلماءُ السوءُ .. لقلَّ فسادُ الملوكِ خوفاً مِنْ
إنكارِهِمْ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تزالُ هذهِ الأمَّةُ تحتَ
يدِ اللهِ وكنفِهِ ما لمْ تُمَالِىءْ قرَّاؤُها أمراءَها))(٢).
٥٠٠
(١) وقد روى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٣٧٩٠) عن طاووس قال: (لو رأيت رجلاً
شجَّ رجلاً ، فدعاني إلى إمام جائر أشهد له .. ما شهدت له ) .
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٨٢١) عن الحسن مرسلاً .
تشـ
٥٧٣
حن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
وإنَّما ذكرَ القرَّاءَ لأنَّهُمْ كانوا هُمُ العلماءَ ، وإنَّما كانَ علمُهُمْ بالقرآنِ
ومعانيهِ المفهومةِ بالسنَّةِ ، وما وراءَ ذلكَ مِنَ العلوم فهيَ محدثةٌ بعدَهُمْ .
فتـ
وقدْ قالَ سفيانُ : ( لا تخالطِ السلطانَ ، ولا مَنْ يخالطُهُ ) ، وقالَ :
( صاحبُ القلمٍ وصاحبُ الدواةِ وصاحبُ القرطاسِ وصاحبُ الليطةِ ..
بعضُهُمْ شركاءُ بعضٍ)(١) .
ناء
وقدْ صدقَ ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعنَ في الخمرِ عشرةً
حتَّى العاصرَ والمعتصرَ(٢).
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( آكلُ الربا وموكلُهُ وشاهداهُ وكاتبُهُ
ملعونونَ على لسانِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ)(٣)، وكذا رواهُ جابرٌ وعمرُ
عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٤).
٠٠٨ من.
وقالَ ابنُ سيرينَ : ( لا تحملْ للسلطانِ كتاباً حتَّى تعلمَ ما فيهِ ) .
وامتنعَ سفيانُ رحمهُ اللهُ مِنْ مناولةِ الخليفةِ في زمانِهِ دواةٌ بينَ يديهِ ،
وقالَ : حتَّى أعلمَ ما تكتبُهُ .
(١) والليطة: القصبة المحدّة .
(٢) رواه الترمذي (١٢٩٥)، وابن ماجه ( ٣٣٨١).
(٣) رواه بنحو لفظ المصنف النسائي (١٤٧/٨)، وكذا رواه مسلم ( ١٥٩٧) مختصراً ،
وأبو داوود ( ٣٣٣٣) والترمذي (١٢٠٦)، وابن ماجه ( ٢٢٧٧).
(٤) حديث جابر رواه مسلم (١٥٩٨)، وله ولعمر أشار له الترمذي (١٢٠٦).
كن
03
٥٠ن
٥٧٤

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
فكلُّ مَنْ حوالَيْهِمْ مِنْ خدمِهِمْ وأتباعِهِمْ ظلمةٌ مثلُهُمْ، يجبُ بغضُهُمْ
في اللهِ جميعاً .
م۔۔۔
رُوي عنْ عثمانَ بن زائدةً أنَّهُ سألَهُ بعضُ الجندِ وقالَ : أينَ الطريقُ ؟
فسكتَ، وأظهرَ أنَّ بهِ صمماً ، وخافَ أنْ يكونَ متوجِّهاً إلى ظلم ، فيكونَ
هوَ بإرشادِهِ إلى الطريقِ معيناً .
وهذهِ المبالغةُ لمْ تُنقلْ عنِ السلفِ معَ الفسَّاقِ مِنَ التجَّارِ والحاكةِ
والحجَّامينَ وأهلِ الحمَّاماتِ والصاغةِ والصبَّاغينَ وأربابِ الحرفِ، معَ غلبةِ
الكذبِ والفسقِ عليهِمْ ، بل معَ الكفَّارِ مِنْ أهلِ الذمَّةِ ، وإنَّما هذا في الظلمةِ
خاصَّةً الآكلينَ لأموالِ اليتامى والمساكينِ ، المواظبينَ على إيذاءِ
المسلمينَ ، الذينَ تعاونوا على طمْسٍ رسومِ الشريعةِ وشعائرِها، وهذا لأنَّ
المعصيةَ منقسمةٌ إلى لازمةٍ ومتعديةٍ ، والفسقُ لازمٌ لا يتعدّى ، وكذا
الكفرُ، وهوَ جنايةٌ على حقِّ اللهِ تعالى، وحسابُهُ على اللهِ، وأمَّا معصيةٌ
الولاةِ بالظلم .. فهوَ متعدٍّ، وإنَّما يغلظُ أمرُهُمْ لذلكَ، وبقدْرِ عمومِ الظلمِ
وعموم التعدِّي يزدادونَ مِنَ اللهِ سبحانهُ مقتاً ، فيجبُ أنْ يزدادَ منهُمُ اجتناباً ،
ومِنْ معاملتِهِمُ احترازاً، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يقالُ للشرطيِّ:
دعْ سوطَكَ وادخلِ النَّارَ))(١)، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مِنْ أشراطِ
حن
-----
(١) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (١٤٨١)، وهو عند الحاكم في (( المستدرك))
(٥١٧/٤) بلفظ: ((يقال لرجال يوم القيامة: اطرحوا سياطكم وادخلوا جهنم)).
ـن ح.
٥٧٥

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
السَّاعَةِ رجالٌ معَهُمْ سياطٌ كأذنابِ البقرِ)»(١).
فهذا حُكمُهُمْ، ومَنْ عُرفَ بذلكَ منهُمْ .. فقدْ عُرفَ، ومَنْ لمْ
يُعرفْ .. فعلامتُهُ القَباءُ ، وطولُ الشواربِ ، وسائرُ الهيئاتِ المشهورةِ .
فمَنْ رُئِيَ على تلكَ الهيئةِ .. وجبَ اجتنابُهُ ، ولا يكونُ ذلكَ مِنْ سوءِ
الظنِّ ؛ لأنَّهُ الذي جنى على نفسِهِ إذْ تزيًا بزيِّهمْ، ومساواةُ الزيِّ تدلُّ على
مساواةِ القلبِ ، فلا يتجانَنُ إلا مجنونٌ ، ولا يتشبَّهُ بالفسَّاقِ إلا فاسقٌ ،
نعمْ ، الفاسقُ قدْ يلتبسُ فيتشبَّهُ بأهلِ الصلاحِ ، فأمَّا الصالحُ .. فليسَ لهُ أنْ
يتشبّهَ بأهلِ الفسادِ ؛ لأنَّ ذلكَ تكثيرٌ لسوادِهِمْ، وإنَّما نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ في قومٍ مِنَ المسلمينَ كانوا يكتِّرونَ جماعةَ
المشركينَ بالمخالطةِ (٢).
وقدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى يوشعَ بنِ نونٍ : أَنِّي مهلكٌ مِنْ قومِكَ
أربعينَ ألفاً مِنْ خيارِهِمْ، وستينَ ألفاً مِنْ شرارِهمْ، فقالَ: ما بالُ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٥٠/٥) ولفظه: ((يكون في هذه الأمة في آخر الزمان
رجال - أو قال : يخرج رجال من هذه الأمة في آخر الزمان - معهم أسياط كأنها أذناب
البقر، يغدون في سخط الله ويروحون في غضبه))، وعند مسلم (٢١٢٨): (( صنفان
من أهل النار لم أرهما ؛ قوم معهم سياط كأذناب البقر ، يضربون بها الناس ، ونساء
كاسيات ... )) الحديث.
(٢) إذ تخلَّفوا عن الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبقوا مع المشركين في مكة .
انظر (( تفسير الطبري)) (٣٠٢/٥/٤) .
٥٧٦

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
الأخيار ؟! قالَ : إنَّهُمْ لمْ يغضبوا لغضبي، فكانوا يؤاكلونَهُمْ
تده (١)
ويشاربونَهُمْ(١).
وبهذا يتبيَّنُ أنَّ بغضَ الظلمةِ والغضبَ للهِ عليهِمْ واجبٌ .
وروى ابنُ مسعودٍ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أَنَّ اللهَ لعنَ علماءَ بني
إسرائيلَ إذْ خالطوا الظَّالمينَ في معاشِهِمْ(٢).
ممـ
مَثَالَّةٌ
[في حكم الانتفاع بما بنوا منْ مرافقَ]
المواضعُ التي بناها الظلمةُ ؛ كالقناطرِ والرباطاتِ ، والمساجدِ ،
والسقايات(٣) . . ينبغي أنْ يُحتاطَ فيها ويُنظرَ.
أمَّا القنطرةُ : فيجوزُ العبورُ عليها للحاجةِ ، والورعُ الاحترازُ ما أمكنَ ،
وإنْ وجدَ عنهُ معدلاً .. تأكَّدَ الورعُ، وإنَّما جوَّزْنا العبورَ وإنْ وجدَ معدلاً
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) ( ٧١) عن إبراهيم بن
عمر الصنعاني ، والبيهقي في (( الشعب)) (٨٩٨٢) عنه ، عن الوضين بن عطاء.
(٢) رواه أبو داوود (٤٣٣٦)، والترمذي (٣٠٤٧) ولفظه: (( لما وقعت بنو إسرائيل في
المعاصي .. نهتهم علماؤهم ، فلم ينتهوا ، فجالسوهم في مجالسهم ، وواكلوهم
وشاربوهم ، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داوود وعيسى ابن
مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون )) .
(٣) فالقناطر ما شيد على الأنهار ، والرباطات للصوفية ، والسقايات لشرب الماء والوضوء
أيضاً. ((إتحاف)) (٦/ ١٥٢).
٥٧٧
حن
كز

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
لأنَّهُ إذا لمْ يعرفْ لتلكَ الأعيانِ مالكاً .. كانَ حكمُها أن تُرُصدَ للخيراتِ ،
وهذا خيرٌ .
فأمَّا إذا عرفَ أنَّ الاَجُرَّ والحجرَ قدْ نُقُلَ مِنْ دارِ معلومةٍ ، أوْ مقبرةٍ ،
أوْ مسجدٍ معيَّنِ .. فهذا لا يحلُّ العبورُ فيهِ أصلاً ، إلا لضرورةٍ يحلُّ بها مثلُ
ذلكَ مِنْ مالِ الغيرِ ، ثمَّ يجبُ عليهِ الاستحلالُ مِنَ المالكِ الذي يعرفُهُ.
ںے
وأمَّا المسجدُ : فإنْ بُنِيَ في أرضٍ مغصوبةٍ ، أوْ بخشبٍ مغصوبٍ مِنْ
مسجدٍ آخرَ أوْ مالكٍ معيَّنٍ .. فلا يجوزُ دخولُهُ أصلاً ، ولا للجمعة ، بلْ لوْ
وقفَ الإمامُ فيهِ .. فليصلِّ هوَ خلفَ الإمام وليقفْ خارجَ المسجدِ ؛ فإنَّ
الصلاةَ في الأرضِ المغصوبةِ تُقطُ الفرضَ ، وتنعقدُ في حقِّ الاقتداءِ ؛
فلذلكَ جوَّزْنا للمقتدي الاقتداءَ بمَنْ صلَّى في الأرضِ المغصوبةِ وإِنْ عصى
صاحبُهُ بالوقوفِ في الغصبِ .
وإنْ كانَ مِنْ مالٍ لا يُعرفُ مالكُهُ .. فالورعُ العدولُ إلى مسجدٍ آخرَ إنْ
وجدَ، فإنْ لمْ يجدْ غيرَهُ .. فلا يتركُ الجمعةَ والجماعةَ؛ لأنَّهُ يُحتملُ أنْ
يكونَ مِنَ الملكِ الذي بناهُ ولوْ على بعدٍ ، وإنْ لمْ يكنْ لهُ مالكٌ معيَّنٌ ، فهوَ
المصالحِ المسلمينَ .
حن تن حن حن حن حن حن
ومهما كانَ في المسجدِ الكبيرِ بناءٌ لسلطانٍ ظالمٍ .. فلا عِذْرَ لمَنْ يصلِّي فيهِ
معَ اتساعِ المسجدِ ؛ أعني : في الورع ، قيلَ لأحمدَ ابنِ حنبلٍ : ما حجَّتُكَ في
تركِ الخروج إلى الصلاةِ في جماعةٍ ونحنُ بالعسكرِ ؟ فقالَ : حجَّتي أنَّ الحسنَ
٥٧٨

ربع العادات
0 %:
كتاب الحلال والحرام
وإبراهيمَ التيميَّ خافا أنْ يفتنَهُما الحجَّاجُ، وأنا أخافُ أنْ أفتنَ أيضاً(١).
وأمَّا الخلوقُ والتجصيصُ .. فلا يمنعُ مِنَ الدخولِ ؛ فإنَّهُ غيرُ منتفعٍ بِهِ
في الصلاةِ ، وإنَّما هوَ زينةٌ ، والأولى أنَّهُ لا يُنظرُ إليهِ.
يسمـ
لاحن
وأمَّا البواري التي فرشوها : فإنْ كانَ لها مالكٌ معيَّنٌ .. فيحرمُ الجلوسُ
عليها ، وإلا .. فبعدَ أنْ أُرصدتْ لمصلحةٍ عامٍ .. جازَ افتراشُها، ولكنَّ
الورعَ العدولُ عنها ؛ فإنَّها محلُّ شبهةٍ .
وأمَّا السقايةُ : فحكمُها ما ذكرناهُ ، وليسَ مِنَ الورع الوضوءُ والشربُ
منها والدخولُ فيها إلا إذا كانَ يخشى فواتَ الصلاةِ ، فيتوضَّأُ ، وكذا مصانعُ
طريقٍ مكَّةَ .
?
وأمَّا الرباطاتُ والمدارسُ : فإنْ كانَتْ رقبةُ الأرضِ مغصوبةً ، أوِ الآجرُ
منقولاً مِنْ موضع معيَّنِ يمكنُ الردُّ إلى مستحقُّهِ .. فلا رخصةَ للدخولِ فيها ،
وإنِ التبسَ المالكُ .. فقدْ أُرصدَ لجهةٍ مِنَ الخيرِ ، فالورعُ الاجتنابُ ، ولكنْ
لا يلزمُ الفسقُ بدخولِهَا .
وهذهِ الأبنيةُ إنْ صدرَتْ مِنْ خدم السلاطينِ فالأمرُ فيها أشدُّ ؛ إذْ ليسَ
لهُمْ صرْفُ الأموالِ الضائعةِ إلى المصالح ، ولأنَّ الحرامَ أغلبُ على
أموالهِمْ؛ إذْ ليسَ لهُمْ أخذُ مالِ المصالحِ ، وإنَّما يجوزُ ذلكَ للولاةِ وأربابٍ
لأمرٍ .
(١) كذا في ((الورع)) (ص٧٩) لأحمد .
٥٧٩

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
مَشْأَلَّةٌ
[فيما إذا كانَ أصلُ الشارعِ أرضاً مغصوبةٌ ونحوَ ذلكَ]
ـجو
6
الأرضُ المغصوبةُ إذا جُعلتْ شارعاً .. لمْ يجزْ أنْ يتخطَّى فيهِ ألبتةً ، وإنْ
لمْ يكنْ لها مالكٌ معيَّنٌ .. جازَ ، والورعُ العدولُ إنْ أمكنَ .
فإنْ كانَ الشارعُ مباحاً وفوقَهُ ساباطٌ(١) .. جازَ العبورُ، وجازَ الجلوسُ
تحتَ الساباطِ على وجهٍ لا يحتاجُ فيهِ إلى السقفِ ، كما يقفُ في الشارع
لشغلٍ ، فإذا انتفعَ بالسقفِ ؛ في دفع حرِّ الشمسِ ، أوِ المطرِ ، أَوْ غيرِهِ ..
فهوَ حرامٌ ؛ لأنَّ السقفَ لا يُرادُ إلا لذلكَ وهكذا حكمُ مَنْ يدخلُ مسجداً أوْ
أرضاً مباحةً سُقِّفَ أوْ حُوِّطَ بغصبٍ ، فإنَّهُ بمجرَّدِ التخطِّي لا يكونُ منتفعاً
بالحيطانِ والسقفِ إلا إذا كانَ لهُ فائدةٌ في الحيطانِ والسقفِ ؛ لحرِّ أوْ برْدٍ ،
أوْ تستُّرِ عنْ بصرٍ أوْ غيرِهِ ، فذلكَ حرامٌ ؛ لأنَّهُ انتفاعٌ بالحرام ، إذْ لمْ يحرمِ
الجلوسُ على الغصبِ لما فيهِ مِنَ المماسَّةِ ، بلْ للانتفاعِ ، والأرضُ تُرادُ
للاستقرارِ عليها ، والسقفُ للاستظلالِ بهِ ، فلا فرقَ بينَهُما .
(١) وهو السقيفة التي تحتها ممر نافذ، والجمع سوابيط. ((إتحاف)) (١٥٤/٦).
٥٨٠