Indexed OCR Text
Pages 541-560
ربع العادات حز كتاب الحلال والحرام البَابُ السَّادِسُ في يحلّ من مخالطة السَّلاطين الظَّلَمة ويحرم وحكم غشيان مجالسهم والدخول عليهم والإكرام لهم مدن مازج اعلمْ : أنَّ لكَ مِعَ الأمراءِ والعمَّالِ الظلمةِ ثلاثةَ أحوالٍ : الحالةُ الأولى - وهيَ شرُّها - : أنْ تدخلَ عليهِمْ. والثانيةُ - وهي دونَها - : أنْ يدخلوا عليكَ . والثالثةُ - وهيَ الأسلمُ - : أنْ تعتزلَ عنهُمْ، فلا تراهم ولا يرونَكَ . أمَّا الحالةُ الأولىُ - وهيَ الدخولُ عليهِمْ -: فهوَ مذمومٌ جدّاً في الشرع ، وفيهِ تغليظاتٌ وتشديداتٌ تواردَتْ بها الأخبارُ والآثارُ، فنتقلُها لتعرفَ ذَّ الشرعِ لهُ، ثمَّ نتعرَّضُ لما يحرمُ منهُ وما يُباحُ وما يُكرهُ ، على ما تقتضيهِ الفتوىُ في ظاهرِ العلمِ . أمَّا الأخبارُ : فلمَّا وصفَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الأمراءَ الظلمةَ .. قالَ : ٥٤١ -حن دن حزم كتاب الحلال والحرام ١٦+ ربع العادات ((فمَنْ نابِذَهُمْ .. نجا، ومَنْ اعتزَلَهُمْ .. سلمَ أوْ كادَ يسلمُ، ومَنْ وقعَ معَهُمْ في دنياهُمْ .. فهوَ منهُمْ))(١) ، وذلكَ لأنَّ مَنِ اعتزلَهُمْ .. سلمَ مِنْ إثمِهِمْ ، ولكنْ لمْ يسلَمْ مِنْ عذابٍ يعمُّهُ معَهِمْ إِنْ نزلَ بِهِمْ؛ لتركِهِ المنابذةَ والمنازعةَ . ١٠٪ به وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( سيكونُ مِنْ بعدي أمراءُ يظلمونَ ويكذبونَ ، فمَنْ صدَّقهُمْ بكذِبِهِمْ ، وأعانَهُمْ على ظلمِهِمْ .. فليسَ منِّي ولستُ منهُ، ولمْ يردْ عليَّ الحوضَ)»(٢). وروى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((أبغضُ القرَّاءِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ الذين يزورونَ الأمراءَ))(٣). وفي الخبرِ : ( خيرُ الأمراءِ الذينَ يأتونَ العلماءَ ، وشرُ العلماءِ الذينَ يأتونَ الأمراءَ)(٤). (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٨٨٩٨)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٩/١١) . (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٤٣/٤)، والترمذي (٢٢٥٩)، والنسائي ( ١٦٠/٧ ) . (٣) رواه ابن ماجه (٢٥٦). (٤) روى الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٥٦٦) من حديث عمر رضي الله عنه: ((إن الله عز وجل يحب الأمراء إذا خالطوا العلماء ، وإن الله يمقت العلماء إذا خالطوا الأمراء ؛ لأن العلماء إذا خالطوا الأمراء .. رغبوا في الدنيا، وإن الأمراء إذا خالطوا العلماء .. رغبوا في الآخرة )» . ٥٤٢ ٨٠×٦٠ م ربع العادات كتاب الحلال والحرام وفي الخبرِ : (( العلماءُ أمناءُ الرسلِ على عبادِ اللهِ ما لَمْ يخالطوا السلطانَ، فإذا فعلوا ذلكَ .. فقدْ خانُوا الرسلَ، فاحذروهُمْ واعتزلوهُمْ))، رواهُ أنسُ رضيَ اللهُ عنهُ(١) . وأمَّا الآثارُ : فقدْ قالَ حذيفةُ : إِيَّاكُمْ ومواقفَ الفتنِ ، قيلَ : وما مواقفُ الفتنِ ؟ قالَ : أبوابُ الأمراءِ ، يدخلُ أحدُكُمْ على الأميرِ فيصدّقُهُ بالكذبِ ، ويقولُ ما ليسَ فيهِ (٢) . وقالَ أبو ذرٍّ لسلمةً : ( يا سلمةُ؛ لا تغشَ أبوابَ السلاطينِ ؛ فإنَّكَ لا تصيبُ مِنْ دنياهُمْ شيئاً إلا أصابوا مِنْ دينكَ أفضلَ منهُ)(٣). وقالَ سفيانُ : ( في جهنَّمَ وادٍ لا يسكنُهُ إلا القرَّاءُ الزوّارونَ للملوك ) (٤). (١) رواه العقيلي كما في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١١١٣)، والديلمي في (( مسند الفردوس)) (٤٢١٠)، وقال الحافظ المناوي نقلاً عن السيوطي : ( قوله - أي ابن الجوزي : (( موضوع)) ممنوع، وله شواهد فوق الأربعين ، فنحكم له على مقتضى صناعة الحديث بالحسن ) . فت (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣١٦/١١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٧٧/١). (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٨٨٨٧) ، وسلمة هو ابن قيس . (٤) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١٠٩٧). زنا ٥٤٣ كتاب الحلال والحرام بھید ربع العادات وقالَ الأوزاعيُّ: ( ما مِنْ شيءٍ أبغضَ عندَ اللهِ مِنْ عالمٍ يزورُ عاملاً)(١). وقالَ سُمنونٌ : ( ما أسمجَ بالعالمِ أَنْ يؤتى إلى مجلسهِ ، فلا يُوجدُ ، فيُسألُ عنهُ، فيُقالُ: إنَّهُ عندَ الأميرِ، وكنتُ أسمعُ أنَّهُ يُقالُ: ((إذا رأيتمُ العالمَ يحبُّ الدنيا .. فاتهموهُ على دينِكُمْ)) حتَّى جرَّبْتُ ذلكَ؛ إذْ ما دخلتُ قطُّ على هذا السلطانِ إلا وحاسبتُ نفسي بعدَ الخروج ، فأرى عليها الدركَ، معَ ما أواجهُهُمْ بهِ مِنَ الغلظةِ والمخالفةِ لهواهُمْ )(٢). وقالَ عبادةُ بنُ الصامتِ : ( حبُّ القارىءِ الناسكِ للأمراءِ نفاقٌ، وحُبُّهُ للأغنياءِ رياءٌ ) . ٠٤٧ ٤ ٠٥٠٥٠ وقالَ أبو ذرٍّ: ( مَنْ كثَّرَ سوادَ قوم .. فهوَ منهُمْ)(٣) أيْ: مَنْ كَثَّرَ سوادَ الظلمةِ . وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : إنَّ الرجلَ ليدخلُ على السلطانِ ومعَهُ دينُهُ، فيخرجُ ولا دينَ لهُ! قيلَ لهُ: ولِمَ؟ قالَ: لأنَّهُ يرضيهِ بسخطِ اللهِ(٤). (١) رواه مرفوعاً ابن عدي في ((الكامل)) (٣٥/٢). (٢) ترتيب المدارك (٣٥٧/١) . (٣) قال الحافظ الزبيدي في «الإتحاف)) (١٢٨/٦): (هكذا رواه ابن المبارك في (الزهد)) عنه موقوفاً)، وقد رواه مرفوعاً ابن أبي عاصم في «السنة)) (١٥٠٥) عن أنس رضي الله عنه، والديلمي في (( مسند الفردوس)) ( ٥٦٢١) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه . حن (٤) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (٣٢٧/٨) بتمامه ، ونحوه عند ابن المبارك في ((الزهد)» (٣٨٢) . ن ٥٤٤ جم حن -حن حن ربع العادات كتاب الحلال والحرام واستعملَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رجلاً ، فقيلَ : كانَ عاملاً للحجَّاج ، فعزلَهُ ، فقالَ الرجلُ : إنَّما عملتُ لهُ على شيءٍ يسيرِ ، فقالَ لهُ عمرُ : حسبُكَ بصحبتِهِ يوماً أوْ بعضَ يومٍ شؤماً وشرّاً(١) . ـكن وقالَ الفضيلُ : ( ما ازدادَ رجلٌ مِنْ ذي سلطانٍ قرباً .. إلا ازدادَ مِنَ اللهِ بعداً )(٢). وكانَ سعيدُ بنُّ المسيَّبِ يتَّجرُ في الزيتِ ويقولُ : إنَّ في هذا لغنى عن هؤلاءِ السلاطينِ (٣). وقالَ وهيبٌ : ( هؤلاءِ الذينَ يدخلونَ على الملوكِ لهُمْ أضرُّ على الأمَّةِ مِنَ المقامرينَ ) (٤). ٠٠ وقالَ محمدُ بنُ سلمةَ : ( الذبابُ على العذرةِ أحسنُ مِنْ قارىءٍ على باب هؤلاءِ )(٥). بو (١) رواه الفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (٦٠٨/١)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٦٨ /١٩٧ ) . (٢) رواه هناد في ((الزهد)) (٥٩٧) عن عبيد بن عمير مرسلاً، وعند أحمد في « المسند » (٣٧١/٢) مرفوعاً: ((من بدأ .. جفا، ومن اتبع الصيد .. غفَل، ومن أتى أبواب السلطان .. افتتن ، وما ازداد عبد من السلطان قرباً .. إلا ازداد من الله بعداً)). (٣) كونه يتاجر بالزيت عند الترمذي (١٢٦٧) إشارة لذلك. (٤) رواه أحمد في ((الورع)) (ص ٨٢) . (٥) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤٤٦/٢) عن محمد بن السماك . ٥٤٥ كتاب الحلال والحرام ؟ ربع العادات ولمَّا خالطَ الزهريُّ السلطانَ(١) .. كتبَ أخٌ لهُ في الدينِ إليهِ : ( عافانا اللهُ وإِيَّاكَ أبا بكرٍ مِنَ الفتنِ ، فقدْ أصبحتَ بحالٍ ينبغي لمَنْ عرفَكَ أنْ يدعوَ لكَ اللهَ ويرحمَكَ، أصبحتَ شيخاً كبيراً ، وقدْ أثقلتْكَ نعَمُ اللهِ ؛ لما فَهَّمَكَ مِنْ كِتابِهِ ، وعلَّمَكَ مِنْ سنَّةِ نبيِّهِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وليسَ كذلكَ أخذَ اللهُ الميثاقَ على العلماءِ ، قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ . واعلمْ: أنَّ أيسرَ ما ارتكبتَ وأخفَّ ما احتملتَ أنَّكَ آنستَ وحشةَ الظالمِ، وسهَّلْتَ سبيلَ الغيِّ بدنوِّكَ ممَّنْ لمْ يؤدِّ حقّاً ولمْ يتركُ باطلاً، حينَ أدناكَ اتخذوكَ قطباً تدورُ عليكَ رحى ظلمِهِمْ ، وجسراً يعبُرُونَ عليكَ إلى بلائِهِمْ ، وسُلَّماً يصعدونَ فيهِ إلى ضلالتِهِمْ، ويُدخلونَ بكَ الشكَّ على العلماءِ، ويقتادونَ بكَ قلوبَ الجهلاءِ ، فما أيسرَ ما عَمَروا لكَ في جنْبٍ ما خرَّبوا عليكَ ، وما أكثرَ ما أخذوا منكَ في جنبٍ ما أفسدوا عليكَ مِنْ دينِكَ ، فما يؤمنُكَ أنْ تكونَ ممَّنْ قالَ اللهُ تعالى فيهِمْ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ ... ﴾ الآيةَ، وإنَّكَ تعاملُ مَنْ لا يجهلُ، ويحفظُ عليكَ مَنْ لا يغفُلُ ، فداوِ دِينَكَ ؛ فقدْ دخلَهُ سقمٌ، وهيِّىءْ زادَكَ ؛ فقدْ حضرَ سفرٌ بعيدٌ، وما يخفى على اللهِ مِنْ شيءٍ في الأرضِ ولا في السماءِ، والسلامُ)(٢). كن ذن مفن (١) يعني به عبد الملك بن مروان ، فإنه كان قد خالطه وقدم عليه دمشق مراراً ، وكذا ولده هشام. ((إتحاف)) (١٢٨/٦ ). (٢) هذا الكتاب أرسله أبو حازم سلمة بن دينار إلى الزهري رحمهما الله تعالى ، رواه = ٥٤٦ ش شي ربع العادات كتاب الحلال والحرام فهذهِ الأخبارُ والآثارُ تدلُّ على ما في مخالطةِ السلاطينِ مِنَ الفتنِ وأنواعٍ الفسادِ ، ولكنْ نفضِّلُ ذلكَ تفصيلاً فقهياً ، نميِّزُ فيهِ المحظورَ عنِ المكروهِ والمباح ، فنقولُ : ـح خوخ الداخلُ على السلطانِ معرَّضٌ لأنْ يعصيَ اللهَ تعالى ؛ إمَّا بفعلِهِ ، أَوْ بسكوتِهِ ، وإمَّا بقولِهِ، وإمَّا باعتقادِهِ ، ولا ينفكُّ عنْ أحدِ هذهِ الأمورِ(١). جــ م+. أمَّا الفعلُ : فالدخولُ عليهِمْ في غالبِ الأحوالِ يكونُ إلى دورِ مغصوبةٍ ، وتخطِّيها والدخولُ فيها بغيرِ إذنِ الملَكِ حرامٌ ، ولا يغرنَّكَ قولُ القائل : ( إنَّ ذلكَ ممَّا يتسامحُ بهِ الناسُ ؛ كتمرةٍ أوْ فتاتِ خبزٍ ) ؛ فإنَّ ذلكَ صحيحٌ في غيرِ المغصوبِ ، أمَّا المغصوبُ .. فلا؛ لأنَّهُ إِنْ قيلَ: إِنَّ كلَّ جلسةٍ خفيفةٍ لا تنقصُ الملكَ فهيَ في محلِّ التسامح ، وكذلكَ الاجتيازُ .. فيجري هذا في كلِّ واحدٍ ، فيجري أيضاً في المجموع ، والغصبُ إنَّما تمَّ بفعلِ الجميع، وإنَّما يُتسامحُ بهِ إذا انفردَ، إذْ لوْ علمَ المالكُ بهِ .. ربَّما لمْ يكرهْهُ ، فأمَّا إذا كانَ ذلكَ طريقاً إلى الاستغراقِ بالاشتراكِ .. فحكمُ التحريم ينسحبُ على الكلِّ ، فلا يجوزُ أن يُتخذَ ملكُ الرجلِ طريقاً اعتماداً على أنَّ أبو نعيم في «الحلية)) (٢٤٦/٣)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ٤١/٢٢) = ضمن خبر طويل . C. (١) ووجه الاستقراء : أن الداخل لا يخلو عند دخوله أن يفعل شيئاً، أو يسكت على شيء، أو يقول شيئاً، أو يعتقد فى نفسه شيئاً، والقول ما كان باللسان ، والفعل ما كان بالجوارح. ((إتحاف)) (٦ /١٣١ ). %0 ٥٤٧ در زات كتاب الحلال والحرام ـوه ربع العادات كلَّ واحدٍ مِنَ المارِّينَ إنَّما يخطو خطوةٌ لا تنقصُ الملكَ ؛ لأنَّ المجموعَ مفوِّتٌ للملكِ ، وهو كضربةٍ خفيفةٍ في التعليمِ تَبَاحُ ولكنْ بشرطِ الانفرادِ ، فلو اجتمعَ جماعةٌ بضرباتٍ توجبُ القتلَ .. وجبَ القصاصُ على الجميعِ معَ أنَّ كلَّ واحدةٍ مِنَ الضرباتِ لوِ انفردَتْ .. لكانَتْ لا توجبُ قصاصاً . 5ـ فإِنْ فُرِضَ كونُ الظالمِ في موضعٍ غيرِ مغصوبٍ ؛ كالمواتِ مثلاً ؛ فإنْ كانَ تحتَ خيمةٍ أَوْ مِظلَّةٍ مِنْ مالِهِ .. فهوَ حرامٌ(١) ، والدخولُ إليهِ غيرُ جائزِ ؛ لأنَّهُ انتفاعٌ بالحرامِ واستظلالٌ بهِ . فإِنْ فُرضَ كلُّ ذلكَ حلالاً .. فلا يعصي بالدخولِ مِنْ حيثُ إنَّهُ دخولٌ ، ولا بقولِهِ : ( السلامُ عليكَ ) ، ولكنْ إنْ سجدَ، أوْ ركعَ ، أَوْ مثلَ قائماً في سلامِهِ وخدمتِهِ .. كانَ مكرِّماً للظالمِ بسببٍ ولايتِهِ التي هيَ آلةُ ظلمِهِ ، والتواضعُ للظالمِ معصيةٌ ، بلْ مَنْ تواضعَ لغنيٍّ ليسَ بظالمٍ لأجلِ غناهُ لا لمعنىّ آخرَ يقتضي التواضعَ .. ذهبَ ثلثا دينهِ(٢) ، فكيفَ إذا تواضعَ لظالمٍ؟! فلا يُباحُ إلا مجرَّدُ السلام، فأمَّا تقبيلُ اليدِ ، والانحناءُ في الخدمةِ .. فهوَ معصيةٌ، إلا عندَ الخوفِ (٣)، أوْ لإمام عادلٍ، أَوْ لعالمٍ، أَوْ لمَنْ (١) لكون أغلب أموال السلاطين كذلك. ((إتحاف)) (١٣١/٦). (٢) كما روى ذلك الديلمي في ((مسند الفردوس)» (٥٤٤٩ ) من حديث أبي ذر ، وقد رواه أبو نعيم في « الحلية)) ( ٤٥/٣) عن فرقد السبخي يعزوه للتوراة . (٣) منه على نفسه وعياله أو ضيعته ، فإن قبّل اليد .. فلا بأس بذلك، وأما ما عداه مما ذكر .. فغير جائز؛ فإنه ليس من شعار المسلمين. ((إتحاف)) (١٣٢/٦). ٥٤٨ تن ربع العادات كتاب الحلال والحرام يستحقُّ ذلكَ بأمرٍ دينيٌّ(١) ؛ قبَّلَ أبو عبيدةَ بنُ الجرَّاح يدَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما لمَّا أَنْ لقيَهُ بالشامِ ، فلمْ ينكرْ عليهِ (٢) . وقدْ بالغَ بعضُ السلفِ حتَّى امتنعَ عنْ رَدِّ جوابِهِمْ في السلام ، والإعراضُ عنهُمُ استحقاراً لهُمْ مِنْ محاسنِ القرباتِ(٣)، فأمَّا السكوتُ عنْ ردِّ الجوابِ .. ففيهِ نظرٌ ؛ لأنَّ ذلكَ واجبٌ ، فلا ينبغي أنْ يسقطَ بالظلم . فإنْ تركَ الداخلُ جميعَ ذلكَ، واقتصرَ على السلام .. فلا يخلو مِنَ الجلوسِ على بساطِهِمْ، وإذا كانَ أغلبُ أموالِهِمْ حراماً .. فلا يجوزُ الجلوسُ على فرشِهِمْ ، هذا مِنْ حيثُ الفعلُ . فأمَّا السكوتُ : فهوَ أنَّهُ سيرى في مجالسِهِمْ مِنَ الفُرُشِ الحريرِ وأواني الفضَّةِ والحريرِ الملبوسِ عليهِمْ وعلى غلمانِهِمْ ما هوَ حرامٌ ، وكلُّ مَنْ رأى منكراً وسكتَ عنهُ .. فهوَ شريكٌ في ذلكَ المنكرِ ، بلْ يسمعُ مِنْ كلامِهِمْ (١) كشيخ مسنٌّ صالح شابَ في الإسلام ، أو شيخه في العلم ولو كان شاباً ، أو والده ، أو والدته، والعم بمنزلة الأب. ((إتحاف)) (١٣٢/٦). (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٦٧٣٢)، وأبو سعيد البصري في (( القُبَل والمعانقة والمصافحة)) ( ص٩). (٣) والعبارة عند الحافظ الزبيدي: ( والإعراض عنهم استحقاراً لهم ، وجعلوه من محاسن القربات). ((إتحاف)) (١٣٢/٦)، وأما الامتناع من رد السلام عليهم .. فقد أورده السيوطي عن ابن باكويه مسنداً في ((أخبار الصوفية)) حيث قال: ( تعززوا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم). انظر (( ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين)) ( ص ٢٣ ) . ٥٤٩ حن كتاب الحلال والحرام ربع العادات ٥٥ ٠٥٥ ما هوَ فحشٌ وكذبٌ وشتمٌ وإيذاءٌ ، والسكوتُ على جميع ذلكَ حرامٌ ، بلْ يراهُمْ لابسينَ الثيابَ الحرامَ وآكلينَ الطعامَ الحرامَ وجميعُ ما في أيديِهِمْ حرامٌ ، والسكوتُ على ذلكَ غيرُ جائزٍ ، فيجبُ عليهِ الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عنِ المنكرِ بلسانِهِ إنْ لمْ يقدِرْ بفعلِهِ . خ فإنْ قيلَ: إنَّهُ يخافُ على نفسِهِ ، فهوَ معذورٌ في السكوتِ .. فههذا حقٌّ، ولكنَّهُ مستغنٍ عنْ أنْ يعرِّضَ نفسَهُ لارتكابٍ ما لا يُباحُ إلا بعذرِ ؛ فإنَّهُ لوْ لمْ يدخلْ ولمْ يشاهدْ .. لمْ يتوجَّهْ عليهِ الخطابُ بالحِسبةِ، حتَّى يسقطَ عنهُ بالعذْرِ ، وعندَ هذا أقولُ : مَنْ علمَ فساداً في موضع، وعلمَ أنَّهُ لا يقدرُ على إزالتِهِ .. فلا يجوزُ لهُ أنْ يحضرَ ليجريَ ذلكَ بينَ يديهِ وهوَ يشاهدُهُ ويسكتُ ، بلْ ينبغي أنْ يحترزَ عنْ مشاهدتِهِ . وأمَّا القولُ : فهوَ أنْ يدعوَ للظالمِ ، أَوْ يثنيَ عليهِ ، أوْ يصدِّقَهُ فيما يقولُ مِنْ باطلٍ ؛ بصريحِ قولِهِ ، أوْ بتحريكِ رأسِهِ ، أوْ باستبشارٍ في وجهِهِ ، أوْ يظهرَ لهُ الحبَّ والموالاةَ والاشتياقَ إلى لقائِهِ ، والحرصَ على طولِ عمرِهِ وبقائِهِ ؛ فإنَّهُ في الغالبِ لا يقتصرُ على السلام ، بلْ يتكلّمُ ولا يعدو كلامُهُ هذهِ الأقسامَ . ٢٠ من ٢ أمَّا الدعاءُ لهُ .. فلا يحلُّ، إلا أنْ يقولَ: أصلحكَ اللهُ، أوْ وفَّقَكَ اللهُ للخيراتِ ، أَوْ طوَّلَ اللهُ عمرَكَ في طاعتِهِ ، أو ما يجري هذا المجرى . ٥٥٠ ديسط ربع العادات كتاب الحلال والحرام فأمَّا الدعاءُ بالحراسةِ ، وطولِ البقاءِ ، وإسباغِ النعمةِ ، معَ الخطابِ بالمولى وما في معناهُ .. فغيرُ جائزٍ؛ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ دعا لظالمٍ بالبقاءِ .. فقدْ أحبَّ أنْ يُعصى اللهُ في أرضِهِ))(١). فإِنْ جاوزَ الدعاءَ إلى الثناءِ .. فسيذكرُ ما ليسَ فيهِ ، فيكونُ بهِ كاذباً ومنافقاً ومكرماً لظالم ، وهذهِ ثلاثُ معاصٍ ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ ليغضبُ إذا مُدحَ الفاسقُ)) (٢)، وفي خبرٍ آخرَ: (( مَنْ أكرمَ فاسقاً .. فقدْ أعانَ على هدم الإسلام))(٣). فإنْ جاوزَ ذلكَ إلى التصديقِ لهُ فيما يقولُ ، والتزكيةِ والثناءِ على ما يعملُ .. كانَ عاصياً بالتصديقِ وبالإعانةِ ؛ فإنَّ التزكيةَ والثناءَ إعانةٌ على المعصيةِ ، وتحريكٌ للرغبةِ فيهِ ، كما أنَّ التكذيبَ والمذمَّةَ والتقبيحَ زجرٌ عنهُ ، وتضعيفٌ لدواعيهِ ، والإعانةُ على المعصيةِ معصيةٌ ، ولوْ بشطرٍ كلمةٍ . ۵۵. ٨٥٠٠٠٠ ولقدْ سئل سفيانُ رضيَ اللهُ عنهُ عنْ ظالمِ أشرفَ على الهلاكِ في برِيَّةٍ ؛ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (٦٠٤) عن الحسن، ورواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٤٦/٧) من قول سفيان . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (٢٣٠)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٤٥٤٣). (٣) روى الطبراني في ((الكبير)) (٩٦/٢٠)، وأبو نعيم في « الحلية)) (٢١٨/٥) مرفوعاً: ((من وقَّر صاحب بدعة .. فقد أعان على هدم الإسلام)»، والقصة بتمامها عند صاحب ((القوت)) (٢٦٤/٢). ٥٥١ كتاب الحلال والحرام ربع العادات هلْ يُسقى شربةَ ماءٍ ؟ فقالَ : لا ، فقيلَ لهُ : يموتُ ! فقالَ: دعْهُ حتى يموتَ ؛ فإنَّ ذلكَ إعانةٌ لهُ على ظلمِهِ . وقالَ غيرُهُ: يُسقى إلى أنْ تثوبَ إليهِ نفسُهُ، ثمَّ يُعرضُ عنهُ. ے فإنْ جاوزَ ذلكَ إلى إظهارِ الحبِّ والشوقِ إلى لقائِهِ وطولٍ بقائِهِ ؛ فإنْ كانَ كاذباً .. عصى بمعصيةِ الكذبِ والنفاقِ، وإنْ كانَ صادقاً .. عصی بحبِّهِ بقاءَ ظالم، وحقُّهُ أنْ يبغضَهُ في اللهِ ويمقتَهُ ، فالبغضُ في اللهِ واجبٌ ، ومحبُّ المعصيةِ والراضي بها عاصٍ ، ومَنْ أحبَّ ظالماً ؛ فإنْ أحبَّهُ لظلمِهِ .. فهوَ عاصٍ بمحبَّتِهِ ، وإنْ أحبَّهُ لسببٍ آخرَ .. فهوَ عاصٍ مِنْ حيثُ إِنَّهُ لمْ يبغضْهُ، وكانَ الواجبُ عليهِ أنْ يبغضَهُ ، وإنِ اجتمعَ في شخصٍ واحدٍ خيرٌ وشرّ .. وجبَ أنْ يُحبَّ لأجلِ ذلكَ الخيرِ، ويُبغضَ لأجلِ ذلكَ الشرِّ ، وسيأتي في كتابِ الأخوةِ والمتحابينَ في اللهِ وجهُ الجمع بينَ البغضِ والحبِّ . حن فإنْ سلِمَ مِنْ ذلكَ كلِّهِ وهيهاتَ . . فلا يسلمُ مِنْ فسادٍ يتطرَّقُ إلى قلبهِ ؛ فإنَّهُ ينظرُ إلى توسّعِهِ في النعمةِ فيزدري نعمَ اللهِ عليهِ ، ويكونُ مقتحماً نهيَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قالَ: (( يا معشرَ المهاجرينَ ؛ لا تدخلوا على أهل الدنيا، فإنَّها مسخطةٌ للرّرقِ))(١). (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٧٦٠) موقوفاً على سيدنا عمر رضي الله عنه ، وروى الحاكم في (( المستدرك)) (٣١٢/٤) مرفوعاً: (( أقلوا الدخول على الأغنياء، فإنه قمنٌ ألا تزدروا نعم الله عز وجل )) . ت> ٥٥٢ ڈں مدن جر حن ربع العادات كتاب الحلال والحرام وهذا معَ ما فيهِ مِنِ اقتداءِ غيرِهِ بِهِ في الدخولِ ، ومِنْ تكثيرِهِ سوادَ الظلمةِ بنفسِهِ، وتجميلِهِ إِيَّاهُمْ إنْ كانَ ممَّنْ يتجمَّلُ بهِ ، وكلُّ ذلكَ إمَّا مكروهاتٌ وإمَّا محظوراتٌ . دُعِيَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ إلى البيعةِ للوليدِ وسليمانَ ابنَي عبدِ الملكِ بنِ مروانَ(١)، فقالَ: لا أبايعُ اثنينِ ما اختلفَ الليلُ والنهارُ؛ فإنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نهى عنْ بيعتينٍ (٢)، فقالَ: فقيلَ : ادخلْ مِنَ البابِ واخرجْ مِنَ البابِ الآخرِ ، قالَ : لا واللهِ ؛ لا يقتدي بي أحدٌ مِنَ الناسِ ، قالَ : فجلدَهُ مئةً وألبسَهُ المسوحَ(٣). فلا يجوزُ الدخولُ عليهِمْ إلا بعذرینِ : أحدُهما : أنْ يكونَ مِنْ جهتِهِمْ أمرُ إلزامٍ لا أمرُ إكرامٍ ، وعلمَ أنَّهُ لوٍ امتنعَ .. أُوْذِيَ أَوْ فسدَ عليهِمْ طاعةُ الرعيةِ واضطربَ أمرُ السياسةِ ، فيجبُ عليهِ حينئذٍ الإجابةُ ، طاعةً لهُمْ، ومراعاةً لمصلحةِ الخلقِ ؛ حتَّى لا تضطربَ الولايةُ (٤). سعيد (١) وكان الداعي له هو والدهما عبد الملك. ((إتحاف)) (١٣٤/٦). (٢) رواه الترمذي (١٣٣١)، والنسائي (٢٩٥/٧). (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٠/٢)، والمسوح: جمع مِسح ، وهو الكساء الأسود . (٤) في نسخة الحافظ الزبيدي: ( لا طاعة لهم، بل مراعاة المصلحة ... ). ((إتحاف)) (١٣٥/٦)، والعبارتان موجهتان . 1 -. ـنت ٥٥٣ ثين عن % ء سسم كتاب الحلال والحرام ربع العادات من والثاني : أنْ يدخلَ عليهِمْ في دفع ظلمٍ عنْ مسلمٍ سواءُ ، أَوْ عنْ نفسِهِ ؛ إمَّا بطريقِ الحِسبةِ ، أَوْ بطريقِ التظلُّم ، فذلكَ رخصةٌ ، بشرطِ ألا يكذبَ ، ولا يثنيَ ، ولا يدعَ نصيحةً يتوقَّعُ لها قبولاً ، فهذا حكمُ الدخولِ . الحالةُ الثانيةُ : أنْ يدخلَ عليكَ السلطانُ الظالمُ زائراً : فجوابُ السلام لا بدَّ منهُ، وأمَّا القيامُ والإكرامُ لهُ .. فلا يحرمُ مقابلةً لهُ على إكرامِهِ، فإنَّهُ بإكرام العلمِ والدينِ مستحقٌّ للإحمادِ ، كما أنَّهُ بالظلم مستحقٌّ للإبعادِ ، فالإكرامُ بالإكرامِ ، والجوابُ بالسلام ، ولكنَّ الأولىُ ألا يقومَ إنْ كانَ معهُ في خلوةٍ ؛ ليظهرَ لهُ بذلكَ عزَّ الدينِ وحقارةَ الظلْمِ ، ويظهرَ لهُ غضبَهُ للدينِ، وإعراضَهُ عمَّنْ أعرضَ عنِ اللهِ تعالى، فأعرضَ اللهُ تعالى عنْهُ . ـكن وإنْ كانَ الداخلُ عليهِ في جمع . . فمراعاةُ حشمةِ أربابِ الولاياتِ فيما بينَ الرعايا مهمٌّ، فلا بأسَ بالقيام على هذهِ النِيَّةِ ، وإنْ علمَ أنَّ ذلكَ لا يورثُ فساداً في الرعيّةِ ، ولا ينالُهُ أذىّ مِنْ غضبهِ .. فتركُ الإكرام بالقيام أولى . ثُمَّ يجبُ عليهِ بعدَ أنْ وقعَ اللقاءُ أنْ ينصحَهُ ، فإنْ كانَ يقارِفُ ما لا يعرفُ تحريمَهُ ، وهوَ يتوقَّعُ أنْ يتركَهُ إذا عرفَ .. فليعرِّفْهُ ، فذلكَ واجبٌ . وأمَّا ذكرُ تحريمٍ ما يعلمُ تحريمَهُ ؛ مِنَ الشربِ والظلمِ .. فلا فائدةَ فيهِ ، بلْ عليهِ أنْ يخوِّفَهُ فيما يرتكبُهُ مِنَ المعاصي مهما ظنَّ أنَّ التخويفَ يؤثِّرُ فيهِ ، ٩٠ تن ٥٥٤ ربع العادات ٥٫٫٥٠ دون حن كتاب الحلال والحرام وعليهِ أنْ يرشدَهُ إلى طريقِ المصلحةِ إنْ كانَ يعرفُ طريقاً على وَفْقِ الشرع ؛ بحيثُ يحصلُ بهِ غرضُ الظالمِ مِنْ غيرِ معصيةٍ ، فيصدَّهُ بذلكَ عنِ الوصولِ إلىْ غرضِهِ بالظلمِ . حن فإذاً ؛ يجبُ عليهِ التعريفُ في محلِّ جهلِهِ ، والتخويفُ فيما هوَ مستجرىءٌ عليهِ، والإرشادُ إلى ما هوَ غافلٌ عنهُ ممَّا يغنيهِ عنِ الظّلمِ . فهذهِ ثلاثةُ أمورٍ تلزمُهُ إذا توقَّعَ للكلام فيها أثراً ، وذلكَ أيضاً لازمٌّ على كلِّ مَنِ اتفقَ لهُ دخولٌ على السلطانِ بعذرٍ أوْ بغيرِ عذرٍ . روىُ مقاتلُ بنُ صالح قالَ : كنتُ عندَ حمَّادِ بنِ سلمةَ ، وإذا ليسَ في البيتِ إلا حصيرٌ وهوَ جالسٌ عليهِ ، ومصحفٌ يقرأُ فيهِ ، وجِرابٌ فيهِ علمُهُ ، ومِطهرةٌ يتوضَّأُ منها ، فبينا أنا عندَهُ . . إذْ دَقَّ داقٌّ البابَ ، فإذا هوَ محمدُ بنُ سليمانَ ، فأذنَ لهُ، فدخلَ وجلسَ بينَ يديهِ ، ثمَّ قالَ : ما لي إذا رأيتُكَ .. امتلأتُ منكَ رُعباً ؟ قالَ حمادٌ: لأنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ لهُ: ((إنَّ العالمَ إذا أرادَ بعلمِهِ وجهَ اللهِ .. هابَهُ كلُّ شيءٍ، وإنْ أرادَ أنْ يكنزَ بهِ الكنوزَ .. هابَ مِنْ كلِّ شيءٍ))(١)، ثمَّ عرضَ عليهِ أربعينَ ألفَ درهم وقالَ : تأخذُها وتستعينُ بها ، قالَ : ارددْها على مَنْ ظلمتَهُ بها ، قالَ : واللهِ ما أعطيتُكَ إلا ممَّا ورثتُهُ، قالَ : لا حاجةً لي فيها ، قالَ : فتأخذُها فتقسمُها ، قالَ : لعلِّ إنْ عدلتُ في قسمتِها أخافُ أنْ يقولَ بعضُ مَنْ لمْ (١) هذا الحديث المرفوع رواه حماد كما سيأتي في تخريج الخبر. ٥٥٥ كتاب الحلال والحرام ربع العادات يُرزقْ منها: إنَّهُ لمْ يعدِلْ في قسمتِها ، فيأثمُ ، فازوها عنِّي(١) . الحالةُ الثالثةُ : أَنْ يعتزلَهُمْ فلا يراهُمْ ولا يرونَهُ : وهوَ الواجبُ ؛ إذْ لا سلامةَ إلا فيهِ ، فعليهِ أنْ يعتقدَ بغضَهُمْ على ظلمِهِمْ، ولا يحبّ بقاءَهُمْ، ولا يثنيَ عليهِمْ ، ولا يستخبرَ عنْ أحوالِهِمْ ، ولا يتقرَّبَ إلى المتصلينَ بِهِمْ ، ولا يتأسَّفَ على ما يفوتُ بسببِ مفارقتِهِمْ ، وذلكَ إذا خطرَ ببالِهِ أمرُهُمْ ، وإِنْ غفَلَ عنْهُمْ . . فهوَ الأحسنُ . وإذا خطرَ ببالِهِ تنقُّمُهُمْ .. فليذكرْ ما قالَهُ حاتِمٌ الأصمُّ : ( إنَّما بيني وبينَ الملوكِ يومٌ واحدٌ ، أمَّا أمسٍ .. فلا يجدونَ لذَّتَهُ، وإنِّي وإيّاهُمْ مِن غدٍ لعلى وجل، وإنَّما هوَ اليومُ ، وما عسى أنْ يكونَ في اليوم؟! )(٢) . وما قالَهُ أبو الدرداءِ إذْ قالَ : ( أهلُ الأموالِ يأكلونَ ونأكلُ ، ويشربونَ ونشربُ، ويلبسونَ ونلبسُ ، ولهُمْ فضولُ أموالٍ ينظرونَ إليهَا وننظرُ معَهُمْ إليها، وعليهِمْ حسابُها ونحنُ منها برآءُ)(٣) . (١) رواه الخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (١ / ٥٦٧)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٣٢/٥٣)، والحديث المرفوع في الخبر ساقه بسنده متصلاً حماد إذ قال : سمعت ثابتاً البناني يقول : سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، وذكره ، فهو من روايتهما . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( الزهد)) (٤٦٩) عن أبي حازم سلمة بن دينار . (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ٥٩٢) . ٥٥٦ ٢٥ ربع العادات كتاب الحلال والحرام وكلُّ مَنْ أحاطَ علمُهُ بظلمٍ ظالمٍ ومعصيةِ عاصٍ .. فينبغي أنْ يحطَّ ذلكَ مِنْ درجتِهِ في قلبهِ ، فهذا واجبٌ عليهِ ؛ لأنَّ مَنْ صدرَ منهُ ما يكرهُ .. نقصَ ذلكَ مِنْ رتبتِهِ في القلبِ لا محالةَ ، والمعصيةُ ينبغي أنْ تُكرهَ ، فإنَّهُ إمَّا أنْ يغَفُلَ عنها ، أوْ يرضى بها ، أوْ يكرهَ ، ولا غفلةَ معَ العلمِ ، ولا وجهَ للرضا ، فلا بدَّ مِنَ الكراهةِ ، فليكنْ جنايةُ كلِّ أحدٍ على حقِّ اللهِ تعالى كجنایتِهِ على حقِّكَ . فإنْ قلتَ : الكراهةُ لا تدخلُ تحتَ الاختيارِ ، فكيفَ تجبُ ؟ ٨٤٠٨٠٠٠ قلنا : ليسَ كذلكَ ؛ فإنَّ المحبَّ يكرهُ بضرورةِ الطبع ما هوَ مكروهٌ عندَ محبوبِهِ ومخالفٌ لهُ، فإنَّما لا يكرهُ معصيةَ اللهِ مَنْ لا يحبُّ اللهَ تعالى ، وإنَّما لا يحبُّ اللهَ تعالىُ مَنْ لا يعرفُهُ، والمعرفةُ واجبةٌ ، والمحبةُ للهِ واجبةٌ، وإذا أحبَّهُ .. كرهَ ما كرهَهُ، وأحبَّ ما أحبَّهُ ، وسيأتي تحقيقُ ذلكَ في كتابِ المحبَّةِ والرضا . ١٦٠٠٠ فإنْ قلتَ : فقدْ كانَ علماءُ السلفِ يدخلونَ على السلاطينِ . فأقولُ : نعمْ ، تعلَّم الدخولَ منهُمْ ثمَّ ادخلْ ؛ كما حُكِي أنَّ هشامَ بنَ عبدِ الملكِ قدمَ حاجّاً إلى مكَّةَ ، فلمَّا دخلَها .. قالَ : ائتوني برجلٍ مِنَ ٨ الصحابةِ ، فقيلَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ قدْ فَنَوا ، فقالَ : فمنَ التابعينَ ، فَأَتِيَ ۔۔۔ .2 ٥٥٧ m- P. كتاب الحلال والحرام جيدـ ربع العادات بطاووسِ اليمانيِّ ، فلمَّا دخلَ عليهِ .. خلعَ نعليهِ بحاشيةِ بساطِهِ ، ولمْ يسلِّمْ عليهِ بإمرةِ المؤمنينَ ، ولكنْ قالَ : السلامُ عليكَ يا هشامُ ، ولمْ يكنِّهِ ، وجلسَ بإزائِهِ ، وقالَ : كيفَ أنتَ يا هشامُ؟ فغضبَ هشامٌ غضباً شديداً حتَّى همَّ بقتلِهِ ، فقيلَ لهُ : أنتَ في حرمِ اللهِ وحرمِ رسولِهِ ، فلا يمكنُ ذلكَ ، فقالَ لهُ : يا طاووسُ ؛ ما الذي حملَكَ على ما صنعتَ ؟ قالَ : وما الذي صنعتُ ؟ فازدادَ غضباً وغيظاً ، قالَ : خلعتَ نعليكَ بحاشيةِ بساطي ، ولمْ تقبّلْ يدي ، ولمْ تسلِّم عليَّ بإمرةِ المؤمنينَ ، ولمْ تكنِّني ، وجلستَ بإزائي بغيرِ إذني ، وقلتَ : كيفَ أنتَ يا هشامُ . فقالَ : أَمَّا ما فعلتُ مِنْ خلْع نعلي بحاشيةِ بساطِكَ .. فإنِّي أخلعُهُما بينَ يدي ربِّ العزَّةِ كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ ولا يعاقبُني، ولا يغضبُ عليَّ، وأمَّا قولُكَ : لمْ تقبّلْ يدي .. فإِنِّي سمعتُ أميرَ المؤمنينَ عليَّ بن أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ: ( لا يحلُّ لرجلٍ أنْ يقبّلَ يدَ أحدٍ ؛ إلا يدَ امرأتِهِ مِنْ شهوةٍ ، أَوْ ولدِهِ مِنْ رحمةٍ ) ، وأمَّا قولُكَ: لمْ تسلَّمْ عليَّ بإمرةِ المؤمنينَ .. فليسَ كلُّ الناسِ راضينَ بإمرتِكَ ، فكرهتُ أنْ أكذبَ ، وأمَّا قولك : لمْ تكنِّني .. فإنَّ اللهَ تعالى سمَّى أنبياءَهُ وأولياءَهُ فقالَ: يا داوودُ ، يا يحيى، يا عيسىُ، وكنَّى أعداءَهُ فقالَ: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، وأمَّا قولُكَ : جلستَ بإزائي .. فإنِّي سمعتُ أميرَ المؤمنينَ عليّاً رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ: (إذا أردتَ أنْ تنظرَ إلى رجلٍ مِنْ أهلِ النارِ .. فانظرْ إلى رجلٍ جالسٍ وحولَهُ قومٌ قيامٌ ) . ـدن حن ون حن حن ٥٥٨ ربع العادات كتاب الحلال والحرام فقالَ لهُ هشامٌ : عظْني ، فقالَ : سمعتُ مِنْ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ : ( إنَّ في جهنّمَ حيَّاتٍ كالقلالِ ، وعقاربَ كالبغالِ ، تلدغُ كلَّ أميرٍ لا يعدلُ في رعيتِهِ ) ، ثمَّ قامَ وخرجَ . حن وعنْ سفيانَ الثوريِّ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : أُدخلتُ على أبي جعفر المنصورِ بمنىٌّ ، فقالَ لي: ارفعْ إلينا حاجتَكَ، فقلتُ لهُ : اتقِ اللهَ فقدْ ملأتَ الأرضَ ظلماً وجوراً ، قالَ : فطأطأَ رأسَهُ ثمَّ رفعَهُ فقالَ : ارفعْ إلينا حاجتَكَ ، قالَ : فقلتُ: إنَّما أُنزِلتَ هذهِ المنزلةَ بسيوفِ المهاجرينَ والأنصارِ وأبناؤُهُمْ يموتونَ جوعاً ، فاتقِ اللهَ وأوصل إليهِمْ حقوقَهُمْ، فطأطأَ رأسَهُ ثمَّ رفعَ فقالَ : ارفعْ إلينا حاجتَكَ ، فقلتُ : حجَّ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ ، فقالَ لخازنِهِ : كمْ أنفقتَ ؟ قالَ : بضعةَ عشرَ درهماً ، وأرى ههنا أموالاً لا تطيقُ الجمالُ حملَها ، وخرج(١) . فهكذا كانوا يدخلونَ على السلاطينِ إذا أُكرهوا ، فكانوا يغررونَ بأرواحِهِمْ في الانتقام للهِ مِمَّنْ ظلمَ . ودخلَ ابنُ أبي شميلةَ على عبدِ الملكِ بنِ مروانَ ، فقالَ لهُ : تكلَّمْ ، فقالَ : إنَّ الناسَ لا ينجونَ في القيامةِ مِنْ غُصصِها ومراراتِها ومعاينةِ الردى فيها إلا مَنْ أرضى اللهَ بسخطِ نفسِهِ ، فبكىُ عبدُ الملكِ وقالَ : لأجعلنَّ هذهِ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٤٤/٧)، وفيها وفي النسخ: ( ... أموراً لا تطيقها الجبال) ، والمثبت من (ق) . فاه. ٥٥٩ صن فات .. " كتاب الحلال والحرام ربع العادات الكلمةَ مثالاً نصْبَ عينيَّ ما عشتُ(١) . ولمَّا استعملَ عثمانُ بنُ عفَّنَ رضيَ اللهُ عنهُ عبدَ اللهِ بنَ عامر (٢) .. أتاهُ أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وأبطأَ عنهُ أبو ذرٍّ وكانَ لهُ صديقاً ، فعاتبَهُ ، فقالَ أبو ذرٍّ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((إنَّ الرجلَ إذا وليَ ولايةً .. تباعدَ اللهُ عنهُ))(٣). ودخلَ مالكُ بنُ دينارٍ على أميرِ البصرةِ ، فقالَ : أَيُّها الأميرُ ؛ قرأتُ في بعضٍ الكتبِ أنَّ اللهَ تعالى يقولُ : مَنْ أحمقُ مِنَ السلطانِ ، ومَنْ أجهلُ ممَّنْ عصاني ، ومَنْ أعزُّ ممَّنِ اعتزَّ بي؟! أيُّها الراعي السوءُ ؛ دفعتُ إليكَ غنماً سماناً صحاحً(٤)، فأكلتَ اللحمَ، ولبستَ الصوفَ، وتركتَها عظاماً تتقعقعُ ، فقالَ لهُ والي البصرةِ : أتدري ما الذي يجرِّتُكَ علينا ويجنبُنا عنكَ ؟ قالَ : لا ، قالَ : قلَّةُ الطمع إلينا، وتركُ الإمساكِ لما في أيدينا(٥) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (١٠٥). (٢) في (أ، ج، د): (العباس)، وفي (ب): (ابن عباس)، وفي (هـ) : ( استُعمِل عثمانُ ) . (٣) قال الحافظ العراقي: ( لم أقف له على أصل). («إتحاف)) (١٣٩/٦)، وروى هناد في ((الزهد)) (٥٩٧) عن عبيد بن عمير مرسلاً، وأحمد في ((المسند)) (٢/ ٣٧١) مرفوعاً ما يفيد معناه، وفيه: (( وما ازداد عبد من السلطان دنوّاً .. إلا ازداد من الله بعداً)) . (٤) شبه السلطان براعي الغنم، والرعية بالغنم. انظر ((الإتحاف)) (١٣٩/٦). (٥) رواه ابن قتيبة في ((عيون الأخبار)) (١/ ٥٤)، والأمير هو بلال بن أبي بردة = ! ٥٦٠