Indexed OCR Text
Pages 401-420
ربع العادات كتاب الحلال والحرام وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ فلاناً يجرُّ في النارِ عباءةٌ قدْ غلَّها))(١). وقُتِلَ رجلٌ ، ففتّشوا متاعَهُ ، فوجدوا فيهِ خرزاتٍ مِنْ خرزِ اليهودِ لا تساوي درهمينٍ قدْ علَّها(٢). وكذلكَ أدركَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الأئمةَ الظلمةَ(٣) ، ولمْ يمتنعْ أحدٌ منهُمْ عنِ الشراءِ في السوقِ بسببِ نهبِ المدينةِ ، وقدْ نهبَها أصحابُ يزيدَ ثلاثةَ أيام(٤) ، وكانَ مَنْ يمتنعُ مِنْ تلكَ الأموالِ مشاراً إليهِ في الورع ، والأكثرونَ لمْ يمتنعوا ، معَ الاختلاطِ وكثرةِ الأموالِ المنهوبةِ في أيامِ الظلمةِ . جرة عم: كن ٠٥٤٠٠ ومَنْ أوجبَ ما لمْ يوجبُهُ السلفُ الصالحُ ، وزعمَ أنَّهُ تفطّنَ مِنَ الشرع ما لمْ يتفطَّنوا لهُ .. فهوَ موسوِسٌ مختلُّ العقلِ ، ولوْ جازَ أنْ يُزادَ عليهِمْ في أمثالِ هذا .. لجازَ مخالفتُهُمْ في مسائلَ لا مستندَ فيها سوى اتفاقِهِمْ ؛ كقولِهِمْ : إنَّ الجدَّةَ كالأمِّ في التحريمِ ، وابنَ الابنِ كالابنِ ، وشعرَ الخنزيرِ (١) رواه البخاري (٣٠٧٤) . (٢) رواه أبو داوود (٢٧١٠)، والنسائي (٦٤/٤)، وابن ماجه ( ٢٨٤٨). (٣) فمن الأصحاب : أبو هريرة ، وأبو سعيد الخدري ، وزيد بن ثابت ، وأبو أيوب الأنصاري ، وجرير بن عبد الله ، وجابر ، وأنس ، والمسور بن مخرمة ، رضي الله تعالى عنهم . ومن الأئمة الظلمة : يزيد بن معاوية ، وعبيد الله بن زياد ، ومروان ، ويزيد بن عبد الملك، والحجاج بن يوسف. انظر ((الإتحاف)) (٤٣/٦). (٤) في وقعة الحرّة التي كان أميرها المسرف مسلم بن عقبة بأمر من يزيد . ٤٠١ حن ش 3 كتاب الحلال والحرام ربع العادات وشحمَهُ كاللحمِ المذكورِ تحريمُهُ في القرآنِ ، والربا جارٍ فيما عدا الأشياءَ الستةَ(١) ، وذلكَ محالٌ؛ فإنَّهُمْ أولىْ بفهْمِ الشرعِ مِنْ غيرِهِمْ. وأمَّا القياسُ : فهوَ أنَّهُ لوْ فُتِحَ هذا البابُ .. لانسدَّ بابُ جميع التصرُّفاتِ ، وخربَ العالمُ ؛ إذِ الفسقُ يغلبُ على الناسِ ، ويتساهلونَ بسببهِ في شروطِ الشرع في العقودِ، ويؤدي ذلكَ - لا محالةَ - إلى الاختلاطِ. فإنْ قيلَ : فقدْ نقلتُمْ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ امتنعَ مِن أكلِ الضبِّ وقالَ: ((أخشى أنْ يكونَ ممَّا مسخَهُ اللهُ))(٢) وهوَ في اختلاطٍ غيرٍ المحصورِ . قلنا : يحملُ ذلكَ على الورع والتنزُّهِ ، أوْ نقولُ: للضبِّ شكلٌ غريبٌ ، ربَّما يدلُّ على أنَّهُ مِنَ المسخِ ، فهيَ دلالةٌ في عينِ المتناولِ . فإنْ قيلَ : فهذا معلومٌ في زمانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وزمانٍ الصحابةِ ؛ بسببِ الربا والسرقةِ والنهبِ وغلولِ الغنيمةِ وغيرِها ، ولكنْ كانتْ هيَ الأقلَّ بالإضافةِ إلى الحلالِ ، فماذا تقولُ في زمانِنا وقدْ صارَ الحرامُ أكثرَ ما في أيدي الناسِ ؛ لفسادِ المعاملاتِ ، وإهمالِ شروطِها ، حن ٩٠ (١) وهي الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والملح التي وردت في الحديث. (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٩٦/٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) ( ٥٢٦٦). ٤٠٢ 4.25 ٥ ربع العادات حن كتاب الحلال والحرام وكثرةِ الربا ، وأموالِ السلاطينِ الظلمةِ ؟ فمَنْ أخذَ مالاً لمْ يشهدْ عليهِ علامةً معيَّنةً في عينِهِ للتحريمِ .. فهلْ هوَ حرامٌ أم لا ؟ فأقولُ: ليسَ ذلكَ حراماً ، وإنَّما الورعُ تركُهُ، وهذا الورعُ أهمُّ مِنَ الورع إذا كانَ قليلاً، ولكنَّ الجوابَ عنْ هذا : أنَّ قولَ القائلِ : ( أكثرُ الأموالِ حرامٌ في زمانِنا ) غلطٌ محضٌ ، ومنشؤُهُ الغفلةُ عنِ الفرقِ بينَ الكثيرِ والأكثرِ، فأكثرُ الناس ، بلْ أكثرُ الفقهاءِ يظنُّونَ أنَّ ما ليسَ بنادرِ .. فهوَ الأكثرُ، ويتوهَّمونَ أنَّهُما قسمانِ متقابلانِ ليسَ بينَهُما ثالثٌ ، وليسَ كذلكَ ، بلِ الأقسامُ ثلاثةٌ: قليلٌ وهوَ النادرُ ، وكثيرٌ ، وأكثرُ . حن حن ومثالُهُ : أَنَّ الخنثى فيما بينَ الخلْقِ نادرٌ ، وإذا أضيفَ إليهِ المريضُ .. وُجدَ كثيراً، وكذا السفرُ، حتَّى يُقالَ: المرضُ والسفرُ مِنَ الأعذارِ العامَّةِ ، والاستحاضةُ مِنَ الأعذارِ النادرةِ ، ومعلومٌ أنَّ المرضَ ليسَ بنادرِ ، وليسَ بالأكثرِ أيضاً ، بلْ هوَ كثيرٌ . ٢٧٧. ـجو والفقيهُ إذا تساهلَ وقالَ : ( المرضُ والسفرُ غالبٌ، وهوَ عذرٌ عامٌ ) .. أرادَ بهِ أنَّهُ ليسَ بنادرِ ، فإنْ لمْ يردْ هذا .. فهوَ غلطٌ، والصحيحُ والمقيمُ هوَ الأكثرُ ، والمسافرُ والمريضُ كثيرٌ ، والمستحاضةُ والخنثى نادرٌ . فإذا فُهمَ هذا .. فنقولُ: قولُ القائلِ: ( الحرامُ أكثرُ) باطلٌ ؛ لأنَّ مستندَ هذا القائل إمَّا أنْ يكونَ كثرةَ الظلمةِ والجنديَّةِ(١) ، أَوْ كثرةَ الربا (١) والمراد بالجندية هنا : عسكر الأمراء وأعوانهم . ٤٠٣ ثن كتاب الحلال والحرام ـكن ربع العادات والمعاملاتِ الفاسدةِ ، أَوْ كثرةَ الأيدي التي تكرَّرَتْ مِنْ أوَّلِ الإسلام إلى زمانِنا هذا على أصولِ الأموالِ الموجودةِ اليومَ . أمَّا المستندُ الأوَّلُ .. فباطلٌ؛ فإنَّ الظلمةَ كثيرٌ ، وليسَ بالأكثرِ ؛ فإنّهُمُ الجنديةُ ، إذْ لا يظلمُ إلا ذو غلبةٍ وشوكةٍ ، وهمْ إذا أضيفوا إلى كلِّ العالمِ .. لم يبلغوا عُشْرَ عَشِيرِهِمْ، فكلُّ سلطانٍ يجتمعُ عليهِ مِنَ الجنودِ مئةُ ألفٍ مثلاً ، فيملكُ إقليماً يجمعُ ألفَ ألفٍ وزيادةً ، ولعلَّ بلدةً واحدةً مِنْ بلادٍ مملكتِهِ يزيدُ عددُها على جميع عسكرهِ . ولوْ كانَ عددُ السلاطينِ أكثرَ مِنْ عددِ الرعايا .. لهلك الكلُّ ؛ إذْ كانَ يجبُ على كلِّ واحدٍ مِنَ الرعيَّةِ أنْ يقومَ بعشرةٍ مِنْهُمْ مثلاً معَ تنعمِهِمْ في المعيشةِ ، ولا يُتصوَّرُ ذلكَ ، بلْ كفايةُ الواحدِ منهُمْ تجمعُ مِنْ ألفٍ منَ الرعيَّةِ وزيادة . وكذا القولُ في السرَّاقِ؛ فإنَّ البلدةَ الكبيرةَ تشتملُ منهُمْ على عددٍ قليلٍ . حن ؟ وأمَّا المستندُ الثاني - وهوَ كثرةُ الربا والمعاملاتِ الفاسدةِ - فهيَ أيضاً كثيرةٌ ، وليستْ بالأكثرِ ، إذْ أكثرُ المسلمينَ يتعاملونَ بشروطِ الشرع ، فعددُ هؤلاءِ أكثرُ ، والذي يعاملُ بالربا وغيرِهِ فلوْ عُدَّتْ معاملاتُهُ وحدَهُ .. لكانَ عددُ الصحيح منها يزيدُ على الفاسدِ ، إلا أنْ يطلبَ الإنسانُ بوهمِهِ في البلدِ مخصوصاً بالمجَانةِ والخبثِ وقلَّةِ الدينِ ، حتَّى يُتصوَّرَ أنْ يُقالَ : معاملاتُهُ ـن؟ ٤٠٤ حر ربع العادات كتاب الحلال والحرام حن الفاسدةُ أكثرُ، ومثلُ ذلكَ المخصوصِ نادرٌ ، وإنْ كانَ كثيراً .. فليسَ بالأكثر لوْ كانَ كلُّ معاملاتِهِ فاسدةً ، كيفَ ولا يخلو هوَ أيضاً عنْ معاملةٍ صحيحةٍ تساوي الفاسدةَ أوْ تزيدُ عليها؟! وهذا مقطوعٌ بهِ لمَنْ تأمَّلَهُ . وإنَّما غلبَ هذا على النفوسِ لاستكثارِ النفوسِ الفسادَ ، واستبعادِها إِيَّاهُ، واستعظامِها لهُ ، وإنْ كانَ نادراً، حتَّى ربَّما يُظنُّ أنَّ الزنا وشربَ الخمرِ قدْ شاعَ كما شاعَ الحرامُ ، فيُتخيّلُ أَنَّهُمُ الأكثرونَ ، وهوَ خطأٌ ؛ فإنَّهُمُ الأَقُلُّونَ ، وإنْ كانَ فِيهِمْ كثرةٌ . وأمَّا المستندُ الثالثُ - وهو أخيلُها (١) - أنْ يُقالَ: الأموالُ إنَّما تحصلُ مِنَ المعادنِ والنباتِ والحيوانِ . والنباتُ والحيوانُ حاصلٌ بالتوالدِ ، فإذا نظرنا إلى شاةٍ مثلاً ، وهيَ تلدُ في كلِّ سنةٍ ، فيكونُ عددُ أصولِها إلى زمانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قريباً من خمسٍ مئةٍ ولا يخلو هذا مِنْ أنْ يتطرَّقَ إلى واحدٍ مِنْ تلكَ الأصولِ غصبٌ أوْ معاملةٌ فاسدةٌ ، فكيفَ يُقدَّرُ أنْ تسلمَ أصولُها عنْ تصرُّفٍ باطلٍ إلى زماننا هذا ؟ ـته وكذا بذورُ الحبوبِ والفواكهِ تحتاجُ إلى خمسٍ مئةِ أصلٍ أوْ ألفِ أصلٍ مثلاً إلى أوَّلِ الشرع ، ولا يكونُ هذا حلالاً ما لمْ يكنْ أصلُهُ وأصلُ أصلِهِ وكذلكَ إلى أوَّلِ زمانِ النبوَّةِ حلالاً . (١) أي: أكثرها خيالاً في النفوس. ((إتحاف)) (٤٥/٦). ٤٠٥ 1 كتاب الحلال والحرام ربع العادات وأمَّا المعادنُ .. فهيَ التي يمكنُ نيلُها على سبيلِ الابتداءِ ، وهيَ أقلُّ الأموالِ ، وأكثرُ ما يُستعملُ منها الدراهمُ والدنانيرُ ، ولا تخرجُ إلا مِنْ دارِ الضرْبِ ، وهيَ في أيدي الظلمةِ ، بلِ المعادنُ في أيدي الظلمةِ يمنعونَ الناسَ منها ، ويلزمونَ الفقراءَ استخراجَها بالأعمالِ الشاقَّةِ ، ثمَّ يأخذونَها منهمْ غصْباً ، فإذا نُظرَ إلى هذا .. عُلِمَ أنَّ بقاءَ دينارٍ واحدٍ بحيثُ لمْ يتطرّقْ إليهِ عقدٌ فاسدٌ ولا ظلمٌ وقتَ النيلِ ولا وقتَ الضرْبِ في دارِ الضربِ ولا بعدَهُ في معاملاتِ الصرفِ والربا .. بعيدٌ نادرٌ أو محالٌ؛ فلا يبقى إذاً حلالٌ إلا الصيدُ والحشيشُ في الصحارى المواتِ والمفاوزِ والحطبُ المباحُ ، ثمَّ مَنْ يحصِّلُهُ لا يقدرُ على أكلِهِ ، فيفتقرُ إلى أَنْ يشتريَ بهِ الحبوبَ والحيواناتِ التي لا تحصلُ إلا بالاستنباتِ والتوالدِ ، فيكونُ قدْ بذلَ حلالاً في مقابلةِ حرامٍ ، فهذا هوَ أشدُّ الطرقِ تخييلاً . فالجوابُ : أنَّ هذهِ الغلبةَ لمْ تنشأْ مِنْ كثرةِ الحرام المخلوطِ بالحلالِ ، فخرجَ عنِ النمطِ الذي نحنُ فيهِ ، والتحقَ بما ذكرناهُ مِنْ قبلُ ، وهوَ تعارضُ الأصلِ والغالبِ ؛ إذ الأصلُ في هذهِ الأموالِ قبولُها للتصرفاتِ ، وجوازٌ التراضي عليها ، وقدْ عارضَهُ سببٌ غالبٌ يخرجُهُ عنِ الصلاحِ لهُ ، فيضاهي هذا محلَّ القولينِ للشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ في حكْمِ النجاساتِ ، والصحيحُ عندَنا : أنَّهُ تجوزُ الصلاةُ في الشوارع إذا لمْ يرَ نجاسةً ، وأنَّ طينَ الشوارع طاهرٌ ، وأنَّ الوضوءَ مِنْ أواني المشركينَ جائزٌ ، وأنَّ الصلاةَ في المقابرِ المنبوشةِ جائزةٌ ، فنثبتُ هذا أوَّلاً ، ثمَّ نقيسُ ما نحنُ فيهِ عليهِ . حن حم حن حن حن حن ٤٠٦ حن صن حن مان ربع العادات كتاب الحلال والحرام ويدلُّ على ذلكَ توضُّؤُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ مَزادةٍ مشركٍ(١)، وَتوضُّؤُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ مِنْ جَّةِ نصرانيةٍ(٢)، معَ أنَّ مشربَهُمُ الخمرُ ومطعمَهُمُ الخنزيرُ، ولا يحترزونَ عمَّا نتجنّبُهُ في شرعِنا ، فكيفَ تسلمُ أوانيِهِمْ مِنْ أيديهِمْ ؟! بلْ نقولُ: نعلمُ قطعاً أنَّهُمْ كانوا يلبسونَ الفراءَ المدبوغةَ والثيابَ المصبوغةَ والمقصورةَ، ومَنْ تأمَّلَ أحوالَ الدَّاغينَ والقصَّارِينَ والصبَّاغينَ .. علمَ أنَّ الغالبَ عليهِمُ النجاسةُ، وأنَّ الطهارةَ في تلكَ الثيابِ محالٌ أوْ نادرٌ ! حن حن بلْ نقولُ : نعلمُ أنَّهُمْ كانوا يأكلونَ خبزَ البُرِّ والشعيرِ ولا يغسلونَهُ معَ أنَّهُ يُداسُ بالبقرِ والحيواناتِ ، وهي تبولُ عليهِ وتروثُ ، وقلَّما يخلصُ مِنْ ذلكَ ، وكانوا يركبونَ الدواَّ وهيَ تعرفُ، وما كانوا يغسلونَ ظهورَها مع کثرة تمرُّغِها في النجاساتِ ! ٨٥٠ ٠٩٨ بلْ كلُّ دابَّةٍ تخرجُ مِنْ بطنِ أمِّها وعليها رطوباتٌ نجسةٌ قدْ تزيلُها الأمطارُ وقدْ لا تزيلُها ، وما كانَ يُحترزُ عنها . وكانوا يمشونَ حفاةً في الطرقِ وبالنعالِ ، ويصلُّونَ معها ، ويجلسونَ (١) روى ذلك البخاري (٣٥٧١)، ومسلم (٦٨٢) في حديث طويل. (٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٢/١)، وعلقه البخاري قبل الحديث (١٩٣): إذ قال : (باب وضوء الرجل مع امرأته ، وفضل وضوء المرأة ، وتوضأ عمر بالحميم من بيت نصرانية ) . ٤٠٧ كتاب الحلال والحرام ربع العادات على الترابِ ، ويمشونَ في الطينِ مِنْ غيرِ حاجةٍ ، وكانوا لا يمشونَ في البولِ والعذرةِ ، ولا يجلسونَ عليها، ولا يستنزهونَ منهُ، ومتى تسلمُ الشوارعُ عنِ النجاساتِ معَ كثرةِ الكلابِ وأبوالِها ، وكثرةِ الدوابِّ وأروائِها ؟! ولا ينبغي أنْ نظنّ أنَّ الأعصارَ والأمصارَ تختلفُ في مثلِ هذا، حتَّى يُظنَّ أنَّ الشوارعَ كانتْ تُغْسلُ في عصرِهِمْ، أَوْ كانتْ تُحرسُ عن الدوابُ ، هيهاتَ! فذلكَ معلومٌ استحالتُهُ بالعادةِ قطعاً ، فدلَّ على أنَّهُمْ لمْ يحترزوا إلا مِنْ نجاسةٍ مشاهدةٍ ، أَوْ علامةٍ على النجاسةِ دالَّةٍ على العينِ . فأمَّا الظنُّ الغالبُ الذي يُستثارُ مِنْ ردِّ الوهمِ إلى مجاري الأحوالِ .. فلمْ يعتبروهُ، وهذا عندَ الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ، وهوَ يرى أنَّ الماءَ القليلَ ينجسُ مِنْ غيرِ تغيُّرٍ واقع ؛ إذْ لمْ يزلِ الصحابةُ يدخلونَ الحماماتِ ، ويتوضؤونَ مِنَ الحياضِ وفيها المياهُ القليلةُ والأيدي المختلفةُ تُغمسُ فيها على الدوامِ ، وهذا قاطعٌ في هذا الغرضِ ، ومهما ثبتَ جوازُ التوضُّؤْ مِنْ جرَّةِ نصرانيةٍ .. ثبتَ جوازُ شرِبِهِ ، والتحقَ حكمُ الحلِّ بحكمِ النجاسةِ . فإنْ قيلَ : لا يجوزُ قياسُ الحلِّ على النجاسةِ ؛ إذْ كانوا يتوسَّعونَ في أمورِ الطهاراتِ ويحترزونَ مِنْ شبهاتِ الحرام غايةَ التحرُّزِ ، فكيفَ يُقاسُ عليهِ ؟ فنقولُ : إنْ أُرِيدَ بهِ أنَّهُمْ صلَّوا معَ النجاسةِ والصلاةُ معها معصيةٌ وهيَ ٤٠٨ حن حن ش جن حن ربع العادات كتاب الحلال والحرام حن عمادُ الدينِ .. فبئسَ الظنُّ، بلْ يجبُ أنْ نعتقدَ فيهِمْ أنَّهُمْ احترزوا عنْ كلِّ نجاسةٍ وجبَ اجتنابُها ، وإنَّما تسامحوا حيثُ لمْ يجبْ ، وكانَ في محلٌ تسامحِهِمْ هذهِ الصورُ التي تعارضَ فيها الأصلُ والغالبُ ، فبانَ أنَّ الغالبَ الذي لا يستندُ إلى علامةٍ تتعلَّقُ بعينٍ ما فيهِ النظرُ .. مطَّرَحٌ . وأمَّا تورُّعُهُمْ في الحلالِ .. فكانَ بطريقِ التقوى ، وهوَ تركُ ما لا بأسَ بهِ مخافةً ما بهِ بأسٌ؛ لأنَّ أمرَ الأموالِ مَخُوفٌ، والنفسُ تميلُ إليها إنْ لمْ تُضبطْ عنها ، وأمرُ الطهارةِ ليسَ كذلكَ ، فقدِ امتنعَ طائفةٌ منْهُمْ عنِ الحلالِ المحضٍ خيفةَ أنْ يُشغلَ قلبُهُ . وهلْ حُكِيَ عنْ واحدٍ منهُمْ أنَّهُ احترزَ عنِ الوضوءِ مِنْ ماءِ البحرِ وهوَ الطهورُ المحضُ ؟! د.ب . .٧ فالافتراقُ في ذلكَ لا يقدحُ في الغرضِ الذي أجمعْنا فيهِ ، على أنَّا نجري في هذا المستندِ على الجوابِ الذي قدَّمْناهُ في المستندينِ السابقينِ ، ولا نسلِّمُ ما ذكروهُ مِنْ أنَّ الأكثرَ هوَ الحرامُ ؛ لأنَّ المالَ وإنْ كثرَتْ أصولُهُ .. فليسَ بواجبٍ أنْ يكونَ في أصولِهِ حرامٌ ، بلِ الأموالُ الموجودةُ اليومَ ممَّا تطرّقَ الظلمُ إلى أصولِ بعضِها دونَ بعضٍ . وكما أنَّ الذي يبتدأُ غصبُهُ اليومَ هوَ الأقلُّ بالإضافةِ إلى ما لا يُغصبُ ولا يُسرقُ فهكذا كُّ مالٍ في كلِّ عصرٍ وفي كلِّ أصلٍ ، فالمغصوبُ مِنْ مالٍ الدنيا والمتناولُ بالفسادِ في كلِّ زمانٍ بالإضافةِ إلى غيرِهِ أقلُّ ، ولیسَ ندري *G G ٤٠٩ حن حمـ كتاب الحلال والحرام ربع العادات أنَّ هذا الفرعَ بعينِهِ مِنْ أَيِّ القسمينِ ، فلا نسلِّمُ أنَّ الغالبَ تحريمُهُ ؛ فإنَّهُ كما يزيدُ المغصوبُ بالتوالدِ يزيدُ غيرُ المغصوبِ بالتوالدِ ، فيكونُ فرِعُ الأكثرِ - لا محالةَ - أكثرَ في كلِّ عصرٍ وزمانٍ . ـزء بل الغالبُ أنَّ الحبوبَ المغصوبةَ تُغُصبُ للأكلِ لا للبذرِ ، وكذا الحيواناتُ المغصوبةُ أكثرُها يُؤكلُ ولا يُقتنى للتوالدِ ، فكيفَ يُقالُ : إنَّ فروعَ الحرامِ أكثرُ ولمْ تزلْ أصولُ الحلالِ أكثرَ منْ أصولِ الحرامِ ؟! وليتفهَّمِ المسترشدُ مِنْ هذا طريقَ معرفةِ الأكثرِ ؛ فإنَّهُ مزلَّةُ قدم ، وأكثرُ العلماءِ يغلطونَ فِيهِ ، فكيفَ العوامُ ؟! هذا في المتولِّدَاتِ مِنَّ الحيواناتِ والحبوبِ . فأمَّا المعادنُ : فإنَّها مخلَّّةٌ مسبَّلَةٌ ، يأخذُها في بلادِ الترْكِ وغيرِها مَنْ شاءَ، ولكنْ قدْ يأخذُ السلاطينُ بعضَها منهُمْ، أَوْ يأخذونَ الأقلَّ - لا محالةَ - لا الأكثرَ، ومَنْ حازَ مِنَ السلاطينِ معدناً فظلمُهُ يمنعُ الناسَ عنهُ ، فأمَّا ما يأخذُهُ الآخذُ منهُ .. فيأخذُهُ منَ السلطانِ بأجرةٍ ، والصحيحُ أنَّهُ يجوزُ الاستنابةُ في إثباتِ اليدِ على المباحاتِ والاستئجارُ عليها ، فالمستأجرُ على الاستقاءِ إذا حازَ الماءَ .. دخلَ في ملكِ المستقى لهُ، واستحقَّ الأجرةَ ، وكذا النيلُ، فإذا فرَّعْنا على هذا .. لمْ تحرمْ عينُ الذهبِ، إلا أنْ يُقدَّرَ ظلمُهُ بنقصانِ أجرةِ العملِ ، وذلكَ قليلٌ بالإضافةِ ، ثمَّ لا يوجبُ تحريمَ عينٍ الذهبِ ، بلْ يكونُ ظالماً ببقاءِ الأجرةِ في ذمَّتِهِ . شرع ٹ حن ٤١٠ ٨ ربع العادات كتاب الحلال والحرام وأمَّا دارُ الضرْبِ .. فليسَ الذهبُ الخارجُ منها مِنْ أعيانِ ذهبِ السلطانِ الذي غصبَهُ وظلمَ بهِ الناسَ ، بلِ التجَّارُ يحملونَ إليهِمُ الذهبَ المسبوكَ أْوِ النقدَ الرديءَ أوِ النقارِ (١) ، ويستأجرونَهُمْ على السبكِ والضرْبِ، ويأخذونَ مثلَ وزنِ ما سلَّموهُ إليهِم إلا شيئاً قليلاً يتركونَهُ أجرةً لهُمْ على العملِ ، وذلكَ جائزٌ ، وإنْ فُرضَ دنانيرُ مضروبةٌ مِنْ ذهبِ السلطانِ .. فهيَ بالإضافةِ إلى مالِ التجَّارِ أقلُّ لا محالةً . نعم ، السلطانُ يظلمُ أُجراءَ دارِ الضرْبِ بأنْ يأخذَ منهُمْ ضريبةً ؛ لأنَّهُ خصَّصَهُمْ بها مِنْ بينِ سائرِ الناسِ ، حتَّى توفّرَ عليهِمْ مالٌ بحشمةِ السلطانِ ، فما يأخذُهُ السلطانُ عوضٌ عنْ حشمتِهِ ، وذلكَ مِنْ بابِ الظلمِ ، وهوَ قليلٌ بالإضافةِ إلى ما يخرجُ مِنْ دارِ الضرْبِ ، فلا يَسلمُ لأهلِ دارِ الضرْبِ وللسلطانِ مِنْ جملةِ ما يخرجُ منهُ مِنَ المئةِ واحدٌ، وهوَ عشرُ العُشْرِ ، فكيفَ يكونُ هوَ الأكثرَ ؟! حن N فهذهِ أغاليطُ سبقَتْ إلى القلوبِ بالوهْمِ ، وتشمَّرَ لتزيِها جماعةٌ ممَّنْ رقَّ دِينُهُمْ ؛ حتَّى قَبَّحوا الورعَ وسدُّوا بابَهُ، واستقبحوا تمييزَ مَنْ يميُّزُ بينَ مالٍ ومالٍ ، وذلكَ عينُ البدعةِ والضلالِ . 0 .5 فإنْ قيلَ : فلوْ قدِّرَ غلبةُ الحرام وقدِ اختلطَ غيرُ محصورٍ بغيرِ محصورٍ .. (١) النقار : السبائك من الذهب والفضة ، معاً أو مفترقاً . ٤١١ محں مدرب مترج كتاب الحلال والحرام ربع العادات فماذا تقولونَ فيهِ إذا لمْ يكنْ في العينِ المتناولةِ علامةٌ خاصَّةٌ ؟ فنقولُ: الذي نراهُ أنْ تركَهُ ورعٌ ، وأنَّ أخذَهُ ليسَ بحرامٍ ؛ لأنَّ الأصلَ الحُّ ، ولا يُرفعُ إلا بعلامةٍ معينةٍ ؛ كما في طينِ الشوارعِ ونظائرِهِ . ء بل أزيدُ وأقولُ : لوْ طبَّقَ الحرامُ الدنيا حتَّى عُلمَ يقيناً أنَّهُ لمْ يبقَ في الدنيا حلالٌ .. لكنتُ أقولُ : نستأنفُ تمهيدَ الشروطِ مِنْ وقتِنا ونعفو عمَّا سلفَ ، ونقولُ: ما جاوزَ حدَّهُ .. انعكسَ إلى ضدِّهِ، فمهما حرمَ الكلُّ .. حلَّ الكلُّ. وبرهانُهُ : أَنَّهُ إذا وقعتْ هذهِ الواقعةُ .. فالاحتمالاتُ خمسةٌ: أحدُها : أنْ يُقالَ : يدعُ الناسُ الأكلَ حتَّى يموتوا عنْ آخرِهِمْ . الثاني : أنْ يقتصروا منها على قدْرِ الضرورةِ وسدِّ الرمقِ يُزجُّونَ عليها أياماً إلى الموتِ . الثالثُ : أَنْ يُقالَ : يتناولونَ قدْرَ الحاجةِ كيفَ شاؤوا ، سرقةً وغصباً وتراضياً مِنْ غيرِ تمييزٍ بينَ مالٍ ومالٍ وجهةٍ وجهةٍ . الرابعُ : أنْ يتبعوا شروطَ الشرع ويستأنفوا قواعدَهُ مِنْ غيرِ اقتصارٍ على قدْرِ الحاجةِ . الخامسُ : أَنْ يقتصروا معَ شروطِ الشرع على قدْرِ الحاجةِ . أمَّا الأوَّلُ .. فلا يخفى بطلانُهُ(١). ـحة ـحن (١) إذ هو إلقاء بالأيدي إلى التهلكة، وهو حرام. ((إتحاف)) (٤٩/٦). ٤١٢ ربع العادات كتاب الحلال والحرام وأمَّا الثاني .. فباطلٌ قطعاً ؛ لأنَّهُ إذا اقتصرَ الناسُ على سدِّ الرمقِ وزجُّوا أوقاتَهُمْ معَ الضعفِ .. فشا فيهِمُ المُوتانُ(١) ، وبطلتِ الأعمالُ والصناعاتُ ، وخربتِ الدنيا بالكليّةِ ، وفي خرابِ الدنيا خرابُ الدينِ ؛ لأنَّها مزرعةُ الآخرةِ ، وأحكامُ الخلافةِ والقضاءِ والسياساتِ بلْ أكثرُ أحكام الفقهِ مقصودُها حفظ مصالح الدنيا ؛ ليتمَّ بها مصالحُ الدينِ . وأمَّا الثالثُ - وهوَ الاقتصارُ على قدْرِ الحاجةِ مِنْ غيرِ زيادةٍ عليهِ معَ التسويةِ بينَ مالٍ ومالٍ بالغصبِ والسرقةِ والتراضي وكيفما اتفقَ - فهوَ رفعٌ لسدِّ الشرع بينَ المفسدينَ وبينَ أنواع الفسادِ ، فتمتدُّ الأيدي بالغصبِ والسرقةِ وأنواع الظلمٍ ، ولا يمكنُ زجرُهُمْ عنهُ، إذْ يقولونَ : ليسَ يتميَّزُ صاحبُ اليدِ عنَّا باستحقاقٍ ؛ فإنَّهُ حرامٌ عليهِ وعلينا ، وذو اليدِ لهُ قدْرُ الحاجةِ فقطْ ، فإنْ كانَ هوَ محتاجاً فإنَّا أيضاً محتاجونَ ، وإنْ كانَ الذي أخذتُهُ في حقِّي زائداً على الحاجةِ .. فقدْ سرقتُهُ ممَّا هوَ زائدٌ على حاجةِ يومِهِ وإذا لمْ يُراعَ حاجةُ اليوم أوِ السنةِ .. فما الذي يُراعى ؟ وكيفَ يُضبطُ ؟ وهذا يؤدي إلى بطلانِ سياسةِ الشرع ، وإغراءِ أهلِ الفسادِ بالفسادِ . فلا يبقى إلا الاحتمالُ الرابعُ : وهوَ أنْ يُقالَ : كلُّ ذي يدِ على ما في يدِهِ وهوَ أولىُ بهِ ، لا يجوزُ أنْ يُؤخذَ منهُ سرقةً ولا غصباً ، بلْ يُؤخذُ برضاهُ ، والتراضي هوَ طريقُ الشرع، وإذا لمْ يجزْ إلا بالتراضي .. فللتراضي أيضاً (١) المُوتان : الموت الذريع . ٤١٣ حن جن جن حن فنحن كن. كتاب الحلال والحرام ـم٥٬ ربع العادات ـيه منهاجٌ في الشرع تتعلَّقُ بهِ المصالحُ ، فلِمَ يُعتبرُ أصلُ التراضي ويُعطّلُ تفصيلُهُ ؟! وأمَّا الاحتمالُ الخامسُ - وهوَ الاقتصارُ على قدْرِ الحاجةِ معَ الاكتسابِ بطريقِ الشرع مِنْ أصحابِ الأيدي - فهوَ الذي نراهُ لائقاً بالورع لمَنْ يريدُ سلوكَ طريقِ الآخرةِ ، ولكنْ لا وجهَ لإيجابِهِ على الكافَّةِ ، ولا لإدخالِهِ في فتوى العامَّةِ ؛ لأنَّ أيديَ الظلمةِ تمتدُّ إلى الزيادةِ على قدْرِ الحاجةِ في أيدي الناسِ ، وكذا أيدي السرَّاقِ، وكلُّ مَنْ غلبَ سلبَ، وكلُّ مَنْ وجدَ فرصةً سرقَ ، ويقولُ : لا حقَّ لهُ إلا في قدْرِ الحاجةِ ، وأنا محتاجٌ ، فلا يبقى إلا أنْ يجبَ على السلطانِ أنْ يُخرجَ كلَّ زيادةٍ على قدْرِ الحاجةِ مِنْ أيدي الملاَّكِ، ويستوعبَ بها أهلَ الحاجةِ ، ويدرَّ على الكلِّ الأموالَ يوماً فيوماً ، أوْ سنةً فسنةً ، وفيهِ تكليفُ شططٍ وتضييعُ أموالٍ : أمَّا تكليفُ الشططِ : فهوَ أنَّ السلطانَ لا يقدرُ على القيام بهذا معَ كثرةٍ الخلقِ ، بلْ لا يُتصوَّرُ ذلكَ أصلاً . كن حن دن وأمَّا التضييعُ : فهوَ أنَّ ما فضلَ عنِ الحاجةِ مِنَ الفواكهِ واللحوم والحبوبِ ينبغي أنْ يُلقىُ في البحرِ أوْ يُتركَ حتَّى يتعفَّنَ، فإنَّ الذي خلقَهُ اللهُ تعالىْ مِنَ الفواكهِ والحبوبِ زائدٌ على قدْرِ توسُّع الخلقِ وترفُّهِهِمْ ، فكيفَ على قدْرِ حاجتِهِمْ ؟! ثمَّ يؤدي ذلكَ إلى سقوطِ الحجِّ والزكاةِ والكفاراتِ الماليةِ ، وكلِّ عبادةٍ ٤١٤ ن ربع العادات كتاب الحلال والحرام حر نيطَتْ بالغنى عنِ الناسِ ، إذا أصبحَ الناسُ لا يملكونَ إلا قدْرَ حاجاتِهِمْ، وهوَ في غايةِ القُبْحِ . بلْ أقولُ : لوْ وردَ نبيٌّ في مثلِ هذا الزمانِ - ضرباً للمثلِ - لوجبَ عليهِ أنْ يستأنفَ الأمرَ (١)، ويمهِّدَ تفصيلَ أسبابِ الأملاكِ بالتراضي وسائرٍ الطرقِ ، ويفعلَ ما يفعلُهُ لوْ وجدَ جميعَ الأموالِ حلالاً مِنْ غيرِ فرْقٍ ، وأعني بقولي : ( يجبُ عليهِ ) إذا كانَ النبيُّ ممَّنْ بُعثَ لمصلحةِ الخلقِ في دينِهِمْ ودنياهُمْ، إذْ لا يتمُّ الصلاحُ بردِّ الكافَّةِ إلى قدْرِ الضرورةِ والحاجةِ ألبتةَ ، فإنْ لمْ يُبعثْ للصلاحِ .. لمْ يجبْ هذا (٢) ، ونحنُ نجوِّزُ أنْ يقدِّرَ اللهُ تعالى سبباً يهلكُ بهِ الخلقَ عنْ آخرِهِمْ، فيفوّتُ دنياهُمْ ويضلُّونَ فِي دِينِهِمْ ، فإنَّهُ يهدي مَنْ يشاءُ ، ويضلُّ مَنْ يشاءُ ، ويميتُ مَنْ يشاءُ ، ويحيي مَنْ يشاءُ ، ولكنَّا نقدِّرُ الأمرَ جارياً على ما أُلِفَ مِنْ سنَّةِ اللهِ تعالى في بعثةِ الأنبياءِ لصلاحٍ الدينِ والدنيا . وما لي أقدِّرُ هذا وقدْ كانَ ما أقدِّرُهُ ؟! فلقدْ بعثَ اللهُ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على فترةٍ مِنَ الرسلِ ، وكانَ شرعُ عيسى عليهِ السلامُ قدْ مضى عليهِ (١) كما أشار إلى هذا المعنى المصنف قريباً؛ إذ استأنف النبي صلى الله عليه وسلم في معالجة مشكلة الربا التي كانت مستباحة ، فوضعها ، وأول ما وضع ربا العباس رضي الله عنه . (٢) وإليه الإشارة بما ورد في الخبر: (( بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) أي : إنه بعث لمصالح الدين والدنيا وإتمامهما. ((إتحاف)) (٥٠/٦). ٤١٥ حن ثن كتاب الحلال والحرام ربع العادات قريبٌ مِنْ ستٍّ مئة سنةٍ ، والناسُ منقسمونَ إلى مكذُّبِينَ لهُ مِنَ اليهودِ وعبدةِ الأوثانِ ، وإلى مصدِّقينَ لَهُ قَدْ شاعَ الفسقُ فيهِمْ كما شاعَ في زمانِنا الآنَ، والكفَّارُ مخاطبونَ بفروع الشريعةِ (١) ، والأموالُ كانتْ في أيدي المكذِّبينَ لهُ والمصدِّقينَ . أمَّا المكذِّبونَ .. فكانوا يتعاملونَ بغيرِ شرع عيسى عليهِ السلامُ، وأمَّا المصدِّقونَ .. فكانوا يتساهلونَ معَ أصلِ التصديقِ كما يتساهلُ الآنَ المسلمونَ معَ أنَّ العهدَ بالنبوةِ أقربُ ، فكانتِ الأموالُ كلُّها أوْ أكثرُها أوْ كثيرٌ منها حراماً، وعفا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عمَّا سلفَ(٢) ، ولمْ يتعرَّضْ لهُ، وخصَّصَ أصحابَ الأيدي بالأموالِ ، ومَهَّدَ الشرعَ . وما ثبتَ تحريمُهُ في شرع لا ينقلبُ حلالاً لبعثةِ رسولٍ ، ولا ينقلبُ حلالاً بأنْ يسْلِمَ الذي في يدِهِ الحرامُ ، فإنَّا لا نأخذُ في الجزيةِ مِنْ أهلِ الذمَّةِ ما يُعرفُ بعينِهِ أنَّهُ ثمنُ خمرٍ أوْ مالُ رباً ، فقدْ كانتْ أموالُهُمْ في ذلكَ الزمانِ كأموالِنا الآنَ ، وأمرُ العربِ كانَ أشدَّ ؛ لعمومِ النهْبِ والغارةِ فيهِمْ . دن ـحر فبانَ أنَّ الاحتمالَ الرابعَ متعيِّنٌ في الفتوىُ ، والاحتمالَ الخامسَ هوَ طريقُ الورعِ ، بلْ تمامُ الورعِ الاقتصارُ في المباح على قدْرِ الحاجةِ ، وتركُ التوسّع (١) وهي مسألة مختلف فيها ، والمراد بالمخاطبة بالفروع - كما نقل الحافظ الزبيدي عن المجد الأيكي - : تضاعف العذاب بسبب ترك الفروع على العذاب بترك الإيمان . انظر ((الإتحاف)) (٦ /٥١ ) . (٢) كما بَيَّن في خطبة الوداع ، وقد سبق. ٤١٦ محنة ون - -- ربع العادات كتاب الحلال والحرام ڈں في الدنيا بالكليّةِ ، وذلكَ طريقُ الآخرةِ ، ونحنُ الآنَ نتكلَّمُ في الفقهِ المنوطِ بمصالحِ الخلقِ ، وفتوى الظاهرِ لهُ حكمٌ ومنهاجٌ على حسَبِ مقتضى المصالحِ ، وطريقُ الدينِ لا يقدرُ على سلوكِهِ إلا الآحادُ ، ولوِ اشتغلَ الخلقُ كلَّهُمْ بهِ .. لبطلَ النظامُ وخرِبَ العالمُ ؛ فإنَّ ذلكَ طلبُ ملكٍ كبيرٍ في الآخرةِ ، ولوِ اشتغلَ كلُّ الخلْقِ بطلبٍ ملكِ الدنيا وتركوا الحرفَ الدنيئةَ والصناعاتِ الخسيسةَ .. بطلَ النظامُ، ثمَّ يبطلُ ببطلانِهِ الملْكُ أيضاً ، فالمحترفونَ إنَّما سُخِّروا لينتظمَ المُلْكُ للملوكِ ، وكذلكَ المقبلونَ على الدنيا سُخِّروا ليسلمَ طريقُ الدينِ لذوي الدينِ ، وهوَ ملْكُ الآخرةِ ، ولولاهُ .. لما سلمَ لذوي الدينِ أيضاً دينُهُمْ، فشرطُ سلامةِ الدينِ لهُمْ أنْ يعرضَ الأكثرونَ عنْ طريقِهِمْ ، ويشتغلوا بأمورِ الدنيا ، وتلكَ قسمةٌ سبقَتْ بها المشيئةُ الأزليَّةُ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَلْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى اُلْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. فإِنْ قِيلَ : لا حاجةَ إلى تقديرِ عموم التحريمِ حتَّى لا يبقى حلالٌ ، فإنَّ ذلكَ غيرُ واقع ، وهوَ معلومٌ ، ولا شكّ في أنَّ البعضَ حرامٌ ، وذلكَ البعضُ هوَ الأقلُّ أوِ الأكثرُ فيهِ نظرٌ، وما ذكر تموهُ مِنْ أنَّهُ الأقلُّ بالإضافةِ إلى الكلِّ جليٍّ ، ولكنْ لا بدَّ مِنْ دليلٍ محصِّلٍ على تجويزِهِ ليسَ مِنَ المصالحِ المرسلةِ ، وما ذكر تموهُ مِنَ التقسيماتِ كلِّها مصالحُ مرسلةٌ ، فلا بدَّ لها مِنْ شاهدٍ معينٍ تُقَاسُ عليهِ حتَّى يكونَ الدليلُ مقبولاً بالاتفاقِ، فإنَّ ٤١٧ كتاب الحلال والحرام ربع العادات بعضَ العلماءِ لا يقبلُ المصالحَ المرسلةَ . فأقولُ : إنْ سُلِّمَ أنَّ الحرامَ هوَ الأقلُّ .. فيكفينا برهاناً عصرُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ والصحابةِ معَ وجودِ الربا والسرقةِ والغلولِ والنهبِ ، وإِنْ قُدِّرَ زمانٌ يكونُ الأكثرُ هوَ الحرامَ .. فيحلُّ التناولُ أيضاً ، وبرهانُهُ ثلاثةُ أمورٍ : - الأوَّلُ : التقسيمُ الذي حصرناهُ، وأبطلْنا منهُ أربعةَ أقسام ، وأثبتنا ۵ے القسمَ الخامسَ ، فإنَّ ذلكَ إذا جرى فيما إذا كانَ الكلُّ حراماً .. كانَ أجرى فيما إذا كانَ الحرامُ هوَ الأكثرَ أَوِ الأقلَّ، وقولُ القائلِ : ( هوَ مصلحةٌ مرسلةٌ ) هوسٌ؛ فإنَّ ذلكَ إنَّما تخيَّلَ مَنْ تخيَّلَهُ في أمورِ مظنونةٍ ، وهذا مقطوعٌ بهِ ، فإنَّا لا نشكُ في أَنَّ مصلحةَ الدينِ والدنيا مرادُ الشرعِ ، وهوَ معلومٌ بالضرورةِ وليسَ بمظنونٍ ، ولا شكّ في أنَّ ردَّ كافَّةِ الناسِ إلى قدْرِ الضرورةِ أو الحاجةِ أوْ إلى الحشيشِ والصيدِ .. مخرِّبٌ للدنيا أوَّلاً ، وللدينِ بواسطةِ الدنيا ثانياً ، فما لا يُشكّ فيهِ لا يحتاجُ إلى أصلِ يشهدُ لهُ، وإنَّما يُستشهدُ على الخيالاتِ المظنونةِ المتعلّقةِ بآحادِ الأشخاصِ . - البرهانُ الثاني: أنْ يعلَّلَ بقياسٍ محرَّرٍ مردودٍ إلى أصلٍ يتفقُ الفقهاءُ الآنسونَ بالأقيسةِ الجزئيةِ عليهِ، وإنْ كانتِ الجزئياتُ مستحقرةً عندَ المحصِّلينَ بالإضافةِ إلى مثلِ ما ذكرناهُ مِنَ الأمرِ الكلّيِّ الذي هوَ ضرورةُ النبيِّ لوْ بعثَ ٤٠ ٤٠ ٤١٨ ربع العادات ٥٠٠٠ كتاب الحلال والحرام في زمانٍ عمَّ التحريمُ فيهِ ، حتَّى لَوْ حكمَ بغيرِهِ .. لخرِبَ العالمُ . والقياسُ المحرَّرُ الجزئيُّ : هوَ أنَّهُ قدْ تعارضَ أصلٌ وغالبٌ فيما انقطعتْ فيهِ العلاماتُ المعينةُ مِنَ الأمورِ التي ليسَتْ محصورةٌ ، فيُحكمُ بالأصلِ لا بالغالبِ ؛ قياساً على طينِ الشوارع وجرَّةِ النصرانيةِ وأواني المشركينَ ، وذلكَ قدْ أثبتناهُ مِنْ قبلُ بفعلِ الصحابةِ . وقولُنا : ( انقطعَتِ العلاماتُ المعينةُ) احترازٌ عنِ الأواني التي يتطرَّقُ الاجتهادُ إليها ، وقولُنا : ( ليسَتْ محصورةً ) احترازٌ عنِ التباسِ المينةِ بالذكيّةِ ، والرضيعةِ بالأجنبيةِ . حن حن حن حن ش فإنْ قيلَ : كونُ الماءِ طهوراً مستيقنٌ، وهوَ الأصلُ، ومَنْ يسلِّمُ أنَّ الأصلَ في الأموالِ الحلُّ ؟ بلِ الأصلُ فيها التحريمُ . فنقولُ : الأموالُ التي لا تحرمُ لصفةٍ في عينِها حرمةَ الخمرِ والخنزيرِ خُلقَتْ على صفةٍ تستعدُّ لقبولِ المعاملاتِ بالتراضي ؛ كما خُلقَ الماءُ مستعداً للوضوءِ ، وقدْ وقعَ الشكُّ في بطلانِ هذا الاستعدادِ منهُما ، فلا فرقَ بينَ الأمرينِ ، فإنَّها تخرجُ عنْ قبولِ المعاملةِ بالتراضي بدخولِ الظلمِ عليها كما يخرجُ الماءُ عنْ قبولِ الوضوءِ بدخولِ النجاسةِ عليهِ ، فلا فرقَ . فيت سسسسـ والجوابُ الثاني : أنَّ اليدَ دلالةٌ ظاهرٌ دالَّةٌ على الملكِ ، نازلةٌ منزلةً الاستصحابِ وأقوى منهُ ؛ بدليلٍ أنَّ الشرعَ ألحقَها بهِ ، إذْ مَنِ ادعيَ عليهِ ٤١٩ دں كتاب الحلال والحرام ربع العادات دينٌ .. فالقولُ قولُهُ؛ لأنَّ الأصلَ براءةُ ذمَّتِهِ ، وهذا استصحابٌ ، ومَنِ ادعيَ عليهِ ملكٌ في يدِهِ .. فالقولُ أيضاً قولُهُ؛ إقامةٌ لليدِ مقامَ الاستصحابِ ، فكلُّ ما وُجِدَ في يدِ الإنسانِ فالأصلُ أنَّهُ ملكُهُ ، ما لمْ يدلَّ على خلافِهِ علامةٌ معينةٌ . زيت - البرهانُ الثالثُ: هوَ أنَّ ما دلَّ على جنسٍ لا يُحصرُ ولا يدلُّ على معيَّنٍ .. لمْ يُعتبرْ وإنْ كانَ قطعاً ، فبألا يعتبرَ إذا دلَّ بطريقِ الظنِّ أولى . وبيانُهُ : أنَّ ما عُلمَ أنَّهُ ملكُ زيدٍ فحقُّهُ يمنعُ مِنَ التصرّفِ فيهِ بغيرِ إذْنِهِ . ولوْ عُلِمَ أنَّ لهُ مالكاً في العالمِ ولكنْ وقعَ اليأسُ عنِ الوقوفِ عليهِ وعلى وارثِهِ .. فهوَ مالٌ مرصدٌ لمصالح المسلمينَ ، يجوزُ التصرُّفُ فيهِ بحكم المصلحة . حز ولوْ دلَّ على أنَّ لهُ مالكاً محصوراً في عشرة أشخاصٍ مثلاً أوْ عشرينَ .. امتنعَ التصرُّفُ فيهِ بحكم المصلحةِ ، فالذي يشكُّ في أنَّ لهُ مالكاً سوى صاحبِ اليدِ أمْ لا .. لا يزيدُ على الذي يتيقَّنُ قطعاً أنَّ لهُ مالكاً ولكنْ لا يعرفُ عينَهُ، فليَجُزِ التصرُّفُّ فيهِ بالمصلحةِ ، والمصلحةُ ما ذكرناهُ في الأقسام الخمسةِ ، فيكونُ هذا الأصلُ شاهداً لهُ . عدن وكيفَ لا وكلُّ مالٍ ضائع فُقِدَ مالكُهُ يصرفُهُ السلطانُ إلى المصالح ، ومِنَ المصالحِ الفقراءُ وغيرُهُمْ، فلوْ صُرِفَ إلى فقيرٍ .. ملكَهُ، ونفذَ فيهِ فئه ٤٢٠ حرة