Indexed OCR Text

Pages 361-380

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
حر
الاستقذار ، فيُكرَهُ أكلُهُ؛ كما لوْ جمعَ المخاطَ وشربَهُ .. كُرهَ ذلكَ .
ت
وليستِ الكراهةُ لنجاستِها ؛ فإنَّ الصحيحَ أنَّها لا تنجسُ بالموتِ ، إذْ أمرَ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بأنْ يمقلَ الذبابُ في الطعام إذا وقعَ فيهِ (١)،
وربَّما يكونُ حارّاً ، ويكونُ ذلكَ سببَ موتِهِ .
ولوْ تهرَّتْ نملةٌ أوْ ذبابةٌ في قدْرٍ .. لمْ يجبْ إراقتُها ؛ إذِ المستقذرُ جرمُهُ
إذا بقيَ لهُ جرٌ ، ولمْ ينجسْ حتَّى يحرمَ بالنجاسةِ ، وهذا يدلُّ على أنَّ
تحريمَهُ للاستقذارِ ، ولذلكَ نقولُ: لوْ وقعَ جزءٌ مِنْ آدميٌّ مَيِّتٍ في قدْرٍ ولوْ
قَدْرَ دائقٍ .. حرمَ الكلُّ، لا لنجاستِهِ ؛ فإنَّ الصحيحَ أنَّ الآدميَ لا ينجسُ
بالموتِ ، ولكنْ لأنَّ أكلَهُ محرَّمٌ احتراماً لا استقذاراً .
وأمَّا الحيواناتُ المأكولةُ إذا ذُبحَتْ بشرطِ الشرع .. فلا تحلُّ جميعُ
أجزائِها ، بلْ يحرمُ منها الدمُ والفرْتُ وكلُّ ما يُقضى بنجاستِهِ منها ، بلْ
تناولُ النجاسةِ مطلقاً محرَّمٌ، وليسَ في الأعيانِ شيءٌ محرَّمٌ نجسٌ إلا مِنَ
الحيواناتِ ، وأمَّا مِنَ النباتِ .. فالمسكراتُ فقطْ دونَ ما يزيلُ العقلَ
ولا يسكِرُ ؛ كالْبَنْج، فإنَّ نجاسةً المسكرِ تغليظٌ للزجرِ عنهُ ؛ لكونِهِ في مَظِنَّةِ
التشوُّفِ .
ومهما وقعَتْ قطرةٌ مِنَ النجاسةِ أوْ جزءٌ مِنْ نجاسةٍ جامدةٍ في مرقةٍ أَوْ
(١) كما روى البخاري (٣٣٢٠) مرفوعاً: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ..
فليغمسه ، ثم لينزعه ؛ فإن في إحدى جناحيه داءً والأخرى شفاء))، وهو بلفظ :
( فليمقله) عند النسائي (١٧٨/٧)، والمقل : الغمس.
٣٦١
حن. حن شن
كر

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
طعامٍ أوْ دهنٍ .. حَرُمَ أكلُ جميعِهِ ، ولا يحرمُ الانتفاعُ بهِ لغيرِ الأكلِ ،
فيجوزُ الاستصباحُ بالدهْنِ النجسِ ، وكذا طلاءُ السفنِ والحيواناتِ
وغيرِها .
فهذهِ مجامعُ ما يحرمُ لصفةٍ في ذاتِهِ .
القسمُ الثاني : ما يحرمُ لخللِ في جهةٍ إثباتِ اليدِ عليهِ ، وفيهِ يتسعُ النظرُ ،
فنقولُ :
أخذُ المالِ : إمّا أنْ يكونَ باختيارِ المتملُّكِ ، أوْ بغيرِ اختيارِهِ ، فالذي
يكونُ بغيرِ اختيارِهِ ؛ كالإرثِ ، والذي يكونُ باختيارِهِ : إمَّا ألا يكونَ مِنْ
مالكِ ؛ كنيلِ المعادنِ ، أَوْ يكونَ مِنْ مالكٍ ، والذي يُؤخذُ مِنْ مالكِ : فإمَّا
أنْ يُؤخذَ قهراً ، أوْ يُؤخذَ تراضياً ، والمأخوذُ قهراً: إمّا أنْ يكونَ لسقوطِ
عصمةِ المالكِ ؛ كالغنائم ، أوْ لاستحقاقِ الأخذِ ؛ كزكاةِ الممتنعينَ
والنفقاتِ الواجبةِ عليهِمْ، والمأخوذُ تراضياً : إمَّا أنْ يُؤخذَ بعوضٍٍ ؛
كالمبيع والصداقِ والأجرةِ ، وإمَّا أنْ يُؤخذَ بغيرِ عوضٍ ؛ كالهبةِ والوصيةِ ،
فيحصلُ مِنْ هذا السياقِ ستةُ أقسامٍ :
عن ٥٠ن
حن
٢٠
الأوَّلُّ : ما لا يُؤخذ من مالكٍ : كنيلِ المعادنِ ، وإحياءِ المَواتِ ،
والاصطيادِ ، والاحتطابِ ، والاستقاءِ مِنَ الأنهارِ ، والاحتشاشِ ، فهذا
حلالٌ ؛ بشرطِ ألا يكونَ المأخوذُ مختصّاً بذي حرمةٍ مِنَ الآدميينَ ، فإذا
٣٦٢
تن حن
ثر®

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
حر
انفكّتْ عنِ الاختصاصاتِ .. ملكَها آخذُها ، وتفصيلُ ذلكَ في كتابٍ إحياءِ
المواتِ .
ن؟
الثاني : المأخوذُ قهراً ممَّنْ لا حرمةَ لَهُ: وهوَ الفيءُ والغنيمةُ ، وسائرُ
أموالِ الكفارِ المحاربينَ ، وذلكَ حلالٌ للمسلمينَ ؛ إذا أخرجوا منها
الخمسَ ، وقسمُوها بينَ المستحقينَ بالعدلِ ، ولمْ يأخذوها مِنْ كافرٍ لُهُ
حرمةٌ وأمانٌ أَوْ عهدٌ ، وتفصيلُ هذهِ الشروطِ في كتابِ السِّيَرِ ، وكتابٍ الفيءِ
والغنيمةِ ، وكتابِ الجزيةِ .
الثالثُ : ما يُؤخذُ قهراً باستحقاقٍ عندَ امتناع مَنْ وجبَ عليهِ : فَيُؤخذُ
دونَ رضاهُ ، وذلكَ حلالٌ ؛ إذا تمَّ سببُ الاستحقاقِ، وتمَّ وصْفُ المستحقِّ
الذي بهِ استحقاقُهُ، واقتصرَ على القدْرِ المستحَقِّ ، واستوفاهُ مَنْ يملكُ
الاستيفاءَ ؛ مِنْ قاضٍ أوْ سلطانٍ أَوْ مستحِقٌّ ، وتفصيلُ ذلكَ في كتابٍ تفريقٍ
الصدقاتِ ، وكتابٍ الوقْفِ ، وكتابِ النفقاتِ ؛ إذْ فيها النظرُ في صفةٍ
المستحقُّينَ للزكاةِ والوقْفِ والنفقةِ وغيرِها مِنَ الحقوقِ ، فإذا استُوفِيَتْ
شرائطُها .. كانَ المأخوذُ حلالاً .
الرابعُ: ما يُؤخذُ تراضياً بمعاوضةٍ : وذلكَ حلالٌ ؛ إذا رُوعيَ شرطٌ
قـ
٣٦٣

٧٠٠
كتاب الحلال والحرام
كن
ربع العادات
العوضين ، وشرطُ العاقدينِ ، وشرطُ اللفظينِ ؛ أعني : الإيجابَ
والقبولَ ، معَ ما تعبَّدَ الشرعُ بهِ مِنِ اجتنابِ الشروطِ المفسدةِ ، وبيانُ ذلكَ
في كتابِ البيعِ ، والسلم ، والإجارةِ ، والحوالةِ ، والضمانِ ، والقراضٍ ،
والشركةِ ، والمساقاةِ ، والشفعةِ ، والصلحِ، والخلْعِ ، والكتابةِ ،
والصداقِ ، وسائرِ المعاوضاتِ .
الخامسُ : ما يُؤخذُ عنْ رضاً مِنْ غيرِ عوضٍ : وهوَ حلالٌ إذا رُوعِيَ فيهِ
شرطُ المعقودِ عليهِ ، وشرطُ العاقدينِ ، وشرطُ العقْدِ ، ولمْ يؤدِّ إلى
ضررٍ بوارثٍ أوْ غيرِهِ ، وذلكَ مذكورٌ في كتاب الهباتِ ، والوصايا ،
والصدقاتِ .
٥٠٠٨٠
السادسُ : ما يحصلُ بغيرِ اختيارٍ ؛ كالميراثِ : وهوَ حلالٌ إذا كانَ المورِّثُ
قدِ اكتسبَ المالَ مِنْ بعضِ الجهاتِ الخمسِ على وجْهٍ حلالٍ ، ثمَّ كانَ ذلكَ بعدَ
قضاءِ الدينِ ، وتنفيذِ الوصايا ، وتعديلِ القسمةِ بينَ الورثةِ ، وإخراجِ الزكاةِ
والحجِّ والكفارةِ إنْ كانَتْ واجبةً، وذلكَ مذكورٌ في كتابِ الوصايا والفرائضِ .
فهذهِ مجامعُ مداخلِ الحلالِ والحرام ، أومأنا إلى جملتِها ؛ ليعلمَ
المريدُ أنَّهُ إنْ كانَتْ طُعْمتُهُ متفرقةً لا مِنْ جهةٍ معيَّنةٍ .. فلا يستغني عنْ علمٍ
بجر حن
ق
٣٦٤
حن دن
ـحن

ربع العادات
حر
كتاب الحلال والحرام
هذهِ الأمورِ ، فكلُّ ما يأكلُهُ مِنْ جهةٍ مِنْ هذهِ الجهاتِ ينبغي أنْ يستفتيَ فيهِ
أهلَ العلم ، ولا يقدمَ عليهِ بالجهلِ ؛ فإنَّهُ كما يُقالُ للعالمِ : لِمَ خالفتَ
علمَكَ يُقالُ أيضاً للجاهلِ : لِمَ لازمتَ جهَلَكَ ولمْ تتعلَّمْ بعدَ أنْ قيلَ لكَ :
((طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلم))؟!(١).
بيسيك ـ
حر
ئن
1
(١) رواه ابن ماجه (٢٢٤) .
٣٦٥

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
درجات الحلال والحرام
اعلمْ : أنَّ الحرامَ كلَّهُ خبيثٌ، ولكنَّ بعضَهُ أخبثُ مِنْ بعضٍ ، والحلالَ
كلَّهُ طيِّبٌ، ولكنَّ بعضَهُ أطيبُ مِنْ بعضٍ وأصفى ، وكما أنَّ الطبيبَ يحكمُ
على كلِّ حلوٍ بالحرارةِ ولكنْ يقولُ : بعضُها حارٌّ في الدرجةِ الأولى ؛
كالشّكَّرِ(١)، وبعضها حارٌّ في الثانيةِ؛ كالفانيذِ (٢)، وبعضُها حارٍّ في
الثالثةِ؛ كالدِّبْسِ(٣)، وبعضُها حارٌّ في الرابعةِ؛ كالعسلِ .. فكذلكَ
الحرامُ ؛ بعضُهُ خبيثٌ في الدرجةِ الأولىُ ، وبعضُهُ في الثانيةِ أوِ الثالثةِ أَوِ
الرابعةِ ، وكذا الحلالُ تتفاوتُ درجاتُ صفائِهِ وطيبِهِ .
فلنقتدِ بأهلِ الطبِّ في الاصطلاحِ على أربع درجاتٍ تقريباً وإنْ كانَ
التحقيقُ لا يوجبُ هذا الحصرَ ؛ إذْ يتطرَّقُ إلى كلِّ درجةٍ مِنَ الدرجاتِ أيضاً
تفاوتٌ لا ينحصرُ ؛ فكمْ من سُكَّرٍ أشدُّ حرارةٌ مِنْ سكَّرٍ ، وكذا غيرُهُ .
فلذلكَ نقولُ : الورعُ عنِ الحرامِ على أربعٍ درجاتٍ :
ورعُ العدولِ : وهوَ الذي يجبُ الفسقُ باقتحامِهِ ، وتسقطُ العدالةُ بِهِ ،
ويثبتُ اسمُ العصيانِ والتعرُّضُ للنارِ بسببهِ ، وهوَ الورعُ عنْ كلِّ ما تحرِّمُهُ
فتاوى الفقهاءِ .
(١) والمقصود به: السكَّرُ الطَّبَرْزَد؛ المعتصر من قصب الشُّكَّر.
(٢) الفانيذ : ضرب من الحلواء، وهي لفظة فارسية يطلق على السكَّر المصفَّى.
(٣) وهو عصارة الرطب .
26
٢٥
٣٦٦
معاى
من كن مكن

---
ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
الثانيةُ : ورعُ الصالحينَ : وهوَ الامتناعُ عمَّا يتطرَّقُ إليهِ احتمالُ
التحريم ، ولكنَّ المفتيَ يرخِّصُ في التناولِ بناءً على الظاهرِ ، فهوَ مِنْ مواقعٍ
الشبهاتِ على الجملةِ ، فلنسمِّ التحرُّجَ عنْ ذلكَ ورعَ الصالحينَ ، وهوَ في
الدرجة الثانيةِ .
حن
الثالثةُ: ما لا تحرِّمُهُ الفتوى ولا شبهةَ في حلُّهِ ، ولكنْ يُخافُ منهُ أداؤُهُ
إلى محرَّم : وهوَ تركُ ما لا بأسَ بهِ مخافةً ممَّا بهِ بأسٌ ، وهذا ورعُ
المتقينَ، قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يبلغُ العبدُ درجةَ المتقينَ حتَّى يدعٌ
ما لا بأسَ بهِ مخافةً ما بهِ بأسٌ))(١) .
حن
الرابعةُ : ما لا بأسَ بهِ أصلاً ولا يُخافُ منهُ أنْ يؤدي إلى ما بهِ بأسٌ ،
ولكنَّهُ يُتناولُ لغيرِ اللهِ : لا علىُ نيَّةِ التقوِّي بهِ على عبادةِ اللهِ ، أَوْ تتطرّقَ إلى
أسبابِهِ المسهلةِ لهُ كراهيةٌ أَوْ معصيةٌ ، والامتناعُ منهُ ورعُ الصدِّيقينَ.
فهذهِ درجاتُ الحلالِ جملةٌ إلى أنْ نفصِّلَها بالأمثلةِ والشواهدِ .
وأمَّا الحرامُ الذي ذكرناهُ في الدرجةِ الأولى وهوَ الذي يُشترطُ التورُّعُ عنهُ
في العدالةِ واطّراح سمةِ الفسقِ .. فهوَ أيضاً على درجاتٍ في الخبثِ ،
فالمأخوذُ بعقدٍ فاسدٍ - كالمعاطاةِ مثلاً فيما لا يجوزُ فيهِ المعاطاةُ - حرامٌ ،
ولكنْ ليسَ في درجةِ المغصوبِ على سبيلِ القهرِ ، بلِ المغصوبُ أغلظُ ؛ إذْ
(١) رواه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه ( ٤٢١٥).
٣٦٧

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
فيهِ تركُ طريقِ الشرع في الاكتسابِ وإيذاءُ الغيرِ ، وليسَ في المعاطاةِ إيذاءٌ ،
وإنَّما فيها تركُ طريقِ التعبُّدِ فقط، ثمَّ تركُ طريقِ التعبُّدِ بالمعاطاةِ أهونُ مِنْ
ترکِهِ بالربا .
وهذا التفاوتُ يُدركُ بتشديدِ الشرع ووعيدِهِ وتأكيدهِ في بعضٍ المناهي ،
على ما سيأتي في كتابِ التوبةِ ، عندَ ذكرِ الفرقِ بينَ الصغيرةِ والكبيرةِ ، بلٍ
المأخوذُ ظلماً مِنْ فقيرٍ أوْ صالح أوْ يتيمٍ أخبثُ وأغلظُ مِنَ المأخوذِ مِنْ قويٌّ
أوْ غنيٌّ أَوْ فاسقٍ ؛ لأنَّ درجاتِ الإيذاءِ تختلف باختلافِ درجاتِ المُؤْذَى .
فهذهِ دقائقُ في تفاصيلِ الخبائثِ لا ينبغي أنْ يُذهلَ عنها ، فلولا اختلافُ
درجاتِ العصاةِ .. لما اختلفَتْ دركاتُ النارِ .
وإذا عرفتَ مثاراتِ التغليظِ .. فلا حاجةَ إلى حصرِها في ثلاثِ درجاتٍ
أو أربع ؛ فإنَّ ذلكَ جارٍ مَجرى التحكّمِ والتشهِّي ، وهوَ طلبُ حصرٍ فيما
لا حاصرَ لهُ، ويدلَّكَ على اختلافِ درجاتِ الحرام في الخبثِ ما سيأتي في
تعارضِ المحذوراتِ وترجيحِ بعضِهَا على بعضٍ ، حتَّى إذا اضطرَّ إلى أكلِ
ميئةٍ ، أَوْ أكلٍ طعامِ الغيرِ ، أَوْ أكلٍ صيدِ الحَرَمِ .. فإنَّا نقدِّمُ بعضَ هذهِ على
بعضٍ .
ـة
ـحرة
٣٦٨
حن

ربع العادات
مــ
كتاب الحلال والحرام
أمثلة الدرجات الأربع في الورع وشواهدها
أمَّا الدرجةُ الأولىُ - وهيَ ورعُ العدولِ -: فكلُّ ما اقتضى الفتوى
تحريمَهُ، ممَّا يدخلُ في المداخلِ السنةِ التي ذكرناها مِنْ مداخلِ الحرامِ ،
لفقدٍ شرطٍ مِنَ الشروطِ .. فهوَ الحرامُ المطلقُ الذي يُنسبُ مقتحمُهُ إلى
الفسقِ والمعصيةِ ، وهوَ الذي نريدُهُ بالحرام المطلقِ ، فلا يحتاجُ إلى أمثلةٍ
وشواهدَ .
جر
٨٠٠
وأمَّا الدرجةُ الثانيةُ : فأمثلتُها كلُّ شبهةٍ لا نوجبُ اجتنابَها ، ولكنْ
يُستحبُّ اجتنابُها كما سيأتي في بابِ الشبهاتِ ؛ إذْ مِنَ الشبهاتِ ما يجبُ
اجتنابُها فتلتحقُ بالحرامِ .
ومنها ما يُكرهُ اجتنابُها والورعُ عنها ورِعُ الموسوسينَ ؛ كمَنْ يمتنعُ عنِ
الاصطيادِ خوفاً مِنْ أنْ يكونَ الصيدُ قدْ أفلتَ مِنْ إنسانٍ أخذَهُ وملكَهُ، وهذا
وسواسٌ .
ومنها ما يُستحبُّ اجتنابُها ولا يجبُ ، وهوَ الذي يُنزلُ عليهِ قولُهُ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((دعْ ما يريبُكَ إلى ما لا يريبُكَ))(١)، ونحملُهُ على
نهي التنزيهِ، وكذلكَ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كُلْ ما أصميتَ، ودعْ
مجـ
(١) رواه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٧).
٣٦٩
حں
حن حن
1

كتاب الحلال والحرام
25.
ربع العادات
ما أنميتَ))(١)، والإنماءُ: أنْ يجرحَ الصيدَ فيغيبَ عنهُ، ثمَّ يدركَهُ ميتاً؛ إذْ
يُحتملُ أنَّهُ ماتَ بسقطةٍ أوْ بسببٍ آخرَ .
والذي نختارُهُ - كما سيأتي - أنَّ هذا ليسَ بحرامٍ ، ولكنْ تركُهُ مِنْ ورعِ
الصالحينَ، وقولُهُ: ((دعْ)) أمرُ تنزيهٍ؛ إذْ وردَ في بعضٍ الرواياتِ: «كُلْ
منهُ وإنْ غابَ عنكَ ما لمْ تجدْ فيهِ أثراً غيرَ سهمِكَ))(٢) ، ولذلكَ قالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعديٍّ بنِ حاتمٍ في الكلبِ المعلِّمِ: (( وإنْ أكلَ .. فلا
تأكلْ ؛ فإنِّي أخافُ أنْ يكونَ إنَّما أمسكَ على نفسِهِ ))(٣) على سبيلِ التنزيهِ
لأجلِ الخوفِ ؛ إذْ قالَ لأبي ثعلبةَ الخشنيّ : «كُلْ منْهُ » فقالَ: وإنْ أكلَ ؟
فقالَ: ((وإنْ أكلَ))(٤)، وذلكَ لأنَّ حالَ أبي ثعلبةً وهوَ فقيرٌ مكتسبٌ
لا تحتملُ هذا الورعَ ، وحالَ عديٍّ كانتْ تحتملُهُ .
يُحكى عنِ ابنِ سيرينَ أنَّهُ تركَ لشريكٍ لهُ أربعةَ آلافٍ درهم لأنَّهُ حاكَ في
قلبِهِ شيءٌ، معَ اتفاقِ العلماءِ على أنَّهُ لا بأسَ بهِ (٥) .
حن
فأمثلةُ هذهِ الدرجةِ نذكرُها عندَ التعرُّضِ لدرجاتِ الشبهةِ ، فكلُّ
(١) رواه الطبراني في (( الكبير)) (٢٢/١٢) مرفوعاً، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
(٢٤١/٩) موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) رواه البخاري ( ٥٤٨٥)، ومسلم ( ١٩٢٩).
(٣) رواه البخاري (١٧٥)، ومسلم (١٩٢٩) واللفظ له .
(٤) رواه أبو داوود ( ٢٨٥٢).
(٥) بنحوه روى أبو نعيم في (( الحلية)) (٢٦٦/٢).
٣٧٠
حن ئن
حز
مدن
حن

ربع العادات
ما هو شبهةٌ لا يجبُ اجتنابُهُ .. فهوَ مثالُ هذهِ الدرجةِ .
وأمَّا الدرجةُ الثالثةُ : وهيَ ورعُ المتقينَ ، فيشهدُ لها قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: (( لا يبلغُ العبدُ درجةَ المتقينَ حتَّى يدعَ ما لا بأسَ بهِ مخافةً ما بهِ
بأسرٌ))(١) .
حن
۔۔۔
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( كنَّا ندعُ تسعةَ أعشارِ الحلالِ مخافةَ أنْ نقعَ
في الحرام )(٢)، وقيلَ: إِنَّ هذا عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما.
وقالَ أبو الدرداءِ : ( إنَّ مِنْ تمام التقوى أنْ يتقيَ العبدُ في مثقالِ ذرَّةٍ ،
حتَّى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّهُ حلالٌ خشيةَ أنْ يكونَ حراماً ، فيكونَ حجاباً بينَهُ
وبينَ النارِ )(٣).
ولهذا كانَ لبعضِهِمْ مئةُ درهم على إنسانٍ ، فحملَها إليهِ ، فأخذَ تسعةً
وتسعينَ وتوزَّعَ عنِ استيفاءِ الكلِّ خيفةَ الزيادةِ(٤) .
وكانَ بعضُهُمْ يتَّجرُ وكلُّ ما يستوفيهِ يأخذُهُ بنقصانِ حبةٍ ، وما يعطيهِ يوفِّهِ
بزيادةِ حبَّةٍ ؛ ليكونَ ذلكَ حاجزاً مِنَ النّارِ (٥).
(١) رواه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥).
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٥٢/٨)، وفيه: (مخافة الربا).
(٣) رواه ابن المبارك فى ((الزهد)) (٧٩) من زيادات نعيم بن حماد .
(٤) قوت القلوب (٢٩٦/٢) بنحوه .
(٥) قوت القلوب (٢٦٨/٢).
٣٧١
حز
حن
صف
٠
-
كتاب الحلال والحرام
:

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
ومِنْ هذهِ الدرجةِ الاحترازُ عمَّا يتسامحُ الناسُ بهِ : فإنَّ ذلكَ حلالٌ في
الفتوى ، ولكنْ يُخافُ مِنْ فتحِ بابهِ أنْ ينجزَّ إلى غيرِهِ ، وتألفَ النفسُ
الاسترسالَ ، فتتركَ الورعَ .
فمنْ ذلكَ : ما رُوِيَ عنْ عليٍّ بْنِ معبدٍ أنَّهُ قالَ : كنتُ ساكناً في بيتٍ
بكراءٍ ، فكتبتُ كتاباً ، وأردتُ أنْ آخذَ مِنْ ترابِ الحائطِ لأترِّبَهُ وأجفَّفَهُ ، ثمّ
قلتُ : الحائطُ ليسَ لي ، فقالَتْ لي نفسي : وما قدْرُ ترابٍ مِنْ حائطِ ؟
فأخذتُ مِنَ الترابِ حاجتي ، فلما نمتُ .. فإذا أنا بشخصٍ واقفٍ يقولُ:
يا عليُّ؛ ستعلمُ غداً الذي يقولُ: وما قدْرُ ترابٍ مِنْ حائطٍ(١).
ولعلَّ معنى ذلكَ أنَّهُ يرى كيفَ تُحطُّ منزلتُهُ؛ فإنَّ للتقوى منزلةٌ تفوتُ
بفواتِ ورع المتقينَ ، فليسَ المرادُ بهِ أنْ يستحقَّ عقوبةٌ على فعلِهِ .
ومِنْ ذلكَ : ما رُوِيَ أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ وصلَهُ مسكٌ مِنَ البحرينِ ،
فقالَ : وددتُ لوْ أنَّ امرأةٌ وزنَتْ حتَّى أقسمَهُ بينَ المسلمينَ ، فقالتِ امرأتُهُ
عاتكةُ: أنا أجيدُ الوزنَ ، فسكتَ عنها ، ثمَّ أعادَ القولَ فأعادتِ الجوابَ ،
فقالَ : لا ، أحببتِ أنْ تضعيهِ بكفَّةٍ ، ثمَّ تقولينَ: فيها أثرُ الغبارِ، فتمسحينَ بها
عنقَكِ، فأصيبُ بذلكَ فضلاً على المسلمينَ(٢).
ـدن
؟
وكانَ يُوزنُ بينَ يدي عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ مسكٌ للمسلمينَ ، فأخذَ بأنِفِهِ
(١) قوت القلوب (١٦٣/٢) بنحوه .
(٢) رواه أحمد في ((الزهد)) ( ٦٢٣).
٣٧٢
كن خن
حن
. حن

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
حتَّى لا تصيبَهُ الرائحةُ وقالَ : وهلْ يُنتفعُ منهُ إلا بريحِهِ؟ لمَّا استُبعدَ ذلكَ
منهُ(١).
وأخذَ الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما تمرةً مِنْ تمرِ الصدقةِ وكانَ
صغيراً ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كِخْ كِخْ، ألقِها))(٢).
ومِنْ ذلكَ : ما رُوِيَ عنْ بعضِهِمْ أنَّهُ كانَ عندَ محتضرٍ ، فماتَ ليلاً ،
فقالَ : أطفئوا السراجَ ؛ فقدْ حدثَ للورثةِ حقٌّ في الدهنِ(٣).
وروى سليمانُ التيميُّ عنْ نعيم عنِ العطَّرةِ قالَتْ : كانَ عمرُ رضيَ اللهُ
عنهُ يدفعُ إلى امرأتِهِ طيباً مِنْ طيبِ المسلمينَ فتبيعُهُ ، فباعتْني طيباً ، فجعلَتْ
تقومُ وتزيدُ وتنقصُ وتكسرُ بأسنانِها ، فيعلقُ بإصبعِها شيءٌ منهُ، فقالَتْ بهِ
هكذا بإصبعِها ثمَّ مسحَتْ بهِ خمارَها ، فدخلَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ :
ما هذهِ الرائحةُ ؟ فأخبرتُهُ ، فقالَ : طيبُ المسلمينَ تأخذينَهُ ؟! فانتزعَ
الخمارَ مِنْ رأسِها وأخذَ جرَّةً مِنْ مَاءٍ فجعلَ يصبُّ على الخمارِ ثمَّ يدلكُهُ في
الترابِ ، ثمَّ يشُّهُ، ثمَّ يصبُّ الماءَ، ثمَّ يدلكُهُ في الترابِ ويشمُّهُ، حتَّى لَمْ
يبقَ لهُ ريحٌ ، قالتْ: ثمَّ أتيتُها مرَّةً أخرى ، فلما وزنَتْ .. علقَ بإصبعِها منهُ
٠٢٨٥٠٠
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٦/٥)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٦٤/٢٨).
(٢) رواه البخاري (١٤٩١)، ومسلم (١٠٦٩)، والطيالسي في ((مسنده)) ( ٢٤٨٢)،
وكلمة ( كخ ) : كلمة ردع للصغير عن تناول شيء ، وفيها ست لغات ، وفي الخبر :
تجنيب الطفل عن الحرام لينشأ عليه ويتمرن. انظر ((الإتحاف)) (٢٧/٦).
(٣) روى خبراً بنحوه أبو طالب المكي في ((القوت)) (٢٨١/٢).
٣٧٣
حنحن
مئن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
شيءٌ ، فأدخلَتْ إصبعَها في فيها ثمَّ مسحَتْ بها الترابَ(١).
فهذا مِنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ ورعُ التقوى ؛ لخوفِ أداءِ ذلكَ إلى غيرِهِ ،
وإلا .. فغسلُ الخمارِ ما كانَ يعيدُ الطيبَ إلى المسلمينَ ، ولكنْ أتلفَهُ عليها
زجراً وردْعاً واتقاءً مِنْ أنْ يتعذّى الأمرُ إلى الآخرينَ .
ومِنْ ذلكَ : ما سُئلَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ رحمهُ اللهُ عنْ رجلٍ يكونُ في
المسجدِ يحملُ مِجْمَرَةً لبعضِ السلاطينِ ويبخِّرُ المسجدَ بالعودِ ، فقالَ :
ينبغي أنْ يخرِجَ مِنَ المسجدِ ؛ فإنَّهُ لا يُنتفعُ مِنَ العودِ إلا برائحتِهِ (٢).
وهذا قدْ يقاربُ الحرامَ ؛ فإنَّ القدْرَ الذي يعبقُ بثوبِهِ مِنْ رائحةِ الطيبِ قدْ
يُقصدُ ، وقدْ يُخلُ بهِ ، فلا يدري أنَّهُ يُتسامحُ بهِ أم لا .
وسئلَ أحمدُ ابنُ حنبلِ عمَّنْ سقطَتْ منهُ ورقةٌ فيها أحاديثَ ، فهلْ لمَنْ
وجدَها أنْ يكتبَ منها ثمَّ يردَّها؟ فقالَ: لا ، بلْ يستأذنُ ثمَّ يكتبُ(٣).
وهذا أيضاً قدْ يُشكّ في أنَّ صاحبَها هلْ يرضى بهِ أمْ لا ، فما هوَ في
محلِّ الشكِّ والأصلُ تحريمُهُ .. فهوَ حرامٌ ، وتركُهُ مِنَ الدرجةِ الأولىُ .
ومِنْ ذلكَ التوزُّعُ عنِ الزينةِ : لأنَّهُ يُخافُّ منها أنْ تدعوَ إلى غيرِها ، وإنْ
كانتِ الزينةُ مباحةً في نفسِها .
ـكن
(١) كذا في ((القوت)) (٢٨١/٢)، ورواه كذلك أحمد في ((الورع)) (ص٣٧).
(٢) كذا في ((الورع)) (ص٣٧) له.
(٣) قوت القلوب (٢٨٥/٢) .
٣٧٤

٤
ربع العادات
كن
كتاب الحلال والحرام
وقدْ سئلَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ عنِ النعالِ السنديةِ (١)، فقالَ: أَمَّا أنا ..
فلا أستعملُها ، ولكنْ إنْ كانَ للطينِ .. فأرجو، وأمَّا مَنْ أرادَ الزينةَ ..
فلا .
ومِنْ ذلكَ : أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ لمَّا وليَ الخلافةَ .. كانتْ لهُ زوجةٌ
يحبُّها ، فطلَّقَها ؛ خيفةَ أنْ تشيرَ عليهِ بشفاعةٍ في باطلٍ ، فيطيعَها ويطلبَ
رضاها ، وهذا مِنْ تركِ ما لا بأسَ بهِ مخافةٌ مِمَّا بهِ بأسٌ ؛ أي : مخافةً منْ
أنْ يفضي إليهِ .
وأكثرُ المباحاتِ داعيةٌ إلى المحظوراتِ ، حتَّى استكثارُ الأكلِ ،
واستعمالُ الطيبِ للمتعزبِ ؛ فإنَّهُ يحرِّكُ الشهوةَ ، ثمَّ الشهوةُ تدعو إلى
الفكرِ ، والفكرُ يدعو إلى النظرِ ، والنظرُ يدعو إلى غيرِهِ (٢).
بھے
٠٥٨
وكذلكَ النظرُ إلى دورِ الأغنياءِ وتجمُّلِهِمْ مباحٌ في نفسِهِ ، ولكنْ يهِّجُ
الحرصَ ، ويدعو إلى طلبٍ مثلِهِ، ويلزمُ منهُ ارتكابُ ما لا يحلُّ في
تحصيلِهِ .
وهكذا المباحاتُ كلُّها إذا لمْ تُؤخذْ بقدْرِ الحاجةِ وفي وقتِ الحاجةِ ، معَ
التحرُّزِ مِنْ غوائِلِها ؛ بالمعرفةِ أوَّلاً ، ثمَّ بالحذرِ ثانياً .. فقلَّما تخلو عاقبتُها
(١) كذا في ((الورع)) (ص١٧٢) له، وفي (ط): ( السبتية).
(٢) من المفاسد، وفي هذا يقولون: من أدار ناظره .. أتعب خاطره. ((إتحاف))
(٢٨/٦ ) .
٣٧٥
حن
ثں
ڑان
قة
XX

كتاب الحلال والحرام
ہے
ربع العادات
عنْ خطرٍ ، وكذا كلُّ ما أُخذَ بالشَّرَّهِ فقلَّما يخلو عن خطرٍ .
حتَّى كره أحمدُ ابنُ حنبلِ تجصيصَ الحيطانِ وقالَ : ( أمَّا تجصيصُ
الأرضِ .. فيمنعُ الترابَ، وأمَّا تجصيصُ الحيطانِ .. فزينةٌ لا فائدةَ
فیهِ)(١) .
حتَّى أنكرَ تخصيصَ المساجدِ وتزيينَها ، واستدلَّ بما رُوِيَ أنَّ النبيَّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سُئِلَ أنْ يَكحلَ المسجدَ، فقالَ: (( لا ، عريشٌ كعريشٍ
موسى))(٢)، وإنَّما هوَ شيءٌ مثلُ الكحلِ يُطلى بهِ، فلمْ يرخِّصْ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيهِ(٣) .
وكرهَ السلفُ الثوبَ الرقيقَ، وقالوا : ( مَنْ رقَّ ثويُهُ .. رقَّ دينُهُ )(٤)
وكلُّ ذلكَ خوفاً مِنْ سريانِ اتباع الشهواتِ في المباحاتِ إلى غيرِها ، فإنَّ
المحظورَ والمباحَ تشتهيهِما النفسُ بشهوةٍ واحدةٍ ، فإذا عوِّدتِ الشهوةُ
المسامحةَ .. استرسلَتْ، فاقتضى خوفُ التقوى الورعَ عنْ هذا كلِّهِ ، فكلُّ
(١) كذا في ((الورع)) ( ص١٨٢ ) له .
(٢) قال الحافظ العراقي: (رواه الدار قطني في (( الأفراد)) من حديث أبي الدرداء وقال :
غريب). ((إتحاف)) (٢٨/٦)، وأما لفظ: ((عريش كعريش موسى)) دون ذكر
الكحل .. فقد رواه الدارمي في (( سننه)) (٣٨) أي: لو رفع يده .. بلغ السقف.
(٣) كذا في (( الورع)) (١٨٤ ) له .
(٤) كذا في ((القوت)) (٢٥٦/١)، ورواه الدولابي في ((الكنى والأسماء)) (٨٠/٢) عن
أبي الغدير المليكي .
ـحن.
٣٧٦

ربع العادات
ے
كتاب الحلال والحرام
حلالٍ انفكّ عنْ مثل هذهِ المخافةِ .. فهوَ الحلالُ الطيِّبُ في الدرجةِ الثالثةِ ،
وهوَ كلُّ ما لا يُخافُ أداؤُهُ إلى معصيةٍ ألبتةَ .
ـحة
أمّا الدرجةُ الرابعةُ: وهوَ ورعُ الصديقينَ ، فالحلالُ المطلقُ عندَهُمْ :
كلُّ ما لا تتقدَّمُ في أسبابِهِ معصيةٌ ، ولا يُستعانُ بهِ على معصيةٍ ، ولا يُقصدُ
منهُ في الحالِ والمآلِ قضاءُ وطرٍ ، بلْ يُتناولُ اللهِ تعالى فقط ، وللتقوِّي على
عبادتِهِ ، واستبقاءِ الحياةِ لأجلِهِ .
شزة
وهؤلاءِ هُمُ الذينَ يرؤْنَ كلَّ ما ليسَ للهِ حراماً ؛ امتثالاً لقولِهِ تعالى: ﴿قُلِ
اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾، وهذهِ رتبةُ الموحدينَ المتجرِّدينَ عنْ
حظوظِ أنفسِهِمْ ، المتفرِّدينَ للهِ تعالى بالقصدِ ، ولا شكّ في أنَّ مَنْ يتورَّعُ
عمَّا يُوصلُ إليهِ بمعصيةٍ أوْ يُستعانُ بهِ على معصيةٍ .. فيتورَّعُ عمَّا يقترنُ بسببٍ
اكتسابِهِ معصيةٌ أو كراهيةٌ .
فمِنْ ذلكَ : ما رُوِيَ عنْ يحيى بنِ يحيىُ أنَّهُ شربَ الدواءَ ، فقالتْ لهُ
امرأتُهُ: لوْ مشيتَ في الدارِ قليلاً حتَّى يعملَ الدواءُ ، فقالَ : هذهِ مشيةٌ
لا أعرفُها، وأنا أحاسبُ نفسي منذُ ثلاثينَ سنةً(١).
فكأنَّهُ لمْ تحضرُهُ نِيَّةٌ في هذهِ المشيةِ تتعلَّقُ بالدينِ ، فلمْ يُجوِّزِ الإقدامَ
عليها .
CG
eG
(١) كذا في ((القوت)) (٢٨١/٢)، وهو في ((الورع)) (ص١٢٢) وفيهما: (أربعين سنة).
٣٧٧

كتاب الحلال والحرام
بےہ
ربع العادات
كبسـ
وعنْ سريٍّ رحمهُ اللهُ أنَّهُ قالَ : انتهيتُ إلى حشيشٍ في جبلٍ وماءٌ يخرجُ
منهُ ، فتناولتُ مِنَ الحشيشِ وشربتُ مِنَ الماءِ ، وقلتُ في نفسي : إنْ كنتُ
قدْ أكلتُ يوماً حلالاً طيِّاً .. فهوَ هذا اليومُ، فهتفَ بي هاتفٌ: إنَّ القوَّةَ
التي أوصلتْكَ إلى هذا الموضع مِنْ أينَ هيَ ؟ فرجعتُ وندمتُ(١).
ومِنْ هذا : ما رُوِيَ عنْ ذي النونِ المصريِّ أنَّهُ كانَ جائعاً محبوساً ،
فبعثَتْ لهُ امرأةٌ صالحةٌ طعاماً على يدِ السجَّانِ، فلمْ يأكلْ(٢)، ثمَّ اعتذرَ
وقالَ : جاءني على يدِ ظالمٍ (٣) .
يعني : أنَّ القوَّةَ التي أوصلتِ الطعامَ إليَّ لمْ تكنْ طيِّةً، وهذهِ الغايةُ
القصوى في الورعِ .
ومِنْ ذلكَ : أَنَّ بشراً كانَ لا يشربُ الماءَ مِنَ الأنهارِ التي حفرَها
الأمراءُ (٤) ؛ فإنَّ النهرَ سببٌ لجريانِ الماءِ ووصولِهِ إليهِ، وإنْ كانَ الماءُ
مباحاً في نفسِهِ ، فيكونُ كالمنتفع بالنهرِ المحفورِ بأعمالِ الأُجَراءِ ، وقدْ
أُعطيَتْ أجرتُهُمْ منَ الحرامِ .
-حن
حن
ولذلكَ امتنعَ بعضُهُمْ مِنَ العنبِ الحلالِ مِنْ كرمِ حلالٍ ، وقالَ لصاحبِهِ :
(١) قوت القلوب (٢٩٥/٢) .
٤٠
(٢) حتى لقيته العجوز، فعاتبته على رد الطعام، وأخبرته أنه من عمل يدها حلال خالص.
(٣) قوت القلوب (١٩١/٢).
(٤) قوت القلوب (٢٩٦/٢).
٣٧٨
حن

ربع العادات
كتاب الحلال والحرام
أفسدتَهُ إذْ سقيتَهُ مِنْ ماءٍ يجري في النهرِ الذي حفرتُهُ الظلمةُ(١)، وهذا أبعدُ
عنِ الظلمِ مِنْ شربِ نفسِ الماءِ ؛ لأنَّهُ احترازٌ مِنِ استمدادِ العنبِ مِنْ ذلكَ
الماءِ .
وكانَ بعضُهُمْ إذا مرَّ في طريقِ الحِجِّ .. لمْ يشربْ مِنَ المصانع التي
عملتْها الظلمةُ معَ أنَّ الماءَ مباحٌ ، ولكنَّهُ بقيَ محفوظاً بالمصنعِ ، والمصنعُ
عُمِلَ بهِ بمالٍ حرامٍ ، فكأنَّهُ انتفاعٌ بهِ (٢).
وامتناعُ ذي النونِ مِنْ تناولِ الطعامِ مِنْ يدِ السجَّانِ أعظمُ مِنْ هذا كلِّهِ ؛
لأنَّ يدَ السجَّانِ لا تُوصفُ بأنَّها حرامٌ ، بخلافِ الطبقِ المغصوبِ إذا
حُملَ عليهِ، ولكنْ لمَّا وصلَ إليهِ بقوَّةٍ اكتُسبَتْ بالغذاءِ الحرامِ ... امتنعَ
منهُ .
جح.
ولذلكَ تقيََّ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ مِنَ اللبنِ ؛ خيفةً مِنْ أَنْ يُحدثَ
الحرامُ فيهِ قوَّةٌ، معَ أنَّهُ شربَهُ على جهلِ(٣)، وكانَ لا يجبُّ إخراجُهُ ، ولكنْ
(١) والخبر في ((القوت)) (٢٩٦/٢)، قال: ( وحدثت أن امرأة أهدت بشر بن الحارث
سلة عنب ، فقالت : هذه من صنيعة أبي ، فردَّها بشر عليها ، فقالت : سبحان الله !
تشك في كرم أبي وفي صحة ملكه وميراثي منه ، وشهادتي مكتوبة في كتاب الشراء ؟
فقال : صدقت ، ملك أبيك ، ولكنك أفسدت الكرم ، قالت : بماذا ؟ قال : سقيته من
نهر طاهر ؛ يعني: طاهر بن الحسين بن مصعب بن عبد الله بن طاهر ، صاحب
المأمون ) .
(٢) قوت القلوب (٢٩٦/٢) عن طاووس ووهب بن منبه اليمانيين .
(٣) قوت القلوب (٢٨٧/٢)، ورواه البخاري (٣٨٤٢).
٣٧٩
حن

كتاب الحلال والحرام
ربع العادات
تخليةُ الباطنِ عنِ الخبيثِ مِنْ ورع الصدِّيقينَ .
ومِنْ ذلكَ : التورُّعُ مِنْ كسبٍ حلالٍ اكتسبَهُ خيَّاطٌ يخيطَ في المسجدِ ،
ء
فإنَّ أحمدَ رحمَهُ اللهُ كرهَ جلوسَ الخَيَّاطِ في المسجدِ (١)، وسُئِلَ عنِ
المغازليِّ يجلسُ في قبَّةٍ في المقابرِ في وقتٍ يخافُ مِنَ المطرِ ، فقالَ:
المقابرُ إِنَّمَا هِيَ مِنْ أمرِ الآخرةِ ، وكرهَ جلوسَهُ فيها لذلكَ (٢).
وأطفأ بعضُهُمْ سراجاً أسرجَهُ غلامُهُ مِنْ قومٍ يُكرهُ مالُهُمْ (٣)، وامتنعَ منْ
تسجيرِ تُنُّورِ للخبزِ وقدْ بقي فيهِ جمرٌ مِنْ حطبٍ مكروهٍ(٤) ، وامتنعَ بعضُهُمْ
مِنْ أنْ يحكِمَ شسعَ نعلِهِ في مشعلةِ سلطانٍ(٥) .
C
فهذهِ دقائقُ الورعِ عندَ سالكي طريقِ الآخرةِ .
والتحقيقُ فيهِ : أنَّ الورعَ لهُ أوَّلٌ؛ وهوَ الامتناعُ عمَّا حرَّمَتْهُ الفتوى ،
وهوَ ورعُ العدولِ ، ولهُ غايةٌ؛ وهوَ ورعُ الصدِّيقينَ ، وذلكَ هوَ الامتناعُ مِنْ
كلٍّ ما ليسَ اللهِ، ممَّا أُخذَ بشهوةٍ ، أَوْ توصِّلَ إليهِ بمكروهٍ ، أوِ اتصلَ بسبِهِ
مكروهٌ ، وبينَهُما درجاتٌ في الاحتياطِ ، فكلَّما كانَ العبدُ أشدَّ تشديداً على
نفسِهِ .. كانَ أخفَّ ظهراً يومَ القيامةِ، وأسرعَ جوازاً على الصراطِ ، وأبعدَ
(١) كذا في (( الورع)) (ص٥٩) له .
(٢)
كذا في (( الورع)) (ص٦١ ) له .
(٣) وهو عثمان بن زائدة. انظر ((الورع)) (ص١٠٤).
(٤) كذا في ((الورع)) (١٠٤).
(٥) قوت القلوب (٢٩١/٢) بنحوه .
٣٨٠
حنة.