Indexed OCR Text

Pages 321-340

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
مدخلَهُ ومخرجَهُ ؟ قالَ : لا ، فقالَ : كنتَ رفيقَهُ في السفرِ الذي يُستدلُّ بهِ
على مكارم الأخلاقِ ؟ فقالَ : لا ، قالَ : فعاملتَهُ بالدينارِ والدرهمِ الذي
يستبينُ بهِ ورعُ الرجل ؟ فقالَ: لا ، قالَ : أظنُّكَ رأيتَهُ قائماً في المسجدِ
يهمهمُ بالقرآنِ ، يخفضُ رأسَهُ طوراً ويرفُعُه أخرى ؟ قالَ : نعمْ ، فقالَ :
اذهبْ ، فلستَ تعرفُهُ ، وقالَ للرجلِ : اذهبْ فأتني بمَنْ يعرفُكَ (١).
(١) كذا في ((القوت)» (٢٧٢/٢)، ورواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٢٥/١٠).
٣٢١
كن
دن
حن
دن

كتاب الكب والمعاش
ربع العادات
البَابُ الْخَامِيسُ
في شفقة الثّجر على دينه في الخصّه والم آخرته
ولا ينبغي للتاجرِ أنْ يشغلَهُ معاشُهُ عنْ معادِهِ، فيكونَ عمرُهُ ضائعاً وصفقتُهُ
خاسرةً ، وما يفوتُهُ مِنَ الربحِ في الآخرةِ لا يفي بهِ ما ينالُهُ في الدنيا ، فيكونُ
ممَّنِ اشترى الحياةَ الدنيا بالآخرةِ ، بلِ العاقلُ ينبغي أنْ يشفقَ على نفسِهِ ،
وشفقتُهُ على نفسِهِ بحفظِ رأسِ مالِهِ ، ورأسُ مالِهِ دينُهُ وتجارتهُ فيهِ .
قالَ بعضُ السلفِ : ( أولى الأشياءِ بالعاقلِ أحوجُهُ إليهِ في العاجلِ ،
وأحوجُ شيءٍ إليهِ في العاجلِ أحمدُهُ عاقبةً في الآجلِ )(١).
وقالَ معاذُ بنُ جبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ في وصيتِهِ : ( إنَّهُ لا بدَّ لكَ مِنْ نصيبكَ
في الدنيا ، وأنتَ إلى نصيبكَ مِنَ الآخرةِ أحوجُ ، فابدأْ بنصيبكَ مِنَ الآخرةِ
فخذْهُ ؛ فإنَّكَ ستمرُّ على نصيبكَ مِنَ الدنيا فتنظمُهُ)(٢).
وقالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا﴾ أيْ: لا تنسَ في
الدنيا نصيبَكَ منها للآخرةِ ؛ فإنَّها مزرعةُ الآخرةِ ، وفيها تُكتسبُ الحسناتُ .
(١) قوت القلوب (٢٦٣/٢).
(٢) قوت القلوب (٢٦٣/٢).
٣٢٢

ربع العادات
مي
كتاب الكسب والمعاش
وإنَّما تتمُّ شفقةُ التاجرِ على دينِهِ بمراعاةٍ سبعةِ أمورٍ :
الأولُ : حسنُ النيّةِ والعقيدةِ في ابتداءِ التجارةِ :
فلينوِ بها الاستعفافَ عنِ السؤالِ ، وكفَّ الطمع عنِ الناسِ ؛ استغناءً
بالحلالِ عنهُمْ ، واستعانةً بما يكسبُهُ على الدينِ ، وقياماً بكفايةِ العيالِ ؛
ليكونَ مِنْ جملةِ المجاهدینَ بهِ .
ولينوِ النصحَ للمسلمينَ ، وأنْ يحبَّ لسائرِ الخلقِ ما يحبُّ لنفسِهِ .
ولينوِ اتباعَ طريقِ العدلِ والإحسانِ في معاملتِهِ كما ذكرناهُ .
3
ولينوِ الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عنِ المنكرِ في كلِّ ما يراهُ في السوقِ .
فإذا أضمرَ هذهِ العقائدَ والنيَّاتِ .. كانَ عاملاً في طريقِ الآخرةِ ، فإنِ
استفادَ مالاً .. فهوَ مزيدٌ، وإن خسرَ في الدنيا .. ربحَ في الآخرةِ .
الثاني : أنْ يقصدَ القيامَ في صنعتِهِ أوْ تجارتِهِ بفرضٍ مِنْ فروضِ الكفاياتِ :
فإنَّ الصناعاتِ والتجاراتِ لوْ تُرُكَتْ .. بطلَتِ المعايشُ، وهلكَ
الخلقُ ، فانتظامُ أمرِ الكلِّ بتعاونِ الكلِّ ، وتكفُّلِ كلِّ فريقٍ بعملٍ ، ولوْ أقبلوا
كلُّهُمْ على صنعةٍ واحدةٍ . . لتعطلَتِ البواقي وهلكوا، وعلى هذا حملَ
بعضُ الناسِ قولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( اختلافُ أَقَّتي رحمةٌ))(١)
(١) رواه البيهقي في ((المدخل)) (١٥٢) بلفظ: ((واختلاف أصحابي لكم رحمة)).
٣٢٣
حر»

کتاب الکسب والمعاش
ربع العادات
أيٍ : اختلافُ هممِهِمْ في الصناعاتِ والحِرَفِ .
ومِنَ الصناعاتِ ما هيَ مهمّةٌ ، ومنها ما يُستغنى عنها؛ لرجوعِها إلى
طلبِ التَنقُّمِ والتزيّنِ في الدنيا ، فليشتغلْ بصناعةٍ مهمَّةٍ ؛ ليكونَ في قيامِهِ بها
كافياً عنِ المسلمينَ مهماً في الدينِ .
تممـ
وليجتنبْ صناعةَ النقشِ ، والصياغةَ، وتشييدَ البنيانِ بالجصِّ ، وجميعَ
ما وُضِعَ لتُرْخِرِفَ بهِ الدنيا ، فكلُّ ذلكَ كرهَهُ ذوو الدينِ .
فأمَّا عملُ الملاهي والآلاتِ التي يحرمُ استعمالُها .. فاجتنابُ ذلكَ مِنْ
قبيلِ تَرْكِ الظلمٍ ، ومِنْ جملةِ ذلكَ : خياطةُ الخيَّاطِ القباءَ مِنَ الإبريسمِ
للرجالِ ، وصياغةُ الصائغ مراكبَ الذهبِ(١) أوْ خواتيمَ الذهبِ للرجالِ ،
فكلُّ ذلكَ مِنَ المعاصي ، والأجرةُ المأخوذةُ عليهِ حرامٌ ، ولذلكَ أوجبْنا
الزكاةَ فيها وإنْ كَّا لا نوجبُ الزكاةَ في الحليِّ ؛ لأنَّها إذا قُصدَتْ للرجالِ ..
فهيَ محرَّمةٌ ، وكونُها مهيّأةً للنساءِ لا يلحقُها بالحليِّ المباح ما لمْ يُقصدْ ذلكَ
بها ، فيُكتسبُ حكمُها مِنَ القصدِ .
Q
وقدْ ذكرنا أنَّ بيعَ الطعام وبيعَ الأكفانِ مكروهٌ ؛ لأنَّهُ يوجبُ انتظارَ موتٍ
الناسِ وحاجتِهِمْ؛ لغلاءِ السعرِ(٢)، ويُكرَهُ أنْ يكونَ جزَّاراً؛ لما فيهِ مِنْ
ثن
تن حن حن حن ٧٠ج
(١) أي : السروج المتخذة منها .
(٢) كذا في جميع النسخ ، وفي نسخة الحافظ الزبيدي (٥٠٧/٥): ( لأنه يحب موت
الناس٠٠٠) .
٣٢٤
حن ثن تن حن ش كن كن

ربع العادات
حر
كتاب الكسب والمعاش
قساوةِ القلب ، وأنْ يكونَ حجَّاماً أوْ كَّاساً ؛ لما فيهِ مِنْ مخامرةِ النجاسةِ ،
وكذا الدبَّاغُ وما في معناهُ .
ـدن
حن
وكرهَ ابنُ سيرينَ الدلالةَ(١)، وكرهَ قتادةُ أجرةَ الدلاَلِ (٢)، ولعلَّ السببَ
فيهِ : قلَّةُ استغناءِ الدلاَّلِ عنِ الكذبِ ، والإفراطُ في الثناءِ على السلعةِ
لترويجِها ، ولأنَّ العملَ فيهِ لا يتقدَّرُّ، فقدْ يقلُّ وقدْ يكثرُ ، ولا ينظرُ في
مقدارِ الأجرةِ إلى عملِهِ ، بلْ إلى قدْرِ قيمةِ الثوبِ ، هذا هوَ العادةُ ، وهوَ
ظلمٌّ ، بلْ ينبغي أنْ ينظرَ إلى قدْرِ التعبِ .
وكرهوا شراءَ الحيوانِ للتجارةِ ؛ لأنَّ المشتريَ يكرهُ قضاءَ اللهِ تعالى
فيهِ، وهوَ الموتُ الذي هوَ بصدِدِهِ - لا محالةَ - وخُلقَ لهُ، وقيلَ: (بع
الحيوانَ واشترِ المَوَتَانَ )(٣).
وكرهوا الصرْفَ ؛ لأنَّ الاحترازَ فيهِ عنْ دقائقِ الربا عسيرٌ، ولأنَّهُ طلبٌ
لدقائقِ الصفاتِ فيما لا يُقصدُ أعيانُها ، وإنَّما يُقصدُ رواجُها ، وقلَّما يتمُّ
للصير فيِّ ربْحٌ إلا باعتمادِ جهالةِ معاملِهِ بدقائقِ النقدِ ، فقلّما يسلمُ الصير فيُّ
وإنِ احتاطَ .
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٢٣٦٨٦).
(٢) قوت القلوب (٢٦٦/٢) والسياق له.
(٣) قوت القلوب (٢٦٦/٢) عن بعض العرب، قال: ( كأنهم كرهوا رد الثمن في
الحيوان لما يخافون من تلفه ، واستحبوا شراء المَوَات ، وهو ما لا روح فيه ) ،
والمَوَتان : خلاف الحيوان ؛ كالدور والأراضي .
٣٢٥
كن
در حن

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
ويُكرهُ للصيرفيِّ وغيرِهِ كسْرُ الدرهمِ الصحيحِ والدينارِ ، إلا عندَ الشكِّ
في جودتِهِ ، أَوْ عندَ ضرورةٍ ، قالَ أحمدُ ابنُ حنبلِ رحمَهُ اللهُ : ( وردَ نهيٌّ
عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعنْ أصحابِهِ في الصياغةِ مِنَ الصحاحِ ،
وأنا أكرهُ الكسرَ)(١)، وقالَ: ( يشتري بالدنانيرِ دراهمَ، ثُمَّ يشتري
بالدراهمِ ذهباً ويصوغُهُ)(٢) .
واستحبُّوا تجارةَ البزِّ ، قالَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ : ( ما مِنْ تجارةٍ أحبّ إليَّ
مِنْ تجارةِ البزِّ ، ما لمْ يكنْ فيها أيمانٌ)(٣).
ء
وقدْ رُوِيَ : ( خيرُ تجارِتِكُمْ البزُّ، وخيرُ صناعتِكُمْ الخَرْزُ)(٤) .
وفي حديثٍ آخرَ: (( لوِ اتَّجَرَ أهلُ الجنَّةِ .. لاتَّجروا في البرِّ ، ولوِ اَّجرَ
أهلُ النارِ .. لا تَّجروا في الصرْفِ)) (٥).
(١) روى أبو داوود (٣٤٤٩)، وابن ماجه (٢٢٦٣) عن عبد الله المزني رضي الله عنه
قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا
من بأس ) .
(٢) القولان لأحمد في (( الورع)) ( ص ٥٧ ) .
(٣) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (١٣٤/٧)، وابن أبي الدنيا في (( إصلاح
المال)» ( ٢٤٨ ) .
جم حن ق0
(٤) قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٥٠٨/٥): (نقله صاحب (( القوت))، وقال
العراقي: لم أقف له على إسناد، وذكره صاحب ((الفردوس)) من حديث علي بن
أبي طالب ؛ أي : تعليقاً ) .
(٥) روى صدره الطبراني في ((الصغير)) (٢٤٨/١)، وأبو نعيم في « الحلية))
(٣٦٥/١٠) ولفظه: ((لو أذن الله لأهل الجنة في التجارة .. لاتجروا في البز
والعطر)»، وهو بتمامه عند صاحب ((الفردوس)) ( ٥١٣٢).
جن
٣٢٦
4

Thut Hus
ربع العادات
کتاب الكسب والمعاش
ـن
وقدْ كانَتْ غالبُ أعمالِ الأخيارِ مِنَ السلفِ عشرَ صنائعَ : الخرْزُ ،
والنجارةُ، والحمْلُ، والخياطةُ، والحذوُ، والقصارةُ، وعملُ
الخِفافِ ، وعملُ الحديدِ ، وعملُ المغازلِ ، ومعالجةُ صيدِ البرِّ والبحرِ ،
والوراقةُ(١) .
قالَ عبدُ الوهَّابِ الورَّاقُ : قَالَ لي أحمدُ ابنُ حنبل : ما صنعتُكَ ؟
قلتُ : الوراقةُ ، فقالَ : كسبٌ طيِّبٌ ، ولوْ كنتُ صانعاً بيدي .. لصنعتُ
صنعتَكَ ، ثمَّ قالَ لي : لا تكتبْ إلا مواسطةً ، واستثنِ الحواشيَ وظهورَ
الأجزاءِ(٢) .
وأربعةٌ مِنَ الصَّاعِ موسومونَ عندَ الناسِ بضعْفِ الرأي : الحاكَةُ ،
والقطَّانونَ، والمغازلُّونَ، والمعلِّمونَ، ولعلَّ ذلكَ لأنَّ أكثرَ مخالطتِهِمْ مِعَ
النساءِ والصبيانِ ، ومخالطةُ ضعفاءِ العقولِ تضعفُ العقلَ ، كما أنَّ مخالطةَ
العقلاءِ تزيدُ في العقلِ .
٠٥٨
وعنْ مجاهدٍ : أنَّ مريم عليها السلامُ مَّتْ في طلبها لعيسى عليهِ السلامُ
(١) قوت القلوب (٢٦٦/٢)، وقوله: (والحذو) ليس في (ب)، وهو في ((القوت))
و((الإتحاف))، وبزيادتها تصير إحدى عشرة حرفة.
(٢) قوت القلوب (٢٦٦/٢)، وفي (أ): ( مراصفة) بدل ( مواسطة ) أي : مقاربة ،
وفي (ب، هـ): ( مواضعة)، وفي (و، ط): (مواصفة)، وإنما نهاه عن الكتابة
على ظهور الأجزاء لأنها قابلة للتلف .
ن٢
٣٢٧

كتاب الكسب والمعاش
حن
ربع العادات
بحاكةٍ ، فطلبتِ الطريقَ ، فأرشدوها غيرَ الطريقِ ، فقالتْ : اللهمَّ ؛ انزع
البركةَ مِنْ كسبِهِمْ، وأمتْهُمْ فقراءَ ، وحقُّرْهُمْ في أعينِ الناسِ ، فاستجيبَ
دعاؤُها(١).
وكرهَ السلفُ أخذَ الأجرةِ على كلِّ ما هوَ مِنْ قبيلِ العباداتِ وفروضٍٍ
الكفاياتِ ؛ كغسلِ الأمواتِ ودفنِهِمْ ، وكذا الأذانُ وصلاةُ التراويح ، وإنْ
حُكمَ بصحَّةِ الاستئجارِ عليهِ ، وكذا تعليمُ القرآنِ ، وتعليمُ علْم الشرع ؛ فإنَّ
هذهِ أعمالٌ حقُّها أنْ يتَّجرَ بها للآخرةِ ، فأخذُ الأجرةِ عليها استبدالٌ بالدنيا
عنِ الآخرةِ ، ولا يُستحبُّ ذلكَ .
الثالثُ : ألا تمنعَهُ سوقُ الدنيا عنْ سوقِ الآخرةِ :
وأسواقُ الآخرةِ المساجدُ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تَجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ
عَن ذِكْرِ الَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِنَّاءِ الزَّكَوَةِ﴾.
ـكن
وقالَ اللهُ تعالى: ﴿فِ بُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
فينبغي أنْ يجعلَ أوَّلَ النهارِ إلى وقتِ دخولِ السوقِ لآخرتِهِ ، فيلازمُ
المسجدَ ، ويواظبُ على الأورادِ .
مان حن حن حن حج حن حن
(١) قوت القلوب (٢٧٦/٢).
٣٢٨
حن حق
حنة
نشر

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
وكانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ للتجَّارِ : ( اجعلوا أوَّلَ نهارِكُمْ
لآخرتِكُمْ، وما بعدَهُ لدنياكُمْ)(١) .
وكانَ صالحو السلفِ يجعلونَ أوَّلَ النهارِ وآخرَهُ للآخرةِ ، والوسطَ
للتجارةِ ، ولمْ يكنْ يبيعُ الهريسةَ والرؤوسَ بكرةً إلا الصبيانُ وأهلُ الذمَّةِ ؛
لأنَّهُمْ كانوا في المساجدِ بعدُ(٢).
وفي الخبرِ : ((إنَّ الملائكةَ إذا صعدَتْ بصحيفةِ العبدِ وفيها في أوَّل
النهارِ وفي آخرِهِ ذكرٌ وخيرٌ .. كفَّرَ اللهُ تعالى عنهُ ما بينَهُما مِنْ سِّىءِ
الأعمالِ)) (٣).
وفي الخبرِ : ((تلتقي ملائكةُ الليلِ والنهارِ عندَ طلوع الفجرِ وعندَ صلاةٍ
العصرِ ، فيقولُ اللهُ تعالى وهوَ أعلمُ بِهِمْ : كيفَ تركتُمْ عبادِي ؟ فيقولونَ :
تركناهُمْ وهمْ يصلُّونَ ، وجئناهُمْ وهمْ يصلُّونَ ، فيقولُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى:
أُشهِدُكُمْ أَنِّي قدْ غفرتُ لهُمْ)) (٤) .
ثُمَّ مهما سمعَ الأذانَ في وسطِ النهارِ للأولىُ(٥) والعصرِ .. فينبغي ألاّ
(١) قوت القلوب (٢٦٥/٢) بنحوه .
(٢) قوت القلوب (٢٦٥/٢).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٧٣/٢)، ورواه الترمذي (٩٨١) بنحوه.
قوت القلوب (٢٧٣/٢)، ورواه البخاري (٣٢٢٣)، ومسلم (٦٣٢ ).
(٤)
(٥) وهي صلاة الظهر. ((إتحاف)) (٥١٠/٥).
٣٢٩

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
يعرِّجَ على شغلٍ ، وينزعجَ عنْ مكانِهِ ، ويدعَ كلَّ ما كانَ فيهِ ، فما يفوتُهُ مِنْ
فضيلةِ تكبيرة الإحرامِ معَ الإمامِ في أوَّلِ الوقتِ لا توازيها الدنيا بما فيها ،
ومهما لمْ يحضرِ الجماعةَ .. عصى عندَ بعضِ العلماءِ (١).
وقدْ كانَ السلفُ يبتدرونَ عندَ الأذانِ ويُخْلونَ الأسواقَ للصبيانِ وأهلِ
الذقَّةِ ، وكانوا يُستأجرونَ بالقراريطِ لحفظِ الحوانيتِ في أوقاتِ الصلواتِ ،
وكانَ ذلكَ معيشةً لهُمْ ، وقدْ جاءَ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِيهِمْ
تِحَةُ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ الَّهِ﴾ أنَّهُمْ كانوا حدَّادينَ وخرَّازِينَ، فكانَ أحدُهُمْ إذا رفعَ
المطرقةَ أوْ غرزَ الإِشْفى فسمعَ الأذانَ .. لمْ يخرجِ الإِشْفى مِنَ المغرزِ ، ولمْ
يوقع المطرقةَ ورمى بها ، وقامَ إلى الصلاةِ (٢).
الرابعُ : ألَّ يقتصرَ على هذا ، بلْ يلازمُ ذكرَ اللهِ سبحانَهُ في السوقِ :
حز
ويشتغلُ بالتسبيح والتهليلِ ، فذكرُ اللهِ في السوقِ بينَ الغافلينَ أفضلُ ،
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كالمقاتلِ خلْفَ
الفارِّينَ، وكالحيٍّ بينَ الأمواتِ))، وفي لفظٍ آخر: (( كالشجرةِ الخضراءِ
بِينَ الهشيمِ))(٣).
(١) قوت القلوب (٢٦٥/٢) .
(٢) قوت القلوب (٢٦٥/٢) والسياق عنده، والإشفى : إبرة الخرّاز.
(٣) رواه ابنُ المبارك في ((الزهد)) (٣٥٧) عن عون بن عبد الله، وأبو نعيم في (( الحلية))
(٢٤١/٤) بالجملة الأولى منه، ورواه مرفوعاً بألفاظ المصنف أبو نعيم في «الحلية)) =
٣٣٠
٠٠٠

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
حن حق
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ دخلَ السوقَ فقالَ: لا إلهَ إلا اللهُ
وحدَهُ لا شريكَ لهُ ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ ، يحيي ويميتُ ، وهوَ حِيٌّ
لا يموتُ، بيدِهِ الخيرُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ .. كتبَ اللهُ لهُ ألفَ ألفِ
حسنةٍ ))(١)، وكانَ ابنُ عمرَ وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ ومحمدُ بنُ واسع وغيرُهُمْ
يدخلونَ السوقَ قاصدينَ لنيلِ فضيلةِ هذا الذكرِ (٢).
وقالَ الحسنُ : ( ذاكرُ اللهِ في السوقِ يجيءُ يومَ القيامةِ لهُ ضوْءٌ كضوءِ
القمرِ ، وبرهانٌ كبرهانِ الشمسِ ، ومنِ استغفرَ اللهَ في السوقِ .. غفرَ اللهُ لهُ
بعددِ أهلِها)(٣).
حن
%
وكانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ إذا دخلَ السوقَ .. يقولُ: ( اللهمَّ ؛ إنِّي أعوذُ
بكَ مِنَ الكفرِ والفسوقِ ، ومِنْ شرِّ ما أحاطَتْ بهِ السوقُ، اللهمَّ؛ إنِّي أعوذُ
بكَ مِنْ يمينٍ فاجرةٍ وصفقةٍ خاسرةٍ )(٤) .
وقالَ أبو جعفرِ الفَرْغانيُّ : كنَّا يوماً عندَ الجنيدِ ، فجرىُ ذكرُ ناسٍ
(١٨١/٦) ولم يذكر: (وكالحي بين الأموات)، وعند البخاري ( ٦٤٠٧)، ومسلم
=
(٧٧٩) مرفوعاً: ((مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت))
مطلقاً ، وانظر ((الإتحاف)) (٥١١/٥).
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٥٣٩/١).
(٢)
قوت القلوب ( ٢٦٥/٢)، وتقدم ذكر ذلك عند تخريج الحديث .
(٣) قوت القلوب (٢٦٥/٢).
(٤) كذا في ((القوت)) (٢٦٥/٢)، وتقدم مرفوعاً بنحوه .
-----... ..
٣٣١
--

كتاب الكسب والمعاش
جهجومومي
ربع العادات
يجلسونَ في المساجدِ ويتشَّهونَ بالصوفيّةِ ويقصِّرونَ عمَّا يجبُ عليهِمْ مِنْ
حقِّ الجلوسِ ، ويعيبونَ مَنْ يدخلُ السوقَ ، فقالَ الجنيدُ : كمْ ممَّنْ هوَ في
السوقِ حكمُّهُ أنْ يدخلَ المسجدَ ويأخذَ بأُذُنِ بعضٍ مَنْ فِيهِ فيخرجَهُ ويجلسَ
مكانَهُ، إنِّي لأعرفُ رجلاً يدخلُ السوقَ وردُهُ كلَّ يوم ثلاثُ مئةِ ركعةٍ
وثلاثونَ ألفَ تسبيحةٍ ، قالَ: فسبقَ إلى وهمي أنَّهُ يعني نفسَهُ(١).
G؟.
فهكذا كانت تجارةُ مَنْ يتجرُ لطلبِ الكفايةِ لا للتنقُّمِ في الدنيا ؛ فإنَّ مَنْ
يطلبُ الدنيا للاستعانةِ بها على الآخرةِ كيفَ يدعُ ربحَ الآخرةِ ؟! والسوقُ
والمسجدُ والبيتُ لهُ حكمٌ واحدٌ ، وإنَّما النجاةُ بالتقوى ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: (( اتقِ اللهَ حيثُ كنتَ))(٢) ، فوظيفةُ التقوى لا تنقطعُ عنِ المتجردينَ
الدِّينِ كيفما تقلبَتْ بهمُ الأحوالُ ، وبهِ تكونُ حياتُهُمْ وعيشُهُمْ؛ إذْ فيهِ يرونَ
تجارتَهُمْ وربحَهُمْ، وقدْ قيلَ: مَنْ أحبَّ الآخرةَ .. عاشَ، ومَنْ أحبَّ
الدنيا .. طاشَ ، والأحمقُ يغدو ويروحُ في لاشَ ، والعاقلُ عنْ عيوبِ نفسِهِ
فتَّاشرٌ (٣).
(١) قوت القلوب (٢٦٢/٢).
(٢) رواه الترمذي ( ١٩٨٧).
(٣) رواه ابن الطيوري في ((الطيوريات)) (١٠٣١) عن سري السقطي، ورواه عن ذي النون ابنُ
عساكر في (( تاريخ دمشق)» ( ٤٢٣/١٧)، والجملة الأخيرة زيادة من (ب )، وهي كذلك
في ((القوت)) (٢٦٥/٢)، ولاش: لا شيء، وجاءت هكذا مراعاة للسجعة، وهي
لا تأتي كذلك إلا في الازدواج ونحوه، وتقرأ الجمل مسكنة الآخر لذلك.
٣٣٢

ربع العادات
كتاب الكتب والمعاش
الخامسُ : ألَّ يكونَ شديدَ الحرصِ على السوقِ والتجارةِ :
وذلكَ بأنْ يكونَ أوَّلَ داخلٍ وآخرَ خارجٍ ، وبأنْ يركبَ البحرَ في
التجارةِ ، فهما مكروهانٍ .
يُقالُ: ( مَنْ ركبَ البحرَ .. فقدِ استقصى في طلبِ الرزقِ)(١).
وفي الخبرِ: ((لا يُركبُ البحرُ إلا لحجٍّ، أَوْ لعمرةٍ، أَوْ غزوٍ))(٢).
وكانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ العاصِ رضيَ اللهُ عنهُما يقولُ: ( لا تكنْ
أوَّلَ داخلٍ في السوقِ ، ولا آخرَ خارج منها ؛ فإنَّ بها باضَ الشيطانُ
وفرَّخَ )(٣).
رُويَ عنْ معاذٍ بنِ جبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما :
أَنَّ إبليسَ يقولُ لولدِهِ زَلَنْبُورَ لعنَهُما اللهُ: سِرْ بكتائبكَ فأنتَ صاحبُ
الأسواقِ ، زيِّنْ لهُمُ الكذبَ ، والحِلِفَ ، والخديعةَ والمكرَ والخيانةَ ، وكنْ
معَ أوَّلِ داخلٍ وآخرِ خارجٍ منها (٤) .
(١) قوت القلوب (٢٧٣/٢).
(٢) رواه أبو داوود (٢٤٨٩).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٧٣/٢) عنه، وقد روي مرفوعاً عند الطبراني في « الكبير»
(٢٤٨/٦)، ولمسلم (٢٤٥١) عن سلمان رضي الله عنه قال: ( لا تكونن - إن
استطعت - أول من يدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها ؛ فإنها معركة الشيطان ،
وبها ينصب رايته ) .
(٤) كذا في ((القوت)) (٢٧٣/٢)، وكون زلنبور صاحب الأسواق رواه أبو الشيخ في =
٣٣٣
-حن.
حنة.

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
جو
وفي الخبرِ: (( شُّ البقاع الأسواقُ، وشرُّ أهلِها أوَّلُهُمْ دخولاً وآخرُهُمْ
خروجاً))(١) .
وتمامُ هذا الاحترازِ : أنْ يراقبَ وقتَ كفايتِهِ ، فإذا حصلَ كفايةُ وقتِهِ . .
انصرف واشتغلَ بتجارةِ الآخرةِ ، هكذا كانَ صالحو السلفِ ، فقدْ كانَ منهُمْ
مَنْ إذا ربحَ دانقاً .. انصرفَ قناعةٌ بهِ ، وكانَ حمَّادُ بنُ سلمةَ يبيعُ الخزَّ في
سفطٍ بينَ يديهِ ، فكانَ إذا ربحَ حبَّتَينِ .. رفعَ سفطَهُ وانصرفَ(٢).
وقالَ إبراهيمُ بنُ بشَّارِ : قلتُ لإبراهيمَ بنِ أدهمَ رحمَهُ اللهُ : أمرُ اليومَ
أعملُ في الطينِ ؟ فقالَ : يا بنَ بشارِ ؛ إنَّكَ طالبٌ ومطلوبٌ، يطلبُكَ مَنْ
لا تفوتُهُ، وتطلبُ ما قد كُفيتَهُ، أما رأيتَ حريصاً محروماً، وضعيفاً
مرزوقاً ؟ فقلتُ : إنَّ لي دانقاً عندَ البقَّالِ، فقالَ : عزَّ عليَّ بكَ ، تملكُ
دانقاً وتطلبُ العملَ ؟!(٣).
((العظمة)) ( ١١٣٣) من قول مجاهد في تفسير قوله سبحانه: ﴿أَفَنَتَّخِذُونَهُ وَذُرِيَّتَهُ,
=
أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ﴾.
(١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (١٥٩٩)، والطبراني في ((الأوسط)) ( ٧١٣٦)،
وأبو الشيخ في ((العظمة)) ( ٢٦٧) ، ومعناه فيما تقدم .
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٥٠/٦)، وسياق المصنف عند صاحب ((القوت))
(٢ /٢٧٣ ) .
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٢/٨-١٣) وقبل قوله: (إن لي دائقاً) قال له ابن
أدهم : ( ما لك حيلة ؟ ) .
جن ح حن حن حن حن حن
٣٣٤

ربع العادات
ـي9 .0
كتاب الكسب والمعاش
وقدْ كانَ فيهِمْ مَنْ ينصرفُ بعدَ الظهرِ ، ومنهُمْ بعدَ العصرِ ، ومنهُمْ مَنْ
لا يعملُ في الأسبوع إلا يوماً أوْ يومينٍ ، وكانوا يكتفونَ بهِ .
السادسُ : ألاَّ يقتصرَ على اجتنابِ الحرامِ بلْ يتقي مواقعَ الشبهةِ ومظانَّ
الريبٍ :
ولا ينظرُ إلى الفتاوى ، بلْ يستفتي قلبَهُ، فما وجدَ فيهِ حزازةً ..
اجتنبَهُ، وإذا حُمِلَ إليهِ سلعةٌ رابَهُ أمرُها .. سألَ عنها حتَّى يعرفَ، وإلا ..
أكلَ الشبهةَ .
حن حن حن
x
وقدْ حُمِلَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لبنٌ، فقالَ: «مِنْ أينَ
لكُمْ هذا؟)) فقيلَ: مِنَ الشاةِ، فقالَ: ((ومِنْ أينَ لَكُمْ هذهِ الشاةُ ؟))
فقيلَ: مِنْ موضع كذا، فشربَ منهُ، ثمَّ قالَ: ((إنَّا - معاشرَ الأنبياءِ - أُمِرْنا
ألاَّ نأكلَ إلا طيِّاً، ولا نعملَ إلا صالحاً))(١).
وقالَ : «إِنَّ اللهَ تعالى أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بهِ المرسلينَ ، فقالَ :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَكُمْ﴾))(٢) .
فسألَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ أصلِ الشيءِ ، وأصلِ أصلِهِ، ولمْ يزدْ؛
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٧٤/٢٥).
(٢) رواه مسلم ( ١٠١٥ ).
٣٣٥
حن

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
لأنَّ ما وراءَ ذلكَ يتعذَّرُ ، وسنبيِّنُ في كتابِ الحلالِ والحرامِ موضعَ وجوبٍ
هذا السؤالِ؛ فإنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ كانَ لا يسألُ عنْ كلِّ ما يُحملُ إليهِ (١)،
وإنَّما الواجبُ أن ينظرَ التاجرُ إلى مَنْ يعاملُهُ ، فكلُّ منسوبٍ إلى ظلمٍ أَوْ
خيانةٍ أوْ سرقةٍ أوْ رباً .. فلا يعاملُهُ، وكذا الأجنادُ والظلمةُ لا يعاملُهُمْ
ألبتةَ ، ولا يعاملُ أصحابَهُمْ وأعوانَهُمْ؛ لأنَّهُ معينٌ بذلكَ على الظلمِ .
www.
وحُكِيَ عنْ رجلٍ أنَّهُ تولَّى عملَ سورٍ لعمارةِ ثغرٍ مِنَ الثغورِ ، فقالَ :
فوقعَ في نفسي مِنْ ذلكَ شيءٌ وإنْ كانَ ذلكَ العملُ مِنَ الخيراتِ ، بَلْ مِنْ
فرائضِ الإسلام ، ولكنْ كانَ الأميرُ الذي تولَّى عن جهتهِ مِنَ الظلمةِ ،
فسألتُ سفيانَ رضيَ اللهُ عنهُ ، فقالَ : لا تكنْ عوناً لهُمْ على قليلٍ ولا كثيرٍ ،
فقلتُ : هذا سورٌ في سبيلِ اللهِ للمسلمينَ ، فقالَ : نعمْ، ولكنْ أقلُّ
ما يدخلُ عليكَ أنْ تحبَّ بقاءَهُمْ ليوفوكَ أجرَكَ ، فتكونَ قدْ أحببتَ بقاءَ مَنْ
يعصي اللهَ تعالى ، وقدْ جاءَ في الخبرِ : ( مَنْ دعا لظالمٍ بالبقاءِ .. فقدْ أحبَّ
أنْ يُعصى اللهُ في أرضِهِ)(٢)، وفي الحديثِ: ((إنَّ اللهَ ليغضبُ إذا مُدحَ
ة
(١) فقد روى أحمد في ((المسند)) (٣٥١/٣) عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأصحابه مروا بامرأة ، فذبحت لهم شاة ... ، فأخذ النبي
صلى الله عليه وسلم لقمة ، فلم يستطع أن يسيغها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
«هذه شاة ذبحت بغير إذن أهلها))، فقالت المرأة: يا نبي الله ؛ إنا لا نحتشم من آل
سعد بن معاذ ولا يحتشمون منا ، نأخذ منهم ويأخذون منا .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (٦٠٤) عن الحسن، ورواه أبو نعيم في (( الحلية))
(٤٦/٧ ) من قول سفيان.
0
٣٣٦
حن . متن
بكت:
جن

ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
الفاسقُ))(١)، وفي خبرٍ آخرَ: (( مَنْ أكرمَ فاسقاً .. فقدْ أعانَ على هدْم
الإسلام)) (٢).
وقدْ أُدخلَ سفيانُ على المهديِّ وبيدِهِ دَرْجٌ أبيضُ ، فقالَ : يا سفيانُ ؛
أعطني الدواةَ حتَّى أكتبَ ، فقالَ : أخبرني ؛ أيَّ شيءٍ تكتبُ ؟ فإنْ كانَ
حقّاً .. أعطيتُكَ(٣).
وطلبَ بعضُ الأمراءِ مِنْ بعضٍ العلماءِ المحبوسينَ عندَهُ أنْ يناولَهُ طيناً
ليختمَ بهِ الكتابَ ، فقالَ: ناولْني الكتابَ أوَّلاً حتَّى أنظرَ ما فيهِ (٤) .
فهكذا كانوا يحترزونَ عنْ معاونةِ الظلمةِ ، ومعاملتُهُمْ أشدُّ أنواع
الإعانةِ ، فينبغي أنْ يجتنبَها ذو الدينِ مهما وجدَ إلى ذلك سبيلاً .
وبالجملةِ : فينبغي أنْ ينقسمَ الناسُ عندَهُ إلى مَنْ يُعاملُ ومَنْ لا يُعاملُ ،
وليكنْ مَنْ يعاملُهُ أقلَّ ممَّنْ لا يعاملُهُ في هذا الزمانِ .
قالَ بعضُهُمْ : ( أتى على الناس زمانٌ كانَ الرجلُ يدخلُ السوقَ ويقولُ :
مَنْ ترونَ لي أنْ أعاملَ منَ الناسِ ؟ فيُقالُ لهُ : عاملْ مَنْ شئتَ ، ثمَّ أتى زمانٌ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (٢٣٠)، والبيهقي في (( الشعب)) (٤٥٤٣).
(٢) روى الطبراني في ((الكبير)) (٩٦/٢٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٨/٥)
مرفوعاً: (( من وقَّر صاحب بدعة .. فقد أعان على هدم الإسلام))، والقصة بتمامها
عند صاحب ((القوت)) (٢/ ٢٦٤) .
(٣) قوت القلوب (٢٦٤/٢)، والدرج : الذي يكتب فيه .
(٤) قوت القلوب (٢٦٤/٢) .
٣٣٧
حن
حن. هن:

كتاب الكسب والمعاش
ربع العادات
آخرُ فكانَ يُقالُ : عاملْ مَنْ شئتَ إلا فلاناً وفلاناً، ثمّ أتى زمانٌ آخرُ فكانَ
يُقالُ : لا تعاملْ أحداً إلا فلاناً وفلاناً ، وأخشى أنْ يأتي زمانٌ يذهبُ
هذا أيضاً)(١)، وكأنَّهُ قدْ كانَ الذي خافَ أنْ يكونَ، إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ
راجعونَ .
ے
السابعُ : ينبغي أنْ يراقبَ جميعَ مجاري معاملتِهِ معَ كلِّ واحدٍ مِنْ معامليهِ :
فإنَّهُ مراقَبٌ ومحاسَبٌ ، فليعدَّ الجوابَ ليوم الحسابِ والعقابِ في كلِّ
فعلِهِ وقولِهِ أنَّهُ لِمَ أقدمَ عليها ولأجلِ ماذا ؟
فإنَّهُ يُقالُ: إِنَّهُ يُوقفُ التاجرُ يومَ القيامةِ معَ كلِّ رجلٍ كانَ باعَهُ شيئاً وقفةً
ويُحاسبُ عنْ كلِّ واحدٍ محاسبةً على عددٍ مَنْ عاملَهُ .
قالَ بعضُهُمْ : رأيتُ بعضَ التجَّارِ في النومِ ، فقلتُ لهُ: ماذا فعلَ اللهُ
بكَ ؟ فقالَ: نشرَ عليَّ خمسينَ ألفَ صحيفةٍ ، فقلتُ : هذهِ كلُّها ذنوبٌ ؟!
فقالَ : هذهِ معاملاتُ الناسِ بعددِ كلِّ إنسانٍ عاملتَهُ في الدنيا ، لكلِّ إنسانٍ
صحيفةٌ مفردةٌ فيما بينَكَ وبينَهُ مِنْ أوَّلِ معاملتِهِ إلى آخرِها(٢) .
فهذا ما على المكتسبِ في معاملتهِ منَ العدلِ والإحسانِ والشفقةِ على
كن جن جن حم حن حن
٤٠
(١) قوت القلوب (٢٧٢/٢) بنحوه .
(٢) قوت القلوب (٢٦٨/٢).
٣٣٨
جن جن
نون جن جي . جن جن
فعـ

i
ربع العادات
كتاب الكسب والمعاش
الدينِ ، فإنِ اقتصرَ على العدْلِ .. كانَ مِنَ الصالحينَ ، وإنْ أضافَ إليهِ
الإحسانَ .. كانَ منَ المقربينَ ، فإنْ راعى معَ ذلكَ وظائفَ الدينِ كما ذكرناهُ
في البابِ الخامسِ .. كانَ مِنَ الصديقينَ، واللهُ أعلمُ بالصوابِ .
تم كتابآ دابالكسب المعاش
وهو الكتاب الثالث من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين
مجمد الله وعونه، وصلاته على محمّد نبيّه وآله وسلم تسليماً
ويتلوه كتاب الحلال والحرام
2
حن
٣٣٩
بان حن