Indexed OCR Text
Pages 141-160
ربع العادات حن كتاب آداب النكاح فإِنَّ ذلكَ يتخلَّصُ مِنْ هذهِ الآفةِ ، أَوْ مَنْ هوَ محترفٌ ومقتدرٌ على كسبٍ حلالٍ مِنَ المباحاتِ ، باحتطابٍ أوِ اصطيادٍ ، أَوْ كانَ في صناعةٍ لا تتعلَّقُ بالسلاطينِ ، ويقدرُ على أنْ يعاملَ بها أهلَ الخيرِ ، ومَنْ ظاهرُهُ السلامةُ ، وغالبُ مالِهِ الحلالُ . حن هدن وقالَ ابنُ سالمٍ رحمهُ اللهُ وقدْ سُئِلَ عنِ التزويج ، فقالَ : ( هُوَ أفضلُ في زمانِنا هذا لمَنْ أدركَهُ شبقٌ غالبٌ، مثلُ الحمارِ يرى الأتانَ ، فلا ينثني عنها بالضربِ ، ولا يملكُ نفسَهُ، فإنْ ملكَ نفسَهُ .. فترْكُهُ أولى)(١) . الآفةُ الثانيةُ: القصورُ عنِ القيامِ بحقوقِهِنَّ، والصبرِ على أخلاقِهِنَّ، واحتمالِ الأذى منهُنَّ : وهذهِ دونَ الأولى في العموم ، فإنَّ القدرةَ على هذهِ أيسرُ مِنَ القدرةِ على الأولى ، وتحسينُ الخلقِ معَ النساءِ والقيامُ بحظوظِهِنَّ أهونُ مِنْ طلبٍ الحلالِ . ـيب وفي هذا أيضاً خطرٌ؛ لأنَّهُ راع ومسؤولُ عنْ رعيَّتِهِ ، وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((كفى بالمرءِ إثماً أنْ يضيِّعَ مَنْ يعولُ))(٢). (١) قوت القلوب (٢٤٠/٢) والقول لأبي الحسن علي بن سالم البصري. ((إتحاف)) (٣١٨/٥) . (٢) رواه مسلم (٩٩٦) بلفظ: ((كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته))، وهو عند أبي داوود ( ١٦٩٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩١٣١) واللفظ له . ١٤١ ـن حن كتاب آداب النكاح ٢٠٤٧ ربع العادات ورُوي أنَّ الهاربَ مِنْ عيالِهِ بمنزلةِ العبدِ الهاربِ الآبقِ ، لا تُقَبلُ لهُ صلاةٌ ولا صيامٌ حتَّى يرجعَ إليهِمْ(١) ، ومَنْ يُقصِّرُ عنِ القيام بحقِّهنَّ وإنْ كانَ حاضراً .. فهوَ بمنزلةِ هاربٍ؛ فقدْ قالَ تعالى: ﴿قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ ، أمرَنا أنْ نقيَهُمُ النَّارَ كما نقي أنفسَنا ، والإنسانُ قَدْ يعجِزُ عنِ القيام بحقٌ نفسِهِ، وإذا تزوَّجَ .. تضاعفَ عليهِ الحقُّ، وانضافَتْ إلى نفسِهِ نفسٌ أخرى ، والنفسُ أمَّارةٌ بالسوءِ ، إنْ كثرَتْ .. كثرَ الأمرُ بالسوءِ غالباً ، ولذلكَ اعتذرَ بعضُهُمْ مِنَ التزويج وقالَ : أنا مبتلىّ بنفسي ، فكيفَ أضيفُ إليها نفساً أخرى ؟ كما قيلَ : [من السريع] لَنْ يَسَعَ الْفَأْرَةَ فِي جُحْرِها عَلَّقَتِ الْمِكْنَسَ فِي دُبْرِهَا (٢) وكذلكَ اعتذرَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ رحمهُ اللهُ وقالَ : ( لا أغرُّ امرأةً بنفسي ، ولا حاجةَ لي فيهِنَّ)(٣) أيْ: مِنَ القيامِ بحقِّهِنَّ وتحصينِهِنَّ وإمتاعِهِنَّ، وأنا عاجزٌ عنهُ . وكذلكَ اعتذرَ بشرٌ وقالَ: ( يمنعُني مِنَ النكاحِ قولُهُ تعالى: ﴿ وَطَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ﴾)(٤)، وكانَ يقولُ: (لوْ كنتُ أعولُ دجاجةٌ .. ٤٠ (١) قوت القلوب (٢٥١/٢). (٢) مثل يضرب لمن لا يقدر على تحمل شيء فيزيد عليه ما يثقله بالزيادة ، كما قالوا في قولهم: إنها لضغت على إبالة ؛ أي : حزمة حطب كبيرة وعليها جرزة صغيرة منه ، وفي ((التمثيل والمحاضرة)) (ص٣٦٠): ( لم يسع الفأرة جحرها، فاستصحبت مكنسة) . (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢١/٨) بنحوه . (٤) قوت القلوب (٢٤١/٢) . ١٤٢ ربع العادات كتاب آداب النكاح لخفتُ أَنْ أَصيرَ جلاداً على الجسرِ )(١) . ورُئِيَ سفيانُ بنُ عيينةَ رحمهُ اللهُ على بابِ السلطانِ ، فقيلَ لهُ : ما هذا موقفَكَ! فقالَ : وهلْ رأيتَ ذا عيالٍ أفلحَ؟!(٢). وكانَ سفيانُ يقولُ (٣): [من الرجز] % وَمَسْكَنٌ تَخْرِقُهُ الرِّياحُ يا حَبَّذا الْعُزْبَةُ وَالْمِفْتَاحُ (٤) لا صَخَبٌ فِیهِ وَلا صِیاحُ فهذهِ آفةٌ عامةٌ أيضاً ، وإنْ كانَتْ دونَ عموم الأولى ، ولا يسلمُ منها إلا حكيمٌ عاقلٌ ، حسنُ الأخلاقِ ، بصيرٌ بعاداتِ النساءِ ، صبورٌ على لسانِهِنَّ ، وقّافٌ عنِ اتباع شهواتِهِنَّ، حريصٌ على الوفاءِ بحقُّهِنَّ، يتغافلُ عنْ زلِلِهِنَّ ، ويداري بعقلِهِ أخلاقَهُنَّ . والأغلبُ على الناس السفهُ، والفظاظةُ والحدَّةُ، والطيشُ، وسوءُ الخلقِ ، وعدمُ الإنصافِ معَ طلبِ تمام الإنصافِ ، ومثلُ هذا يزدادُ بالنكاح فساداً مِنْ هذا الوجهِ لا محالةً ، فالوحدةُ أسلمُ لهُ . (١) رواه الخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (١/ ١٥١). (٢) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٨٩/١). (٣) قوت القلوب (٢٥٩/٢) . (٤) والمفتاح: يكون عنده لا يفتح به غيره. ((إتحاف)) (٣١٩/٥). ١٤٣ كتاب آداب النكاح ربع العادات الآفةُ الثالثةُ - وهيَ دونَ الأولى والثانيةِ - : أنْ يكونَ الأَهلُ والولدُ شاغلاً لهُ عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ وجاذباً إلى طلبِ الدنيا وتدبيرِ حسنِ المعيشةِ للأولادِ بكثرةٍ جمعِ المالِ وادِّخارِهِ لهُمْ ، وطلبِ التفاخرِ والتكاثرِ بهمْ : وكلُّ ما شغلَ عنِ اللهِ مِنْ أهلٍ ومالٍ وولدٍ .. فهوَ مشؤومٌ على صاحبهِ ، ولستُ أعني بهذا أنْ يدعوَهُ إلى محظورِ ، فإنَّ ذلكَ ممَّا اندرجَ تحتَ الآفةِ الأولى والثانيةِ ، بلْ أنْ يدعوَهُ إلى التنقُّمِ بالمباحِ ، بلْ إلى الإغراقِ في ملاعبةِ النساءِ ومؤانستِهِنَّ والإمعانِ في التمتع بهنَّ، ويثورُ مِنَ النكاحِ أنواعٌ مِنَ الشواغلِ مِنْ هذا الجنسِ تستغرقُ القلبَ ، فينقضي الليلُ والنهارُ ولا يتفرَّغُ المرءُ فيهِما للتفكُّرِ في الآخرةِ والاستعدادِ لها ؛ ولذلكَ قالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ رحمهُ اللهُ : ( مَنْ تعوَّدَ أفخاذَ النساءِ .. لمْ يجىءْ منهُ شيءٌ)(١) . ـحر وقالَ أبو سليمانَ رحمهُ اللهُ: ( مَنْ تزوَّجَ .. فقدْ ركنَ إلى الدنيا)(٢) أيْ : يدعوهُ ذلكَ إلى الركونِ إلى الدنيا . ۵ن' فهذهِ مجامعُ الآفاتِ والفوائدِ . (١) رواه الخرائطي في ((اعتلال القلوب)) (٢٢٠)، والخطيب في (( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) ( ١٥١/١) . (٢) قوت القلوب (١٣٥/١). ١٤٤ - ربع العادات كتاب آداب النكاح فالحكمُ على شخصٍ واحدٍ بأنَّ الأفضلَ لهُ النكاحُ أوِ العزوبةُ مطلقاً قصورٌ عنِ الإحاطةِ بمجامع هذهِ الأمورِ ، بلْ تُتخذُ هذهِ الفوائدُ والآفاتُ معتبراً ومحكّاً ، ويعرضُ المريدُ عليها حالَهُ : فإنِ انتفتْ في حقِّهِ الآفاتُ واجتمعتِ الفوائدُ ؛ بأنْ كانَ لهُ مالٌ حلالٌ ، وخُلُقٌ حسنٌّ ، وجدٌ في الدينِ تاءٌ ، لا يشغلُهُ النكاحُ عنِ اللهِ تعالىُ ، وهوَ معَ ذلكَ شابٌ يحتاجُ إلى تسكينِ الشهوةِ ، ومنفردٌ يحتاجُ إلى تدبيرِ المنزلِ والتحصُّنِ بالعشيرةِ .. فلا يُتمارى في أنَّ النكاحَ أفضلُ لهُ معَ ما فيهِ مِنَ السعي في تحصيلِ الولدِ . وإنِ انتفتِ الفوائدُ واجتمعتِ الآفاتُ .. فالعزوبةُ أفضلُ لهُ . وإنْ تقابلَ الأمرانِ وهوَ الغالبُ .. فينبغي أنْ يُوزنَ بالميزانِ القسطِ حظّ تلكَ الفائدةِ في الزيادةِ مِنْ دينِهِ وحظَّ تلكَ الآفاتِ في النقصانِ منهُ ؛ فإذا غلبَ على الظنِّ رجحانُ أحدِهما .. حكمَ بهِ . وأظهرُ الفوائدِ : الولدُ، وتسكينُ الشهوةِ ، وأظهرُ الآفاتِ : الحاجةُ إلى كسبِ الحرام ، والاشتغالُ عنِ اللهِ سبحانَهُ ، فلنفرضْ تقابلَ هذهِ الأمورِ ، فنقولُ : مَنْ لمْ يكنْ في أذِيَّةٍ مِنَ الشهوةِ ، وكانتْ فائدةُ نكاحِهِ في السعي لتحصيل الولدِ ، وكانتِ الآفةُ الحاجةَ إلى كسبِ الحرام ، والاشتغالَ عنِ اللهِ .. ١٤٥ مدن حن حن . حن كتاب آداب النكاح ٥٠ ٠٬ ربع العادات فالعزوبةُ لهُ أولى ، فلا خيرَ فيما يشغلُ عنِ اللهِ ، ولا خيرَ في كسبِ الحرامِ ، ولا يفي بنقصانِ هذينِ الأمرينِ أمرُ الولدِ ؛ لأنَّ النكاحَ للولدِ سعيٌّ في طلبٍ حياةٍ للولدِ موهومةٍ ، وهذا نقصانٌ في الدينِ ناجزٌ ، فحفظُهُ لحياةِ نفسِهِ وصونُها عنِ الهلاكِ أهمُّ مِنَ السعىٍ في الولدِ ، وذلكَ ربحٌ ، والدينُ رأسُ مالٍ ، وفي فسادِ الدينِ بطلانُ الحياةِ الأخرويَّةِ ، وذهابُ رأسِ المالِ ، ولا تقاومُ هذهِ الفائدةُ إحدى هاتينِ الآفتينِ . وأمَّا إذا انضافَ إلى أمرِ الولدِ حاجةُ كسرِ الشهوةِ لتوقانِ النفسِ إلى النكاحِ .. نُظْرَ : فإنْ لمْ يقوَ لجامُ التقوى في رأسِهِ ، وخافَ على نفسِهِ الزنا .. فالنكاحُ لهُ أولى ؛ لأنَّهُ متردِّدٌ بينَ أنْ يقتحمَ الزنا أوْ يأكلَ الحرامَ ، والكسبُ الحرامُ أهونُ الشرّينِ . وإنْ كانَ يثقُ بنفسِهِ أنَّهُ لا يزني ، ولكنْ لا يقدرُ معَ ذلكَ على غضِّ البصرِ عنِ الحرامِ .. فتركُ النكاح أولى؛ لأنَّ النظرَ حرامٌ ، والكسبُ مِنْ غيرِ وجهِهِ حرامٌ ، والكسبُ يقعُ دائماً ، وفيهِ عصيانُهُ وعصيانُ أهلِهِ ، والنظرُ يقعُ أحياناً ، وهوَ يخصُّهُ، وينصرمُ على قرْبٍ ، والنظرُ زنا العينِ(١) ، ولكنْ إذا لمْ يصدِّقْهُ الفرجُ .. فهوَ إلى العفوِ أقربُ مِنْ أكلِ الحرام ، إلاَّ أنْ يخافَ ـكن من من حن حى حن (١) روى أحمد في ((المسند)) (٣٧٢/٢) مرفوعاً: ((العينان تزنيان ، واللسان يزني ، واليدان تزنيان ، والرجلان تزنيان ، يحقق ذلك الفرج أو يكذبه )). ١٤٦ شيتي) ربع العادات ٢٦٠٠ كتاب آداب النكاح شن خن ) إفضاءَ النظرِ إلى معصيةِ الفرج ، فيرجعُ ذلكَ إلى خوفِ العنتِ . وإذا ثبتَ هذا .. فالحالةُ الثالثةُ - وهوَ أنْ يقوى على غضِّ البصرِ ولكنْ لا يقوى على دفع الأفكارِ الشاغلةِ للقلبِ - أولىُ بتركِ النكاحِ ؛ لأنَّ عملَ القلبِ إلى العفوِ أقربُ، وإنَّما يُرادُ فراغُ القلبِ للعبادةِ ، ولا تتمُّ عبادةٌ معَ الكسبِ الحرامِ وأكلِهِ وإطعامِهِ . فهكذا ينبغي أنْ تُوزنَ هذهِ الآفاتُ بالفوائدِ ، ويُحكمَ بحسبِها ، ومَنْ أحاطَ بهذا .. لمْ يشكلْ عليه شيءٌ ممَّا نُقُلَ عنِ السلفِ مِنْ ترغيبٍ في النكاحِ مرَّةً ، ورغبةٍ عنهُ أخرى ؛ إذْ ذلكَ بحسبِ الأحوالِ صحيحٌ . فإنْ قلتَ: فَمَنْ أَمِنَ الآفاتِ .. فالأفضلُ لهُ التخلِّي لعبادةِ اللهِ أَوِ النكاحُ؟ فأقولُ: يجمعُ بينَهُما؛ لأنَّ النكاحَ ليسَ مانعاً مِنَ التخلِّي لعبادةِ اللهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ عقدٌ، ولكنْ مِنْ حيثُ الحاجةُ إلى الكسبِ ، فإنْ قدرَ على الكسبِ الحلالِ .. فالنكاحُ أيضاً أفضلُ ؛ لأنَّ الليلَ وسائرَ أوقاتِ النهارِ يبقى للتخلّي فيهِ للعبادةِ ، والمواظبةُ على العبادةِ مِنْ غيرِ استراحةٍ غيرُ ممكنٍ . فإِنْ فُرضَ كونُهُ مستغرقَ الأوقاتِ بالكسبِ ، حتَّى لا يبقى لهُ وقتٌ سوى أوقاتِ المكتوبةِ والنوم والأكلِ وقضاءِ الحاجةِ ؛ فإنْ كانَ الرجلُ ممَّنْ لا يسلكُ سبيلَ الآخرةِ إلا بالصلاةِ النافلةِ أوِ الحجِّ وما يجري مَجراهُ مِنَ ١٤٧ دن ٢٣٣٠ ـيج . 27. ـرة كتاب آداب النكاح ربع العادات سيبي: الأعمالِ البدنيّةِ .. فالنكاحُ لهُ أفضلُ؛ لأنَّ في كسبِ الحلالِ والقيامِ بالأهلِ والسعي في تحصيلِ الولدِ والصبرِ على أخلاقِ النساءِ أنواعاً مِنَ العباداتِ ، لا يقصرُ فضلُها عنْ نوافلِ العباداتِ . وإنْ كانَ عبادتهُ بالعلمِ والفكرِ وسيرِ الباطنِ والكسبُ يشوِّشُ عليهِ ذلكَ .. فتركُ النكاح أفضلُ . فإنْ قلتَ : فلمَ تركَ عيسى على نبيِّنا وعليهِ السلامُ النكاحَ معَ فضِلِهِ ؟ وإنْ كانَ الأفضلُ التخلِّيَ لعبادةِ اللهِ تعالى .. فلمَ استكثرَ رسولُنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنَ الأزواجِ ؟ فاعلمْ : أَنَّ الأفضلَ الجمعُ بينَهُما في حقِّ مَنْ قدرَ عليهِ، ومَنْ قويَتْ مُنَّتُهُ وعَلَتْ همَّتُهُ .. فلا يشغلُهُ عنِ اللهِ شاغلٌ ، فرسولُنا عليهِ الصلاةُ والسلامُ أخذَ بالقوَّةِ ، وجمعَ بينَ فضْلِ العبادةِ والنكاحِ ، فلقدْ كانَ معَ تسع مِنَ النسوةِ متخلِّياً لعبادةِ اللهِ، وكانَ قضاءُ الوطرِ بالنكاحِ في حقِّهِ غيرَ مانع؛ كما لا يكونُ قضاءُ الحاجةِ في حقِّ المشغولينَ بتدبيراتِ الدنيا مانعاً لهُمْ عنِ التدبيرِ ، حتَّى إِنَّهُمْ يشتغلونَ في الظاهرِ بقضاءِ الحاجةِ وقلوبُهُمْ مستغرقةٌ بِهِمَمِهِمْ غيرُ غافلةٍ عنْ مهمَّاتِهِمْ، فكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعلوٍّ درجتِهِ لا يمنعُهُ أمرُ هذا العالمِ عنْ حضورِ القلبِ معَ اللهِ تعالى ، فكانَ ينزلُ عليهِ الوحيُّ وهوَ في نه. ١٤٨ حن حن . ربع العادات كتاب آداب النكاح فراش امرأتِهِ (١)، ومتى يسلمُ مثلُ هذا المنصبِ لغيرِهِ؟! فلا يبعدُ أنْ يغيِّرَ السواقيّ ما لا يغيِّرُ البحرَ الخضمَّ ، فلا ينبغي أنْ يُقاسَ عليهِ غيرُهُ . وأمَّا عيسى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. فإنَّهُ أخذَ بالحزم لا بالقوَّةِ، واحتاطَ لنفسِهِ ، ولعلَّ حالتَهُ كانتْ حالةً يؤثِّرُ فيها الاشتغالُ بالأَهلِ، أَوْ يتعذَّرُ معها طلبُ الحلالِ ، أَوْ لا يتيسَّرُ فيها الجمعُ بينَ النكاح والتخلّي للعبادةِ ، فَآثرَ التخلِّيَ للعبادةِ . وهمْ أعلمُ بأسرارِ أحوالِهِمْ، وأحكامِ أعصارِهِمْ في طيبِ المكاسبِ وأخلاقِ النساءِ ، وما على الناكحِ مِنْ غوائلِ النكاحِ ، وما لهُ فيهِ . ? ـ ومهما كانتِ الأحوالُ منقسمةً، حتَّى يكونُ النكاحُ في بعضِها أفضلَ ، وتركُهُ في بعضِها أفضلَ .. فحقُّنا أنْ نزِّلَ أفعالَ الأنبياءِ على الأفضلِ في كلِّ حالٍ (٢)، واللهُ أعلمُ . (١) كما روى البخاري (٣٧٧٥): (( يا أمَّ سلمة؛ لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكنَّ غيرها )) . (٢) فنقول : حال عيسى عليه السلام أفضل في شريعته ، وقد نسخت الرهبانية في ملتنا ، وكلٌّ من الحالين له فضيلة ، وإذا تعارضا .. قدِّم التمسك بحال نبينا صلى الله عليه وسلم . («إتحاف)» (٣٢٤/٥) . ١٤٩ ثن حل ض عن ثن ئن دن كتاب آداب النكاح ربع العادات البَابُ الثّاني فيما يراعى حالة العقد من أحوال المرأة وشروط العقد أمَّا العقدُ: فأركانُهُ وشروطُهُ لينعقدَ ويفيدَ الحِلَّ أربعةٌ : الأوّلُ : إذنُ الوليِّ ، فإنْ لمْ يكنْ .. فالسلطانُ . الثاني : رضا المرأةِ إنْ كانتْ ثِّاً بالغةً، أوْ كانتْ بكراً بالغةً ولكنْ يزوِّجُها غيرُ الأبِ والجدِّ . الثالثُ : حضورُ شاهدينٍ ظاهري العدالة ، فإن کانا مستورینٍ .. حکمْنا بالانعقادِ للحاجةِ . الرابعُ : إيجابٌ وقبولٌ متَّصلٌ بهِ بلفظِ الإنكاح أوِ التزويج أو معناهما الخاصِّ بكلِّ لسانٍ ، مِنْ شخصينِ مكلّفينٍ ليسَ فيهما امرأةٌ ، سواءً كانَ هوَ الزوجَ أوِ الوليَّ أَوْ وكيلَهُما . حن جن ئن وأمَّا آدابُهُ : فتقديمُ الخِطبةِ معَ الوليِّ لا في حالِ عدَّةِ المرأةِ ، بلْ بعدَ انقضائها إنْ كانتْ معتدةٌ ، ولا في حالِ سبقِ غيرِهِ بالخِطبةِ ؛ حن حن بنا ١٥٠ ،لثر ربع العادات كتاب آداب النكاح إِذْ نُهِيَ عنِ الخِطبةِ على الخِطبةِ(١). ومِنْ آدابِهِ : الخُطبةُ قبلَ النكاحِ ، ومزْجُ التحميدِ بالإيجابِ والقبولِ : فيقولُ المزوِّجُ : الحمدُ للهِ ، والصلاةُ على رسولِ اللهِ ، زوَّجتُكَ ابنتي فلانةَ . ـين ويقولُ الزوجُ : الحمدُ للهِ ، والصلاةُ على رسولِ اللهِ ، قبلتُ نكاحَها على هذا الصداقِ . وليكنِ الصَّداقُ معلوماً وخفيفاً ، والتحميدُ قبلَ الخطبةِ أيضاً مستحبٌّ(٢) . ومِنْ آدابِهِ : أنْ يلقيَ أمرَ الزوجِ إلى سمْع الزوجةِ(٣) وإنْ كانتْ بكراً ، فذلكَ أولى وأحرىُ بالألفةِ . ولذلكَ يُستحبُّ النظرُ إليها قبلَ النكاح ، فإنَّهُ أحرى أنْ يُؤْدَمَ بينَهُما . (١) روى البخاري (٢١٤٠)، ومسلم (١٤٠٨) مرفوعاً: (( لا يخطب الرجل على خطبة أخيه )) الحديث . (٢) فيحمد الله ، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول : جئتكم خاطباً لكريمتكم ، ويقول الولي بعد الحمد والصلاة، ولست بمرغوب عنه، وما يشبه ذلك . ((إتحاف)» (٣٣٠/٥) . (٣) ويشرح شأنه ؛ لتكون على بصيرة من أمره ، ويقين من حاله ، ويدخل على اختيار منها. ((إتحاف)) (٣٣٠/٥). ١٥١ كتاب آداب النكاح ربع العادات ومِنَ الآدابِ : إحضارُ جمع مِنْ أهلِ الصلاحِ زيادةً على الشاهدينِ اللذينِ هما ركنانِ للصحّةِ . ـجو ومنها : أنْ ينويَ بالنكاح إقامةَ السنَّةِ ، وغضَّ البصرِ ، وطلبَ الولدِ ، وسائرَ الفوائدِ التي ذكرناها . ٥ ولا يكونُ قصدُهُ مجرَّدَ الهوى والتمتّع ، فيصيرَ عملُهُ مِنْ أعمالِ الدنيا ، ولا يمنعُ ذلكَ هذهِ النِيَّاتِ ، فربّ حقِّ يوافقُ الهوىُ ، قالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمَهُ اللهُ: ( إذا وافقَ الحقُّ الهوى .. فهوَ الزبدُ بالنِّرْسِيانِ)(١)، ولا يستحيلُ أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ مِنْ حظّ النفسِ وحقِّ الدين باعثاً معاً . ويُستحبُّ أنْ يعقدَ في المسجدِ ، وفي شهرِ شوَّالٍ ؛ قالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( تزوَّجَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في شوالٍ ، وبنى بي في شوالٍ)(٢). ـدر وأمَّا المنكوحةُ : فَيُعتبرُ فيها نوعانِ : أحدُهما : للحلِّ، والثاني : الطيبِ المعيشةِ وحصولِ المقاصدِ . حة (١) كذا في ((القوت)) (٢٤٨/٢)، وهو مثل قديم يضرب لما يستطاب ويستعذب ، والنرسيان : ضرب من التمر نجيب . (٢) رواه مسلم ( ١٤٢٣). ١٥٢ دن حن ئن ربع العادات كتاب آداب النكاح النوعُ الأوَّلُ: ما يُعتبرُ فيها للحلِّ : وهوَ أنْ تكونَ خليَّةً عنْ موانعِ النكاح ، والموانعُ تسعةَ عشرَ : الأوَّلُ : أنْ تكونَ منكوحةً للغيرِ . الثاني : أنْ تكونَ معتدةً للغيرِ ، سواءً كانتْ عِدَّةَ وفاةٍ ، أَوْ طلاقٍ ، أوْ وطءٍ شبهةٍ ، أَوْ كانتْ في استبراءِ وطءٍ عنْ ملْكِ يمينٍ . الثالثُ : أنْ تكونَ مرتدَّةٌ عنِ الدينِ بجريانِ كلمةٍ على لسانِها مِنْ كلماتٍ الكفرِ . الرابعُ : أنْ تكونَ مجوسيَّةً . الخامسُ : أنْ تكونَ وثنيةً ، أوْ زِنديقةً(١) ، لا تُسبُ إلى نبيٍّ وكتابٍ ، ومنهُنَّ المعتقداتُ لمذهبِ الإباحةِ ، فلا يحلُّ نكاحُهُنَّ ، وكذلكَ كلٌّ معتقدةٍ مذهباً فاسداً يُحكمُ بكفرٍ معتقدِهِ . السادسُ : أنْ تكونَ كتابيةٌ قَدْ دانتْ بدينِهِمْ بعدَ التبديلِ ، أَوْ بَعد مبعثٍ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ومعَ ذلكَ فليستْ مِنْ نسبٍ بني إسرائيلَ ، فإذا عدمَتْ كلتا الفضيلتينِ .. لمْ يحلَّ نكاحُها ، وإنْ عدمَتِ النسبَ فقطْ .. ففيهِ خلافٌ . (١) الزنديق: من لا يتمسك بشريعة ويقول بدوام الدهر، وهو المعبر عنه بالملحد الذي يطعن في الأديان . ١٥٣ ثن حن فنحن حنان كتاب آداب النكاح ـيه من ربع العادات السابعُ : أنْ تكونَ رقيقةً والناكحُ حرّاً قادراً على طَوْلِ الحرَّةِ ، أَوْ غير خائفٍ مِنَ العنتِ . الثامنُ : أنْ تكونَ كلُّها أوْ بعضُها مملوكاً للناكح ملكَ يمينٍ . التاسعُ : أنْ تكونَ قريبةً للزوج ، بأنْ تكونَ مِنْ أصولِهِ ، أوْ فصولِهِ ، أوْ فصولٍ أوَّلِ أصولِهِ ، أَوْ مِنْ أَوَّلِ فصْلٍ مِنْ كلِّ أصلٍ بعدَهُ أصلٌ ، وأعني بأصولهِ : الأمهاتِ والجدَّاتِ ، وبفصولِهِ : الأولادَ والأحفادَ ، وبفصولٍ أوَّلِ أصولِهِ : الإخوةَ وأولادَهُمْ، وبأوَّلِ فصلٍ مِنْ كلِّ أصلِ بعدَهُ أصلٌ : العماتِ والخالاتِ دونَ أولادِهنَّ . العاشرُ: أنْ تكونَ محرَّمَةً بالرضاع ، ويحرمُ مِنَ الرضاع ما يحرمُ مِنَ النسبِ مِنَ الأصولِ والفصولِ كما سبقَ ، ولكنَّ المحرِّمَ خمسُ رضعاتٍ ، وما دونَ ذلكَ لا یحرِّمُ . C. الحاديَ عشرَ : المحرَّمُ بالمصاهرةِ ، وهوَ أنْ يكونَ الناكحُ قَدْ نكحَ ابنتَها أوْ حفيدتَها مِنْ قبلُ أوْ وطئَهنَّ بالشبهةِ في عقدٍ ، أوْ وطىءَ أمَّها أوْ إحدى جدَّاتِها بعقدٍ أوْ شبهةِ عقدٍ ، فمجرَّدُ العقدِ على المرأةِ يحرِّمُ أَمَّهاتِها ، ولا يحرِّمُ فروعَها إلا بالوطءِ ، أوْ يكونَ أبوهُ أوِ ابنُهُ نكحَها قبلُ . ٹں) الثانيَ عشرَ : أنْ تكونَ المنكوحةُ خامسةً ؛ أيْ : يكونَ تحتَ الناكحِ أربعٌ سواها ، إمَّا في نفسِ النكاح، أوْ في عِدَّةِ الرجعةِ ، فإنْ كانتْ في عِدَّةٍ بينونةٍ .. لمْ تمنع الخامسةَ. ١٥٤ آر. ربع العادات ٠٢٠ كتاب آداب النكاح الثالثَ عشرَ : أنْ يكونَ تحتَ الناكح أختُها أوْ عمَّتُها أوْ خالتُها ، فيكونَ بالنكاح جامعاً بينَهُما ، وكلُّ شخصينِ بينَهُما قرابةٌ لوْ كانَ أحدُهما ذكراً والآخرُ أنثى .. لمْ يجزْ بينَهُما النكاحُ؛ فلا يجوزُ أنْ يجمعَ بينَهُما . ٢٠ الرابعَ عشرَ : أنْ يكونَ هذا الناكحُ قدْ طَلَّقَها مِنْ قبلُ ثلاثاً ، فهيّ لا تحلُّ لهُ ما لمْ يطأها زوجٌ غيرُهُ في نكاحٍ صحيحٍ . الخامسَ عشرَ : أنْ يكونَ الناكِحُ قدْ لا عنَ عنها(١)؛ فإنَّها تحرمُ عليهِ أبداً بعدَ اللعانِ . السادسَ عشرَ : أنْ تكونَ مُحْرِمةٌ بحجٍّ أوْ عمرةٍ ، أوْ كانَ الزوجُ كذلكَ ، فلا ينعقدُ النكاحُ إلا بعدَ تمامِ التحلُلِ . السابعَ عشرَ : أنْ تكونَ ثِّاً صغيرةً ، فلا يصحُّ نكاحُها إلا بعدَ البلوغ . الثامنَ عشرَ : أنْ تكونَ يتيمةً ، فلا يصحُّ نكاحُها إلا بعدَ البلوغِ . نٹ. التاسعَ عشرَ : أنْ تكونَ مِنْ أزواجِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ممَّنْ تُوفِّيَ عنْهَا أَوْ دخلَ بها ؛ فإنَّهُنَّ أمهاتُ المؤمنينِ ، وذلكَ لا يُوجدُ في زمانِنا . فهذهِ هيَ الموانعُ المحرِّمةُ . (١) انظر ((نهاية المطلب)) (٦٠/١٥)، و((الوسيط)) (٥١/٥). ١٥٥ حگرچ كتاب آداب النكاح ربع العادات أمَّا الخصالُ المطيّةُ للعيشِ التي لا بدَّ مِنْ مراعاتِها في المرأةِ ليدومَ العقدُ وتتوفّرَ مقاصدُهُ .. ثمانيةٌ: الدينُ، والخُلُقُ، والحُسْنُ، وخفَّةُ المهرِ ، والولادةُ، والبكارةُ ، والنسبُ ، وألا تكونَ قرابةً قريبةٌ . الأولى : أنْ تكونَ صالحةً ذاتَ دينِ : فهذا هوَ الأصلُ ، وبهِ ينبغي أنْ يقعَ الاعتناءُ ، فإنَّها إنْ كانتْ ضعيفةَ الدينِ في صيانةِ نفسِها وفرْجِها .. أزْرَتْ بزوجِها ، وسوَّدَتْ بينَ الناسِ وجهَهُ، وشوَّشَتْ بالغيرةِ قلبَهُ ، وتنغَّصَ بذلكَ عيشُهُ، فإنْ سلكَ سبيلَ الحميّةِ والغيرةِ .. لمْ يزلْ في بلاءٍ ومحنةٍ ، وإنْ سلكَ سبيلَ التساهلِ .. كانَ متهاوناً بدينهِ وعرضِهِ ، ومنسوباً إلى قلَّةِ الأنفةِ والحميةِ . وإذا كانتْ معَ الفسادِ جميلةً .. كانَ بلاؤُها أشدَّ؛ إذْ يشقُّ على الزوجِ مفارقتُها ، فلا يصبرُ عنها ولا يصبرُ عليها ، ويكونُ كالذي جاءَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ: يا رسولَ اللهِ ؛ إنَّ لي امرأةٌ لا تردّ يدَ لامسِ، قالَ: ((طلِّقْها))، فقالَ: إنِّي أحبُّها، قالَ: ((أمسكُها))(١)، ـحو ؟ (١) رواه أبو داوود (٢٠٤٩)، والنسائي (٦٧/٦) واللفظ له، وجاء التصريح بأنها حسناء في رواية الرامهرمزي في (( المحدث الفاصل)) ( ص ٢٤٠)، واختلفوا في معنى : ( لا ترد يد لامس ) ، وغالبهم أنه دال على فجورها، وبعضهم قال : هو كناية عن بذل الطعام ، ونقل العلامة السهار نفوري في ((بذل المجهود)) (١٢/١٠ -١٣) عن الحافظ ابن كثير : حمل اللمس على الزنا بعيد جداً ، والأقرب حمله أن الزوج فهم منها أنها لا ترد من أراد منها السوء ، لا أنه تحقق وقوع ذلك منها ، بل ظهر له ذلك بقرائن ، فأرشده الشارع إلى مفارقتها احتياطاً، فلما أعلمه أنه لا يقدر على فراقها لمحبته لها، =. ١٥٦ ـدر ربع العادات كتاب آداب النكاح وإنَّما أمرَهُ بإمساكِها خوفاً عليهِ بأنَّهُ إنْ طلَّقَها .. أتبعَها نفسَهُ وفسدَ هوَ أيضاً معَها ، فرأى ما في دوامٍ نكاحِهِ مِن دفع الفسادِ عنهُ معَ ضيقٍ قلبِهِ أولى . حن وإنْ كانتْ فاسدةَ الدينِ باستهلاكِ مالِهِ(١) أوْ بوجهٍ آخرَ .. لمْ يزلِ العيشُ مشوَّشاً معَهُ ؛ فإنْ سكتَ ولمْ ينكرْ .. كانَ شريكاً في المعصيةِ ، مخالفاً لقولِهِ تعالى: ﴿قُوَأْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾، وإنْ أنكرَ وخاصمَ .. تنغَّصَ العمرُ، ولهذا بالغَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في التحريض على نكاحٍ ذاتِ الدينِ فقالَ : (( تُنْكحُ المرأةُ لمالِها وجمالها وحسبها ودينِها ، فعليكَ بذاتِ الدينِ تربتْ يداكَ)) (٢) . ـحن حن وفي حديثٍ آخرَ : (( مَنْ نكحَ المرأةَ لمالِها وجمالِها .. حُرِمَ مالَها وجمالَها، ومَنْ نكحَها لدينِها .. رزقَهُ اللهُ مالَها وجمالَها))(٣). وقالَ أيضاً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا تنكح المرأةَ لجمالِها؛ فلعلَّ وأنه لا يصبر على ذلك .. رخص له في إبقائها ؛ لأن محبته لها متحققة ووقوع الفاحشة = منها متوهم . (١) بأن تضعه في غير مواضعه، سواء أذن لها فيه أو لم يأذن. ((إتحاف)) (٣٤٠/٥). (٢) رواه البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦). (٣) كذا في ((القوت)) (٢٤٩/٢)، وروى الطبراني في ((الأوسط)) (٢٣٦٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٥/٥) مرفوعاً: (( من تزوج امرأة لعزها .. لم يزده الله إلا ذلاً، ومن تزوجها لمالها .. لم يزده الله إلا فقراً، ومن تزوجها لحسبها .. لم يزده الله إلا دناءة ، ومن تزوجها لم يتزوجها إلا ليغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه .. إلا بارك الله له فيها ، وبارك لها فيه )) . ١٥٧ جن جن جن أن 05 كن ون كتاب آداب النكاح ٥٠٠ ربع العادات جمالَها يُرْديها، ولا لمالِها؛ فلعلَّ مالَها يُطْغيها ، وانكح المرأةَ لدينها))(١) . وإنَّما بالغَ في الحثِّ على الدينِ لأنَّ مثلَ هذهِ المرأةِ تكونُ عوناً على الدينِ ، فأمَّا إذا لمْ تكنْ متديّنةً .. كانتْ شاغلةً عنِ الدينِ ومشوِّشةٌ لهُ . الثانيةُ: حُسْنُ الخُلُقِ : وذلكَ أصلٌ مهمٌّ في طلبِ الفراغةِ والاستعانةِ على الدينِ ، فإنَّها إذا كانتْ سليطةً ، بذيئةَ اللسانِ ، سيئةَ الخلقِ ، كافرةً للنعم .. كانَ الضررُ منها أكثرَ مِنَ النفعِ . والصبرُ على لسانِ النساءِ ممَّا يُمتحنُ بهِ الأولياءُ . قالَ بعضُ العربِ : ( لا تنكحوا مِنَ النساءِ ستاً : لا أنَّانَةٌ ، ولا منَّانةً ، ولا حنَّانةً، ولا تنكحوا حدَّاقةً، ولا برَّاقةٌ، ولا شدَّاقةٌ)(٢). أمَّا الأنَّانةُ: فهيَ التي تكثرُ الأنينَ والتشكِّيَ ، وتعصبُ رأسَها كلَّ ساعةٍ ، فنكاحُ المِمْراضَةِ أوْ نكاحُ المتمارضةِ لا خيرَ فيهِ(٣) . والمنَّانةُ : التي تمنُّ على زوجِها فتقولُ : فعلتُ لأجلكَ كذا وكذا . (١) كذا في ((القوت)) (٢٤٩/٢)، ورواه ابن ماجه (١٨٥٩) بلفظ: ((لا تزوجوا النساء لحسنهن ؛ فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تزوجوهن لأموالهن ؛ فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل)). (٢) قوت القلوب (٢٥٥/٢)، وسياق المصنف في شرحه للخبر عنده كذلك . (٣) والممراضة : من يصيبها المرض كثيراً ، والمتمارضة : من تظهره وليس بها علة . ١٥٨ ------- ربع العادات كتاب آداب النكاح والحثَّانةُ: التي تحنُّ إلى زوج آخرَ أوْ ولدٍ لها مِنْ زوج آخرَ ، وهذا أيضاً ممَّا يجبُ اجتنابُهُ . والحدَّاقَةُ : التي ترمي إلى كلِّ شيءٍ بحدقتِها فتشتهيهِ ، وتكلَّفُ الزوجَ شراءَهُ . والبرّاقةُ: تحتملُ معنيين : أحدُهما : أنْ تكونَ طولَ النهارِ في تصقيلٍ وجهها وتزيينِهِ ؛ ليكونَ لوجهِها بريقٌ محصَّلٌ بالتصنَّع ، والثاني : أنْ تغضبَ على الطعام فلا تأكلَ إلا وحدَها ، وتستقلَّ نصيبَها مِنْ كلِّ شيءٍ ، وهذهِ لغةٌ يمانيةٌ، يقولونَ: برقتِ المرأةُ وبرقَ الصبيُّ الطعامَ؛ إذا غضبَ عندَهُ(١). مجمع والشدَّاقةُ : المتشدِّقُ الكثيرةُ الكلام ، ومنهُ قولُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((إنَّ اللهَ يُبغضُ الثرثارينَ المتشدِّقِينَ))(٢). ويُحكى أنَّ السائحَ الأزديَّ لقيَ إلياسَ عليهِ السلامُ في سياحتِهِ ، فأمرَهُ بالتزويج ونهاهُ عنِ التبثُلِ ، ثمّ قالَ : ( لا تنكحْ أربعاً : المختلعة ، والمباريةُ، والعاهرُ، والناشزُ)(٣) (١) ويحتمل أن تكون من برقتْ إذا تهددت وتوعدت. ((إتحاف)) (٣٤١/٥). (٢) كذا في ((القوت)) (٢٥٥/٢)، ورواه الترمذي (٢٠١٨) ولفظه: ((وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون)) الحديث . (٣) قوت القلوب (٢٥٦/٢)، والخبر عن إلياس عليه السلام في (( تفسير الثعلبي)) (١٦٧/٨ - ١٦٨) مروياً عن رجل من أهل عسقلان، وعند الحافظ الزبيدي : ( الأردني ) بدل ( الأزدي ) وقال : ( منسوب إلى أردن كأفلس جمع فلس ، واد بالشام). ((إتحاف)) (٣٤١/٥). ١٥٩ ٹ كتاب آداب النكاح جوهر م.م ربع العادات فأمَّا المختلعةُ : فهيَ التي تطلبُ الخلْعَ كلَّ ساعةٍ مِنْ غيرِ سببٍ . والمباريةُ : المباهيةُ لغيرِها ، المفاخرةُ بأسبابِ الدنيا . والعاهرُ : الفاسقةُ التي تُعرفُ بخليلٍ وخدْنٍ ، وهيَ التي قالَ اللهُ تعالى : ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ . والناشزُ : التي تعلو على زوجِها في الفعالِ والمقالِ ، والنشرُ : العالي مِنَ الأرضِ . وكانَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ : ( شرٌّ خصالِ الرجالِ خيرُ خصالٍ النساءِ : البخلُ، والزهوُ ، والجبنُ ؛ فإنَّ المرأةَ إذا كانتْ بخيلةً .. حفظتْ مالَها ومالَ زوجِها ، فإذا كانتْ مزهوةٌ .. استنكفَتْ أنْ تكلُّمَ كلَّ أحدٍ بكلام لينِ مريبٍ ، وإذا كانتْ جبانةً .. فَرِقَتْ مِنْ كلِّ شيءٍ ، فلمْ تخرجْ مِنْ بيتِها ، واتقَتْ مواضعَ الثُّهَمِ خيفةً مِنْ زوجِها)(١). فهذهِ الحكاياتُ ترشدُ إلى مجامع الأخلاقِ المطلوبةِ في النكاحِ . الثالثةُ : حسْنُ الوجهِ : فذلكَ أيضاً مطلوبٌ ؛ إذْ بهِ يحصلُ التحصُّنُ ، والطبعُ لا يكتفي بالدميمةِ غالباً، كيفَ والغالبُ أنَّ حسْنَ الخُلُقِ والخَلْقِ لا يفترقانِ ؟! حن حن كن حن ثن (١) قوت القلوب (٢٥٦/٢) . شن حن ٥٤٠ ١٦٠ كن حن جن جن جن حج عن