Indexed OCR Text

Pages 41-60

ربع العادات
كتاب آداب الأكل
كانَ عونُ بنُ عبدِ اللهِ المسعوديُّ لهُ ثلاثُ مئةٍ وستونَ صديقاً يدورُ عليهِمْ
في السنةِ ، ولآخرَ ثلاثونَ يدورُ عليهِمْ في الشهرِ ، ولآخرَ سبعةٌ يدورُ عليهِمْ
في الجمعةِ .
فكانَ إخوانُهُمْ معلومَهُمْ وبدلاً عنْ كسبِهِمْ ، وكانَ قيامُ أولئكَ بِهِمْ على
قصدِ التَبُّكِ عبادةٌ لَهُمْ (١) .
فإنْ دخلَ ولمْ يجدْ صاحبَ الدارِ ، وكانَ واثقاً بصداقتِهِ ، عالماً بفرحِهِ
إذا أكلَ مِنْ طعامِهِ .. فلهُ أنْ يأكلَ بغيرِ إذنِهِ ؛ إذِ المرادُ مِنَ الإذنِ الرضا ،
لا سيما في الأطعمةِ .
جن فج جن
وأمرُها على السعةِ ، فربَ رجلٍ يصرِّحُ بالإذْنِ ويحلفُ وهوَ غيرُ راضٍ ،
فأكْلُ طعامِهِ مكروهٌ ، وربَ غائبٍ لمْ يأذَنْ وأكلُ طعامِهِ محبوبٌ ، وقدْ قالَ
عزَّ وجلَّ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾.
ودخلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ دارَ بريرةَ وأكل طعامَها وهيَ
غائبةٌ ، وكانَ الطعامُ مِنَ الصدقةِ، فقالَ: « بلغتِ الصدقةُ محلّها » ، وذلكَ
لعلمهِ بسرورِها بذلك (٢).
(١) قوت القلوب (١٨٧/٢).
(٢) كذا في ((القوت)) (١٨٥/٢)، وحديث بريرة وإصابته صلى الله عليه وسلم من طعامها
وهي غائبة وكان صدقة عند البخاري ( ١٤٩٣)، ومسلم ( ١٠٧٤)، وقوله: (( بلغت
الصدقة محلها )» إنما قاله في حق نسيبة بنت كعب في قصة مشابهة ، هي عند البخاري
(١٤٤٦)، ومسلم ( ١٠٧٣) .
٤١

کتاب آداب الأكل
ربع العادات
لأى
ولذلكَ يجوزُ أنْ يدخلَ الدارَ بغيرِ استئذانٍ اكتفاءً بعلمِهِ بالإذْنِ ، فإنْ لمْ
يعلمْ .. فلا بدَّ مِنَ الاستئذانِ أوَّلاً ثمَّ الدخولُ .
وكانَ محمدُ بنُ واسع وأصحابُهُ يدخلونَ منزلَ الحسن ، فيأكلونَ
ما يجدونَ بغيرِ إذنٍ ، وكانَ الحسنُ يدخلُ ويرىُ ذلكَ فيسرُ بهِ ويقولُ :
هكذا كنَّا(١).
ےٹ.
نء
ورُويَ عنِ الحسنِ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ قائماً يأكلُ مِنْ متاعٍ بقَّالٍ في
السوقِ ، يأخذُ مِنْ هذهِ الجونةِ تينةً، ومِنْ هذهِ قضبةً، فقالَ لهُ
هشامٌ(٢) : ما بدا لكَ يا أبا سعيدٍ في الورع، تأكلُ متاعَ الرجلِ بغيرِ إذنِهِ !
فقالَ : يا لكعُ ؛ اتلُ عليَّ آيَةَ الأكلِ، فتلا إلى قولِهِ تعالى: ﴿أَوْ
صَدِيقِكُمْ﴾، فقالَ : فَمَنِ الصديقُ يا أبا سعيدٍ ؟ فقالَ: مَنِ استروحَتْ
إليهِ النفسُ، واطمأَنَّ إليهِ القلبُ(٣).
وجاءَ قومٌ إلى منزلٍ سفيان الثوريِّ فلمْ يجدوهُ ، ففتحوا البابَ وأنزلوا
السُّفْرةَ ، وجعلوا يأكلونَ ، فدخلَ الثوريُّ فجعلَ يقولُ : ذكَّر تموني أخلاقَ
السلفِ ، هكذا كانوا(٤).
٢
ـون
(١) قوت القلوب (١٨٥/٢).
(٢) هو هشام الأوقص قاضي مكة .
(٣) قوت القلوب (١٨٥/٢)، وفيه: (فستقة) بدل ( قضبة)، وفي (ق): (قسبة)
وهي التمرة اليابسة .
(٤) قوت القلوب (١٨٥/٢) .
٤٢

ربع العادات
كتاب آداب الأكل
وزارَ قومٌ بعضَ التابعينَ ولمْ يكنْ عندَهُ ما يقدِّمُهُ إليهم ، فذهبَ إلى
منزلِ بعضِ إخوانِهِ ، فلمْ يصادفْهُ في المنزلِ ، فدخلَ ، فنظرَ إلى قِدْرِ قدْ
طبخَها ، وإلى خبزٍ قدْ خبزَهُ وغيرِ ذلكَ، فحملَهُ كلَّهُ ، فقدَّمَهُ إلى أصحابهِ
وقالَ : كلوا ، فجاءَ ربُّ المنزلِ ، فلمْ يرَ الطعامَ ، فقيلَ لهُ: قدْ أخذَهُ
فلانٌ ، فقالَ : قدْ أحسنَ، فلمَّا لقيَهُ .. قالَ: يا أخي؛ إنْ عادوا ..
فَعُدْ(١).
فهذهِ آدابُ الدخولِ .
٩٠
حن
وأمَّا آدابُ التقديم: فتركُ التكلُّفِ أَلاً ، وتقديمُ ما حضرَ :
فإنْ لمْ يحضرْهُ شيءٌ، ولمْ يملكْ .. فلا يستقرضْ لأجلِ ذلكَ، فيشقَّ
على نفسِهِ ، وإنْ حضرَهُ ما هوَ محتاجٌ إليهِ لقوتهِ ، ولمْ تسمحْ نفسُهُ
بالتقديمٍ . . فلا ينبغي أنْ يقدِّمَ .
(١) قوت القلوب (١٨٥/٢)، قال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٢٣٥/٥): ولكن
ليس لكل أحد ينظر إلى ظواهر ههذه القصص ، فيدخل البيوت بغير استئذان ، ويمد
يده إلى ما [لا] يحل له النظر إليه فضلاً عن الأخذ ، ولكن بشروط هي الآن أعز من
الكبريت الأحمر ، فأين الذي يطمئن إليه القلب أو تستروح النفوس إليه ؟! ولذا قال
القائل :
صادُ الصديقِ وكافُ الكيمياءِ معاً لا يوجدانِ فدعْ عنْ نفسِكَ الطمعا
٤٣

کتاب آداب الأكل
دخلَ بعضُهُمْ على زاهدٍ وهوَ يأكلُ ، فقالَ : لولا أنِّي أخذتهُ بدينٍ ..
ء
ربع العادات
لأطعمتُكُمْ منهُ(١) .
وقالَ بعضُ السلفِ في تفسيرِ التكلُّفِ : ( أنْ تطعمَ أخاكَ ما لا تأكلُهُ
أنتَ ، بلْ تقصدُ زيادةً عليهِ في الجودةِ والقيمةِ)(٢).
وكانَ الفضيلُ رحمَهُ اللهُ يقولُ: ( إنَّما تقاطعَ الناسُ بالتكلّفِ ، يدعو
أحدُهُمْ أخاهُ، فيتكلّفُ لهُ، فيقطعُ عنِ الرجوع إليهِ )(٣).
وقالَ بعضُهُمْ: ( ما أبالي بمَنْ أتاني مِنْ إخواني ، فإنِّي لا أتكلَّفُ لهُ ،
إنَّما أقرِّبُ ما عندي، ولوْ تكلَّفْتُ لهُ .. لكرهْتُ مجيئَهُ ومللتُهُ)(٤) .
وقالَ بعضُهُمْ : كنتُ أدخلُ على أخ لي فيتكلَّفُ لي ، فقلتُ لهُ : إِنَّكَ
لا تأكلُ وحدَك هذا ولا أنا، فما بالنا إذا اجتمعنا .. أكلْناهُ ؟! فإمَّا أنْ تقطعَ
هذا التكلُّفَ ، أوْ أقطعَ المجيءَ، فقطعَ التكلُّفَ ، ودامَ اجتماعُنا
(٥)
بسببهِ(٥) .
ومِنَ التكلُّفِ : أنْ يقدِّمَ جميعَ ما عندَهُ، فيجحِفَ بعيالِهِ ويؤذي
ش مكن حج جق
حن حم حن حص كن ٥٨
(١) قوت القلوب (١٨٤/٢) بنحوه .
(٢) قوت القلوب (١٨٤/٢).
(٣) قوت القلوب (١٨٤/٢).
(٤) قوت القلوب (٢/ ١٨٤).
(٥) قوت القلوب (١٨٤/٢).
حن
٤٤
٥

ربع العادات
كتاب آداب الأكل
قلوبَهُمْ، رُوِيَ أنَّ رجلاً دعا عليّاً رضيَ اللهُ عنهُ، فقالَ عليٍّ : أجيبُكَ على
ثلاثِ شرائطَ : لا تُدُخلْ مِنَ السوقِ شيئاً ، ولا تدخرْ ما في البيتِ ،
ولا تجحِفْ بعيالِكَ (١).
حن
وكانَ بعضُهُمْ يقدِّمُ مِنْ كلِّ ما في بيتِهِ شيئاً ، فلا يتركُ نوعاً إلا ويحضرُ
شيئاً منهُ(٢) .
حن
وقالَ بعضُهُمْ : دخلنا على جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، فقدَّمَ إلينا خبزاً وخلً
وقالَ : ( لولا أنَّا نُهينا عنِ التكلُّفِ .. لتكلَّفْتُ لَكُمْ)(٣).
وقالَ بعضُهُمْ: ( إذا قُصِدتَ للزيارةِ .. فقدِّمْ ما حضرَ ، وإنٍ
استزرتَ . . فلا تبقِ ولا تذرْ ) (٤).
(١) قوت القلوب (١٨١/٢).
(٢) قوت القلوب (١٨١/٢).
(٣) حديث جابر رواه أحمد في (( المسند)) (٣٧١/٣) ولفظه: دخل على جابر نفر من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقدم لهم خبزاً وخلاً، فقال : كلوا ، فإني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( نعم الإدام الخل ، إنه هلاك بالرجل أن
يدخل عليه النفر من إخوانه ، فيحتقر ما في بيته أن يقدمه إليهم ، وهلاك بالقوم أن
يحتقروا ما قدُّم إليهم » .
وقوله: ( لولا أنا نهينا ... ) هي في ((مسند أبي حنيفة)) (ص٢٦٦)، وهي مشهورة
عن سلمان رضي الله عنه، رواها عنه الطبراني في «الكبير)) (٢٣٥/٦)، والحاكم في
((المستدرك)) (١٢٣/٤) وسيأتي .
(٤) قوت القلوب (١٨١/٢)، واستزرت: طلبت للزيارة، ولا تبق ولا تذر: لا تقصر.
٤٥
ني

كتاب آداب الأكل
ربع العادات
وقالَ سلمانُ : ( أمرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ألاَّ نتكلَّفَ للضيفِ
ما ليسَ عندَنا، وأنْ نقدِّمَ إليهِ ما حضرَنا)(١).
وفي حديثٍ يونسَ النبيِّ على نبيّنا وعليهِ السلامُ أنَّهُ زارَهُ إخوانُهُ ، فقدَّمَ
إليهِمْ كِسَراً ، وجزَّ لهُمْ بِقْلاً كانَ يزرعُهُ، ثمّ قالَ لهمْ: ( كُلُوا ، لولا أنَّ اللهَ
لعنّ المتكلِّفينَ .. لتكلَّفْتُ لَكُمْ)(٢).
وعنْ أنسٍ بنِ مالكِ وغيرِهِ مِنَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُم أنَّهُمْ كانوا
يقدِّمون ما حضرَ مِنَ الكسَرِ اليابسةِ وحشفِ التمرِ ويقولونَ : ( لا ندري أيُّهما
أعظمُ وزراً: الذي يحتقرُ ما يقدَّمُ إليهِ، أوِ الذي يحتقرُ ما عندَهُ أنْ
يقدِّمَهُ؟!)(٣).
الأدبُ الثاني - وهوَ للزائرِ - : ألاَّ يقترحَ ولا يتحكَّمَ بشيءٍ بعينِهِ :
مكن
فربما يشقُّ على المزورِ إحضارُهُ، فإنْ خِيَّرَهُ أخوهُ بينَ طعامينِ ..
فليتخيَّرْ أيسرَهما عليهِ ، كذلكَ السنةُ ، وفي الخبرِ : ( ما خيِّرَ رسولُ اللهِ
(١) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٣٢٩)، وبنحوه رواه البزار في
(مسنده)) (٢٥١٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٧١/٦)، والحاكم في (( المستدرك)»
(٤ / ١٢٣).
٢
٤٠
(٢) قوت القلوب (١٨١/٢).
(٣) قوت القلوب (١٨١/٢).
٤٦
ن

ربع العادات
اے
كتاب آداب الأكل
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَ شيئينٍ إلا اختارَ أيسرَهُما)(١)
وروى الأعمشُ عنْ أبي وائلِ أنَّهُ قالَ : مضيتُ معَ صاحبٍ لي نزورُ
سلمانَ ، فقدَّمَ إلينا خبزَ شعيرٍ وملحاً جرِيشاً ، فقالَ صاحبي : لوْ كانَ في
هذا الملحِ سعترٌ .. كانَ أطيبَ، فخرجَ سلمانُ، ورهنَ مطهرتَهُ وأخذَ
سعتراً، فلمَّا أكلْنا .. قالَ صاحبي: الحمدُ للهِ الذي قنَّعَنا بما رزقَنَا، فقالَ
سلمانُ: لوْ قنعتَ بما رُزِقتَ .. لمْ تكنْ مطهرتي مرهونةٌ (٢) .
هذا إذا توهَّمَ تعذُّرَ ذلكَ على أخيهِ أوْ كراهتَهُ لهُ ، فإنْ علمَ أنَّهُ يُسَرُّ
باقتراحِهِ ويتيسَّرُ عليهِ ذلكَ .. فلا يُكرَهُ لهُ الاقتراحُ، فعلَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ
عنهُ ذلكَ معَ الزعفرانيِّ ؛ إذْ كانَ نازلاً عليهِ ببغدادَ ، وكانَ الزعفرانيُّ يكتبُ
كلَّ يومٍ رقعةً بما يطبخُ مِنَ الألوانِ ويسلِّمُها إلى الجاريةِ ، فأخذَ الشافعيُّ
رضيَ اللهُ عنهُ الرقعةَ في بعضِ الأيامِ وألحقَ بها لوناً آخرَ بخطِّهِ ، فلمَّا رأى
الزعفرانيُ ذلكَ اللونَ .. أنكرَهُ وقالَ: ما أمرتُ بهذا، فعرضتْ عليهِ
الرقعةَ ملحقاً فيها خطُّ الشافعيِّ، فلمَّا وقعَتْ عينُهُ على خطِّهِ .. فرحَ
بذلكَ ، وأعتقَ الجاريةَ سروراً باقتراحِ الشافعيِّ عليهِ(٣).
وقالَ أبو بكرٍ الكتَّانيُّ : دخلتُ على السريِّ، فجاءَ بفتيتٍ وأخذَ يجعلُ
(١) رواه البخاري (٣٥٦٠)، ومسلم ( ٢٣٢٧).
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٣٥/٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٢٣/٤).
(٣) قوت القلوب ( ١٨١/٢) .
C:
٤٧

كتاب آداب الأكل
ربع العادات
نصفَهُ في القدح ، فقلتُ لهُ : أيَّ شيءٍ تعملُ ؟ أنا أشربُهُ كلَّهُ في مرَّةٍ ،
فضحكَ وقالَ : هذا أفضلُ لكَ مِنْ حجةٍ (١).
وقالَ بعضُهُمُ : ( الأكلُ على ثلاثة أنواع : معَ الفقراءِ بالإيثارِ ، ومعَ
الإخوانِ بالانبساطِ ، ومعَ أبناءِ الدنيا بالأدب)(٢).
الأدبُ الثالثُ : أنْ يشهِّيَ المزورُ أخاهُ الزائرَ :
ويلتمسَ منهُ الاقتراحَ ، مهما كانتْ نفسُهُ طيِّةً بفعلِ ما يقترحُ ، فذلكَ
حسنٌ ، وفيهِ أجرٌ وفضلٌ جزيلٌ .
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: « مَنْ صادفَ مِنْ أخيهِ شهوةٌ ..
غُفِرَ لهُ، ومَنْ سرَّ أخاهُ المؤمنَ .. فقدْ سرَّ اللهَ عزَّ وجلَّ))(٣).
(١) أي : عمل قليل وثوابه كثير ؛ لما فيه من النية الحسنة بإدخال السرور على أخيه .
(«إتحاف)) (٢٣٧/٥) .
(٢) كذا في ((اللمع)) (ص ٢٤٣)، ورواه أبو الحسين الطيوري في (( الطيوريات))
(١١١٧) عن جعفر الخلدي، وأورده مبهماً الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص
٣٩٨ ) .
(٣) كذا في ((القوت)) (١٨٢/٢)، والجملة الأولى منه رواها البزار في ((مسنده ))
(٤١١٠)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (١٤٢١/٤)، والجملة الثانية رواها البيهقي في
((الشعب)) (٧٢٤٧)، قال الحافظ الزبيدي : ( وقول ابن الجوزي : إنه موضوع ..
فيه نظر). («إتحاف)» (٢٣٨/٥).
ـحنة
٤٨

ربع العادات
جوهر
کتاب آداب الأكل
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيما رواهُ جابرٌ: (( مَنْ لذَّذَ أخاهُ بما يشتهي ..
كتبَ اللهُ لهُ ألفَ ألفِ حسنةٍ ، ومحا عنهُ ألفَ ألفِ سيئةٍ ، ورفعَ لهُ ألفَ ألفٍ
درجةٍ ، وأطعمَهُ اللهُ مِنْ ثلاثٍ جناتٍ : جنة الفردوسِ ، وجنةِ عدْنٍ ، وجنةِ
الخلدِ))(١).
حن حن
حن
الأدبُ الرابعُ : ألَّ يقولَ لهُ : هلْ أقدِّمُ لكَ طعاماً :
بلْ ينبغي أنْ يقدِّمَ إنْ كانَ، قالَ سفيانُ الثوريُّ : ( إذا زارَكَ أخوكَ ..
فلا تقلْ لهُ : أتأكلُ، أَوْ أقدِّمُ إليكَ ؟ ولكنْ قدِّمْ، فإنْ أكلَ ، وإلاَّ ..
فارفعْ )(٢) .
وإنْ كانَ لا يريدُ أنْ يطعمَهُمْ طعاماً .. فلا ينبغي أنْ يظهرَهُ عليهِمْ أوْ يصفَهُ
(١) كذا في ((القوت)) (١٨٢/٢)، قال الحافظ العراقي: (ذكره ابن الجوزي في
«الموضوعات)) [٨٨/٢] من رواية محمد بن نعيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر، وقال
أحمد ابن حنبل : هذا باطل كذب)، ويروى عن أبي هريرة مرفوعاً: (( من أطعم أخاه
المسلم شهوته .. حرمه الله على النار))، رواه البيهقي - في ((الشعب)) (٣١٠٩) -
وعن معاذ: (( من أطعم مؤمناً حتى يشبعه من سغب .. أدخله الله باباً من أبواب الجنة
لا يدخله إلا من كان مثله))، رواه الطبراني - في ((الكبير)) (٨٥/٢٠) - وعن
أبي سعيد: (( من أطعم مسلماً جائعاً .. أطعمه الله من ثمار الجنة))، رواه أبو نعيم في
((الحلية)) (١٣٤/٨). ((إتحاف)) (٢٣٨/٥) .
(٢) قوت القلوب (١٨٥/٢).
٤٩
حر

كتاب آداب الأكل
ربع العادات
لهُمْ ، قالَ الثوريُّ: ( إذا أردتَ ألاَّ تطعمَ عيالَكَ ممَّا تأكلُّهُ .. فلا تحدِّثْهُمْ
بهِ ، ولا يرونَهُ معَكَ)(١) .
وقالَ بعضُ الصوفيةِ : ( إذا دخلَ عليكُمُ الفقراءُ .. فقدِّموا إليهِمْ
طعاماً، وإذا دخلَ الفقهاءُ .. فسلوهُمْ عنْ مسألةٍ، وإذا دخلَ القرَّاءُ ..
فدلُّوهُمْ على المحرابِ )(٢).
.
تمع
سفى فرع
٠٢٠
(١) قوت القلوب (١٨٦/٢).
(٢) القول لأبي علي النَّوْرِباطي كما في ((اللمع)) (ص ٢٤٢)، ولأبي علي الروذباري كما
أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٣٩٧).

ربع العادات
كتاب آداب الأكل
الْبَابُ الرَّبِعُ
في آداب الضيافة
ومظانُّ الآداب فيها ستةٌ : الدعوةُ أوَّلاً، ثمَّ الإجابةُ، ثمَّ الحضورُ ، ثمَّ
تقديمُ الطعام ، ثمَّ الأكلُ ، ثمَّ الانصرافُ.
ولنقدِّمْ على شرحِها فضيلةَ الضيافةِ :
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تتكلَّفوا للضيفِ فتبغضوهُ؛ فإنَّهُ مَنْ
أبغضَ الضيفَ .. فقدْ أبغضَ اللهَ تعالى، ومَنْ أبغضَ اللهَ ..
أبغضَهُ اللهُ))(١) .
٠
١٥٠٠
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا خيرَ فيمَنْ لا يضيفُ))(٢).
ومرّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ برجلٍ لهُ إبلٌ وبقرٌ كثيرةٌ ، فلمْ
يضفْهُ ، ومرَّ بامرأةٍ لها شويهاتٌ، فذبحتْ لهُ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
٢٠.٠
(١) رواه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٨٢/١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩١٥٤)
بلفظ: ((لا يتكلفن أحد للضيف ما لا يقدر عليه))، وروى الرافعي في ((التدوين في
أخبار قزوين)) (٤٢٤/١) من حديث أبي قرصافة: (( يا عائشة؛ لا تتكلفي للضيف
فتملِّيه ، ولكن أطعميه مما تأكلين)).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٥٥/٤).
٥١

کتاب آداب الأكل
جنيه
1
ربع العادات
((انظروا إليهما، إنَّما هذهِ الأخلاقُ بيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فمَنْ شاءَ أنْ يمنحَهُ
خُلُقاً حسناً .. فعلَ))(١).
وقالَ أبو رافع مولى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إنَّهُ نزلَ بهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ضيفٌ، فقالَ: (( قلْ لفلانٍ اليهوديِّ: نزلَ بي ضيفٌ ،
فأسلفْني شيئاً مِنَ الدقيقِ إلى رجبٍ))، فقالَ اليهوديُّ: واللهِ ؛ لا أسلفُهُ إلا
برهنٍ ، فأخبرتُهُ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((واللهِ ؛ إنِّي لأمينٌ في
السماءِ ، أمينٌ في الأرضِ ، ولو أسلفَني .. لأديتُهُ، فاذهبْ بدرعي وارهنْهُ
عندَهُ))(٢).
وكانَ إبراهيمُ الخليلُ صلواتُ اللهِ عليهِ وسلامُهُ إذا أرادَ أنْ يأكلَ .. خرجَ
ميلاً أوْ ميلينٍ يلتمسُ مَنْ يتغذَّى معهُ(٣) ، وكانَ يكنى أبا الضيفانِ (٤)،
ولصدقِ نَّهِ فيهِ دامتْ ضيافتُهُ في مشهدِهِ إِلى يومِنا هذا ، فلا تنقضي ليلةٌ إلا
ويأكلُ عندَهُ جماعةٌ مِنْ بينِ ثلاثةٍ إلى عشرةٍ إلى مئةٍ ، وقالَ قوَّامُ الموضع :
إِنَّهُ لمْ يخلُ إلى الآنَ ليلةً عنْ ضيفٍ(٥) .
بسسبى
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٤٥/١١) عن عمرو بن دينار، وابن أبي الدنيا في
((مكارم الأخلاق )) (٣١) عن أبي المنهال مرسلاً .
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٣١/١)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٢٥٢/١).
(٣) رواه هناد في ((الزهد)) (٦٤٨)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٩١٧٣).
(٤) رواه الدولابي في (( الكنى والأسماء)) (٧٦/١)، وأبو نعيم في « الحلية)) (٣٣٥/٣).
عن
(٥) حكاه مجير الدين الحنبلي في ((الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل)) (٤٩/١)
وفصل القول في ذلك ، قال الحافظ الزبيدي : ( وقد اتفق لي أني لما وردت لزيارته ..
=
٥٢
حن

ربع العادات
كتاب آداب الأكل
وسئلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ما الإيمانُ؟ فقالَ: ((إطعامُ
الطعامِ، وبذلُ السلامِ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الكفاراتِ والدرجاتِ: ((إطعامُ الطعامِ ،
والصلاةُ بالليلِ والناسُ نياٌ))(٢).
ثن
وسئلَ عنِ الحجِّ المبرورِ فقالَ: (( إطعامُ الطعام ، وطيبُ
الكلام)) (٣).
حن
وقالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: ( كلُّ بيتٍ لا يدخلُهُ ضِيفٌ لا تدخلُهُ
الملائكةُ )(٤) .
كان معي جماعة نحو الخمسة ، فلما فرغت من الزيارة .. إذا أنا بسماط ممدود وفيه من
أنواع الأطعمة ، فتعجبت لكوني ما أعرف هناك أحداً ، فمن أين هذا ؟! فقال لي
واحد : لا تتعجب ، هذه ضيافة الخليل عليه السلام ، وهي لكل قادم إلى زيارته ، ثم
إني كنت في ضيافته ثلاثة أيام في أرغد عيش صلى الله عليه وعلى ولده وسلم ) .
((إتحاف)) (٢٣٩/٥).
(١) رواه البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩) بلفظ: أي الإسلام خير؟ قال: ((تطعم
الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف )) .
(٢) رواه الترمذي (٣٢٣٣).
(٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٨٣/١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
(٢٦٢/٥) .
(٤) أورده أبو حيان التوحيدي في ((الإمتاع والمؤانسة)) (ص ٢٨٧).
٥٣

کتاب آداب الأكل
ربع العادات
والأخبارُ الواردةُ في فضْلِ الضيافةِ والإطعام لا تحصى ، فلنذكرْ آدابَها :
أمَّا الدَّعوةُ :
فينبغي للداعي أن يقصدَ بدعوتِهِ الأتقياءَ دونَ الفسَّاقِ، قالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((أكلَ طعامَكُمُ الأبرارُ)) في دعائِهِ لمَنْ دعا لهُ(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا تأكلْ إلا طعامَ تقيٍّ، ولا يأكلْ طعامَكَ
إلا تقيٌّ))(٢).
ويقصدُ الفقراءَ دونَ الأغنياءِ على الخصوصِ ، قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((شرُّ الطعام طعامُ الوليمةِ؛ يُدعى إليها الأغنياءُ دونَ الفقراءِ))(٣).
وينبغي ألاَّ يهملَ أقاربَهُ في ضيافتِهِ ، فإنَّ إهمالَهُمْ إِيحاشٌ وقطعُ رحمٍ ،
وكذلكَ يراعي الترتيبَ في أصدقائِهِ ومعارفِهِ ، فإنّ في تخصيصِ البعضِ
إيحاشاً للباقين .
ـيز
من
؟
وينبغي ألاَّ يقصدَ بدعوتهِ المباهاةَ والتفاخرَ ، بلِ استمالةً قلوبٍ
الإخوانِ ، والتستُّنَ بسنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في إطعامِ الطعامِ ،
وإدخالَ السرورِ على قلوبِ المؤمنينَ .
(١) رواه أبو داوود (٣٨٥٤)، وابن ماجه ( ١٧٤٧ ).
(٢) رواه أبو داوود (٤٨٣٢)، والترمذي (٢٣٩٥) بلفظ: (( لا تصاحب إلا مؤمناً ،
ولا يأكل طعامك إلا تقي» .
(٣) رواه البخاري (٥١٧٧)، ومسلم (١٤٣٢) .
٤٠
٥٤

ربع العادات
كتاب آداب الأكل
وينبغي ألاَّ يدعوَ مَنْ يعلمُ أنَّهُ يشقُّ عليهِ الإجابةُ، وإذا حضرَ .. تأَنَّى
بالحاضرينَ بسببٍ مِنَ الأسبابِ .
وينبغي ألاَّ يدعوَ إلاَّ مَنْ يحبُّ إجابتهُ ، قالَ سفيانُ الثوريُّ: ( مَنْ دعا
أحداً إلى طعام وهوَ يكرهُ الإجابةَ .. فعليهِ خطيئةٌ(١) ، فإنْ أجابَهُ المدعوُّ ..
فعليهِ خطيئتانِ ؛ لأنَّهُ حملَهُ على الأكلِ معَ كراهةٍ ، ولوْ علمَ ذلكَ .. لما كانَ
يأكلُهُ ) .
وإطعامُ التقيِّ إعانةٌ لهُ على الطاعةِ، وإطعامُ الفاسقِ تقويةٌ لهُ على
الفسقِ ، قالَ رجلٌ خياطٌ لابن المباركِ : أنا أخيطُ ثيابَ السلاطينِ ، فهلْ
يُخافُ أنْ أكونَ مِنْ أعوانِ الظلمةِ ؟ قالَ : لا ، إنَّما أعوانُ الظلمةِ مَنْ يبيعُ
منكَ الخيطَ والإبرةَ ، أمَّا أنتَ .. فمِنَ الظلمةِ أنفسِهِمْ (٢)
وأمَّا الإجابةُ :
فهىَ سنَّةٌ مؤكدةٌ ، وقدْ قيلَ بوجوبِها في بعضِ المواضع ، قالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((لوْ دُعيتُ إلى كُراعٍ .. لأجبتُ، ولوْ أُهديَ إليَّ ذراعٌ ..
لقبلتُ)) (٣).
:2
(١) لأنه أظهر بلسانه خلاف ما في قلبه، فتصنع بالكلام ، وهذا من السمعة ، وداخل في
محبة أن يحمد بما لم يفعل. («إتحاف)) (٢٤٠/٥).
(٢) قوت القلوب (١٩١/٢)، قاله تحذيراً من أن يقترب من الظلمة .
(٣) رواه البخاري ( ٢٥٦٨) .
جديد
تن

کتاب آداب الأكل
ربع العادات
ـحر
وللإجابةِ خمسةُ آدابٍ :
الأوَّلُ : ألَّ يميزَ الغنيَّ بالإجابةِ عنِ الفقيرِ ، فذلكَ هوَ التكبُّرُ المنهيُّ
عنهُ؛ ولأجلِ ذلكَ امتنعَ بعضُهُمْ عنْ أصلِ الإجابةِ وقالَ : ( انتظارُ المرقةِ
ذلّ) ، وقالَ آخرُ : ( إذا وضعتُ يدي في قصعةِ غيري .. فقدْ ذَلَّتْ لهُ
رقبتي )(١) .
ومِنَ المتكبرينَ مَنْ يجيبُ الأغنياءَ دونَ الفقراءِ ، وهوَ خلافُ السنةِ ،
كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يجيبُ دعوةَ العبدِ ودعوةَ المسكينِ (٢) .
ومرَّ الحسينُ بنُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما بقومٍ مِنَ المساكينِ الذينَ يسألونَ
الناسَ على قارعة الطريقِ وقدْ نشروا كِسَراً على الأرضِ في الرملِ وهمْ
يأكلونَ، وهوَ على بغلتِهِ ، فسلَّم عليهِمْ، فقالوا لهُ: هلمَّ إلى الغداءِ يا بنَ
بنتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ؛ فقالَ: نعمْ، إنَّ اللهَ لا يحبُّ
المستكبرينَ ، فنزلَ وقعدَ معَهُمْ على الأرضِ وأكلَ ، ثمَّ سلَّمَ عليهِمْ
وركبَ ، وقالَ : قدْ أجبتُكُمْ فأجيبوني ، قالوا : نعمْ، فوعدَهُمْ وقتاً
معلوماً، فحضروا، فقدَّم إليهِمْ فاخرَ الطعامِ ، وجلسَ يأكلُ معَهُمْ(٣).
حن
(١) قوت القلوب (١٨٦/٢).
(٢) رواه الترمذي (١٠١٧) وليس فيه ذكر المسكين ، وهو مفهوم من عموم ما ورد في
ذلك .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((التواضع والخمول)) (١١٠)، والطبراني في «مكارم
الأخلاق)) ( ١٧٣)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٨١/١٤) جميعهم عن =
٥٦
دں
٠ثر

ربع العادات
كتاب آداب الأكل
وأمَّا قولُ القائلِ : ( إنَّ مَنْ وضعتُ يدي في قصعتِهِ فقدْ ذَلَّتْ لهُ
رقبتي ) .. فقدْ قالَ بعضُهُمْ: (هذا خلافُ السنَّةَ)(١) ، وليسَ كذلكَ ؛
فإِنَّهُ ذُلٌّ إذا كانَ الداعي لا يفرحُ بالإجابةِ ، ولا يتقلَّدُ بها مِنَّةً ، وكانَ يرى
ذلكَ يداً لهُ على المدعوِّ، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يحضرُ لعلمِهِ
بأنَّ الداعيّ لهُ يتقلَّدُ منَّةً ، ويرى ذلكَ شرفاً وذخراً لنفسِهِ في الدنيا والآخرةِ .
وهذا يختلف باختلافِ الحالِ ، فَمَنْ ظنَّ بهِ أنَّهُ يستثقلُ الإطعامَ ، وإنَّما
يفعلُ ذلكَ مباهاةً أوْ تكلُّفاً .. فليسَ مِنَ السنَّةِ إجابتُهُ(٢) ، بل الأولى التعلُّلُ؛
ولذلكَ قالَ بعضُ الصوفيةِ : ( لا تجبْ إلا دعوةَ مَنْ يرى أنَّكَ أكلتَ رزقَكَ ،
وأنَّهُ سلَّمَ إليكَ وديعةٌ كانتْ لكَ عندَهُ، ويرىُ لكَ الفضلَ عليهِ في قبولِ تلكَ
الوديعةِ منهُ)(٣).
وقال سريُّ السقطيُّ رحمَهُ اللهُ : ( آهٍ على لقمةٍ ليسَ عليَّ للهِ فيها تبعةٌ ،
ولا لمخلوقٍ فيها منَّةٌ ) (٤).
سيدنا أبي عبد الله الحسين رضي الله تعالى عنه، وكذا في ((القوت)) (١٨٦)، ووقع
=
في النسخ : ( الحسن ) بدل ( الحسين ) .
(١) قوت القلوب (١٨٦/١).
(٢) روى أبو داوود (٣٧٥٤) عن ابن عباس قال : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن
طعام المتباريين أن يؤكل )، وهما المتعارضان بفعلهما للمباهاة والرياء .
(٣) قوت القلوب (١٨٦/٢).
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ( ١١٦/١٠).
٥٧

كتاب آداب الأكل
ربع العادات
فإذا علمَ المدعوُّ أَنَّهُ لا منَّةَ في ذلكَ .. فلا ينبغي أنْ يردَّ .
وقالَ أبو ترابِ النخشبيُّ رحمةُ اللهِ عليهِ : ( عُرِضَ عليَّ طعامٌ فامتنعتُ ،
فابتليتُ بالجوع أربعةَ عشرَ يوماً ، فعلمتُ أنَّهُ عقوبتُهُ)(١).
وقيلَ لمعروفٍ الكرخيِّ رضيَ اللهُ عنهُ : كُلُّ مَنْ دعاكَ تمرُّ إليهِ ؟ فقالَ :
أنا ضيفٌ ، أنزلُ حيثُ أنزلوني(٢).
*
الثاني : أنَّهُ لا ينبغي أنْ يمتنعَ عنِ الإجابةِ لبعدِ المسافةِ ، كما لا يمتنعُ
الفقرِ الداعي وعدم جاهِهِ ، بلْ كلُّ مسافةٍ يمكنُ احتمالُها في العادةِ لا ينبغي
أنْ يمتنعَ بسببِها .
يقالُ في التوراةِ أوْ بعضِ الكتبِ : ( سِرْ ميلاً .. عدْ مريضاً ، سِرْ
ميلينٍ .. شيِّعْ جِنازةً ، سِرْ ثلاثةَ أميالٍ .. أجبْ دعوةً، سِرْ أربعةً أميالٍ .. زُرْ
أخاً في اللّهِ)(٣)، وإنَّما قدَّمَ إجابةَ الدعوةِ والزيارةَ لأنَّ فيهِ قضاءَ حقِّ الحيِّ،
فهوَ أولىّ مِنَ الميتِ .
(١) كذا في ((اللمع)) (ص ٢٤٤)، وأورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) ( ص
٣٩٨ ) .
(٢) رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٢/ ٣٨٠)، فهذا مقام من شاهد الداعي الأول .
((إتحاف)) (٢٤٣/٥) .
(٣) كذا في «القوت)) (١٨٧/٢)، ورواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٣٥٢٣) عن
علي رضي الله عنه، وروى نحوه ابن عدي في ((الكامل)) (١٧٩/٥) مرفوعاً ، وورد
منثوراً على لسان التابعين كذلك .
13
٥٨

ربع العادات
١١٠
کتاب آداب الأكل
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ دعيتُ إلى كُراعِ الغَمِيمِ .. لأجبتُ))(١)،
وهوَ موضعٌ على أميالٍ مِنَ المدينةِ (٢)، أفطرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
في رمضانَ لمَّا بلغَهُ(٣) ، وقصَرَ عندَهُ في سفرِهِ(٤).
الثالثُ : ألاَّ يمتنعَ لكونِهِ صائماً ، بلْ يحضرُ ، فإنْ كانَ يسرُّ أخاهُ
إفطارُهُ .. فليفطرْ ، وليحتسبْ في إفطارِهِ بنيّةِ إدخالِ السرورِ على قلبِ أخيهِ
ما يحتسبُ في الصوم وأفضلَ ، وذلكَ في صوم التطوُّع ، وإنْ لمْ يتحقَّقْ
سرورَ قلبهِ .. فليصدقْهُ بالظاهرِ وليفطرْ، وإنْ تحقَّقَ أنَّهُ متكلِّفٌ ..
فليتعلَّلْ .
(١) كذا في ((القوت)) (١٨٧/٢) دون زيادة (الغميم)، ولم نقف على هذه الزيادة فيما
بين أيدينا من المصادر .
قال الحافظ العراقي: ذكر الغميم فيه لا يعرف، والمعروف: ((لو دعيت إلى كراع)»
كما تقدم قبله بثلاثة أحاديث، ويرد هذه الزيادة ما رواه الترمذي من حديث أنس: (( لو
أهدي إليَّ كراعٍ .. لقبلت)).
وقد تبع المصنف صاحب ((القوت)) في هذا السياق على عادته في هذا الكتاب . انظر
((الإتحاف)) (٢٤٣/٥) .
(٢) وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال. انظر ((معجم البلدان)) (٤٤٣/٤)، ونقل الحافظ
الزبيدي في « إتحافه)) (٢٤٣/٥) عن شيخه ابن الطيب الفاسي في (( حاشيته على
القاموس )) : ( صوابه : على ثلاثة أميال من مكة ) .
(٣) رواه مسلم (١١١٤) وكان ذلك في عام الفتح .
(٤) كذا في ((القوت)) (١٨٧/٢)، قال الحافظ العراقي: ( لم أقف له على أصل). انظر
((الإتحاف)) (٢٤٣/٥) .
٥,٠٠
*:
٥٩
٢٠٠٠
:7
2

کتاب آداب الأكل
. .??
ربع العادات
ـحر
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَنِ امتنعَ بعذرِ الصوم: « تكلَّفَ لكَ
أخوكَ وتقولُ: إنِّي صائمٌ؟! )»(١).
وقدْ قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( مِنْ أفضلِ الحسناتِ إكرامُ
الجلساءِ بالإفطارِ)(٢) .
فالإفطارُ عبادةٌ بهذهِ النِيَّةِ وحسنُ خلقٍ ، فثوابُهُ فوقَ ثوابِ الصوم ،
ومهما لمْ يفطرْ .. فضيافتُهُ الطيبُ والِمِجْمَرةُ والحديثُ الطيِّبُ، وقدْ قيلَ:
الكحلُ والدهنُ أحدُ القَراءَينِ (٣).
الرابعُ : أنْ يمتنعَ مِنَ الإجابةِ إنْ كانَ الطعامُ طعامَ شبهةٍ ، أوِ الموضعُ أوِ
البساطُ المفروشُ منْ غيرِ حلالٍ ، أوْ كانَ يُقامُ في الموضع منكرٌ ؛ مِنْ فرشٍ
ديباجٍ ، أوْ إناءِ فضةٍ ، أوْ تصويرِ حيوانٍ على سقفٍ أَوْ حائطٍ ، أوْ سماع شيءٍ
مِنَ المزاميرِ والملاهي ، أوِ التشاغلِ بنوعٍ مِنَ اللهو والعزفِ والهزلِ
ثن
من
ئن
٢
(١) رواه الطبراني في «الأوسط)) (٣٢٦٤)، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
(٢٧٩/٤)، وكان الداعي أبا سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظه: ((دعاكم أخوكم
وتكلف لكم ، ثم قال له : أفطر وصم مكانه يوماً إن شئت)) .
(٢) قوت القلوب (١٨٦/٢)، ومن جملة إكرامهم مواساتهم وتأنيسهم بالمؤاكلة .
((إتحاف)) (٢٤٣/٥) .
(٣) القراء: ما يقدم للضيف، كالقرى، وروى الترمذي (٨٠١) مرفوعاً: ((تحفة الصائم
الدهن والمجمر))، قال في ((القوت)) (١٨٩/٢): (يقال: الكحل والدهن أحد
القِرَيين ، واللبن أحد اللحمين ، والفاكهة والحديث للضيف أحد الضيافتين ) .
ـدن
٦٠
من
ان حن خن
حن
فا