Indexed OCR Text
Pages 541-560
ربع العبادات كتاب ترتيب الأوراد الأنبياءَ ، ورأىُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وكَلَّمَهُ وعَلَّمَهُ(١). وعلى الجملةِ : ما وردَ في فضْلِ إحياءِ ما بينَ العشاءينِ كثيرٌ ، حتَّى قيلَ لعُبيدٍ مولى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : هلْ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يأمرُ بصلاةٍ غيرِ المكتوبةِ ؟ قالَ : ما بينَ المغربِ والعشاءِ(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ صلَّى ما بينَ المغربِ والعشاءِ .. فذلكَ صلاةُ الأوَّابينَ )) (٣). وقالَ الأسودُ : ما أتيتُ ابنَ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ في هذا الوقتِ إلا ورأيتُهُ يصلِّي ، فسألتُهُ، فقالَ : نعمْ ، هيَ ساعةُ الغفلةِ(٤) . وكانَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ يواظبُ عليها ويقولُ: هيَ ناشئةُ الليلِ(٥) ويقولُ: فيها نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾(٦). (١) قوت القلوب (٣١/١). (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٣١/٥)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٤ / ٢٧٤ ) . (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٢٥٩) عن ابن المنكدر مرسلاً . (٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٢٦١)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) ( ٤٤/٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٨٨/٩)، والأسود هو ابن يزيد النخعي ، والد عبد الرحمان . (٥) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٥٩٧٧). (٦) رواه أبو داوود (١٣٢١)، والترمذي ( ٣١٩٦). ٢٤٠ سسـ 2 :٢ ٥٤١ کتاب ترتیب الأوراد ربع العبادات وقالَ أحمدُ بنُ أبي الحَواري : قلتُ لأبي سليمانَ الدارانيِّ : أصومُ النهارَ وأتعشَّىُ بينَ المغربِ والعشاءِ أحبُّ إليكَ أوْ أفطرُّ بالنهارِ وأحيي ما بينَهما ؟ فقالَ : اجمعْ بينَهُما ، فقلتُ : إنْ لمْ يتيسَّرْ؟ قال : أفطرْ وصلِّ ما بينَهُما(١) . (١) قوت القلوب (٢٩/١). ٥٤٢ ربع العبادات كتاب ترتيب الأوراد فضيلة قيام اللّيل أمَّا مِنَ الآياتِ : فقولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَ مِنْ تُلُنِى أَّلِ ... ﴾ الآيَةَ(١). وقولُهُ تعالى: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ الَلِ هِىَ أَشَدُ وَطَا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. وقولُهُ سبحانَهُ : ﴿نَتَجَاثَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ ... ﴾ الآيَةَ. وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَلَّذِينَ يَبِتُونَ لِرَبِهِمْ سُجَدًا وَقِيَمًا﴾. وقولُهُ تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾، قيلَ: هيَ قيامُ الليلِ يستعانُ بالصبرِ عليهِ على مجاهدة النفسِ . عليه، وي. - ومِنَّ الأخبارِ : قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((يعقدُ الشيطانُ على قافيةِ أحدِكُمْ إذا هوَ نامَ ثلاثَ عقدٍ، يضرِبُ مكانَ كلِّ عقدةٍ : عليكَ ليلٌ طويلٌ فارقُدْ ، فإنِ استيقظَ (١) فقد قرن الله سبحانه وتعالى قوَّام الليل برسوله صلى الله عليه وسلم وجمعهم معه في شكر المعاملة وحسن الجزاء فقال: ﴿وَطَائِفَةٌ مِّنَ اَلَّذِينَ مَعَكَ﴾. ((إتحاف)) (١٨٢/٥ ) . ٥٤٣ + ٠٫ كتاب ترتيب الأوراد 2 ربع العبادات نت وذكرَ اللهَ عزَّ وجلَّ .. انحلَّتْ عقدةٌ، فإنْ توضَّأَ .. انحلَّتْ عقدةٌ، فإنْ صلَّى .. انحلَّتْ عقدةٌ، فأصبحَ نشيطاً طيِّبَ النَّفْسِ، وإلاَّ .. أصبحَ خبيثَ النفس كسلانَ))(١) . وفي خبرٍ آخرَ : أَنَّهُ ذُكِرَ عندَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلٌ نامَ الليلَ كلَّهُ حتَّى أصبحَ ، فقالَ: (( ذاكَ رجلٌ بالَ الشيطانُ في أُذْنِهِ))(٢). وفي الخبرِ : ((إنَّ للشيطانِ سَعُوطاً ولَعُوقاً وذَرُوراً، فإذا أسعطَ العبدَ .. ساءَ خلقُهُ، وإذا ألعقَهُ .. ذَربَ لسانُهُ بالشرِّ، وإذا ذرَّهُ .. نامَ الليلَ كلَّهُ حتَّى يصبحَ))(٣) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ركعتانِ يركعُهُما العبدُ في جوفِ الليلِ الآخرِ خيرٌ لهُ مِنَ الدنيا وما فيها ، ولولا أنْ أشقَّ على أمتي لفرضتُهما عليهِمْ ))(٤) . (١) رواه البخاري (١١٤٢)، ومسلم ( ٧٧٦ ) . (٢) رواه البخاري (١١٤٤)، ومسلم ( ٧٧٤ ) . (٣) كذا في ((القوت)) (٤٠/١)، وقد رواه الطبراني في «الكبير)) (٢٠٦/٧)، وابن عدي في (( الكامل)) (٣٧٤/٣)، ولفظه: (( إن للشيطان كحلاً ولعوقاً، فإذا كحل الإنسان من كحله .. نامت عيناه عن الذكر، وإذا لعَّقه من لعوقه .. ذرب لسانه بالشرِّ))، ونحوه عند البيهقي في ((الشعب)) (٢٨٣٧)، وانظر ((الإتحاف)) (١٨٥/٥ ) . (٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٢٨٩)، وابن أبي الدنيا في (( التهجد وقيام الليل)) (٢٩٤) عن حسان بن عطية مرسلاً، ورفعه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٥٤٠٤) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما . ون: ٥٤٤ ربع العبادات ٢٠٠ كتاب ترتيب الأوراد ٹر وفي الصحيح عن جابرِ : أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ : (( إنَّ مِنَ الليلِ ساعةُ لا يوافقُها عبدٌ مسلمٌ يسألُ اللهَ تعالى خيراً إلاَّ أعطاهُ إِيَّاهُ))، وفي روايةٍ: (( يسألُ اللهَ تعالى خيراً مِنَ الدنيا والآخرةِ وذلكَ كلَّ ليلةٍ))(١) . وقالَ المغيرةُ بنُ شعبةَ : قامَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى تفطرَتْ قدماهُ ، فقيلَ لهُ: أما قدْ غفرَ اللهُ لكَ ما تقدَّمَ منْ ذنبكَ وما تأخَّرَ ؟ فقالَ : ((أفلا أكونُ عبداً شكوراً))(٢)، ويظهرُ مِنْ معناهُ: أنَّ ذلكَ كنايةٌ عنْ زيادةِ الرتبةِ ؛ فإنَّ الشكرَ سببُ المزيدِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَيِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يا أبا هريرةَ ؛ أتريدُ أنْ تكونَ رحمةُ اللهِ عليكَ حيّاً وميتاً ومقبوراً ومبعوثاً ؟ قمْ مِنَ الليلِ فصلِّ وأنتَ تريدُ رضا ربِّكَ ، يا أبا هريرةَ؛ صلِّ في زوايا بيتِكَ .. يكنْ نورُ بيتِكَ في السماءِ كنورِ الكواكبِ والنجمٍ عندَ أهلِ الدنيا)»(٣). ٢٠ وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عليكُمْ بقيام الليل؛ فإنَّهُ دأبُ الصالحينَ (١) رواه مسلم (٧٥٧)، وأحمد في ((المسند)) (٣١٣/٣)، وسقط الحديث من ( أ ) . (٢) رواه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩). (٣) هذا قطعة مما يسمى بوصية أبي هريرة . ٥٤٥ كتاب ترتيب الأوراد ربع العبادات قبلَكُمْ، وإنَّ قيامَ الليلِ قربةٌ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ، وتكفيرٌ للذنوبِ ، ومطردةٌ للداءِ عنِ الجسدِ، ومنهاةٌ عنِ الإثمِ ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما مِنْ امرىءٍ تكونُ لهُ صلاةٌ بالليلِ فغلبَهُ عليها النومُ .. إلا كُتبَ لهُ أجرُ صلاتِهِ، وكانَ نومُهُ صدقةٌ عليهِ))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأبي ذرٍّ: (( لو أردتَ سفراً .. أعددتَ لهُ عدَّةً، فكيفَ سفرُ طريقِ القيامةِ ؟! ألا أنبتُكَ يا أبا ذرٍّ بما ينفعُكَ ذلكَ اليومَ؟)) قالَ: بلى بأبي أنتَ وأمِّي، قالَ: (( صمْ يوماً شديدَ الحرِّ ليومٍ النشورِ ، وصلِّ ركعتينِ في ظلمةِ الليلِ لوحشةِ القبورِ ، وحجَّ حجَّةً لعظائمٍ الأمورِ ، وتصدَّقْ بصدقةٍ على مسكينٍ ، أَوْ كلمةَ حقٍّ تقولُها ، أوْ كلمةَ شرِّ تسكتُ عنها)) (٣). ورُوي أنَّهُ كانَ على عهدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلٌ إذا أخذَ الناسُ مضاجعَهُمْ وهدأتِ العيونُ .. قامَ يصلِّي ويقرأُ القرآنَ ويقولُ : يا ربَّ النارِ ؛ أجرني منها ، فذُكِرَ ذلكَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: ((إذا كانَ ذلكَ .. فَآذنوني)) فأتاهُ، فاستمعَ، فلما أصبحَ .. قالَ: (( يا فلانُ؛ هلأَّ (١) رواه الترمذي (٣٥٤٩) . (٢) رواه أبو داوود (١٣١٤)، والنسائي (٢٥٧/٣)، ونحوه ابن ماجه (١٣٤٤). (٣) رواه أحمد في ((الزهد)) (٨٠٣)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٦٥/١) من طريقه موقوفاً على أبي ذر، ورفعه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (١٠). ٥٤٦ سب ربع العبادات كتاب ترتيب الأوراد سألتَ الجنَّةَ)) ، قالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ إنِّي لستُ هناكَ، ولا يبلغُ عملي ذلكَ، فلمْ يلبَثْ إلا يسيراً حتَّى نزلَ جبريلُ عليهِ السلامُ وقالَ : أخبرْ فلاناً أَنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قدْ أجارَهُ مِنَ النارِ وأدخلَهُ الجنَّةَ(١). ويُروى أنَّ جبريلَ عليهِ السلامُ قالَ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( نعمَ الرجلُ ابنُ عمرَ لوْ كانَ يصلِّي مِنَ الليلِ)) ، فأخبرَهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بذلكَ ، فكانَ يداومُ بعدَهُ على قيام الليلِ(٢) ، قالَ نافعٌ: كانَ يصلِّي بالليل ثمَّ يقولُ: يا نافعُ ؛ أَسْحَرْنا ؟ فأقولُ : لا ، فيقومُ لصلاتِهِ ، ثمَّ يقولُ : يا نافعُ؛ أسحرْنا ؟ فأقولُ: نعمْ ، فيقعدُ، فيستغفرُ اللهَ تعالى حتَّى يطلعَ الفجرُ(٣). ١٠٥.٦ وقالَ عليُّ بنُ أبي الحرِّ : شبعَ يحيى بنُ زكريا عليهما السلامُ مِنْ خبزِ شعيرٍ ، فنامَ عنْ وِردِهِ حتَّى أصبحَ ، فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ : يا يحيىُ ؛ أوجدتَ داراً خيراً لكَ مِنْ داري أمْ وجدتَ جواراً خيراً لكَ مِنْ جواري ؟! فوعزَّتي وجلالي يا يحيى ؛ لوٍ اطلعتَ إلى الفردوس اطلاعةً .. لذابَ جسمُكَ ، ولزهقتْ نفسُكَ اشتياقاً ، ولوِ اطلعتَ إلى جهنَّمَ اطلاعةً .. لذابَ ١٠ (١) قال الحافظ العراقي: (لم أقف له على أصل). ((إتحاف)) (١٨٧/٥). (٢) رواه البخاري (١١٢٢)، ومسلم (٢٤٧٩) وليس فيه ذكر جبريل عليه السلام . (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٠٣/١)، وأبو الحسين الطيوري في (( الطيوريات)) ( ٦٩٣ ) . -------- ٥٤٧ فى كتاب ترتيب الأوراد ٠٠,2 ربع العبادات شحمُكَ ، ولبكيتَ الصديدَ بعدَ الدموع ، ولبستَ الحديدَ بعدَ (١) المسوح (١) . وقيلَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إنَّ فلاناً يصلِّي بالليلِ ، فإذا أصبحَ .. سرقَ، فقالَ: (( سينهاهُ ما تقولُ)) (٢). وقَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : رحمَ اللهُ رجلاً قامَ مِنَ الليلِ فصلَّى ، ثم أيقظ امرأتَهُ فصلَّتْ ، فإنْ أبتْ .. نضحَ في وجهِها الماءَ ، ورحمَ اللهُ امرأةً قامتْ مِنَ الليلِ فصلَّتْ ، ثمّ أيقظتْ زوجَها فصلَّى ، فإنْ أبىُ .. نضحَتْ في وجههِ الماءَ))(٣). فت وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنِ استيقظَ مِنَ الليلِ وأيقظَ امرأتَهُ فصلَّيا ركعتينِ .. كُتِبًا مِنَ الذاكرينَ اللهَ كثيراً والذاكراتِ)) (٤) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( أفضلُ الصلاةِ بعدَ المكتوبةِ صلاةٌ الليلِ ))(٥) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٢٦٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٨/ ٣٣٤) . (٢) رواه أحمد في «المسند)) (٤٤٧/٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٢٥٦٠). (٣) رواه أبو داوود (١٣٠٨)، والنسائي (٢٠٥/٣)، وابن ماجه ( ١٣٢٦). (٤) رواه أبو داوود (١٤٥١)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٣١٢)، وابن ماجه ( ١٣٣٥ ) . (٥) رواه مسلم ( ١١٦٣ ) . ٥٤٨ ربع العبادات کتاب ترتیب الأوراد وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ نامَ عنْ حزبِهِ أوْ عنْ شيءٍ منهُ بالليلِ فقرأَهُ بينَ صلاةِ الفجرِ والظهرِ .. كُتِبَ لهُ كأنَّما قرأَهُ مِنَ الليلِ))(١). ـو الآثارُ : يُروى أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ يمرُّ بالآيةِ في وِردِهِ بالليلِ فيسقطُ ، حتَّى يُعادُ منها أياماً كثيرةً كما يُعادُ المريضُ (٢). 5ـ وكانَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ إذا هدأتِ العيونُ .. قامَ ، فيُسمعُ لهُ دوٌّ كدويِّ النحلِ حتَّى يصبحَ (٣). ويقالُ : إنَّ سفيانَ الثوريَّ رحمَهُ اللهُ شبعَ ليلةً فقالَ : (إنَّ الحمارَ إذا زيدَ في علفِهِ .. زيدَ في عملِهِ)، فقامَ تلكَ الليلةَ حتَّى أصبحَ (٤). وكانَ طاووسٌ رحمهُ اللهُ إذا اضطجعَ على فراشِهِ . . يتقلَّى عليهِ كما تتقلَّى (١) رواه مسلم ( ٧٤٧ ) . (٢) رواه الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (ص٩١)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٤٤ /٣٠٩) . (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٩٧)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣١٥/٣) . (٤) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٦١)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٢٩٦٤ ) . ٥٤٩ كتاب ترتيب الأوراد ربع العبادات الحبَّةُ في المقلاةِ، ثمَّ يثبُ ويصلِّي إلى الصباح، ثمَّ يقولُ: (طَيَّرَ ذكرُ جهنَّمَ نومَ العابدينَ )(١) . وقالَ الحسنُ رحمَهُ اللهُ: ما نعلمُ عملاً أشدَّ مِنْ مكابدةِ الليلِ ونفقةِ هذا المالِ(٢) ، فقيلَ لهُ: ما بالُ المتهجِّدينَ مِنْ أحسنِ الناسِ وجوهاً ؟ فقالَ : إِنَّهُمْ خَلَوا بالرحمنِ ، فألبسَهُمْ نوراً مِنْ نورِهِ(٣). وقدِمَ بعضُ الصالحينَ مِنْ سفرٍ ، فَمُهِّدَ لهُ فراشٌ ، فنامَ عليهِ حتَّى فاتَّهُ وِردُهُ، فحلفَ ألَّ ينامَ بَعدَها على فراشٍ أبداً(٤). وكانَ عبدُ العزيزِ بنُ أبي روادٍ رحمَهُ اللهُ إذا جَنَّ الليلُ .. يأتي فراشَهُ ، فيمؤُّ يدَهُ عليهِ ويقولُ : إِنَّكَ لليِّنِّ ، وواللهِ؛ إنَّ فِي الجنَّةِ لألينَ منكَ، ولا يزالُ يصلِّي الليلَ كلَّهُ(٥). وقالَ الفضيلُ رحمَهُ اللهُ: ( إنِّي لأستقبلُ الليلَ مِنْ أَوَّلِهِ ، فيهوِّلني طولُهُ، فأفتتحُ القرآنَ، فأصبحُ وما قضيتُ نهمتي )(٦) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) ( ٩١). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) ( ١٧). (٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٢٨). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (١٣٧)، والدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)» ( ص٧٩) . (٥) وقد روى ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (١١٨) صبره على قيام الليل . (٦) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) ( ٨٨) عن محمد بن المنكدر قاله لأمه. ٥٥٠ : ٩ ربع العبادات کتاب ترتیب الأوراد وقالَ الحسنُ : ( إنَّ الرجلَ ليذنبُ الذنبَ فيحرمُ بهِ قيامَ الليلِ)(١) . وقالَ الفضيلُ : ( إذا لمْ تقدرْ على قيامِ الليلِ وصيامِ النهارِ .. فاعلمْ أنَّكَ محرومٌ وقدْ كثرَتْ خطيئتُكَ )(٢). وكانَ صلةُ بنُ أشيمَ رحمهُ اللهُ يصلِّي الليلَ كلَّهُ ، فإذا كانَ في السحرِ .. قالَ : ( إلهي ؛ ليسَ مثلي يطلبُ الجنَّةَ، ولكنْ أجرني برحمتِكَ مِنَ النارِ )(٣). وقالَ رجلٌ لبعضٍ الحكماءِ : إنِّي لأضعفُ عَنْ قيام الليلِ ، فقالَ لهُ : يا أخي ؛ لا تعصِ اللهَ تعالى بالنهارِ ولا تقمْ بالليلِ (٤). وكانَ للحسنِ بنِ صالحٍ رحمهُ اللهُ جاريةٌ ، فباعَها مِنْ قومٍ ، فلمَّا كانَ في جوفِ الليلِ .. قامتِ الجاريةُ فقالَت : يا أهلَ الدار ؛ الصلاةَ الصلاةَ ، فقالوا : أصبحنا ، أطلع الفجرُ؟! فقالتْ : وما تصلونَ إلا المكتوبةَ ؟! فقالوا : لا ، فرجعتْ إلى الحسنِ فقالت: يا مولايَ ؛ بعتني مِنْ قومٍ لا يصلُّونَ بالليلِ ، ردَّني ، فردَّها(٥) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٣٦٣)، والدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) ( ص٧٠ ) . (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٩٦/٨). (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٠/٢). (٤) أورد نحوه المروزي في ((قيام الليل)) (٦/١). (٥) أوردها العجلي في ((الثقات)) (٢٩٥/١). فعـ ٥٥١ كتاب ترتيب الأوراد ربع العبادات وقالَ الربيعُ : ( بتُّ في منزلِ الشافعيِّ رحمهُ اللهُ لياليَ كثيرةٌ ، فلمْ يكنْ ينامُ منَ الليلِ إلا أيسرَهُ)(١). 5 وقالَ أبو الجويريةِ : ( لقدْ صحبتُ أبا حنيفةَ رحمَهُ اللهُ ستَّةَ أشهر ، فما فيها ليلةٌ وضعَ جنبَهُ على الأرضِ )(٢) . وكانَ أبو حنيفةَ يحيي نصفَ الليلِ ، فمرَّ بقومٍ ، فقالوا : إنَّ هذا يحيي الليلَ كلَّهُ ، فقالَ : إنِّي أستحيِي أنْ أُوصفَ بما لا أفعلُ ، فكانَ بعدَ ذلكَ يحيي الليلَ كلَّهُ(٣)، ويُروى أنَّهُ ما كانَ لهُ فراشٌ بالليلِ (٤). ويقالُ : إنَّ مالكَ بنَ دينارٍ رضيَ اللهُ عنهُ قامَ يردِّدُ هذهِ الآيةَ ليلتَهُ حتَّى أصبحَ : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أُجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَلَِّينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ... ﴾ الآيةَ(٥). وقالَ المغيرةُ بنُ حبيبٍ : رمقتُ مالكَ بنَ دينارِ ، فتوضَّأَ بعدَ العشاءِ ، ثمَّ قامَ إلى مصلاَّهُ، فقبضَ على لحيتِهِ ، فخنقتْهُ العبرةُ ، فجعل يقولُ : اللهمَّ ؛ حرِّمْ شيبةَ مالكِ على النارِ ، إلاهي ؛ قدْ علمتَ ساكنَ الجنةِ مِنْ (١) رواه البيهقي في ((مناقب الشافعي)) (١٥٧/٢). (٢) رواه أبو نعيم في (( مسند أبي حنيفة)) (ص٢١). (٣) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ( ٣٥٣/١٣). (٤) أورده الذهبي في ((مناقب أبي حنيفة وصاحبيه)) (ص ٢١). (٥) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٩٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٥٠/٢) عن تميم الداري رضي الله عنه . ٥٥٢ ربع العبادات ٤٢١٠٠ كتاب ترتيب الأوراد ساكنِ النارِ ، فأيُّ الرجلينِ مالكٌ ؟ وأيُّ الدارينِ دارُ مالكٍ ؟ فلمْ يزلْ ذلكَ قولَهُ حتَّى طلعَ الفجرُ(١). وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : سهوتُ ليلةٌ عنْ وِردي ونمتُ ، فإذا أنا في المنام بجاريةٍ كأحسنِ ما يكونُ ، وفي يدِها رقعةٌ ، فقالتْ لي : أتحسنُ أنْ تقرأ ؟ فقلتُ : نعمْ ، فدفعتْ إليَّ الرقعةَ ، فإذا فيها(٢): [من الوافر] عَنِ الْبِيضِ الأَوانِسِ فِي الْجِنانِ أَأَلْهَتْكَ اللَّذائِذُ وَالأَمانِي وَتَلْهُو فِي أَلْجِنَانِ مَعَ أَلْحِسانِ تَعِيشُ مُخَلَّداً لا مَوْتَ فِيها تَنَبَّهْ مِنْ مَنامِكَ إِنَّ خَيْراً مِنَ النَّوْمِ التَّهَجُدُ بِالْقُرآنِ وقيلَ: حَجَّ مسروقٌ ، فما باتَ ليلةٌ إلا ساجدا(٣). ويُروىُ عنْ أزهرَ بنِ مغيثٍ وكانَ مِنَ القوَّامينَ أنَّهُ قالَ : رأيتُ في المنام امرأةٌ لا تشبهُ نساءَ أهلِ الدنيا ، فقلْتُ لها : مَنْ أنتِ ؟ فقالتْ : حوراءُ ، (١) رواه أحمد في ((الزهد)) (١٨٧٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦١/٢) بنحوه . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٢٥١)، والدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) ( ص٢٤) عن بعض العابدين، والخبر في (( الحلية)) (١٥/١٠) عن أبي سليمان الداراني، وهي عند الرافعي في (( التدوين في أخبار قزوين)) (٩٩/٤) عن الحسن البصري . (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٩٧٥)، وابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٦٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٩٥/٢). ٥٥٣ .42 ٦٠٠٪ ٢١٠٠ كتاب ترتيب الأوراد ١٠٠٠ ١ ربع العبادات فقلتُ : زوجيني نفسَكِ ، فقالتِ : اخطبْني إلى سيِّدي وأمهرْني ، فقلتُ : وما مهرُكِ ؟ فقالتْ: طولُ التهجُدِ(١). وقالَ يوسفُ بنُ مهرانَ : بلغني أنَّ تحتَ العرشِ ملكاً في صورةٍ ديكٍ ، براثنُهُ مِنْ لؤلؤٍ وصِفْصِئْتُهُ مِنْ زبرجدٍ أخضرَ ، فإذا مضى ثلثُ الليلِ الأوَّلُ .. ضربَ بجناحيهِ وزقا وقالَ : ليقمِ القائمونَ ، فإذا مضى نصفُ الليلِ .. ضربَ بجناحيهِ وزقا وقالَ : ليقم المتهجِّدونَ ، فإذا مضى ثلثا الليلِ .. ضربَ بجناحيهِ وزقا وقالَ : ليقم المصلُّونَ ، فإذا طلعَ الفجرُ .. ضربَ بجناحيهِ وزقا وقالَ: ليقمِ الغافلونَ وعليهِمْ أوزارُهُمْ (٢). ويُقالُ : إنَّ وهبَ بنَ منبِّهِ اليمانيَّ رحمهُ اللهُ ما وضعَ جنبَهُ إلى الأرضِ ثلاثينَ سنةً ، وكانَ يقولُ : لأنْ أرى في بيتي شيطاناً أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أرى وسادةً ؛ لأنَّها تدعو إلى النوم ، وكانتْ لهُ مسورةٌ مِنْ أدم إذا غلبَهُ النومُ .. وضعَ صدرَهُ عليها وخفقَ خفقاتٍ ، ثمَّ يفزعُ إلى القيامِ(٣) . ٢٠ وقالَ بعضُهُمْ : رأيتُ ربَّ العزَّةِ جلَّ جلالُهُ في النوم ، فسمعتُهُ يقولُ : وعزَّتي وجلالي ؛ لأكرمَنْ مثوى سليمانَ التيميِّ ؛ فإنَّهُ صلَّى لي الغداةَ ٢ ٤ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٢٥٥). (٢) رواه أبو الشيخ في ((العظمة)) (١٠١٠/٣)، وأورده صاحب ((القوت)) (٣٦/١)، والصِّئصئة : أعلى القفا، أو قرن يكون في رجله ، وقد روى الحافظ الزبيدي حديث الديك الذي تحت العرش مسلسلاً في «إتحافه)) (١٩١/٥). ٤:٠٠ (٣) قوت القلوب (٣٧/١). ٥٥٤ ٠٫٫٠٠ ـر .. " ربع العبادات كتاب ترتيب الأوراد بوضوءِ العشاءِ الآخرةِ أربعين سنةٌ(١)، ويُقالُ: كانَ مذهبُهُ أنَّ النومَ إذا خامرٌ القلبَ .. بطلَ الوضوءُ . ورُوي في بعضِ الكتبِ القديمةِ عنِ اللهِ تعالى أنَّهُ قَالَ : إنَّ عبدي الذي هوَ عبدي حقاً الذي لا ينتظرُ بقيامِهِ صياح الديكِ (٢). (١) القائل هو رقبة بن مصقلة، رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٢٩٥٢) . (٢) قوت القلوب (٣٨/١). ٥٥٥ کتاب ترتیب الأوراد ربع العبادات بيان الأسباب التي بها بتبتر قيام اللّيل ذات اعلمْ : أنَّ قيامَ الليلِ عسيرٌ على الخلقِ إلَّ على مَنْ وُفَّقَ للقيام بشروطِهِ الميسِّرةِ لهُ ظاهراً وباطناً . فأمَّا الظاهرةُ . . فأربعةُ أمورٍ : 2. الأوَّلُ : ألَّ يكثرَ الأكلَ، فيكثرَ الشربَ ، فيغلبَهُ النومُ ويثقلَ عليهِ القيامُ . كانَ بعضُ الشيوخ يقفُ على المائدةِ كلَّ ليلةٍ ويقولُ : ( معاشرَ المريدينَ ؛ لا تأكلوا كثيراً، فتشربوا كثيراً؛ فترقُدوا كثيراً، فتتحسَّروا عندَ الموتِ كثيراً)(١)، وهذا هوَ الأصلُ الكبيرُ، وهوَ تخفيفُ المعدةِ عنْ ثقلٍ الطعام(٢) . الثاني : ألَّ يتعبَ نفسَهُ بالنهارِ في الأعمالِ التي تعيا بها الجوارحُ ، وتضعفُ بها الأعصابُ ، فإنَّ ذلكَ أيضاً مجلبةٌ للنومِ . (١) رواه أحمد في ((الزهد)) (٥٢٨) في نفر من بني إسرائيل، وهو في ((القوت)) (٩٨/١)، وفيه: (فتخسروا) . (٢) ويتبع هذا السبب الظاهر سبب آخر باطن ، وهو أن يتناول ما يأكل من الطعام إذا اقترن بذكر الله ويقظة الباطن ، فإنه يعين على قيام الليل ؛ لأن بالذكر يذهب داؤه ، فإن وجد للطعام ثقلاً في المعدة .. فينبغي أن يعلم أن ثقله على القلب أكثر ، فلا ينام حتى يذيب الطعام بالذكر والتلاوة والاستغفار. ((إتحاف)) (١٩٢/٥) . ٥٥٦ ربع العبادات كتاب ترتيب الأوراد الثالثُ : ألاَّ يتركَ القيلولةَ بالنهارِ ؛ فإنَّها سنَّةٌ للاستعانةِ على قيامِ الليلِ . الرابعُ : ألاَّ يحتقبَ الأوزارَ بالنهارِ ، فإنَّ ذلكَ يقسِّي القلبَ ويحولُ بينَهُ وبينَ أسبابِ الرحمةِ . قالَ رجلٌ للحسنِ : يا أبا سعيدٍ ؛ إنِّي أبيتُ معافىّ وأحبُّ قيامَ الليلِ ، وأعدُّ طهوري ، فما بالي لا أقومُ ؟ فقالَ: ذنوبُكَ قِيَّدَتُكَ(١). وكانَ الحسنُ رحمهُ اللهُ إذا دخلَ السوقَ فسمعَ لغطَهُمْ ولغوَهُمْ .. يقولُ: أظنُّ أنَّ ليلَ هؤلاءِ ليلُ سوءٍ؛ فإنَّهُمْ لا يقيلونَ(٢). ٥ وقالَ الثوريُّ : حرمتُ قيامَ الليلِ خمسةَ أشهرٍ بذنبٍ أذنبتُهُ ، قيلَ : وما ذلكَ الذنبُ ؟ قالَ : رأيتُ رجلاً بكى ، فقلتُ في نفسي : هذا مراءٍ (٣) . بخير وقالَ بعضُهُمْ : دخلتُ على كرزِ بنِ وبرةً وهوَ يبكي ، فقلتُ : أتاكَ نعيُ بعضٍ أهلِكَ ؟ فقالَ : أشدُّ ، فقلتُ : وجعٌ يؤلمُكَ؟ قالَ : أشدُّ ، قلتُ : فما ذاكَ ؟ قالَ : بابي مغلقٌ ، وستري مسبلٌ ، ولمْ أقرأُ حِزبيَ البارحةَ ، وما ذاكَ إلَّ بذنبٍ أحدثُ(٤) . وهذا لأنَّ الخيرَ يدعو إلى الخيرِ ، والشرَّ يدعو إلى الشرِّ ، والقليلُ منْ (١) قوت القلوب (٣٩/١)، وسبق نحوه عنه قريباً . (٢) رواه أحمد في ((الزهد)) (١٥٣٥)، وهو في ((القوت)) (٣٩/١). (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٧/٧)، وهو في ((القوت)) (٣٩/١) بتمامه . (٤) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٧٩/٥)، وهو في ((القوت)) (٣٩/١). ٥٥٧ كتاب ترتيب الأوراد ربع العبادات كلِّ واحدٍ منهما يجرُّ إلى الكثيرِ ؛ ولذلكَ قالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ رحمهُ اللهُ: ( لا تفوتُ أحداً صلاةُ جماعةٍ إلا بذنبٍ)(١). وكانَ يقولُ: ( الاحتلامُ بالليلِ عقوبةٌ، والجنابةُ البعدُ)(٢). وقالَ بعضُ العلماءِ : ( إذا صمتَ يا مسكينُ .. فانظرْ عندَ مَنْ تفطرُ ، وعلى أيِّ شيءٍ تفطرُ ؛ فإنَّ العبدَ ليأكلُ الأكلةَ فينقلبُ قلبُهُ عمَّا كانَ عليهِ ، ولا يعودُ إلى حالِهِ الأوَّلِ)(٣). فالذنوبُ كلُّها تورثُ قساوةَ القلبِ ، وتمنعُ مِنْ قيام الليلِ ، وأخصُّها بالتأثيرِ تناولُ الحرام ، وتؤثِّرُ اللقمةُ الحلالُ في تصفيةِ القلبِ وتحريكِهِ إلى الخيرِ ما لا يؤثِّرُ غيرُها ، ويعرفُ ذلكَ أهلُ المراقبةِ للقلوبِ بالتجربةِ بعدَ شهادةِ الشرع لهُ ، ولذلكَ قالَ بعضُهُمْ: ( كمْ مِنْ أكلةٍ منعَتْ قيامَ ليلةٍ ، وکمْ مِنْ نظرةٍ منعَتْ قراءةَ سورةٍ ، وإنَّ العبدَ ليأكُلُ أكلةً أوْ يفعلُ فعلةٌ .. فيحرمُ بها قيامَ سنةٍ ) (٤) . وكما أنَّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاء والمنكرٍ .. فكذلك الفحشاءُ تنهى عن الصلاةِ وسائرِ الخيراتِ . وقالَ بعضُ السجَّانِينَ بِدِينَوَرَ: بقيتُ سجَّاناً نيفاً وثلاثينَ سنةً أسألُ عنْ (١) قوت القلوب (٤٠/١). (٢) قوت القلوب (٤٠/١). (٣) قوت القلوب (٤٠/١). (٤) قوت القلوب (٤٠/١). ٥٥٨ ربع العبادات کتاب ترتیب الأوراد كلِّ مأخوذٍ بالليلِ أنَّهُ هلْ صلَّى العشاءَ في جماعةٍ؟ فكانوا يقولونَ : لا(١) وهذا تنبيهٌ على أنَّ بركةَ الجماعةِ تنهى عنْ تعاطي الفحشاءِ والمنكرِ (٢). وأمَّا الميسراتُ الباطنةُ .. فأربعةُ أمورٍ : الأوَّلُ : سلامةُ القلبِ عنِ الحقدِ على أحدٍ مِنَ المسلمينَ ، وعنِ البدع ، وعنْ فضولِ هموم الدنيا ، فالمستغرقُ الهمِّ بتدبيرِ الدنيا لا يتيسَّرُ لهُ القيامُ ، وإنْ قامَ .. فلا يتفكِّرُ في صلاتِهِ إلا في مهمَّاتِهِ ، ولا يجولُ إلا في وساوسِهِ ، وفي مثلِ ذلكَ يُقالُ (٣): [من الطويل] أ ... أبيد -٠٠. يخبِّرُني البوابُ أنَّكَ نائِمٌ وَأَنْتَ إِذا أُسْتَيْقَظْتَ أَيْضاً فَنَائِمُ الثاني : خوفٌ غالبٌ يلزمُ القلبَ معَ قصرِ الأملِ ؛ فإنَّهُ إذا تفكّرَ في أهوالِ الآخرةِ ودركاتِ جهنَّمَ .. طارَ نومُهُ، وعظمَ حذرُهُ؛ كما قالَ (١) قوت القلوب (٤٠/١) . (٢) وذكر الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٩٤/٥) زيادة مُيسّرات ، تتلخص في الوضوء قبل المغرب واستقبال الليل على طهارة مستقبل القبلة وهو يذكر الله تعالى ، وإحياء ما بين العشاءين ، وترك الحديث بعد العشاء ، وتجديد الوضوء والطهارة بعده كذلك ، وذكر الله تعالى والصلاة إلى أن ينام ، وتغيير العادة بهيئة النوم . (٣) البيت لمحمد بن عمرو الحربي (ت٢٤٠هـ). انظر (( معجم الشعراء)) للمرزباني (ص ٤٦٦ ) . بسييبيـ ٥٥٩ 9 @ 3 کتاب ترتیب الأوراد ربع العبادات طاووسٌ: ( إنَّ ذكرَ جهنَّمَ طيِّرَ نومَ العابدينَ)(١)، وكما حُكِيَ أنَّ غلاماً بالبصرةِ اسمُهُ صهيبٌ ، كانَ يقومُ الليلَ كلَّهُ ، فقالتْ لهُ سيّدتُهُ : إنَّ قيامَكَ بالليلِ يضرُّ بعملِكَ بالنهارِ ، فقالَ: إنَّ صهيباً إذا ذكرَ النارَ .. لا يأتيهِ النومُ . وقيلَ لغلامٍ آخرَ وهوَ يقومُ كلَّ الليلِ مثلَ ذلكَ ، فقالَ : إذا ذكرتُ النارَ .. اشتدَّ خوفي، وإذا ذكرتُ الجنَّةَ .. اشتدَّ شوقي، فلا أقدرُ أنْ أنامَ(٢). ولذي النونِ المصريِّ رحمهُ اللهُ : [من الكامل] مُقَلَ أَلْعُيُونِ بِلَيْلِهَا أَنْ تَهْجَعا مَنَعَ الْقُرَانُ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ فَرِقَابُهُمْ ذَلَّتْ إِلَيْهِ تَخَضُّعا فَهِمُّوا عَنِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ كَلامَهُ وأنشدوا أيضاً : [من الخفيف] كَثْرَةُ النَّوْمِ تُورِثُ الْحَسَراتِ يا طَوِيلَ الرُّقادِ وَالْغَفَلاتِ إِنَّ فِي الْقَبْرِ إِنْ نَزَلْتَ إِلَيْهِ ٠٤ لَرُقاداً يَطُولُ بَعْدَ الْمَمَاتِ بِذُنُوبٍ عَمِلْتَ أَوْ حَسَناتٍ وَمِهاداً مُمَهَّداً لَكَ فِيهِ تِ وكَمْ نالَ آمِناً بِبَيَاتٍ أَأَمِنْتَ أَلْبَياتَ مِنْ مَلَكِ الْمَوْ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٩١). (٢) وهذا الغلام كان لرباح القيسي، وقد أورد الخبر أبو حيان التوحيدي في (( البصائر والذخائر)) (٨٨/٨) . (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٣/١). ٥٦٠