Indexed OCR Text
Pages 501-520
ربع العبادات کتاب ترتيب الأوراد فإنْ لمْ يصلِّ .. فلا يدعْ قراءةَ هذهِ السورِ أوْ بعضِها قبلَ النوم ، فقد رُوي في ثلاثةِ أحاديثَ ما كانَ يقرؤُهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في كلِّ ليلةٍ، أشهرُها: ( السجدةُ)، و(تباركَ الملكَ)(١)، و(الزمرُ) و(الواقعةُ)، وفي روايةٍ: ( الزمرُ) و(بني إسرائيلَ)(٢)، وفي أُخرى: أنَّهُ كانَ يقرأُ المسبِّحاتِ (٣) في كلِّ ليلةٍ ويقولُ: ((فيها آيةٌ أفضلُ مِنْ ألفِ آيَةٍ ))(٤)، وكانَ العلماءُ يجعلونَها ستّاً فيزيدونَ ( سبِّح اسمَ ربَّكَ الأعلى)؛ إذْ في الخبرِ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يحبُّ ( سبِّحِ اسمَ رَبَّكَ الأعلى)(٥) ، وكانَ يقرأُ في ثلاثِ ركعاتِ الوترِ ثلاثَ سورٍ : ( سبِّحِ اسمَ ربَّكَ الأعلىُ ) و(قلْ يا أيُّها الكافرونَ ) و(الإخلاصَ)، فإذا فرغَ .. قالَ: ((سبحانَ الملكِ القدوسِ» ثلاثَ مرَّاتٍ (٦) . (١) روى الترمذي (٣٤٠٤) عن جابر رضي الله عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ بـ ((تنزيل السجدة)) و((تبارك))). (٢) روى الترمذي (٣٤٠٥) عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ ((الزمر)) و((بني إسرائيل)))، و(سورة بني إسرائيل ) هي ( سورة الإسراء ) . (٣) وهي خمس سور : الحديد ، والحشر ، والصف ، والجمعة ، والتغابن. (٤) رواه أبو داوود (٥٠٥٧)، والترمذي (٢٩٢١)، والنسائي في (( الكبرى)" ( ٧٩٧٢ ) . (٥) رواه أحمد في ((المسند)» (٩٦/١). (٦) رواه أبو داوود ( ١٤٢٣)، والنسائي (٢٤٤/٣) واللفظ عنده، وابن ماجه ( ١١٧١ ) . ٥٠ ـكن کتاب ترتیب الأوراد ربع العبادات الثالثُ : الوترُ، وليوترْ قبلَ النوم إنْ لمْ يكنْ عادتُهُ القيامَ ، قالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: ( أوصاني خليلي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ألاَّ أنامَ إلا على وترٍ) (١). وإنْ كانَ معتاداً صلاةَ الليلِ .. فالتأخيرُ أفضلُ، قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((صلاةُ الليلِ مثنى مثنى، فإذا خفتَ الصبحَ .. فَأوترْ بركعةٍ))(٢). وقالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( أوترَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أوَّلَ الليلِ وأوسطَهُ وآخرَهُ ، وانتهى وترُهُ إلى السحرِ)(٣). وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( الوترُ على ثلاثةِ أنحاءٍ: إنْ شئتَ .. أوترتَ أوَّلَ الليلِ ثمَّ صلَّيتَ ركعتينِ ركعتينٍ - يعني: أنَّهُ يصيرُ وتراً بما مضى - وإِنْ شئتَ .. أو ترتَ بركعةٍ، فإذا استيقظتَ .. شفعتَ إليها أخرى ثمَّ أوترتَ مِنْ آخرِ الليلِ، وإنْ شئتَ أخَّرتَ الوترَ ليكونَ آخرَ صلاتِكَ)(٤) ، هذا ما رُوي عنهُ ، والطريقُ الأوَّلُ والثالثُ لا بأسَ بهِ . وأمَّا نقضُ الوترِ(٥) .. فقدْ صحَّ فيهِ نهيّ، فلا ينبغي أنْ ينقضَ (٦)، (١) رواه البخاري (١٩٨١)، ومسلم ( ٧٢١). (٢) رواه البخاري (٤٧٢)، ومسلم ( ٧٤٩ ) . (٣) رواه البخاري (٩٩٦)، ومسلم ( ٧٤٥) واللفظ له . (٤) قوت القلوب (٣١/١) . (٥) وهو الطريق الثاني ؛ كمن أوتر بأول الليل ، ثم شفع ، ثم أوتر من آخره . (٦) والنهي رواه البخاري (٤١٧٦) عن عائذ بن عمرو رضي الله عنه وقد سئل عن نقض الوتر فقال : ( إذا أوترت من أوله .. فلا توتر من آخره ) . ٥٠٢ ربع العبادات کتاب ترتيب الأوراد ورُوِيَ مطلقاً أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( لا وترانٍ في ليلةٍ)) (١) . ولِمَنْ يتردَّدُ في استيقاظهِ تلطفٌ استحسنَهُ بعضُ العلماءِ ، وهوَ أنْ يصلِّيَ بعدَ الوترِ ركعتينِ جالساً على فراشِهِ عندَ النوم ، كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يزحفُ إلى فراشِهِ ويصلِيهما ، ويقرأُ فيهما : ( إذا زلزلت ) ، و( ألهاكم ) ؛ لما فيهما مِنَ التحذيرِ والوعيدِ ، وفي روايةٍ: ( قلْ يا أيُّها الكافرونَ ) ؛ لما فيها مِنَ التبرئةِ وإفرادِ العبادةِ للهِ عزَّ وجلَّ (٢) ، فقيلَ : إِنِ استيقظَ .. قامتا مقامَ ركعةٍ واحدةٍ ، وكانَ لهُ أنْ يوترَ بواحدةٍ في آخرِ صلاةٍ الليلِ ، وكأنَّهُ صارَ ما مضىُ شفعاً بهما وحسنَ استئنافُ الوترِ ، واستحسنَ هذا أبو طالبِ المكيُّ رحمهُ اللهُ وقالَ : ( فيهِ ثلاثةُ أعمالٍ : قصرُ الأملِ ، وتحصيلُ الوترِ، والوترُ مِنْ آخرِ الليلِ) (٣). وهوَ كما ذكرَهُ، لكنْ ربما يخطرُ أنَّهُما لوْ شَفعَتا ما مضى .. لكانَ كذلكَ وإنْ لمْ يستيقظْ(٤) ، ولبطلَ وترُهُ الأوَّلُ، فكونُهُ مُشفعاً إنِ استيقظُ غيرَ مُشفع إنْ نامَ .. فيهِ نظرٌ، إلا أنْ يصحَّ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إيتارُهُ قبلَهُما وإعادتُهُ الوترَ ، فيفهمُ منهُ أنَّ الركعتينِ شفعٌ بصورتِهما وترٌ بمعناهُما، (١) رواه أبو داوود (١٤٣٩)، والترمذي (٤٧٠)، والنسائي (٢٢٩/٣) . (٢) ورد قراءة السور الثلاث المذكورة معاً في الوتر عند أحمد في ((المسند)) ( ٨٩/١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٣/٣)، ولم يذكرا الزحف إلى الفراش ، والسياق لصاحب ((القوت)) (٢٠/١) . (٣) قوت القلوب (٢٠/١). (٤) أي : إنهما تشفعان صلاته الماضية استيقظ أم لم يستيقظ . ٥٠٣ كتاب ترتيب الأوراد ربع العبادات حر فيحسَبُ وتراً إنِ استيقظَ وشفعاً إنْ لمْ يستيقظْ . نـ ثمَّ يُستحبُّ بعدَ التسليمِ مِنَ الوترِ أنْ يقولَ : ( سبحانَ الملكِ القدوسِ ، ربِّ الملائكة والروح ، جلَّتَ السماواتِ والأرضَ بالعظمةِ والجبروتِ، وتعزَّزتَ بالقدرةِ ، وقهرتَ العبادَ بالموتِ )(١) . <XX ورُوي أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما ماتَ حتَّى كانَ أكثرُ صلاتِهِ جالساً إلا المكتوبةَ(٢)، وقدْ قالَ: « للقاعدِ نصفُ أجرِ القائمِ، وللنائمِ نصفُ أجرٍ القاعدِ ))(٣)، وذلكَ يدلُّ على صحةِ النافلةِ نائماً(٤) . الوردُ الثالثُ : النومُ : ولا بأسَ أنْ يعدَّ ذلكَ في الأورادِ ؛ فإنَّهُ إذا روعيتْ آدابُهُ .. احتسبَ عبادةٌ ، فقدْ نُقِلَ أنَّهُ إذا نامَ العبدُ على طهارةٍ ذاكراً لله تعالى .. يكتبُ مصلِّياً حتَّى يستيقظَ، ويدخُلُ في شعارِهِ ملكٌ(٥) ، فإنْ تحرَّكَ في نومِهِ فذكرَ اللهَ عزَّ (١) قوت القلوب (١/ ٢٠)، والجملة الأولى منه رواها أبو داوود (١٤٣٠)، والنسائي (٢٤٤/٣ ) . (٢) رواه البخاري (٥٩٠)، ومسلم (٧٣٢)، ولفظه عن عائشة رضي الله عنها: (لمَّا بَدَّنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقل .. كان أكثر صلاته جالساً) ، وبَدَّن: أَسَنَّ . (٣) رواه البخاري ( ١١١٥ ) . (٤) أي: مضطجعاً على الفراش كهيئة النائم. ((إتحاف)) (١٥٧/٥). (٥) شعاره : لباسه المتصل ببدنه . ٥٠٤ ربع العبادات كتاب ترتيب الأوراد وجلَّ .. دعا لهُ الملكُ واستغفرَ لهُ الله(١). وفي الخبرِ أنَّهُ إذا نامَ العبدُ على طهارةٍ .. رُفِعَ روحُهُ إلى العرشِ(٢). هذا في العوامِّ ، فكيفَ بالخواصِّ والعلماءِ وأربابِ القلوبِ الصافيةِ ؟ فإِنَّهُمْ يكاشَفونَ بالأسرارِ في النوم ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( نومُ العالمِ عبادةٌ ، ونفسُهُ تسبيحٌ))(٣). وقالَ معاذٌ لأبي موسى رضيَ اللهُ عنهُما : كيفَ تصنعُ في قيامِ الليلِ ؟ فقالَ : أقومُ الليلَ أجمعَ ، لا أنامُ منهُ شيئاً، وأتفوَّقُ القرآنَ فيهِ تفوُّقاً(٤)، قالَ معاذٌ : لكنِّي أنامُ ثمَّ أقومُ ، وأحتسبُ في نومتي ما أحتسبُ في قومتي ، فذكرًا ذلكَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: ((معاذٌ أفقهُ منكَ))(٥). حن حن تن (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٢٤٤)، وابن حبان في «صحيحه)) ( ١٠٥١). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٢٤٥) موقوفاً على أبي الدرداء رضي الله عنه ، ولفظه : ( إذا نام الإنسان .. عرج بروحه حتى يؤتى بها إلى العرش، فإن كان طاهراً .. أذن لها بالسجود ، وإن كان جنباً .. لم يؤذن لها بالسجود ) . (٣) رواه الديلمي في (( مسند الفردوس)) ( ٦٧٣١ ) ، ويشهد للجملة الأولى منه ما رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٥/٤) مرفوعاً: (( نوم على علم خير من صلاة على جهل )) . (٤) أي: ألازم قراءته ليلاً ونهاراً شيئاً بعد شيءٍ، وحيناً بعد حين. ((فتح الباري)) (٨/ ٦٢ ) . (٥) رواه البخاري (٤٣٤٢)، ومسلم (١٨٢٤)، دون قوله: (( معاذ أفقه منك))، وروى عبد الرزاق في (( المصنف)) (٣٥٧/٣): ( فكأن معاذ بن جبل فضل عليه )، وروى أبو إسماعيل الهروي في (( ذم الكلام وأهله)) (٤٣٤): ( فكان معاذ أفضل منه ) . مان ٥٠٥ كتاب ترتيب الأوراد ربع العبادات وآدابُ النومِ عشرةٌ : الأوَّلُ: الطهارةُ والسواكُ: قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا نامَ العبدُ على طهارةٍ .. عُرِجَ بروحِهِ إلى العرشِ ، فكانتْ رؤياهُ صادقةً ، وإنْ لمْ ينمْ على طهارةٍ .. قصرتْ روحُهُ عنِ البلوغ ، فتلكَ المناماتُ أضغاثُ أحلام لا تصدقُ))(١)، وهذا أريدَ بهِ طهارةُ الظاهرِ والباطنِ جميعاً، وطهارة الباطنِ هيَ المؤثرةُ في انكشافِ حُجُبِ الغيبِ . الثاني : أنْ يعدَّ عندَ رأسِهِ سواكهُ وطهورَهُ ، وينويَ القيامَ للعبادةِ عندَ التيفُّظِ: وكلَّما انتبهَ .. استاكَ، كذلكَ كانَ يفعلُ بعضُ السلفِ(٢)، ورُوي عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ كانَ يستاكُ في كلِّ ليلةٍ مراراً عندَ كلِّ نومةٍ ، وعندَ التنُّهِ منها(٣). وإنْ لمْ تتيسَّرْ لهُ الطهارةُ .. يستحبُّ لهُ مسحُ الأعضاءِ بالماءِ(٤) ، فإنْ لمْ (١) رواه الطبراني في « الأوسط)) (٥٢١٧)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٩٦/٤) بنحوه، ولفظه عند صاحب ((القوت)) (٣٤/١). (٢) قوت القلوب (٣٣/١). (٣) رواه مسلم ( ٧٦٣) . (٤) أي : إن لم تتيسر له الطهارة بسبب الكسل والفتور .. فليمسح أعضاءه بالماء في تقلُّه وانتباهاته، ففي ذلك فضل كبير لمن ثقل نومه وقلَّ قيامه. («إتحاف)) (١٥٨/٥)، وسبقت الإشارة إلى ذلك عند صاحب ((القوت)) (٣٣/١). ٠٠. ٥٠٦ ربع العبادات کتاب ترتیب الأوراد يجدْ .. فليقعدْ، وليستقبلِ القبلةَ، وليشتغلْ بالذكرِ والدعاءِ والتفكّرِ في آلاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ وقدرتِهِ ، فذلكَ يقومُ مقامَ قيامِ الليلِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ أتى فراشَهُ وهوَ ينوي أنْ يقومَ يصلَّي مِنَ الليلِ فغلبتْهُ عيناهُ حتَّى يصبحَ .. كُتِبَ لهُ ما نوىُ ، وكانَ نومُهُ صدقةٌ عليهِ مِنَ اللهِ تعالى))(١). الثالثُ : ألاَّ يبيتَ مَنْ لهُ وصيةٌ إلا ووصيتُهُ مكتوبةٌ عندَ رأسِهِ: فإنَّهُ لا يأمنُ القبضَ في النوم ، يُقالُ: إنَّ مَنْ ماتَ مِنْ غيرِ وصيةٍ .. لمْ يؤذنْ لهُ في الكلامِ بالبرزخ إلى يوم القيامةِ ، يتزاورُهُ الأمواتُ ويتحذَّثونَ وهوَ لا يتكلّمُ ، فيقولُ بعضُهُمْ لبعضٍ : هذا المسكينُ ماتَ مِنْ غيرِ وصيةٍ (٢). وذلكَ مستحبٌّ خوفاً مِنْ موتِ الفجأةِ ، وموتُ الفجأةِ تخفيفٌ إلا لمَنْ ليسَ مستعدّاً للموتِ بكونِهِ مثقلَ الظهرِ بالمظالمِ (٣). (١) رواه النسائي (٢٥٨/٣)، وابن ماجه (١٣٤٤). (٢) كذا في (( القوت)) (٣٣/١)، وروى الديلمي كما في (مسند الفردوس)) (٥٩٤٥) مرفوعاً: (( من لم يوصٍ .. لم يؤذن له في الكلام مع الموتى))، قيل : يا رسول الله ؛ ويتكلمون؟ قال: ((نعم، ويتزاورون)). انظر ((الإتحاف)) (١٥٨/٥). (٣) قوت القلوب (٣٣/١). ٥٠٧ کتاب ترتيب الأوراد ـرة ربع العبادات الرابعُ : أَنْ ينامَ تائباً مِنْ كلِّ ذنبٍ ، سليمَ القلبِ لجميع المسلمينَ ، لا يحدِّثُ نفسَهُ بظلم أحدٍ ، ولا يعزمُ على معصيةٍ إنِ استيقظ : قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ أوى إلى فراشِهِ لا ينوي ظلْمَ أحدٍ ، ولا يحقدُ على أحدٍ .. غُفرَ لهُ ما اجترمَ))(١). الخامسُ : أَلَّ يتنغَّمَ بتمهيدِ الفُرُشِ الناعمةِ : بلْ يتركُ ذلكَ أَوْ يقتصدُ فيهِ ، كانَ بعضُ السلفِ يكرهُ التمهيدَ للنوم ويرىُ ذلكَ تكلُّفاً ، وكانَ أهلُ الصفَّةِ لا يجعلونَ بينَهُمْ وبينَ الترابِ حاجزاً ، ويقولونَ: ( منها خُلِقْنا وإليها نردُّ)، وكانوا يرونَ ذلكَ أرقَّ لقلوبِهِمْ وأجدرَ بتواضع نفوسِهِمْ(٢)، فمَنْ لا تسمحُ بذلكَ نفسُهُ .. فليقتصدْ. السادسُ : ألَّ ينامَ ما لمْ يغلبْهُ النومُ ، ولا يتكلَّفَ استجلابَهُ إلا إذا قصدَ بهِ الاستعانةَ على القيام في آخرِ الليلِ : فقدْ كانَ نومُهُمْ غلبةً ، وأكلُهُمْ فاقةٌ ، وكلامُهُمْ ضرورةً ، ولذلكَ وُصفوا بأنَّهُمْ كانوا قليلاً مِنَ الليلِ ما يهجعونَ . وإنْ غلبَهُ النومُ عنِ الصلاةِ والذكرِ ، وصارَ لا يدري ما يقولُ .. فلينمْ (١) كذا لفظه في ((القوت)) (٣٣/١)، وقد روى الشهاب في ((مسنده)) (٤٢٥)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٩٤/٤)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٢٧٣/٥٣) مرفوعاً: ((من أصبح لا يهم بظلم أحد .. غفر له ما احترم)). (٢) قوت القلوب (٣٣/١). ٥٠٨ ٢.١٠٠ ربع العبادات کتاب ترتیب الأوراد حتَّى يعقلَ ما يقولُ، كانَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما يكرهُ النومَ قاعداً(١) وفي الخبرِ: (( لا تكابدوا الليلَ)) (٢). وقيلَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إنَّ فلانةَ تصلِّي بالليلِ ، فإذا غلبَها النومُ .. تعلَّقَتْ بحبلِ، فنهى عن ذلكَ وقالَ: (( ليصلِّ أحدُكُمْ مِنَ الليلِ ما تيسَّرَ لهُ، فإذا غلبَهُ النومُ .. فليرقُدْ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((تكلَّفوا مِنَ العملِ ما تطيقونَ، فإنَّ اللهَ لا يملُّ حتَّى تملُّوا))(٤). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((خيرُ هذا الدينِ أيسرُهُ))(٥) (١) قوت القلوب (٢١/١) . (٢) رواه الخطيب في (( موضح أوهام الجمع والتفريق)) (٣٨٢/٢)، والديلمي كما في ((مسند الفردوس)) (٧٤٦٠) مرفوعاً: (( لا تكابدوا هذا الليل ؛ فإنكم لا تطيقونه ، وإذا نعس أحدكم .. فلينم على فراشه فإنه أسلم له))، وعند ابن أبي شيبة في ((المصنف)» (٣٥٧٠٨)، والطبراني في ((الكبير)) (١٠٦/٩) موقوفاً على ابن مسعود : ( لا تغالبوا هذا الليل ... ) الحديث . (٣) كذا في ((القوت)) (٢١/١)، ورواه البخاري (١١٥٠)، ومسلم (٧٨٤) ، وهي أم المؤمنين زينب بنت جحش ، وفيهما : ( فليقعد ) بدل ( فلير قد ) أي : يتمُّها قاعداً ، وجاء لفظ : ( فليرقد ) عند البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦) مرفوعاً: (( إذا نعس أحدكم وهو يصلي .. فليرقد حتى يذهب عنه النوم ، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري : لعله يستغفر فيسبُّ نفسه)). (٤) رواه البخاري (٤٣، ٦٤٦٥)، ومسلم ( ٧٨٢). (٥) رواه الطيالسي في ((منده)) (١٢٩٦)، وأحمد في ((منده)) (٤٧٩/٣)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٤١) ولفظه: ((خير دينكم أيسره)). ٥٠٩ ـرزق كتاب ترتيب الأوراد ربع العبادات وقيلَ لهُ : إنَّ فلاناً يصلِّي فلا ينامُ ، ويصومُ فلا يفطرُ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لكنِّي أصلِّي وأنامُ ، وأصومُ وأُفطرُ ، هذهِ ستَِّي، فمَنْ رغبَ عنها .. فليسَ منِّي))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا تشادوا هذا الدينَ، فإنَّهُ متينٌ، فمَنْ يشادُّهُ .. يغلبْهُ، فلا تبغِّضْ إلى نفسِكَ عبادةَ اللهِ))(٢). السابعُ : أنْ ينامَ مستقبلَ القبلةِ : والاستقبالُ على ضربين : - أحدُهما : استقبالُ المحتضرِ ، وهوَ المستلقي على قفاهُ، فاستقبالُهُ : أنْ يكونَ وجهُهُ وأخمصاهُ إلى القبلةِ . - والثاني : استقبالُ اللحدِ ، وهوَ أَنْ ينامَ على جنبٍ، بأنْ يكونَ وجهُهُ إليها معَ قبالةِ بدِنِهِ إذا نامَ على الشقِّ الأيمنِ . الثامنُ : الدعاءُ عندَ النوم : فيقولُ : ( باسمِكَ اللهمَّ ربِّي وضعتُ جنبي ، (١) رواه النسائي (٢١٠/٤) دون ذكر الجملة الأخيرة منه، وهو مجملاً في حكاية الرهط الثلاثة الذين سألوا عن عبادته صلى الله عليه وسلم وكأنهم تقالُوها عند البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)، ولفظ المصنف في ((القوت)) (٢١/١). (٢) هو عند البخاري (٣٩) بنحوه، ولفظه: ((إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدينَ أحد إلا غلبه ... )) الحديث، وروى ابن المبارك في ((الزهد)) (١١٧٨): ((إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ، ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله تعالى ، فإن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى))، ولفظ المصنف فى ((القوت)) (٢١/١). ٥١٠ ربع العبادات کتاب ترتيب الأوراد وباسمِكَ أرفعُهُ ) إلى آخرِ الدعواتِ المأثورةِ التي أوردناها في كتابٍ الدعواتِ . ويُستحبُّ أنْ يقرأَ الآياتِ المخصوصةَ ؛ مثلَ آيَةِ الكرسيِّ، وآخرٍ ( البقرة ) ، وغيرِهما . ويقرأُ قولَهُ تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحٌِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، يقالُ: إنَّ مَنْ قرأَها عندَ المنام .. حفِظَ اللهُ عليهِ القرآنَ فلمْ ينسَهُ(١). ويقرأُ مِنْ (سورةِ الأعرافِ) هذهِ الآيةَ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ﴾ إلى قولِهِ: ﴿قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وآخرَ ( بني إسرائيلَ ): ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ آدْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾ الآيتينِ؛ فإنَّهُ يدخلُ في شعارِهِ ملكٌ يوكلُ بحفظِهِ فيستغفرُ لهُ(٢). ويقرأُ المعوِّذتينِ وينفثُ بهنَّ في يديهِ ويمسحُ بهما وجهَهُ وسائرَ جَسدِهِ ، كذلك رُوِيَ مِنْ فعلِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٣). وليقرأْ عشراً مِنْ أوَّلِ الكهفِ ، وعشراً مِنْ آخرِها، وهذهِ الآيُّ للاستيقاظِ لقيامِ الليلِ(٤). 17 (١) قوت القلوب (٣٢/١). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٢٤٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٠٥١). (٣) رواه البخاري ( ٥٠١٨ ). (٤) قوت القلوب (٣٢/١). ٥١١ ےہ كتاب ترتيب الأوراد ٦٠ز ربع العبادات وكانَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ: ( ما أرى أنَّ رجلاً مستكمَلاً عقلُهُ ينامُ قبلَ أنْ يقرأ الآيتينِ مِنْ آخرِ (( سورة البقرةِ)))(١). وليقلْ خمساً وعشرينَ مرَّةً: ( سبحانَ اللهِ ، والحمدُ للهِ ، ولا إلهَ إلا اللهُ ، واللهُ أكبرُ) ليكونَ مجموعُ هذِهِ الكلماتِ الأربع مئةً مرَّةٍ . التاسعُ : أنْ يتذكَّرَ عندَ النومِ أنَّ النومَ نوعُ وفاةٍ ، والتيقُّظَ نوعُ بعثٍ : قالَ اللهُ تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِىِ مَنَامِهَا﴾، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِلَيْلِ﴾ فسمَّاه توفّياً، وكما أنَّ المستيقظَ تنكشفُ لهُ مشاهداتٌ لا تناسبُ أحوالَهُ في النوم .. فكذلكَ المبعوثُ يرى ما لمْ يخطر قطُّ ببالِهِ ولا شاهدَهُ حسُّهُ ، ومثلُ النوم بينَ الحياةِ والموتِ مثلُ البرزخِ بينَ الدنيا والآخرةِ(٢). وقالَ لقمانُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ؛ إنْ كنتَ تشكُّ في الموتِ .. فلا تنمْ ؛ فكما أنَّكَ تنامُ .. كذلكَ تموتُ ، وإنْ كنتَ تشكُّ في البعثِ .. فلا تنتبه ؛ فكما أنَّكَ تنتبهُ بعدَ نومِكَ .. فكذلكَ تبعثُ بعدَ موتِكَ)(٣). وقالَ كعبُ الأحبارِ رحمَهُ اللهُ: ( إذا نمتَ .. فاضطجعْ على شقِّكَ ش (١) قوت القلوب (٣٢/١)، وقد سبق بيان فضلها وأخواتها مما ذكره المصنف هنا . (٢) قوت القلوب (١/ ٣٤). (٣) قوت القلوب (٣٤/١) . ٥١٢ ربع العبادات كتاب ترتيب الأوراد الأيمنِ ، واستقبلِ القبلةَ بوجهِكَ؛ فإنَّهَا وفاةٌ)(١). وقالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ آخرُ ما يقولُ حينَ ينامُ وهوَ واضعٌ خدَّهُ على يدِهِ اليمنى وهوَ يرى أنَّهُ ميتٌ في ليلتِهِ تلكَ: ((اللهمَّ، ربَّ السماواتِ السبع وربَّ العرشِ العظيم ، ربَّنا وربَ كلِّ شيءٍ ومليكَهُ ... )) الدعاءَ إلى آخرِهِ كما ذكرناهُ في كتابِ الدعواتِ(٢). فحقٌّ على العبدِ أنْ يفتِّشَ عنْ قلبهِ عندَ نومِهِ أنَّهُ على ماذا ينامُ ؟ وما الغالبُ عليهِ : حتُّ اللهِ تعالى وحبُّ لقائِهِ أوْ حبُّ الدنيا؟ وليتحقَّقْ أنَّهُ يُتوقَّى على ما هوَ الغالبُ عليهِ، ويحشرُ على ما يُتوفَّىُ عليهِ؛ فإنَّ المرءَ معَ مَنْ أحبَّ ، ومعَ ما أحبّ . العاشرُ : الدعاءُ عندَ التنُّهِ : فليقلْ في تيقظاتِهِ وتقلُّاتِهِ مهما تنبَّهَ ما كانَ يقولُهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا إلهَ إلا اللهُ الواحدُ القَهَّارُ، ربّ السماواتِ والأرضِ وما بينهما العزيزُ الغفَّارُ))(٣). وليجتهدْ أنْ يكونَ آخرُ ما يجري على قلبهِ عندَ النوم ذكرَ اللهِ تعالى ، (١) قوت القلوب (١/ ٣٤). (٢) الحديث رواه النسائي في «الكبرى» ( ١٠٥٥٧). (٣) رواه النسائي في ((الكبرى)) (١٠٦٣٤)، وابن السني في (( عمل اليوم والليلة)) ( ٧٥٧ ) . ٥١٣ كتاب ترتيب الأوراد ربع العبادات وأوَّلُ ما يردُ على قلبهِ عندَ التيقُّظِ ذكرَ اللهِ تعالى ، فهوَ علامةُ الحبِّ ، ولا يلازمُ القلبَ في هاتينِ الحالتينِ إلا ما هوَ الغالبُ عليهِ ، فليجرِّبْ قلبَهُ بهِ ؛ فإنَّها علامةٌ تنكشفُ عنْ باطنِ القلبِ ، وإنما استُحبَّتْ هذهِ الأذكارُ ليُستجرَّ القلبُ إلى ذكرِ اللهِ تعالى . ٠ ٠٫٠ فإذا استيقظَ ليقومَ .. قالَ: ( الحمدُ للهِ الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليهِ النشورُ) إلى آخرِ ما أوردناهُ مِنْ أدعيةِ التيقُّظِ . الوِردُ الرابعُ: يدخلُ بمضيِّ النصفِ الأوَّلِ مِنَ الليلِ إلى أنْ يبقىُ منَ الليلِ سدسُهُ: وعندَ ذلكَ يقومُ العبدُ للتهجُّدِ، فاسمُ التهجّدِ يختصُّ بما بعدَ الهجودِ والهجوعِ وهوَ النومُ . وهذا وسْطُ الليلِ ، ويشبهُ الوِردَ الذي بعدَ الزوالِ ، وهوَ وسْطَ النهار ، و وبهِ أقسمَ اللهُ تعالىُ فقالَ: ﴿ وَأَلَتْلِ إِذَا سَجَى﴾ أي: إذا سكنَ(١)، وسكونُهُ: هدوءُهُ في هذا الوقتِ ، فلا تبقى عينٌ إلَّ نائمةٌ سوى الحيِّ القُّومِ الذي لا تأخذُهُ سنةٌ ولا نومٌ، وقيلَ: ﴿إِذَا سَجَى﴾ إذا امتدَّ وطالَ، وقيلَ : إذا أظلمَ(٢) . G (١) روى ذلك ابن جرير في ((تفسيره)) (٢٨٩/٣٠/١٥) عن قتادة والضحاك. (٢) رواه ابن جرير في ((تفسيره)) (٢٨٨/٣٠/١٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما، والأقوال في ((القوت)) (٢١/١). رپ) دائه ٥١٤ @ ربع العبادات كتاب ترتيب الأوراد وسئلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أيُّ الليلِ أسمعُ ؟ فقالَ: ((جوفُ الليل))(١) . وقالَ داوودُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إلاهي ؛ إنِّي أحبُّ أنْ أتعبَّدَ لكَ، فأيُّ وقتٍ أفضلُ؟ فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ : يا داوودُ ؛ لا تقمْ أوَّلَ الليلِ ولا آخرَهُ، فإنَّهُ منْ قامَ أوَّلَهُ .. نامَ آخرَهُ، ومَنْ قَامَ آخرَهُ .. لمْ يقمْ أَوَّلَهُ ، ولكنْ قمْ وسْطَ الليلِ حتَّى تخلوَ بي وأخلوَ بكَ، وارفعْ إليَّ حوائجَكَ(٢). وسئلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أَيُّ الليلِ أفضلُ ؟ فقالَ : ((نصفُ الليلِ الغابرِ))(٣)؛ يعني: الباقيَ. وفي آخرِ الليلِ وردتِ الأخبارُ باهتزازِ العرشِ (٤)، وانتشارِ الرياحِ مِنْ جنَّاتِ عدنٍ(٥) ، ومِنْ نزولِ الجبارِ تعالى إلى سماءِ الدنيا (٦)، وغيرِ ذلكَ مِنَ الأخبارِ . (١) رواه أبو داوود (١٢٧٧)، والترمذي (٣٤٩٩). (٢) قوت القلوب (٢١/١). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١٧٩/٥) ولفظه: ((جوف الليل الغابر))، وابن حبان في (صحيحه)) (٢٥٦٤) ولفظه: ((نصف الليل أو جوف الليل)) دون لفظ: ( الغابر )، والغابر : ضدٍّ، يطلق على الماضي والباقي . ٤:٠ ٢٠٫٠ (٤) روى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٣٩٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٣/٦) عن سعيد الجريري : أن داوود قال : يا جبرائيل ؛ أي الليل أفضل ؟ قال : ما أدري ، غير أني أعلم أن العرش يهتز من السحر . (٥) قوت القلوب (٢١/١)، والسياق عنده . (٦) رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم ( ٧٥٨) . ٥١٥ كتاب ترتيب الأوراد ربع العبادات وترتيبُ هذا الوِردِ : أنَّهُ بعدَ الفراغ مِنَ الأدعيةِ التي للاستيقاظِ يتوضَّأُ وضوءاً كما سبقَ بسنِهِ وآدابِهِ وأدعيتِهِ ، ثمَّ يتوجَّهُ إلى مصلاَهُ، ويقومُ مستقبلاً القبلةَ ، ويقولُ : ( اللهُ أكبرُ كبيراً، والحمدُ للهِ كثيراً، وسبحانَ اللهِ بكرةً وأصيلاً) ، ثمَّ ليسبِّحْ عشراً ، وليحمدْ عشراً ، وليهللْ عشراً ، وليقلِ : ( اللهُ أكبرُ ذو الملكوتِ والجبروتِ ، والكبرياءِ والعظمةِ ، والجلالِ والقدرةِ)(١). ـون : % ٢٠٤ وليقلْ هذهِ الكلماتِ ؛ فإنَّها مأثورةٌ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في قيامِهِ للتهجُّدِ : اللهمَّ ؛ لكَ الحمدُ أنتَ نورُ السماواتِ والأرضِ ، ولكَ الحمدُ أنتَ بهاءُ السَّماواتِ والأرضِ ، ولكَ الحمدُ أنتَ ربُّ السماواتِ والأرضِ ، ولكَ الحمدُ أنتَ قُومُ السماواتِ والأرضِ ومَنْ فيهنَّ، ومَنْ عليهِنَّ ، أنتَ الحقُّ، ومنكَ الحقُّ، ولقاؤُكَ حقٌّ، والجنةُ حقٌّ ، والنارُ حقٌّ ، والنشورُ حقٌّ ، والنبيُّونَ حقٍّ ، ومحمدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حقٌّ . اللهمَّ ؛ لكَ أسلمتُ ، وبكَ آمنتُ ، وعليكَ توكلْتُ ، وإليك أنبتُ ، وبكَ خاصمْتُ، وإليكَ حاكمْتُ، فاغفرْ لي ما قدمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ وما أسرفتُ ، أنتَ المقدِّمُ وأنتَ المؤخِّرُ ، لا إلهَ إلا أنتَ(٢). ٠.١ (١) رواه الطيالسي في ((مسنده)) (٤١٦) مصرحاً بصلاة الليل، وأبو داوود ( ٨٧٤)، والنسائي (٢٣١/٢). (٢) إلى هنا رواه البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩) بألفاظ متقاربة . حا" ٥١٦ ربع العبادات ـريم كتاب ترتيب الأوراد اللهمَّ ؛ آتِ نفسي تقواها ، وزكِّها أنتَ خيرُ مَنْ زكَّاها ، أنتَ وليُّها ومولاها (١). اللهمَّ ؛ اهدني لأحسنِ الأعمالِ لا يهدي لأحسنِها إلا أنتَ ، واصرفْ عِنِّي سيَِّها لا يصْرِفُ عنِّي سيَِّها إلا أنتَ(٢). أسألُكَ مسألةَ البائسِ المسكينِ ، وأدعوكَ دعاءَ المفتقرِ الذليلِ ، فلا تجعلني بدعائِكَ رِّ شقيّاً، وكنْ بي رؤوفاً رحيماً ، يا خيرَ المسؤولينَ ، وأكرمَ المعطينَ(٣). وقالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا قامَ مِنَ الليلِ .. افتحَ صلاتَهُ قالَ: (( اللهمَّ، ربَ جبرائيلَ وميكائيل وإسرافيلَ ، فاطرَ السماواتِ والأرضِ ، عالمَ الغيبِ والشهادةِ ، أنتَ تحكُمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيهِ يختلفونَ ؛ اهدني لما اختُلِفَ فيهِ مِنَ الحقِّ بإذنِكَ ، إنَّكَ تهدي مَنْ تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ))(٤) . ثُمَّ يفتتحُ الصلاةَ ويصلَّي ركعتينِ خفيفتينٍ ، ثمَّ يصلِّي مثنى مثنى ما تيسّرَ (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٠٩/٦) في قيام الليل، وهو عند مسلم ( ٢٧٢٢) من دعائه صلى الله عليه وسلم . ٢٦.٠٠٠ (٢) رواه النسائي (١٢٩/٢) بلفظ: ( لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق ) ، وهو عند مسلم ( ٧٧١) بلفظ : ( الأخلاق ) بدل ( الأعمال ) وفيه زيادة من أوله . (٣) رواه الطبراني في «الصغير)) (٢٤٧/١). جديد (٤) رواه مسلم ( ٧٧٠ ) . سبيــ ٥١٧ + ن) كتاب ترتيب الأوراد ربع العبادات لهُ، ويختمُ بالوترِ إنْ لمْ يكنْ قدْ صلَّى الوترَ ، ويستحبُّ أنْ يفصلَ بينَ الصلاتينِ عندَ تسليمِهِ بمئةٍ تسبيحةٍ ؛ ليستريحَ ويزيدَ نشاطُهُ للصلاةِ . وقدْ صحَّ في صلاةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالليلِ أنَّهُ صلَّى أولاً ركعتين خفيفتينِ ، ثمَّ ركعتينِ طويلتينِ، ثمَّ صلَّى ركعتينِ دونَ اللتينِ قبلَهُما ، ثمَّ لمْ يزلْ يقصرُ بالتدريج إلى ثلاثَ عشرةَ ركعةٌ(١) . ٠٠ وسئلتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : أكانَ يجهرُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في قيام الليلِ أمْ يسرُّ؟ فقالَت: ( ربما جهرَ، وربما أسرّ)(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((صلاةُ الليلِ مثنى مثنى، فإذا خفتَ الصبحَ .. فأوترْ بركعةٍ))(٣). وقالَ عليهِ السلامُ : ((صلاةُ المغربِ أوترتْ صلاةَ النهار ، فأوترُوا صلاةً الليلِ )) (٤) . وأكثرُ ما صحَّ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في قيام الليلِ ثلاثَ عشرة ركعةً(٥) . (١) رواه مسلم ( ٧٦٥ ) . (٢) رواه أبو داوود (٢٢٦)، والترمذي (٤٤٩)، والنسائي (٢٢٤/٣)، وابن ماجه ( ١٣٥٤ ) . (٣) رواه البخاري (٤٧٢)، ومسلم ( ٧٤٩) . (٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٨/٣)، وأحمد في ((المسند)) (٣٠/٢). (٥) رواه مسلم (٧٦٥)، والنسائي (٢٣٧/٣). ٥١٨ ربع العبادات كتاب ترتيب الأوراد ويقرأ في هذهِ الركعاتِ مِنْ وردِهِ مِنَ القرآنِ أَوْ مِنَ السورِ المخصوصةِ ما خفَّ عليهِ ، وهوَ في حكْمِ هذا الوِردِ إلى قريبٍ مِنَ السدسِ الأخيرِ مِنَ الليلِ . الوِردُ الخامسُ : السُّدُسُ الأخيرُ مِنَ الليلِ : وهوَ وقتُ السحرِ ؛ فإنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قيلَ: يصلُّونَ؛ لما فيها مِنَ الاستغفارِ (١) ، وهوَ مقاربٌ للفجرِ الذي هوَ وقتُ انصرافِ ملائكةِ الليلِ وإقبالِ ملائكةِ النهارِ . وقدْ أمرَ بهذا الوٍردِ سلمانُ أخاه أبا الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُما ليلةَ زارَهُ في حديثٍ طويلٍ قالَ في آخرِهِ : فلمَّا كانَ الليلُ .. ذهبَ أبو الدرداءِ ليقومَ ، فقالَ لهُ سلمانُ: نمْ ، فنامَ ، ثمَّ ذهبَ ليقومَ ، فقالَ لهُ: نمْ ، فنامَ ، فلمَّا كانَ عندَ الصبح .. قالَ لهُ سلمانُ: قم الآنَ، فقاما، فصلَّيا، فقالَ : إِنَّ لنفسِكَ عليكَ حقّاً ، وإنَّ لضيفِكَ عليكَ حقّاً ، وإنَّ لأهلِكَ عليكَ حقّاً ، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ . وذلكَ أنَّ امرأةَ أبي الدرداءِ أخبرتْ سلمانَ أنَّهُ ٠ ٨٠ (١) روى ذلك الطبري في ((تفسيره)) ( ٢٤٥/٢٦/١٣) عن ابن عمر والضحاك ومجاهد ، قال أبو طالب المكي في ((القوت)) (٢١/١): (وكذلك قوله عز وجل: ﴿وَقُرْءَانَ اُلْفَجْرِّ﴾ يعني به الصلاة، فكنى بذلك القرآن والاستغفار عن الصلاة ؛ لأنهما وصفان منها ... ، وكذلك يقال للصلاة استغفار ؛ لأنه يطلب بها المغفرة ) . ٢٦٠٠٠٠ ٥١٩ كتاب ترتيب الأوراد ربع العبادات 02 لا ينامُ الليلَ، قالَ: فأتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فذكرَ ذلكَ لهُ، فقالَ: ((صدقَ سلمانٌ))(١) . وهذا هوَ الوردُ الخامسُ ، وفيهِ يستحبُّ السحورُ ، وذلكَ عندَ خوفٍ طلوع الفجرِ (٢). والوظيفةُ في هذينِ الوردينِ : الصلاةُ ، فإذا طلعَ الفجرُ .. انقضتْ أورادُ الليلِ ودخلتْ أورادُ النهارِ ، فيقومُ ويصلِّي ركعتي الفجرِ ، وهوَ المرادُ بقولِهِ تعالى: ﴿فَسَبِّحَهُ وَإِدْبَ النُّجُومِ﴾، ثمَّ يقرأُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إلى آخرِها، ثمَّ يقولُ: (وأنا أشهدُ بما شهدَ اللهُ بهِ لنفسهِ ، وشهدتْ بهِ ملائكتُهُ وأولو العلمِ مِنْ خلقِهِ ، وأستودعُ اللهَ هذهِ الشهادةَ وهيَ لي ٥ عند اللهِ تعالى وديعةٌ ، وأسألُهُ حفظَها حتَّى يتوفاني عليها ، اللهمَّ ؛ احطط بها عنِّي وزراً ، واجعلْ لي بها عندَكَ ذخراً ، واحفظُها عليَّ ، وتوفّني عليها حتَّى ألقاكَ بها غيرَ مبدِّلٍ تبديلاً )(٣). فهذا ترتيبُ الأورادِ للعُبَّادِ ، وقدْ كانوا يستحبونَ أنْ يجمعوا معَ ذلكَ في كلِّ يومٍ بينَ أربعةِ أمورٍ : صوم ، وصدقةٍ وإنْ قلِّتْ ، وعيادةِ مريضٍ ، ہے f: (١) رواه البخاري (١٩٦٨)، ولفظ المصنف في ((القوت)) (٢١/١). (٢) قوت القلوب (٢١/١) وقال: ( فمن لم يتسخّر في أوله .. بغته الفجر). (٣) قوت القلوب (٢٢/١)، والدعاء الأخير منه رواه الترمذي (٥٧٩)، وابن ماجه ( ١٠٥٣ ) . ٥٢٠ حازم