Indexed OCR Text
Pages 361-380
ربع العبادات حن كتاب الأذكار والدعوات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا قالَ العبدُ: الحمدُ للهِ .. ملأتْ ما بينَ السماءِ والأرضِ، فإذا قالَ: الحمدُ للهِ الثانيةَ .. ملأتْ ما بينَ السماءِ السابعةِ إلى الأرضِ السفلى، فإذا قالَ: الحمدُ للهِ الثالثةَ .. قالَ اللهُ تعالى: سلْ تعطَ)) (١). وقالَ رفاعةُ الزُّرَقيُّ : كنَّا يوماً نصلّي وراءَ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فلمَّا رفعَ رأسَهُ مِنَ الركوع وقالَ: (( سمعَ اللهُ لمَنْ حمدَهْ)) .. قالَ رجلٌ وراءَهُ: ربنا ولكَ الحمدُ حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيهِ ، فلمَّا انصرفَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ صلاتِهِ .. قالَ: ((مَنِ المتكلُّمُ آنفاً؟» قال : أنا يا رسولَ اللهِ، فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لقدْ رأيتُ بضعةً وثلاثينَ ملكاً يبتدرونَها أيُّهُمْ يكتبُها أوَّلاً))(٢). وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( الباقياتُ الصالحاتُ هُنَّ : لا إلهَ إلا اللهُ، وسبحانَ اللهِ ، والحمدُ للهِ، واللهُ أكبرُ ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ))(٣). عبد الله بن عمر [١٧٠/٢]: أن نوحاً قال لابنه: آمرك بلا إله إلا الله ، الحديث ، ثم = قال : سبحان الله وبحمده ؛ فإنها صلاة كل شيء ، وبها يرزق الخلق ، وإسناده صحيح ) . ((إتحاف)) (١٣/٥ ) . (١) قال الحافظ العراقي: (غريب بهذا اللفظ لم أجده). ((إتحاف)) (١٤/٥)، إذ المشهور هو حديث مسلم (٢٢٣) وفيه : « والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض )». (٢) رواه البخاري (٧٩٩)، وفيه: فلما انصرف .. قال: ((من المتكلم؟)) قال: أنا، قال: ((رأيت بضعة ... )). (٣) رواه بلفظ المصنف الضياء في ((الأحاديث المختارة)) (٣٢٣) موقوفاً على عثمان = ٣٦١ محرز كتاب الأذكار والدعوات ربع العبادات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما على الأرضِ رجلٌ يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ ، وسبحانَ اللهِ ، والحمدُ للهِ، ولا حولَ ولا قوَّةً إلا باللهِ .. إلا غفرَتْ ذنوبُهُ ولو كانتْ مثلَ زبدِ البحرِ))، رواهُ ابنُ عمرٍ و رضيَ اللهُ عنهُما (١) . وروى النعمانُ بنُ بشيرٍ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( الذي تذكرونَ مِنْ جلالِ اللهِ وتسبيحِهِ وتهليلِهِ وتحميدِهِ ينعطفْنَ حولَ العرشِ لهُنَّ دويٌّ كدويِّ النحْلِ يُذَكَّرُ بصاحبهِ ، أَوَلا يحبُّ أحدُكُمْ ألا يزالَ عندَ اللهِ تعالى مَنْ يُذَكِّرُ بهِ؟))(٢). وروى أبو هريرةَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((لأَنْ أقولَ : سبحانَ اللهِ ، والحمدُ للهِ ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ .. أحبُّ إليَّ ممَّا طلعَتْ عليهِ الشمسُ))(٣)، وفي روايةٍ أخرىُ زادَ: ((ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ)) وقالَ: ((هي خيرٌ مِنَ الدنيا وما فيها))(٤). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أحبُّ الكلام إلى اللهِ عزَّ وجلَّ أربعٌ : رضي الله عنه، وهو بنحوه عند النسائي في ( عمل اليوم والليلة)) (٨٥٤) مرفوعاً ، = بغير زيادة: (( ولا حول ولا قوة إلا بالله)). (١) رواه الترمذي (٣٤٦٠)، وجاء في النسخ: (عمر ) بدل ( عمرو). (٢) رواه ابن ماجه (٣٨٠٩). (٣) رواه مسلم (٢٦٩٥) . (٤) قال الحافظ العراقي: ( رواها المستغفري في (( الدعوات)) من رواية مالك بن دينار : أن أبا أمامة قال للنبي صلى الله عليه وسلم : قلت : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله، والله أكبر .. خير من الدنيا وما فيها، قال: (( أنت أغنم القوم))، وهو مرسل جيد الإسناد ). ((إتحاف)) (١٤/٥). .43 ٣٦٢ ٤٠ 1 ربع العبادات كتاب الأذكار والدعوات سبحانَ اللهِ ، والحمدُ للهِ ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ ، لا يضرُّكَ بأيِّهِنَّ بدأتَ)). رواهُ سَمُرَةُ بنُ جُندُّب(١). وروى أبو مالكِ الأشعريُّ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يقولُ : (( الطُّهورُ شطْرُ الإيمانِ، والحمدُ للهِ تملأُ الميزانَ، وسبحانَ اللهِ واللهُ أكبرُ تملأُ ما بينَ السماءِ والأرضِ ، والصلاةُ نورٌ ، والصدقةُ برهانٌ ، والصبرُ ضياءٌ ، والقرآنُ حجَّةٌ لكَ أوْ عليكَ ، كلُّ الناسِ يغدو ؛ فبائعٌ نفسَهُ فمعتقُها أوْ موبقُها»(٢) . كلين محدد وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( كلمتانِ خفيفتانِ على اللسانِ ، ثقيلتانِ في الميزانِ ، حبيبتانِ إلى الرحمنِ : سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ ، سبحانَ اللهِ العظيمِ))(٣) . وقالَ أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ أيُّ الكلام أحبُّ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ؟ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما اصطفى اللهُ عزَّ وجلَّ الملائكتِهِ : سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ ، سبحانَ اللهِ العظيمِ ))(٤) (١) رواه مسلم ( ٢١٣٧) . (٢) رواه مسلم (٢٢٣) بنحوه، وهو بلفظ المصنف هنا: ((وسبحان الله والله أكبر ... )) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٨٤/٣)، والبيهقي في (( السنن الكبرى)) (٤٢/١). (٣) رواه البخاري (٦٦٨٢)، ومسلم (٢٦٩٤). (٤) رواه مسلم (٢٧٣١) بنحوه ودون زيادة: (( سبحان الله العظيم))، وعند الترمذي (٣٥٩٣) بلفظ المصنف ، ولفظ المرفوع فيه: (( ما اصطفى الله لملائكته : سبحان ربي وبحمده، سبحان ربي وبحمده)"، وانظر ((الإتحاف)) (١٥/٥). ٠,5 حنا ٣٦٣ كتاب الأذكار والدعوات ربع العبادات وقالَ أبو هريرةً: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ تعالى اصطفىُ مِنَ الكلام : سبحانَ اللهِ ، والحمدُ للهِ ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ ، فإذا قالَ العبدُ : سبحانَ اللهِ .. كُتِبَ لهُ عشرونَ حسنةً، وحُطَّ عنهُ عشرونَ سيئةً، وإذا قالَ: اللهُ أكبرُ .. فمثلُ ذلك))، وذكرَ إلى آخرِ الكلماتِ (١). وقالَ جابرٌ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ قالَ : سبحانَ اللهِ وبحمدِهِ .. غرستْ لهُ نخلةٌ في الجنَّةِ))(٢). وعنْ أبي ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: قالَ الفقراءُ لرسولِ الهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ذهبَ أهلُ الدثورِ بالأجورِ ؛ يصلُّونَ كما نصلِّي ، ويصومونَ كما نصومُ، ويتصدَّقونَ بفضولِ أموالِهِمْ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أوَليسَ قدْ جعلَ اللهُ لكُمْ ما تصدَّقونَ بهِ ؟! إنَّ لكمْ بكلِّ تسبيحةٍ صدقةٌ ، وتحميدةٍ صدقةٌ ، وتهليلةٍ صدقةً ، وتكبيرةٍ صدقةً، وأمرٌ بمعروفٍ صدقةٌ ، ونهيٌّ عنْ منكرٍ صدقةٌ ، ويضعُ أحدُكُمْ اللقمةَ في في أهلِهِ فهيَ لهُ صدقةٌ ، وفي بُضْع أحدِكُمْ صدقةٌ))، قالوا : يا رسولَ اللهِ ؛ يأتي أحدُنا شهوتَهُ ويكونُ لهُ فيها أجرٌ ؟! قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( أرأيتُمْ لوْ وضعها في حرام .. أكانَ عليهِ فيها وزرٌ؟ قالُوا: نعم، قالَ: كذلكَ إنْ وضعَها في الحلالِ .. كانَ لهُ فيها أجرٌ))(٣). C (١) رواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٨٤٦)، وفي ثواب: ((الحمد لله)) قال : ((كتب له ثلاثون حسنة ، وحطت عنه ثلاثون سيئة)). (٢) رواه الترمذي (٣٤٦٤) . (٣) رواه مسلم ( ١٠٠٦ ) . حن حن حن حن عـ وت. ٣٦٤ ٹ مدن ربع العبادات كتاب الأذكار والدعوات وقالَ أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : قلتُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : سبقَ أهلُ الأموالِ بالأجرِ ؛ يقولونَ ما نقولُ ، وينفقونَ ولا ننفقُ ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( أفلا أدلُّكَ على عملٍ إذا أنتَ فعلتَهُ .. أدركتَ مَنْ قبلَكَ، وفُتَّ مَنْ بعدَكَ إلا منْ قالَ مثلَ قولِكَ ؟ تسبِّحُ اللهَ بعدَ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثينَ، وتحمدُ ثلاثاً وثلاثينَ، وتكبِّرُ أربعاً وثلاثينَ))(١). وروتْ يُسَيْرَةُ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَنَّهُ قالَ: ((عليكنَّ بالتسبيح والتهليلِ والتقديسٍ، فلا تغفلْنَ، واعقدْنَ بالأناملِ؛ فإنَّها مستنطَقاتٌ))(٢)، يعني: بالشهادةِ في القيامةِ. وقالَ ابنُ عمٍو: ( رأيتُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يعقدُ التسبيحَ)(٣). وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيما شهدَ عليهِ أبو هريرةَ وأبو سعيدٍ الخدريُّ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((إذا قالَ العبدُ: لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ .. قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: صدقَ عبدي، لا إلهَ إلا أنا، وأنا أكبرُ، وإذا قالَ العبدُ: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ .. قال اللهُ تعالى : صدقَ عبدي ، لا إلهَ إلا أنا وحدِي لا شريكَ لي، وإذا قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ، (١) رواه ابن ماجه (٩٢٧)، والمرفوع بصيغة الجمع ، وفيه قول ابن عيينة: ( لا أدري أيتهن أربع)، وهو بلفظ المصنف عند النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (١٤٧) عن أبي الدرداء رضي الله عنه. (٢) رواه أبو داوود (١٥٠١)، والترمذي (٣٥٨٣). (٣) رواه أبو داوود (١٥٠٢)، والترمذي (٣٤١١)، والنسائي (٧٩/٣)، ووقع في النسخ : ( عمر ) بدل ( عمرو ) . ٣٦٥ ـين كتاب الأذكار والدعوات ربع العبادات ولا حولَ ولا قوَّةً إلا باللهِ .. يقولُ اللهُ تعالى: صدقَ عبدي، لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّ بي، ومَنْ قالَهُنَّ عندَ الموتِ .. لمْ تمُّهُ النارُ))(١). وروى مصعبُ بنُ سعدٍ عنْ أبيهِ ، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ : ((أيعجزُ أحدُكُمْ أنْ يكسبَ كلَّ يوم ألفَ حسنةٍ ؟ فقيلَ: كيفَ ذلكَ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يسبِّحُ اللهَ تعالى مئةَ تسبيحةٍ ، فيُكتبُ لهُ ألفُ حسنةٍ، ويُحطُّ عنهُ ألفُ سيئةٍ))(٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يا عبدَ اللهِ بنَ قيسٍ، أَوْ يا أبا موسى ؛ ألا أدلُّكَ على كنزٍ مِنْ كنوزِ الجنَّةِ؟ )) قالَ: بلى، قالَ: ((قل: لا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ باللهِ))(٣). وفي روايةٍ أخرى: ((ألا أعلِّمكَ كلمةٌ مِنْ تحتِ العرشِ : لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ)) (٤) . ٢٠ وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ألا أدلُّكَ على عملٍ مِنْ كنزِ الجنَّةِ مِنْ تحتِ العرشِ ، قولُ : لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ ، يقولُ اللهُ تعالى: أسلَمَ عبدي واستسلمَ ))(٥) . (١) رواه الترمذي (٣٤٣٠)، وابن ماجه (٣٧٩٤) بنحوه . (٢) رواه مسلم (٢٦٩٨) والعطف فيه بـ (( أو))، وبرواية المصنف عند الترمذي (٣٤٦٣). (٣) رواه البخاري (٤٢٠٥)، ومسلم (٢٧٠٤) ، وعبد الله بن قيس هو سيدنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه . (٤) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٩٧٥٧). (٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٩٨/٢). ٣٦٦ ربع العبادات ١٠٠٪ كتاب الأذكار والدعوات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ قالَ حينَ يصبحُ : رضيتُ باللهِ ربّاً ، وبالإسلام ديناً، وبالقرآنِ إماماً، وبمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نبيّاً ورسولاً .. كانَ حقّاً على اللهِ سبحانَهُ أنْ يرضيَهُ يومَ القيامةِ» ، وفي روايةٍ : ((مَنْ قالَ ذلك .. رضيَ اللهُ عنهُ))(١). وقالَ مجاهدٌ : ( إذا خرجَ الرجلُ مِنْ بيتِهِ فقالَ : باسم اللهِ .. قالَ الملكُ : هديتَ ، فإذا قالَ : توكلتُ على اللهِ .. قالَ الملكُ: كفيتَ، وإذا قالَ : لا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ باللهِ .. قالَ الملكُ: وقيتَ، فتتفرَّقُ عنهُ الشياطينُ ، فيقولونَ : ما تريدونَ مِنْ رجلٍ قَدْ هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ؟ لا سبيلَ لكمْ إليهِ )(٢). حن فإِنْ قلتَ : فما بالُ ذكرِ اللهِ سبحانَهُ معَ خفَّتِهِ على اللسانِ وقلَّةِ التعب فيهِ .. صارَ أفضلَ وأنفعَ مِنْ جملةِ العباداتِ معَ كثرةِ المشقَّاتِ فيها ؟ فاعلمْ : أَنَّ تحقيقَ هذا لا يليقُ إلا بعلمِ المكاشفةِ ، والقدْرُ الذي يُسمحُ بذكرِهِ في علمِ المعاملةِ أَنَّ المؤثِّرَ النافعَ هوَ الذكرُ على الدوامِ معَ حضورِ القلبِ ، فأمَّا الذكرُ باللسانِ والقلبُ لاهٍ .. فهوَ قليلُ الجدوى ، وفي الأخبارِ (١) رواه أبو داوود (٥٠٧٢)، والترمذي (٣٣٨٩)، وابن ماجه (٣٨٧٠). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٩٥/٣) عن مجاهد ، وهو عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٩٨١٤) عنه، عن عبد الله بن ضمرة ، عن كعب الأحبار ، ونحوه عند ابن ماجه (٣٨٨٦) مرفوعاً من غير طريق مجاهد . ٣٦٧ ترچ نتزع ق2َ كتاب الأذكار والدعوات ربع العبادات - .-. ما يدلُّ على ذلكَ أيضاً(١) ، وحضورُ القلبِ في لحظةٍ بالذكرِ والذهولُ عنِ اللهِ تعالى معَ الاشتغالِ بالدنيا أيضاً قليلُ الجدوى ، بلْ حضورُ القلبِ معَ اللهِ تعالى على الدوامِ أوْ في أكثرِ الأوقاتِ هوَ المقدَّمُ على العباداتِ ، بلْ بهِ تَشْرُفُ سائرُ العباداتِ ، وذلكَ هوَ غايةُ ثمرةِ العباداتِ العمليّةِ . وللذكرِ أوَّلٌ وآخرٌ، فأوَّلُهُ يوجبُ الأُنسَ والحبّ، وآخرُهُ يوجبُهُ الأُنسُ والحبُّ ويصدرُ عنهُ ، والمطلوبُ هوَ ذلكَ الأنسُ والحبُّ ، فإنَّ المريدَ في بدايةِ الأمرِ قدْ يكونُ متكلَّفاً بصرْفِ قلبهِ ولسانِهِ عنِ الوسواسِ إلى ذكّرِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فإنْ وُفِّقَ للمداومةِ .. أنسَ بهِ ، وانغرسَ في قلبِهِ حبُّ المذكورِ . ولا ينبغي أنْ يُتعجّبَ مِنْ هذا ، فإنَّ مِنَ المشاهَدِ في العاداتِ أنْ يُذكرَ غائبٌ غيرُ مشاهدٍ بينَ يدي شخصٍ ويكرَّرَ ذكرُ خصالِهِ عندَهُ فيحبَّهُ ، وقدْ يعشقُ بالوصْفِ وكثرةِ الذكرِ ، ثمَّ إذا عشقَ بكثرةِ الذكرِ المتكلَّفِ أوَّلاً .. صارَ مضطراً إلى كثرةِ الذكرِ آخراً، بحيثُ لا يصبرُ عنهُ، فإنَّ مَنْ أحبَّ شيئاً .. أكثرَ مِنْ ذكرِهِ، ومَن أكثرَ ذكرَ شيءٍ وإنْ كانَ تكلُّفاً .. أحبَّهُ ؛ فكذلكَ أوَّلُ الذكرِ متكلَّفٌ إلى أنْ يثمرَ الأُنسَ بالمذكورِ والحبَّ لهُ ، ثمَّ يمتنعُ الصبرُ عنهُ آخراً، فيصيرُ الموجَبُ موجِباً والثمرةُ مثمراً . ـكن (١) قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا نُذْهِهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَعُّ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وروى الترمذي (٣٤٧٩) عن أبي هريرة مرفوعاً: (( ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافلٍ لاهٍ )) . ٣٦٨ ربع العبادات كتاب الأذكار والدعوات وهذا معنى قولِ بعضِهِمْ : ( كابدتُ القرآنَ عشرينَ سنةً ، ثمَّ تنعمتُ بهِ عشرينَ سنةٌ)(١) ، ولا يصدرُ التنعُّمُ إلا مِنَ الأَنْسِ والحبِّ ، ولا يصدرُ الأنسُ إلا مِنَ المداومةِ على المكابدةِ والتكلُّفِ مدَّةً طويلةٌ، حتَّى يصيرَ المتكلَّفُ طبعاً . وكيفَ يُستبعدُ هذا وقدْ يتكلَّفُ الإنسانُ تناول طعام يستبشعُهُ أَوَّلاً ، ويكابدُ أكلَهُ ، ويواظبُ عليهِ ، فيصيرُ موافقاً لطبعِهِ ، حتَّى لا يصبرُ عنهُ! فالنفسُ معتادةٌ متحمِّلةٌ لما تتكلَّفُ ، وقدْ قيلَ (٢): [من الطويل] هيَ النَّفْسُ ما عؤَدْتَها تَتَعَوَّدُ أيْ : ما كلفْتَها أوَّلاً يصيرُ لها طبعاً آخراً . ثمَّ إذا حصلَ الأنسُ بذكْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ .. انقطعَ عنْ غيرِ ذكْرِ اللهِ سبحانَهُ ، وما سوى اللهِ سبحانَهُ هوَ الذي يفارقُهُ عندَ الموتِ ، فلا يبقى معَهُ في القبرِ أهلٌ ولا مالٌ ولا ولدٌ ولا ولايةٌ ، ولا يبقى إلا ذكرُ اللهِ سبحانَهُ(٣)، (١) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٣٢٠/٢)، ولفظه: ( الصلاة) بدل (القرآن)، وهو بلفظ المصنف في ((القوت)) (٥٠/١) . ٨٠٠ ـط (٢) أصل هذا الشعر لعلي بن الجهم في ((ديوانه)) (ص١٧٢)، وانظر ((الإتحاف)) (٢١/٥). (٣) أي: يبقى ذكر الله تعالى عملاً للذاكر بعد الموت ولا ينقطع ، لا أن أجره فقط هو الذي يبقى ؛ إذ كل الأعمال الصالحات أجرها باقٍ بعد الموت ، قال الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (٢٢/٥): (وما ورد في الخبر: ((إذا مات ابن آدم .. انقطع عمله إلا من ثلاث)) الحديث .. فإن المراد عمله الدنيوي ، وهو في عالم الملك، وأما ذكر الله .. فهو في عالم الملكوت ، فهو كالمستثنى في الأعمال ) . وسيفصل المصنف ذلك . ٣٦٩ كن ش حن حن 2 حن حن حن ثن كتاب الأذكار والدعوات در ربع العبادات ٥ فإنْ كانَ قدْ أنسَ بهِ .. تمتّعَ بهِ ، وتلذَّذَ بانقطاع العوائقِ الصارفةِ عنهُ؛ إذْ ضروراتُ الحاجاتِ في الحياةِ الدنيا تصدُّ عنْ ذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ولا يبقى بعدَ الموتِ عائقٌ، فَكأَنَّهُ خُلِّيَ بِينَهُ وبينَ محبوبِهِ ، فعظمَتْ غبطتُهُ ، وتخلَّصَ مِنَ السجنِ الذي كانَ ممنوعاً فيهِ عمَّا بهِ أنسُهُ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ روحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعي : أحببْ ما أحببتَ فإنَّكَ مفارقُهُ))، أرادَ بهِ كلَّ ما يتعلَّقُ بالدنيا، فإنَّ ذلكَ يفنى في حقِّهِ بالموتِ ، فكلُّ مَنْ عليها فانٍ ، ويبقى وجهُ ربِّكَ ذو الجلالِ والإكرامِ . وإنَّما تفنى الدنيا بالموتِ في حقِّهِ إلى أنْ تفنى في نفسِهَا عندَ بلوغِ الكتابِ أجلَهُ ، وهذا الأنسُ يتلذَّذُ بهِ العبدُ بعدَ موتِهِ إلى أنْ ينزلَ في جوارِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ويترقَّى مِنَ الذكرِ إلى اللقاءِ ، وذلكَ بعدَ أنْ يُعثَرَ ما في القبورِ ، ويحصَّلَ ما في الصدورِ . ولا ينكرنَّ بقاءَ ذكْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ معهُ بعدَ الموتِ فيقولَ : إنَّهُ أعدمَ ، فكيفَ يبقى معهُ ذكرُ اللهِ عزَّ وجلَّ ؟ ـحن فإنّهُ لمْ يُعدمْ عدماً يمنعُ الذكرَ ، بل عدماً مِنَ الدنيا وعالمِ الملكِ والشهادةِ ، لا مِنْ عالم الملكوتِ، وإلى ما ذكرناهُ الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((القبرُ إِمَّا حفرةٌ مِنْ حفرِ النارِ، أوْ روضةٌ مِنْ رياضِ الجنَّةِ))(١)، وبقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أرواحُ الشهداءِ في حواصلٍ طيرٍ (١) رواه الترمذي (٢٤٦٠) . ٣٧٠ ربع العبادات كتاب الأذكار والدعوات خضْرٍ ))(١)، وبقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لقتلى بدرٍ مِنَ المشركينَ: ((يا فلانُ يا فلانُ - وقدْ سمَّاهُمُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - : هلْ وجدتُمْ ما وعدَكُمْ رتِّكُمْ حقّاً؟ فإِنِّي قدْ وجدتُ ما وعدَني ربِّي حقّاً))، فسمعَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ قولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ كيفَ يسمعونَ، وأنَّى يجيبونَ وقدْ حَيَّقوا؟! فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((والذي نفسي بيدهِ؛ ما أنتمْ بأسمعَ لكلامي منهُمْ، ولكنَّهُمْ لا يقدرونَ أنْ يجيبوا)» ، والحديثُ في ((الصحيح))(٢)، هذا قولُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في المشركينَ. وأمَّا المؤمنونَ والشهداءُ .. فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أرواحُهُمْ في حواصلٍ طيرٍ خُضْرٍ معلّقةٍ تحتَ العرشِ))(٣) ، وهذهِ الحالةُ وما أشيرَ بهذهِ الألفاظِ إليهِ لا ينافي ذكرَ اللهِ عزَّ وجلَّ . ٢٠ ٣. سـ ١٥٠٠٠٠٠ وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَّنْهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآيةَ، ولأجلِ شرفِ ذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ عظمَتْ رتبةُ الشهادةِ؛ لأنَّ المطلوبَ الخاتمةُ ، ونعني بالخاتمةِ : وداعَ الدنيا والقدومَ على اللهِ عزَّ وجلَّ والقلبُ مستغرقُ باللهِ تباركَ وتعالى منقطعُ العلائقِ عنْ غيرِهِ ، فإنْ قدرَ عبدٌ (١) رواه مسلم (١٨٨٧)، وعند أبي داوود (٢٥٢٠) بنحوه مصرحاً برفعه في شهداء أحد . (٢) أي: في ((صحيح مسلم)) ( ٢٨٧٥)، وجَيَّقوا : أنتنوا . (٣) رواه ابن ماجه (١٤٤٩) في أرواح المؤمنين خاصة، والذي سبق في أرواح الشهداء. ٣٧١ كتاب الأذكار والدعوات ربع العبادات على أنْ يجعلَ همَّهُ مستغرقاً باللهِ عزَّ وجلَّ .. فلا يقدرُ على أنْ يموتَ على تلكَ الحالةِ إلَّ في صفِّ القتالِ؛ فإنَّهُ قطعَ الطمعَ عنْ مهجتِهِ وأهلِهِ ومالِهِ وولدِهِ ، بلْ مِنَ الدنيا كلِّها ، فإنَّهُ يريدُ ذلكَ لحياتِهِ ، وقدْ هوَّنَ على قلبِهِ حياتَهُ في حبِّ اللهِ عزَّ وجلَّ وطلبٍ مرضاتِهِ ، فلا تجزُّدَ للهِ تعالى أعظمُ مِنْ ذلكَ، ولذلكَ عظَمَ أمرُ الشهادةِ ، ووردَ فيهِ مِنَ الفضائلِ ما لا يحصى ، فمِنْ ذلكَ : أَنَّهُ لمَّا استشهدَ عبدُ اللهِ بن عمرٍو الأنصاريُّ يومَ أحدٍ .. قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لجابرِ ابنِهِ : ((ألا أبشِّرُكَ يا جابرُ؟)) قالَ: بلى بشَّرَكَ اللهُ بالخيرِ، قالَ: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أحيا أباكَ ، فأقعدَهُ بينَ یدیهِ وليسَ بينَهُ وبينَهُ سترٌ ، فقال تعالى : تمنَّ عليَّ يا عبدي ما شئتَ أعطيكَهُ ، فقالَ : يا ربِّ ؛ أن تردّني إلى الدنيا حتَّى أقتلَ فيكَ وفي نبيِّكَ مرَّةً أخرى ، فقالَ تعالى : سبقَ القضاءُ مِنِّي بأنَّهُمْ إليها لا يرجعونَ)) (١). ثُمَّ القتلُ سببُ الخاتمةِ على مثلِ هذهِ الحالةِ ، فإنَّهُ لَوْ لمْ يقتلْ وبقيَ مدَّةً .. ربما عادَتْ شهواتُ الدنيا وغلبَتْ ما استولى على قلبِهِ مِنْ ذكرِ اللهِ تعالى ، ولهذا عظَمَ خوفُ أهلِ المعرفةِ مِنَ الخاتمةِ ، فإنَّ القَلْبَ وإنْ ألزمَ ذكرَ اللهِ تعالى .. فهوَ متقلّبٌ ، لا يخلو عنِ الالتفاتِ إلى شهواتِ الدنيا ، ولا ينفكُ عنْ فترةٍ تعتريهِ ، فإذا تمثّلَ في آخرِ الحالِ في قلبهِ أمرٌ مِنَ الدنيا واستولى عليهِ وارتحلَ عنِ الدنيا والحالةُ هذهِ .. فيوشكُ أنْ يبقى استيلاؤُهُ ـئة مثن حن حن حن ف شن (١) رواه الترمذي (٣٠١٠)، وابن ماجه (١٩٠)، وقوله: ((وفي نبيك)) عند ابن أبي الدنيا في ((المتمنين)) (٣). بسبب ٣٧٢ ربع العبادات کتاب الأذكار والدعوات ش عليهِ ، فيحيا بعدَ الموتِ على ذلكَ ، ويتمنَّى الرجوعَ إلى الدنيا ، وذلكَ لقلَّةِ حظّهِ في الآخرةِ ؛ إذْ يموتُ المرءُ على ما عاشَ عليهِ ، ويحشرُ على ما ماتَ عليهِ . وأسلمُ الأحوالِ عنْ هذا الخطرِ خاتمةُ الشهادةِ إذا لمْ يكنْ قصدُ الشهيدِ نيلَ مالٍ، أَوْ أنْ يقالَ: شجاعٌ، أوْ غيرَ ذلكَ؛ كما وردَ بهِ الخبرُ(١)، بلْ حبَّ اللهِ عزَّ وجلَّ وإعلاءَ كلمتِهِ ، فهذهِ الحالةُ هيَ التي عبِّرَ عنها بأنَّ اللهَ اشترىُ مِنَ المؤمنينَ أَنفسَهُمْ وأموالَهُمْ بأنَّ لهُمُ الجنَّةَ، ومثلُ هذا الشخصِ هوَ البائعُ للدنيا بالآخرةِ . وحالةُ الشهيدِ توافقُ معنى قولِكَ : ( لا إلهَ إلا اللهُ)؛ فإنَّهُ لا مقصودَ لهُ سوى اللهِ عزَّ وجلَّ ولا معبودَ لهُ سواهُ ، وكلُّ مقصودٍ معبودٌ ، وكلُّ معبودٍ إلهٌ ، فهذا الشهيدُ قائلٌ بلسانِ حالِهِ : ( لا إلهَ إلا اللهُ)؛ إذْ لا مقصودَ لهُ سواه ، ومَنْ يقولُ ذلكَ بلسانِهِ ولمْ يساعدْهُ حالُهُ .. فأمرُهُ في مشيئةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ولا يُؤمنُ في حقِّهِ الخطرُ . (١) ففي ((البخاري)) (٢٨١٠)، و((مسلم)) (١٩٠٤) عن أبي موسى الأشعري قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الرجلُ يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانُهُ، فمن في سبيل الله؟ قال: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا .. فهو في سبيل الله)). وفي ((مسلم)) (١٩٠٥): (( إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد ، فأتي به ، فعرّفه نعمه ، فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت ، قال : كذبت ، ولكنك قاتلت لأن يقال : جريء ، فقد قيل ، ثم أمر به ، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار )) الحديث . ٣٧٣ متن كتاب الأذكار والدعوات ربع العبادات ولذلكَ فضَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قولَ: ( لا إلهَ إلا اللهُ) على سائرِ الأذكارِ(١) ، وذكرَ ذلكَ مطلقاً في مواضع الترغيبِ، ثُمَّ ذكرَ في بعضِ المواضع الصدقَ والإخلاصَ، فقالَ مرَّةً: « مَنْ قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ مخلصاً ))(٢) ومعنى الإخلاصِ : مساعدةُ الحالِ للمقالِ . فنسألُ اللهَ تعالى أنْ يجعلَنا في الخاتمةِ مِنْ أهلِ ( لا إلهَ إلا اللهُ) حالاً ومقالاً ، وظاهراً وباطناً ، حتَّى نودِّعَ الدنيا غيرَ ملتفتينَ إليها ، بلْ متبرِّمينَ بها، ومحبِّينَ للقاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فإنَّ مَنْ أحبَّ لقاءَ اللهِ تعالى .. أحبَّ اللهُ لقاءَهُ، ومَنْ كره لقاءَ اللهِ .. كرهَ اللهُ لقاءَهُ(٣). فهذهِ مرامزُ إلى معاني الذكرِ ، لا يمكنُ الزيادةُ عليها في عِلْمٍ المعاملةِ . (١) كما روى ذلك الترمذي (٣٣٨٣)، وابن ماجه (٣٨٠٠) . (٢) فقيّدها ههنا بالإخلاص، وهو مروي عند الطبراني في «الأوسط)) ( ١٢٥٧)، وأبي نعيم في «الحلية)» (٩/ ٢٥٤). (٣) كما روى ذلك البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٣)، وسيأتي للمصنف في آخر الكتاب . ٣٧٤ ---- ربع العبادات كتاب الأذكار والدعوات البَابُ الثَّانِي في آداب الدعاء وفضله، وفضل بعض الأوعية المأثورة وفضية الصّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضيلة الاستغفار فضيلة الدّعاء قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِيبُوالِ﴾ . وقال تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ج وقال تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾. ج وقالَ تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. 5 وروى النعمانُ بنُ بشيرِ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((إنَّ الدعاءَ هوَ العبادةُ، ثمَّ قرأَ: ﴿ أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الدعاءُ مخُّ العبادةِ))(٢). (١) رواه أبو داوود (١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩)، والنسائي في (« السنن الكبرى)) (١١٤٠٠)، وابن ماجه ( ٣٨٢٨). (٢) رواه الترمذي ( ٣٣٧١)، وإنما كان مخّاً لها لأن الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله = ٣٧٥ حن ش كتاب الأذكار والدعوات ربع العبادات ـحن وروى أبو هريرةَ أَنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( ليسَ شيءٌ أكرمَ على اللهِ عزَّ وجلَّ مِنَ الدعاءِ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ العبدَ لا يخطئُهُ مِنَ الدعاءِ إحدىُ ثلاثٍ : إمَّا ذنبٌ يُغفرُ لهُ، وإمَّا خيرٌ يُعجَّلُ لهُ، وإمَّا خيرٌ يُدَّخرُ لهُ))(٢). وقالَ أبو ذرِّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( يكفي مِنَ الدعاءِ معَ البرِّ ما يكفي معَ الطعامِ مِنَ الملحِ)(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( سلوا اللهَ تعالىُ مِنْ فضلِهِ، فإنَّهُ تعالى يُحِبُّ أنْ يُسألَ ، وأفضلُ العبادةِ انتظارُ الفرجِ))(٤) . مما سواه ، وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص ، ولا عبادة فوقهما ، أو لما فيه من إظهار = الافتقار والتبري من الحول والقوة، وهو سمة العبودية واستشعار البشرية. ((إتحاف)) (٢٩/٥ ) . (١) رواه الترمذي (٣٣٧٠)، وابن ماجه (٣٨٢٩). (٢) هو بلفظ المصنف عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٧٤٩)، وبنحوه عند أبي نعيم في ((الحلية)) (٣٢٤/٢)، وهو عند أحمد في ((المسند)) (١٨/٣) بلفظ: (( ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم .. إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاثٍ : إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها))، قالوا: إذاً نكثر، قال: ((الله أكثر)). مدة ـحن (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣١٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٤/١). (٤) رواه الترمذي (٣٥٧١) . ٣٧٦ من ربع العبادات مدں كتاب الأذكار والدعوات ـمن آداب الدعاء وهي عشرة الأوَّلُ : أنْ يترصَّدَ لدعائِهِ الأوقاتَ الشريفةً : كيوم عرفةً مِنَ السنةِ ، ورمضانَ مِنَ الشهورِ ، ويوم الجمعةِ مِنَ الأسبوع ، ووقتِ السحرِ مِنْ ساعاتِ الليلِ ، قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَبِلْأَشْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، ولقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ينزلُ اللهُ عزَّ وجلَّ كلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا حينَ يبقى ثلثُ الليلِ الأخيرُ ، فيقولُ عزَّ وجلَّ : مَنْ يدعوني فأستجيبَ لهُ؟ مَنْ يسألني فأعطيَهُ؟ مَنْ يستغفرُني فأغفرَ لهُ؟)) (١). حن حن وقيلَ: إنَّ يعقوبَ على نبيًِّا وعليهِ السلامُ إنَّما قالَ لبنيهِ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبٍِ﴾ ليدعوَ في وقتِ السحرِ ، فقيلَ: إِنَّهُ قامَ وقتَ السحرِ يدعو وأولادُهُ يؤمِّنونَ خلفَهُ، فأوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إليهِ : أنِّي قدْ غفرتُ لهُمْ وجعلتُهُمْ أنبياءَ(٢) . (١) رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم ( ٧٥٨). (٢) تأخيره الدعاء عليه السلام إلى وقت السحر عند الطبري في ((تفسيره)) (٨٣/١٣/٨)، وتأخيره الدعاء إلى ليلة الجمعة جاء في حديث علي رضي الله عنه عند الترمذي (٣٥٧٠)، وانظر ((الدر المنثور)) (٥٨٥/٤). فتـ ٣٧٧ دں 2 كتاب الأذكار والدعوات ربع العبادات شرم الثاني : أنْ يغتنمَ الأحوالَ الشريفةَ : قالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إنَّ أبوابَ السماءِ تُفْتَّحُ عندَ زحْفٍ الصفوفِ في سبيلِ اللهِ تعالى ، وعندَ نزولِ الغيثِ ، وعندَ إقامةِ الصلواتِ المكتوبةِ ؛ فاغتنموا الدعاءَ فيها )(١) . وسـ وقالَ مجاهدٌ : ( إِنَّ الصلاةَ جُعلَتْ في خيرِ الساعاتِ ، فعليكُمْ بالدعاءِ خلفَ الصلواتِ)(٢). /٠٧ وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الدعاءُ بينَ الأذانِ والإقامةِ لا يردُّ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أيضاً: ((الصائمُ لا ترذُّ دعوتُهُ))(٤). وبالحقيقةِ : يرجعُ شرفُ الأوقاتِ إلى شرفِ الحالاتِ أيضاً ؛ إذْ وقتُ السحرِ وقتُ صفاءِ القلبِ وإخلاصِهِ ، وفراغِهِ مِنَ المشوشاتِ ، ويومُ عرفةً ويومُ الجمعةِ وقتُ اجتماع الهمَمِ وتعاونِ القلوبِ على استدرارِ رحمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فهذا أحدُ أسبابِ شرفِ الأوقاتِ سوىُ ما فيها مِنْ أسرارٍ لا يطلعُ البشرُ عليها . (١) بنحوه عند الطبراني في ((الكبير)) (١٧١/٨) مرفوعاً من حديث أبي أمامة رضي الله عنه ، وعند أبي نعيم في «الحلية)) (٣٢٠/٩) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٢) روى النسائي في (( السنن الكبرى)) (٩٨١٧) عن أنس رضي الله عنه: (إذا أقيمت الصلاة .. فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء ) . (٣) رواه النسائي في (( السنن الكبرى)) ( ٩٨١٢). (٤) رواه أحمد في ((المسند)) ( ٢/ ٤٧٧). ٣٧٨ ربع العبادات كتاب الأذكار والدعوات ١٠٠ وحالةُ السجودِ أيضاً جديرةٌ بالإجابةِ ، قالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أقربُ ما يكونُ العبدُ مِنْ ربَّهِ عزَّ وجلَّ وهوَ ساجِدٌ، فأكثروا مِنَ الدعاءِ)) (١). وروى ابنُ عباس رضيَ اللهُ عنهُ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ : (( إنِّي نهيتُ أنْ أقرأَ القرآنَ راكعاً أَوْ ساجداً، فأمَّا الركوعُ .. فعظَّموا فيهِ الربّ تباركَ وتعالى، وأمَّا السجودُ .. فاجتهدُوا فيهِ بالدعاءِ ؛ فإنَّهُ قمرٌ أنْ يستجابَ لَكُمْ))(٢) . ٠٠ . الثالثُ : أنْ يدعوَ مستقبل القبلةِ ، ويرفعَ يديهِ بحيثُ يُرى بياضُ إِبْطِيهِ : روى جابرُ بنُ عبدِ اللهِ : ( أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أتى الموقفَ بعرفةَ واستقبلَ القبلةَ، ولمْ يزلْ يدعو حتَّى غربتِ الشمسُ)(٣). وقالَ سلمانُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ ربَّكُمْ حييٍّ كريمٌ يستحيي مِنْ عبدِهِ إذا رفعَ يديهِ إليهِ أنْ يردَّهُما صفراً )) (٤). (١) رواه مسلم ( ٤٨٢ ) . ٢٠٠ (٢) رواه مسلم ( ٤٧٩ ) . (٣) قطعة من حديث طويل رواه مسلم (١٢١٨)، وفيه: ( فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس)، وعند النسائي من حديث أسامة رضي الله عنه (٢٥٤/٥): ( فرفع يديه يدعو ) . (٤) رواه أبو داوود ( ١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥). ٣٧٩ ٠٫٠ كتاب الأذكار والدعوات ربع العبادات ....---- وروى أنسٌ : ( أَنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ یرفعُ یدیهِ حتَّى يُری بیاضُ إِبْطِيهِ في الدعاءِ ، ولا يشيرُ بإصبعيهِ)(١) . ٥٠٠ وروى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مزَّ على إنسانٍ يدعو ويشير بإصبعيه السبابتينِ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أخِّدْ أحِّذْ))(٢) ؛ أىٍ : اقتصرْ على الواحدةِ. وقالَ أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ارفعوا هذهِ الأيديَ قبلَ أنْ تُغْلَّ بالأغلالٍ )(٣). ثمَّ ينبغي أنْ يمسحَ بهما وجهَهُ في آخرِ الدعاءِ ، قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا مدَّ يديهِ في الدعاءِ .. لمْ يردُّهُما حتَّى يمسحَ بهما وجهَهُ )(٤) . وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا دعا .. ضمَّ كفيهِ وجعلَ بطونَهُما ممَّا يلي وجهَهُ)(٥). ٢٠٠ (١) رواه البخاري (١٠٣١) في الاستسقاء، ومسلم (٨٩٥) عاماً. (٢) رواه الترمذي (٣٥٥٧)، والنسائي (٣٨/٣). (٣) رواه الفريابي في ((الذكر)). ((إتحاف)) (٣٤/٥). (٤) رواه الترمذي (٣٣٨٦). (٥) بنحوه عند الحاكم في ((المستدرك)) (٥٣٦/١) عن ابن عباس مرفوعاً: ((إذا سألتم الله .. فاسألوه ببطون أكفكم ، ولا تسألوه بظهورهما ، وامسحوا بها وجوهكم))، وروى أبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٣/٨) من حديث أنس قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو رافعاً يديه باطنهما مما يلي وجهه ) . ٣٨٠ حي