Indexed OCR Text
Pages 261-280
ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أهلُ القرآنِ أهلُ اللهِ وخاصَّتُهُ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ ههذهِ القلوبَ تصدأُ كما يصدأُ الحديدُ))، فقيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ وما جلاؤُها؟ فقالَ: ((تلاوةُ القرآنِ ، وذكرُ الموتِ ))(٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((للهُ أشدُّ أَذَناً إلى قارىءِ القرآنِ مِنْ صاحبٍ القَينةِ إلىْ قَيْنِهِ))(٣). ٠١. الآثارُ : قالَ أبو أمامةَ الباهليُّ: ( اقرؤوا القرآنَ ولا تغرنَّكُمْ هذهِ المصاحفُ المعلَّقَةُ؛ فإنَّ اللهَ لا يعذِّبُ قلباً وعى القرآنَ )(٤) . وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( إذا أردتُمُ العلمَ .. فأثيروا القرآنَ ؛ فإنَّ فيهِ علمَ الأولين والآخرينَ )(٥) . وقال أيضاً : ( اقرؤوا القرآنَ، فإنَّكُمْ تؤجرونَ عليهِ بكلِّ حرفٍ منهُ عشرَ (١) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٧٩٧٧)، وابن ماجه (٢١٥). (٢) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (١٩٧/٨) بغير ذكر الموت، والبيهقي في (( الشعب)) (١٨٥٩ ) . (٣) رواه ابن ماجه (١٣٤٠)، وأصله في مسلم (٧٩٢)، والأذَن : الاستماع. (٤) رواه الدارمي في ((سننه)) (٣٣٦٢) بتمامه، وهو متوازع في المرفوع . انظر ((الإتحاف)) (٤ / ٤٦٥). (٥) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٨١٤). ٢٦١ كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات حسناتٍ، أَمَا إنِّي لا أقولُ: الحرفُ ((ألم))، ولكنِ الألفُ حرفٌ، واللامُ حرفٌ، والميمُ حرفٌ)(١). وقالَ أيضاً : ( لا يسألُ أحدُكُمْ عنْ نفسِهِ إلا القرآنَ ، فإنْ كانَ يحبُّ القرآنَ ويعجبُهُ .. فهوَ يحبُّ اللهَ سبحانَهُ ورسولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وإنْ كانَ يبغضُ القرآنَ .. فهوَ يبغضُ اللهَ سبحانَهُ ورسولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ)(٢). .من 1:2 وقالَ عمرُو بنُ العاصِ : ( كلُّ آيَةٍ في القرآنِ درجةٌ في الجنَّة ، ومصباحٌ في بيوتِكُمْ)(٣). وقال أيضاً : ( مَنْ قرأ القرآنَ .. فقدْ أدرجتِ النبوّةُ بينَ جنبيهِ إلا أنَّهُ لا يوحى إليهِ )(٤). وقالَ أبو هريرةَ : ( إنَّ البيتَ الذي يُتلىُ فيهِ كتابُ اللهِ اتسعَ بأهلِهِ ، وكَثُرَ خيرُهُ ، وحضرتْهُ الملائكةُ، وخرجتْ منهُ الشياطينُ ، وإنَّ البيتَ الذي لا يُتلى فيهِ كتابُ اللهِ عزَّ وجلَّ ضاقَ بأهلِهِ ، وقلَّ خيرُهُ ، وخرجتْ منهُ الملائكةُ ، وحضرتْهُ الشياطينُ )(٥) . (١) رواه الترمذي (٢٩١٠) عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً، وأشار إلى روايته موقوفاً عليه . (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٠٩٧)، والطبراني في ((الكبير)) (١٣٢/٩) بنحوه، وهو في ((القوت)) (١ /٥٧). (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٧٨٩). (٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٧٩٩). (٥) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٧٩٠). ٢٦٢ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن وقالَ أحمدُ ابنُ حنبل : ( رأيتُ اللهَ عزَّ وجلَّ في المنام ، فقلتُ : يا ربِّ؛ ما أفضلُ ما تقرَّبَ بهِ المتقرِّبونَ إليكَ ؟ قالَ : بكلامي يا أحمدُ ، قالَ : قلتُ : يا ربِّ؛ بفهمٍ أوْ بغيرِ فهمٍ ؟ قالَ: بفهمٍ وبغيرِ فهمٍ)(١). وقالَ محمدُ بنُ كعبِ القرظيُّ : ( إذا سمعَ الناسُ القرآنَ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ .. فكأنَّهُمْ لمْ يسمعوهُ قطُّ)(٢) . وقال الفضيلُ بنُ عياضٍ : ( ينبغي لحاملِ القرآنِ ألا يكونَ لهُ إلى أحدٍ حاجةٌ ، ولا إلى الخلفاءِ فمَنْ دونَهُمْ ، وينبغي أنْ تكونَ حوائجُ الخلقِ إليهِ )(٣). وقال أيضاً : ( حاملُ القرآنِ حاملُ رايةِ الإسلام ، فلا ينبغي أنْ يلهوَ معَ ١- مَنْ يلهو ، ولا يسهوَ مع مَنْ يسهو ، ولا يلغوَ معَ مَنْ يلغو ؛ تعظيماً لحقِّ القرآنِ ) (٤). وقالَ سفيانُ الثوريُّ: ( إذا قرأَ الرجلُ القرآنَ .. قبَّلَ الملكُ بينَ عينيهِ )(٥) . وقالَ عمرُ بنُ ميمونٍ : ( مَنْ نشرَ مصحفاً حينَ يصلِّي الصبحَ ، فقرأَ (١) رواه ابن الجوزي في ((مناقب الإمام أحمد)) (ص ٥٢٧). (٢) رواه مرفوعاً الديلمي كما في ((مسند الفردوس)) ( ٩٨١). (٣) رواه الآجري في ((أخلاق حملة القرآن)) ( ص ٥٠). (٤) رواه الآجري في ((أخلاق حملة القرآن)) ( ص٥١) ضمن الخبر السابق . (٥) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٦٩)، وفيه: ( ختم ) بدل ( قرأ ) . ٤٦٠٠ ٢٦٣ نی ثان كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات مئةَ آيَةٍ .. رفعَ اللهُ عزَّ وجلَّ لهُ مثلَ عملٍ جميع أهلِ الدنيا)(١). ويروى أنَّ خالدَ بنَ عقبةً جاءَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ : اقرأْ عليَّ القرآنَ، فقرأَ عليهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍ ذِى اٌلْقُرْبَ﴾ الآيةَ، فقالَ لهُ: أعدْ؛ فأعادَ، فقالَ: واللهِ؛ إنَّ لهُ لحلاوةً، وإنَّ عليهِ لطلاوةٌ، وإنَّ أسفلَهُ لمغدقٌ، وإنَّ أعلاهُ لمثمرٌ، وما يقولُ هذا بشرٌ(٢). وقالَ الحسنُ : ( واللهِ ؛ ما دونَ القرآنِ مِنْ غنىً ، ولا بعدَهُ مِنْ فاقةٍ ) . وقالَ الفضيلُ: ( مَنْ قرأَ خاتمةَ (( سورة الحشرِ)) حينَ يصبحُ ثُمَّ ماتَ منْ يومِهِ .. خُتِمَ لهُ بطابع الشهداءِ ، ومَنْ قرأَها حينَ يمسي ثمَّ ماتَ مِنْ ليلتِهِ .. خُتِمَ لهُ بطابعِ الشهداءِ)(٣). وقالَ القاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ : قلتُ لبعضِ النسَّاكِ: ما هُهُنا أحدٌ تستأنسُ بهِ ؟ فمدَّ يدَهُ إلى المصحفِ ووضعَهُ على حجرِهِ وقالَ : هذا(٤). (١) ذكره الزمخشري في ((ربيع الأبرار)) (٣٥٤/٢)، وفيه: (عمرو) بدل (عمر) ، ولعل الصواب ما أثبت ، واللهُ أعلم . (٢) كذا حكى هذا القول عن خالد بن عقبة ابنُ عبد البر في ((الاستيعاب)) (ص٢٠٠)، ورواه البيهقي في ((الشعب)) ( ١٣٣) والقائل عنده - وهو المشهور في كتب السير - هو الوليد بن المغيرة . (٣) رواه ابن الضريس في ((فضائل القرآن)) (ص١٧٢) عن الفضيل عن هشام عن الحسن ، وهو عن الحسن بغير طريق الفضيل رواه الدارمي في ((سننه)) (٣٤٦٦). (٤) الخبر في ((الرسالة القشيرية)) (ص ٢٠٠)، ثم قال: وفي معناه أنشدوا : وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتمُ وكتّبُكَ حولي لا تفارقُ مضجعي ٢٦٤ جر من ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن وقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ثلاثٌ يزدْنَ في الحفْظِ ، ويذهبنَ البلغمَ : السواكُ، والصيامُ، وقراءةُ القرآنِ)(١). شرة (١) انظر ((الإتحاف)) (٣٤٩/٢). ٢٦٥ ـر : كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات فِي دَمّ تلاوة الغافلين قالَ أنسُ بنُ مالكِ: ( رُبَّ تالٍ للقرآنِ والقرآنُ يلعنُهُ)(١). وقالَ ميسرةُ : (الغريبُ هوَ القرآنُ في جوفِ الفاجرِ)(٢). وقالَ أبو سليمان الدارانيُّ : ( الزبانيةُ أسرعُ إلى حملةِ القرآنِ الذين يعصونَ اللهَ عزَّ وجلَّ منهُمْ إلى عبدةِ الأوثانِ حينَ عصَوا اللهَ سبحانَهُ بعدَ القرآنِ )(٣). وقالَ بعضُ العلماءِ : ( إذا قرأَ ابنُ آدَمَ القرآنَ ثمّ خلطَ ثمّ عادَ يقرأُ .. قيلَ لهُ: ما لكَ ولكلامي ؟!)(٤) . وقالَ ابنُ الرمَّاحِ : ( ندمتُ على استظهاري القرآنَ ؛ لأنَّهُ بلغني أنَّ (١) كون القرآن على حالين من قارئه ثابت في صحاح الحديث، ففي ((مسلم)) (٢٢٣) مرفوعاً: (( والقرآن حجة لك أو عليك))، وروى ابن الضريس في ((فضائل القرآن)) (ص١٠٤) مرفوعاً: (( يمثل القرآن يوم القيامة رجلاً ، فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره ، فيتمثل له خصماً فيقول : يا رب ؛ حملته إياي فبئس حامل ؛ تعدى حدودي ، وضيع فرائضي ، وركب معصيتي ، وترك طاعتي ، فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال : فشأنك ، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار))، وسيورد المصنف أخباراً في هذا المعنى صريحة . (٢) بمعناه مرفوعاً عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٤٣٠١). (٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٢٣٨٢)، ورواه مرفوعاً أبو نعيم في (( الحلية))" (٢٨٦/٨ ) . (٤) هذا العالم هو يحيى بن الجلاء، روى هذا الخبر البيهقي في ((الشعب)) (٢٣٨٢). ٢٦٦ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن أصحابَ القرآنِ يُسألونَ عمَّا يُسألُ عنهُ الأنبياءُ يومَ القيامةِ)(١). وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( ينبغي لحاملِ القرآنِ أنْ يُعرفَ بليلِهِ إذا الناسُ ينامونَ ، وبنهارِهِ إذا الناسُ يفطرونَ ، وبحزنِهِ إذا الناسُ يفرحونَ ، وببكائِهِ إذا الناسُ يضحكونَ ، وبصمتِهِ إذا الناسُ يخوضونَ ، وبخشوعِهِ إذا الناسُ يختالونَ ، وينبغي لحاملِ القرآنِ أنْ يكونَ سكِّيتاً ليّناً ، ولا ينبغي لهُ أنْ يكونَ جافياً ولا ممارياً ، ولا صيَّاحاً ولا صخَّاباً ولا حديداً)(٢). وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أكثرُ منافقي هذهِ الأمَّةِ قَرَّاؤُها))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((اقرأِ القرآنَ ما نهاكَ، فإنْ لمْ ينهَكَ .. فلستَ تقرؤُهُ )) (٤) . ئ' وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ما آمنَ بالقرآنِ مَنِ استحلَّ محارمَهُ ))(٥) وقالَ بعضُ السلفِ : إنَّ العبدَ ليفتتحُ سورةً فتصلَّي عليهِ الملائكةُ حتَّى اسمـ (١) رواه مرفوعاً من غير طريق ابن الرماح ابنُ عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٧٤/٣٢)، وهو في ((الحلية)) ( ٢٨١/٧) من كلام سفيان بنحوه . (٢) رواه أحمد في ((الزهد)) (٨٩٢)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٧٣٤)، والحديد : صاحب حدَّة الخلق سريع الغضب . (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٤) من زيادات نعيم بن حماد، وأحمد في ((المسند)" (١٧٥/٢ ). (٤) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (١٣٤٥)، وأبو نعيم في (( الحلية)) ( ١٧٧/٥ ) . (٥) رواه الترمذي (٢٩١٨). ٢٦٧ كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات يفرِغَ منها ، وإنَّ العبدَ ليفتتحُ سورةً فتلعنُهُ حتَّى يفرغَ منها ، فقيلَ لهُ : وكيفَ ذلكَ؟! فقالَ: إذا أحلَّ حلالَها وحزَّمَ حرامَها .. صلَّتْ عليهِ، وإلا .. لعنَتْهُ(١). وقالَ بعضُ العلماءِ : ( إنَّ العبدَ ليتلو القرآنَ فيلعنُ نفسَهُ وهوَ لا يعلمُ ؛ يقرأُ: ﴿أَلَا لَغْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ وهوَ ظالمٌ نفسَهُ، ﴿أَلَا لَعْنَهُ اللَّهِ عَلَى اُلَّلِينَ﴾ وهوَ منهُمْ!)(٢). وقالَ الحسنُ : ( إنَّكُمُ اتخذتمْ قراءةَ القرآنِ مراحلَ ، وجعلتُمُ الليلَ جَمَلاً ، فأنتُمْ تركبونَهُ فتقطعونَ بهِ مراحلَهُ ، وإنَّ مَنْ كانَ قبلَكُمْ رأوهُ رسائلَ مِنْ ربِّهِمْ، فكانوا يتدبرونَها بالليلِ وينفذونَها بالنهارِ )(١) . وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( أُنزِلَ القرآنُ عليهمْ ليعملوا بهِ ، فاتخذوا دراستَهُ عملاً ، إنَّ أحدَهُمْ ليقرأُ القرآنَ مِنْ فاتحتِهِ إلى خاتمتِهِ ما يسقطُ منهُ حرفاً وقدْ أسقطَ العملَ بهِ!)(١). وفي حديثِ ابنِ عمرَ وحديثٍ جُنْدَبٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( لقدْ عشْنَا دهراً طويلاً وأحدُنا يُؤْتَى الإيمانَ قبلَ القرآنِ ، فتنزلُ السورةُ على محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيتعلَّمُ حلالَها وحرامَها ، وآمرَها وزاجرَها ، وما ينبغي أنْ يقفَ (١) قوت القلوب (٥٨/١) . (٢) قوت القلوب (٥٨/١)، وفيه وفي كل النسخ: (الكاذبين) بدل (الظالمين) في الموضع الثاني ، وهو خطأ ، والله أعلم . ٢٦٨ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن عندَهُ منها ، ثمَّ لقدْ رأيتُ رجالاً يُؤْتَى أحدُهُمُ القرآنَ قبلَ الإيمانِ ، فيقرأُ ما بينَ فاتحةِ الكتابِ إلى خاتمتِهِ لا يدري ما آمرُهُ ولا زاجرُهُ ، ولا ما ينبغي أنْ يقفَ عندَهُ منهُ، ينثرُهُ نثرَ الدَّقَلِ) (١). وقدْ وردَ في التوراةِ : ( يا عبدي ؛ أما تستحي منِّي ؟! يأتيكَ كتابٌ مِنْ بعضٍ إخوانكَ وأنتَ في الطريقِ تمشي فتعدلُ عنِ الطريقِ وتقعدُ لأجلِهِ وتقرؤُهُ وتتدبَّرُهُ حرفاً حرفاً حتَّى لا يفوتَكَ شيءٌ منهُ، وهذا كتابي أنزلتُهُ إليكَ ، انظرْ كمْ وصَّلْتُ لكَ فيهِ مِنَ القولِ(٢) ، وكمْ كرَّرْتُ عليكَ فيهِ لِتَأْمَّلَ طولَهُ وعرضَهُ، ثمَّ أنتَ معرضٌ عنهُ، أفكنتُ أهونَ عليكَ مِنْ بعضٍ إخوانِكَ ؟! يا عبدي ؛ يقعدُ إليكَ بعضُ إخوانِكَ فتقبلُ عليهِ بكلِّ وجهِكَ ، وتصغي إلى حديثِهِ بكلِّ قلِكَ، فإنْ تكلَّمَ متكلِّمٌ أَوْ شغلَكَ شاغلٌ عنْ حديثِهِ .. أومأتَ إليهِ أنْ كفَّ، وهاأنا ذا مقبلٌ عليكَ ومحدِّثُ لكَ وأنتَ معرضٌ بقلبِكَ عنِّي ، أفجعلتَي أهونَ عندَكَ مِنْ بعضٍ إخوانِكَ؟! )(٣). (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٥/١). (٢) قوله: (وصَّلت) بتشديد الصاد، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ﴾، والمراد بالتوصيل : متابعة الوعظ واتصال المعاني ، أو التنوع فيها وفي الأخبار . (٣) قوت القلوب (٥٩/١). ٢٦٩ كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات البَابُ الثَّاني في ظاهر آداب الشّلاوة وهيَ عشرة الأوّلُ : في حالِ القارىءِ : وهوَ أنْ يكونَ على الوضوءِ ، واقفاً على هيئةِ الأدبِ والسكونِ ؛ إمَّا قائماً ، وإمَّا جالساً ، مستقبلَ القبلةِ ، مطرقاً رأسَهُ ، غيرَ متربِّع ولا متكىءٍ ولا جالسٍ على هيئةِ التكثُّرِ(١) ، ويكونُ جلوسُهُ وحدَهُ كجلوسِهِ بينَ يدي أستاذِهِ . وأفضلُ الأحوالِ أنْ يقرأَهُ في الصلاةِ قائماً ، وأنْ يكونَ في المسجدِ ؛ فذلكَ مِنْ أفضلِ الأعمالِ . فإنْ قرأَ على غير وضوءٍ وكانَ مضطجعاً في الفراشِ .. فلهُ أيضاً فضْلٌ ، ولكنَّهُ دونَ ذلكَ، قَالَ اللهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى (١) بأن يجعل إحدى رجليه على الأخرى أو غير ذلك، ويحسن به أن يتطيِّبَ ويتبخّر بأطيب ما يجد عنده إن أمكنه ذلك ، وأن يستاك ، فقد روى ابن ماجه عن سيدنا علي أنه قال : ( أفواهكم طرق القرآن ، فطيبوها بالسواك)، فإن كان متطيلساً .. فهو الأحسن ؛ إذ هو الخلوة الصغرى. انظر ((الإتحاف)) (٤ / ٤٧٠). ٢٧٠ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن جُنُوبِهِمْ﴾، فأثنى على الكلِّ، ولكنْ قدَّمَ القيامَ في الذكرِ ، ثمَّ القعودَ ، ثمَّ الذكرَ مضطجعاً . قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنْ قرأ القرآنَ وهوَ قائمٌ في الصلاةِ .. كانَ لهُ بكلِ حرفٍ مئةُ حسنةٍ ، ومَنْ قرأَهُ وهوَ جالسٌ في الصلاةِ فلهُ بكلِّ حرفٍ خمسونَ حسنةً، ومَنْ قرأَهُ في غيرِ صلاةٍ وهوَ على وضوءٍ .. فخمسٌ وعشرونَ حسنةً، ومَنْ قرأَهُ على غيرِ وضوءٍ .. فعشرُ حسناتٍ)(١). وما كانَ مِنَ القيامِ بالليلِ فهوَ أفضلُ؛ لأنَّهُ أفرغُ للقلبِ، قالَ أبو ذرِّ الغفاريُّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إنَّ كثرةَ السجودِ بالنهارِ ، وإنَّ طولَ القيام بالليلِ ) (٢). الثاني : في مقدارِ القراءةِ : وللقرّاءِ عاداتٌ مختلفةٌ في الاستكثارِ والاقتصارِ ؛ فمنهُمْ مَنْ يختمُ في اليوم والليلةِ مرَّةٌ، وبعضُهُمْ مرَّتينٍ ، وانتهىُ بعضُهُمْ إلى ثلاثٍ(٣) ، ومنهُمْ مَنْ يختمُ في الشهرِ مرَّةً . ٦٠٠ وأَوْلىُ ما يرجعُ إليهِ في التقديراتِ قولُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (١) بنحوه رواه تمام في ((فوائده)) (١٣٠٤) مرفوعاً من رواية البراء بن عازب. (٢) قوت القلوب (٤٦/١) . (٣) قال الإمام النووي في ((الأذكار)) (ص١٨٩): (وختم بعضهم في اليوم والليلة ثمان ختمات ؛ أربعاً في الليل ، وأربعاً في النهار ، وممن ختم أربعاً في الليل وأربعاً في النهار السيد الجليل ابن الكاتب الصوفي رضي الله عنه ، وهذا أكثر ما بلغنا في اليوم والليلة ) . ٢٧١ 1 1 : كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات ((مَنْ قرأ القرآنَ في أقلَّ مِنْ ثلاثٍ .. لمْ يفقهْهُ)) (١) ، وذلكَ لأنَّ الزيادةَ عليهِ تمنعُهُ الترتيلَ(٢)، وقدْ قالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنهَا لمَّا سمعتْ رجلاً يهُذُّ القرآنَ هذّاً: (إنَّ هذا ما قرأ القرآنَ ولا سكتَ)(٣). وأمرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو رضيَ اللهُ عنهُما أنْ يختمَ القرآنَ في سبع (٤)، وكذلكَ كانَ جماعةٌ مِنَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ يختمونَ القرآنَ في كلِّ جمعةٍ ؛ كعثمانَ ، وزيدِ بنِ ثابتٍ ، وابنِ مسعودٍ ، وأبيِّ بنِ كعبٍ رضيَ اللهُ عنهُمْ(٥) . ففي الختم أربعُ درجاتٍ : الختمُ في يومٍ وليلةٍ وقدْ كرهَهُ جماعةٌ . (١) رواه بهذا اللفظ أحمد في ((المسند)) (١٦٤/٢)، وهو بنحوه عند أبي داوود (١٣٩٠)، والترمذي (٢٩٤٩)، وابن ماجه ( ١٣٤٧ ). (٢) قال الإمام الترمذي (٢٩٤٦): ( وقال بعض أهل العلم : لا يقرأ القرآن في أقلَّ من ثلاث ؛ للحديث الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ورخص فيه بعض أهل العلم ، وروي عن عثمان بن عفان أنه كان يقرأ القرآن في ركعة يوتر بها ، وروي عن سعيد بن جبير أنه قرأ القرآن في ركعة في الكعبة ، والترتيل في القراءة أحب إلى أهل العلم) ، فالمسألة بالاعتبار بالشخص وحاله كما ذكر ذلك الإمام النووي في ((الأذكار )) (ص١٩٠)، و((التبيان)) (ص ٨٠)، وكما سيأتي كذلك تفصيل المصنف فيه . (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١١٩٧)، ويهذُّ: يسرع ويتابع في قراءته . (٤) رواه البخاري (٥٠٥٤)، ومسلم (١١٥٩) حيث قال له صلى الله عليه وسلم : (( فاقرأُهُ في سبع ولا تزد على ذلك )). (٥) رواه أبو طالب في ((القوت)) (٤٥/١) . ٢٧٢ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن والختمُ في كلِّ شهرٍ كلَّ يوم جزءٌ مِنْ ثلاثينَ جزءاً ، وكأنَّهُ مبالغةٌ في الاقتصار كما أنَّ الأولَ مبالغةٌ في الاستكثارِ ، وبينَهُما درجتانِ معتدلتانِ : إحداهما : في الأسبوع مرَّةً . والثانيةُ : في الأسبوع مرتينٍ تقريباً مِنَ الثلاثِ . والأحبُّ : أنْ يختمَ ختمةً بالليلِ وختمةٌ بالنهارِ ، ويجعلَ ختمةَ النهارِ يومَ الاثنينِ في ركعتي الفجرِ أوْ بعدَهُما ، ويجعلَ ختمةَ الليلِ ليلةَ الجمعةِ في ركعتي المغربِ، أَوْ بعدَهُما ؛ ليستقبلَ بختمتيهِ أوَّلَ النهارِ وأوَّلَ الليلِ ؛ فإنَّ الملائكةَ عليهِمُ السلامُ تصلِّي عليهِ إنْ كانَ ختمُهُ ليلاً حتَّى يصبحَ ، وإنْ كانَ نهاراً حتَّى يمسيّ، فتشملُ بركتُهُما جميعَ الليلِ والنهارِ (١). والتفصيلُ في مقدارِ القراءةِ : أنَّهُ إنْ كانَ مِنَ العابدينَ السالكينَ بطريقٍ العملِ .. فلا ينبغي أنْ ينقصَ عنْ ختمتينِ في الأسبوع ، وإنْ كانَ مِنَ السالكينَ بأعمالِ القلبِ وضروبِ الفكرِ ، أَوْ مِنَ المشتغلينَ بنشرِ العلمِ .. فلا بأسَ أنْ يقتصرَ في الأسبوع على مرَّةٍ ، وإنْ كانَ نافذَ الفكرِ في معاني القرآنِ .. فقدْ يكتفي في الشهرِ بمرَّةٍ ؛ لكثرةِ حاجتِهِ إلى كثرةِ الترديدِ والتأمُّلِ . جــ د.G . 2 (١) فقد روى الدارمي في ((سننه)) (٣٥١٨) عن عبدة بن أبي لبابة: ( إذا ختم الرجل القرآن بنهار .. صلت عليه الملائكة حتى يمسي ، وإن فرغ منه ليلاً .. صلت عليه الملائكة حتى يصبح ) . ٢٧٣ زيا» كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات الثالثُ : في وجهِ القسمةِ : أمَّا مَنْ ختمَ في الأسبوع مرَّةً .. فيقسمُ القرآنَ سبعةَ أحزابٍ ، فقدْ حَزَّبَ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهُمُ القرآنَ أحزاباً(١) ، فرُوِيَ أنَّ عثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ يفتتحُ ليلةَ الجمعةِ بـ(البقرةِ) إلى ( المائدةِ)، وليلةَ السبتِ بـ (الأنعام ) إلى (هودٍ)، وليلةَ الأحدِ بـ(يوسفَ) إلى ( مريمَ) ، وليلةً الاثنينِ بـ(طه) إلى (طلسم موسى وفرعونَ)، وليلةَ الثلاثاءِ بـ (العنكبوتِ) إلى (ص)، وليلةَ الأربعاءِ بـ (تنزيلُ) إلى ( الرحمنِ)، ويختمُ ليلةَ الخميسِ(٢) . وابنُ مسعودٍ كانَ يقسمُهُ سبعةَ أقسام لا على هذا الترتيبِ(٣). وقيلَ : أحزابُ القرآنِ سبعةٌ : فالحزبُ الأوَّلُ : ثلاثُ سورٍ ، والحزبُ الثاني : خمسُ سورٍ ، والحزبُ الثالثُ : سبعُ سورٍ ، والرابعُ : تسعُ سورٍ ، والخامسُ: إحدى عشرةَ سورةً ، والسادسُ : ثلاثَ عشرةَ سورةً ، والسابعُ: المفصَّلُ مِنْ (سورةٍ ق) إلى آخرِهِ . فهكذا حزَّبَهُ الصحابةُ رضوانُ اللهِ عليهِم، وكانوا يقرؤونَهُ كذلكَ، وفيهِ خبرٌ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (٤)، (١) روى ذلك أبو طالب في «القوت)) (٤٥/١). (٢) رواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (٥١٧/١). (٣) قوت القلوب (٤٥/١). (٤) وهو ما رواه أبو داوود (١٣٩٣)، وابن ماجه (١٣٤٥) عن أوس بن حذيفة قال : ( سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يُحزِّبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، =. ٢٧٤ ٠١ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن وهذا قبلَ أنْ تعملَ الأخماسُ والعواشرُ والأجزاءُ (١)، فما سوى هذا محدَثٌ . الرابعُ : في الكِتبةِ (٢): يستحبُّ تحسينُ كتابةِ القرآنِ وتبيينُهُ ، ولا بأسَ بالنقْطِ والعلاماتِ بالحمرةِ وغيرِها ؛ فإنَّ ذلكَ تزيينٌ وتبيينٌ وصدٌ عنِ اللحنِ والخطأِ لمَنْ يقرؤُهُ . وقدْ كانَ الحسنُ وابنُ سيرينَ ينكرانِ الأخماسَ والعواشرَ والأجزاءَ(٣)، ورُوِيَ عنِ الشعبيِّ وإبراهيمَ كراهيةُ النقطِ بالحمرةِ وأخذِ الأجرةِ على ذلكَ ، وكانوا يقولونَ: ( جرِّدوا القرآنَ )(٤)، والظنُّ بهؤلاءِ أنَّهُمْ كرهوا فتحَ هذا البابِ خوفاً مِنْ أنْ يؤدي إلى إحداثِ زياداتٍ ، وحسماً للبابِ ، وشوقاً إلى وخمس ، وسبع ، وتسع، وإحدى عشرة ، وثلاث عشرة ، وحزب المفصل وحده ) . (١) الأخماس: جمع خُمُّس، وهو جزء من خمسة أجزاء ، والعواشر: جمع عَشِير ، لغة في العُشْر ، جزء من عشرة أجزاء ، وسيأتي أنها تطلق كذلك على العلامات الدالة على معانيها في القرآن . (٢) الكِتبة - بكسر الكاف - : هيئة الكتابة وحالتها . (٣) أي : العلامات الدالة على تخميس وتعشير وتجزيء القرآن الكريم ، والخبر عند صاحب ((القوت)) (٤٥/١ ) . (٤) روي هذا بطرق عديدة ، وعن الشعبي وإبراهيم النخعي وغيرهما الكثير ، رواها ابن أبي داوود في (( المصاحف)) (٥١١/٢-٥٢٨). ٠٠٠ ٢ ٢٧٥ --- كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات حراسةِ القرآنِ عمَّا يُطَرِّقُ إليهِ تغييراً(١) ، وإذا لمْ يؤدِّ إلى محذورِ واستقرَّ أمرُ الأمَّةِ فيهِ على ما يحصلُ بهِ مزيدُ معرفةٍ .. فلا بأسَ بهِ ، ولا يمنعُ مِنْ ذلكَ كونُهُ محدثاً ، فكمْ مِنْ محدثٍ حسنٌ ؛ كما قيلَ في إقامةِ الجماعاتِ في التراويح : إنَّها مِن محدثاتِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ، وإنَّها بدعةٌ حسنٌ ، وإنَّما البدعةُ المذمومةُ ما يصادمُ السنةَ القديمةَ أَوْ يكادُ يفضي إلى تغييرِها (٢). وبعضُهُمْ كانَ يقولُ: أقرأُ في المصحفِ المنقوطِ ولا أنقُطُهُ بنفسي(٣). وقالَ الأوزاعيُّ عنْ يحيى بنِ أبي كثيرٍ : ( كانَ القرآنُ مجرَّداً في المصاحفِ ، فأوَّلُ ما أحدثوا فيهِ النقطُ على الباءِ والتاءِ ، وقالوا : لا بأسَ بهِ ؛ فإنَّهُ نورٌ لهُ، ثمَّ أحدثوا بعدَهُ نُقَطاً كِباراً عندَ منتهى الآي ، فقالوا : لا بأسَ بهِ ؛ يعرفُ بهِ رأسُ الآيةِ، ثمَّ أحدثوا بعدَ ذلكَ الخواتيمَ والفواتحَ ) (٤) . قالَ أبو بكرٍ الهذليُّ : سألتُ الحسنَ عنْ تنقيطِ المصاحفِ بالأحمرِ فقالَ: (١) يُطَرِّق : يدخل عليه؛ أي: يكون سبباً وطريقاً للتغيير. (٢) وقد قالوا : إن البدعة المباحة هو ما شهد بحسنه أصل الشرع أو اقتضته مصلحة تندفع بها مفسدة ، وفيما نحن فيه حصول مزيد المعرفة ، والتبيين مصلحة شرعية ، فلا يكون النقط والعلامات من البدع المذمومة. ((إتحاف)» (٤ / ٤٧٧). (٣) روى ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٣٧١٧٨) عن الشعبي أنه قال لرجل سأله عن مصحف منقوط : ( اقرأ عليه ولا تنقطه بيدك ) . (٤) الخبر في ((القوت)) (٤٥/١)، وروى ابن أبي داوود في ((المصاحف)) (٤٤٥) عن هارون بن موسى قال : ( أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر ) . ٢٧٦ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن وما تنقيطُها ؟ قلتُ : يعربونَ الكلمةَ بالعربيةِ، قالَ : أَمَّا إعرابُ القرآنِ .. فلا بأسَ بهِ(١) . مي وقالَ خالدٌ الحذَّاءُ : ( دخلتُ على ابنٍ سيرينَ ، فرأيتُهُ يقرأُ في مصحفٍ منقوطٍ وقدْ كانَ يكرهُ النقْطَ )(٢). وقيل : إنَّ الحجَّاجَ هوَ الذي أحدثَ ذلكَ، وأحضرَ القرَّاءَ حتَّى عدُّوا كلماتِ القرآنِ وحروفَهُ وسؤَّوْا أجزاءَهُ وقسّمُوهُ إلى ثلاثينَ جزءاً وإلى أقسام أُخَرَ (٣). الخامسُ : الترتيلُ : ٠٥٠٢٠ هوَ المستحبُّ في هيئةِ القرآنِ ؛ لأنَّا سنبيِّنُ أنَّ المقصودَ مِنَ القراءةِ التفكُّرُ، والترتيلُ معينٌ عليهِ، ولذلكَ نعتتْ أمُّ سلمةَ قراءةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فإذا هيَ تنعتُ قراءةً مفسَّرةً حرفاً حرفاً (٤). وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُ: (لأنْ أقرأَ (( البقرةَ)) و(( آل عمرانَ)) (١) رواه عن الهذلي مختزلاً ابنُ أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٠٩٤٣)، والخبر في ((القوت)) (١٧١/١) . (٢) رواه ابن أبي داوود في ((المصاحف)) (٤٦٥)، وكراهته لنقطه ( ٤٥١). (٣) قوت القلوب (١٧١/١). (٤) رواه أبو داوود (١٤٦٦)، والترمذي (٢٩٢٧)، والنسائي (١٨١/٢). ٢٧٧ كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات أرتِلُهُما وأتدبّرُهُما .. أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أقرأَ القرآنَ كلَّهُ هذرمةٌ)(١). وقالَ أيضاً : ( لأنْ أقرأَ: ((إذا زلزلت)) و((القارعةَ)) أتدبَرُهُما .. أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أقرأَ ((البقرةَ)) و(( آل عمرانَ)) تهذيراً )(٢). وسئلَ مجاهدٌ عنْ رجلينٍ دخلا في الصلاةِ ، فكانَ قيامُهُما واحداً إلا أنَّ أحدَهُما قرأَ ( البقرةَ) فقطْ وقرأَ الآخرُ القرآنَ كلَّهُ .. فقالَ: هما في الأجرِ سواءٌ(٣). واعلمْ : أَنَّ الترتيلَ مستحبٌّ لا لمجرَّدِ التدبُّرِ ؛ فإنَّ العجميَّ الذي لا يفهمُ معنى القرآنِ يستحبُّ لهُ أيضاً في القراءةِ الترتيلُ والتؤدةُ ؛ لأنَّ ذلكَ أقربُ إلى التوقيرِ والاحترامِ ، وأشدُّ تأثيراً في القلبِ مِنَ الهذرمةِ والاستعجالِ . السادس : البكاءُ : البكاءُ مستحبٌّ معَ القراءةِ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٥٤/٢). (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨٨٢٤)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢١٤/٣) عن محمد بن كعب القرظي ، ونسبته إلى ابن عباس رضي الله عنهما في ((القوت)) ( ٤٦/١ ) . ۔ (٣) قوت القلوب (٤٦/١). ٢٧٨ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن ((اتلُوا القرآنَ وابكُوا، فإنْ لمْ تبكُوا .. فتباكَوا))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ليسَ منَّا مَنْ لمْ يتغنَّ بالقرآنِ))(٢) وقال صالحٌ المريُّ : ( قرأتُ القرآنَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المنامِ، فقالَ لي: يا صالحُ ؛ هذهِ القراءةُ، فأينَ البكاءُ؟! )(٣). وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( إذا قرأتُمْ سجدةَ ((سبحانَ)) .. فلا تعجلوا بالسجودِ حتَّى تبكُوا ، فإنْ لمْ تبكِ عينُ أحدِكُمْ .. فليبكِ قلبُهُ)(٤). وإنَّما طريقُ تكلُّفِ البكاءِ : أنْ يحضرَ قلبَهُ الحزْنَ ، فمِنَ الحزْنِ ينشأَ البكاءُ ، قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ القرآنَ نزلَ بحزْنٍ، فإذا قرأتُمُوهُ فتحازَنُوا))(٥) . ووجهُ إحضارِ الحزنِ : أنْ يتأمَّلَ ما فيهِ مِنَ التهديدِ والوعيدِ ، والمواثيقِ والعهودِ ، ثمَّ يتأمَّلَ تقصيرَهُ في أوامرِهِ وزواجرِهِ ، فيحزنَ لذلكَ - لا محالةً - (١) رواه ابن ماجه ( ١٣٣٧). (٢) رواه البخاري ( ٧٥٢٧) . (٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٨٣/٦٥) عن يزيد الرقاشي ، والخبر في ((القوت)) (٤٧/١) عن ثابت البناني. (٤) قوت القلوب (٤٧/١). (٥) قوله: ((إن القرآن نزل بحزن)) هو قطعة من حديث ابن ماجه المتقدم وهو بمعناه عموماً ، ويلفظ الحزن روى الآجري في ((فضائل القرآن)) ( ص ٨٠) مرفوعاً: ((اقرؤوا القرآن بحزنٍ ؛ فإنه نزل بحزن)). ٢٧٩ ٠٠٠ ٠٠ به. ى ١٠ كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات ويبكيَ ، فإنْ لمْ يحضرُهُ حزْنٌ وبكاءٌ كما يحضرُ أربابَ القلوبِ الصافيةِ .. فليبكِ على فقْدِ الحزْنِ والبكاءِ ؛ فإنَّ ذلكَ أعظمُ المصائبِ . السابعُ : أَنْ يراعيَ حقَّ الآياتِ : فإذا مرَّ بآيةِ سجدةٍ .. سجدَ، وكذلكَ إذا سمعَ مِنْ غيرِهِ سجدةً .. سجدَ إذا سجدَ التالي ، ولا يسجدُ إلا إذا كانَ على طهارةٍ ، وفي القرآنِ أربعَ عشرةَ سجدةً ، وفي ( الحجِّ) سجدتانِ ، وليسَ في ( ص) سجدةٌ(١) ، وأقلُّهُ : أنّ يسجدَ بوضْع جبهتِهِ على الأرضِ ، وأكملُهُ : أنْ يكبِّرَ فيسجدَ ويدعوَ في سجودِهِ بما يليقُ بالآيةِ التي قرأَها ، مثلَ أنْ يقرأَ قولَهُ تعالى: ﴿خَرُّواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، فيقولَ: (اللهُمَّ؛ اجعلني مِنَ الساجدينَ لوجهِكَ ، المسبِّحينَ بحمدِكَ ، وأعوذُ بكَ أنْ أكونَ مِنَ المستكبرينَ عنْ أمرِكَ أوْ على أوليائِكَ)، وإذا قرأَ قولَهُ تعالى: ﴿وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَتْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ .. فليقلْ: ( اللهمَّ؛ اجعلني مِنَ الباكينَ إليكَ ، الخاشعينَ لكَ ) ، وكذلكَ في كلِّ سجدةٍ . ويشترطُ في هذهِ السجدةِ شروطُ الصلاةِ ؛ مِنْ ستْرِ العورةِ ، واستقبالٍ القبلةِ ، وطهارةِ الثوبِ والبدنِ مِنَ الحدثِ والخبثِ ، ومَنْ لمْ يكنْ على طهارةٍ عندَ السماع للسجدةِ ؛ فإذا تطهّرَ .. سجدَ ، وقدْ قيلَ في كمالِها: إنَّهُ (١) أي: ليست سجدة (ص) من عزائم السجود ؛ أي : متأكداته ، وإنما هي مستحبة . («إتحاف)) (٤ / ٤٨٠) . ٢٨٠