Indexed OCR Text
Pages 241-260
ربع العبادات كتاب أسرار الحج فكما لا يلقى بيتَ اللهِ عزَّ وجلَّ إلا مخالفاً عادتَهُ في الزيِّ والهيئةِ .. فلا يلقى اللهَ عزَّ وجلَّ بعدَ الموتِ إلا في زيٍّ مخالفٍ لزيِّ الدنيا ، وهذا الثوبُ قريبٌ مِنْ ذلكَ الثوبِ ؛ إذْ ليسَ فِيهِ مخيطٍ ولا محيطٌ كما في الكفنِ . حن. وأمَّا الخروجُ مِنَ البلدِ : فليعلمْ عندَهُ أنَّهُ فارقَ الأهلَ والوطنَ متوجّهاً إلى اللهِ عزَّ وجلَّ في سفرٍ لا يضاهي أسفارَ الدنيا ، فليحضرْ في قلبهِ أنَّهُ ماذا يريدُ؟ وأينَ يتوجهُ؟ وزيارةَ مَنْ يقصدُ؟ وأنَّهُ متوجّهٌ إلى ملكِ الملوكِ في زمرةِ الزائرينَ لهُ ، الذينَ نُودوا فأجابوا، وشُوِّقوا فاشتاقوا ، واستنهضوا فنهضوا، وقطعوا العلائقَ ، وفارقوا الخلائقَ ، وأقبلوا على بيتِ اللهِ عزَّ وجلَّ الذي فخَّمَ أمرَهُ وعظَّمَ شأنَهُ ورفعَ قَدْرَهُ ؛ تسلِّياً بلقاءِ البيتِ عنْ لقاءِ ربِّ البيتِ ، إلى أنْ يرزقوا منتهى مُناهم، ويسعَدُوا بالنظرِ إلى مولاهُمْ . وليحضرْ في قلبهِ رجاءَ الوصولِ والقَبولِ ، لا إدلالاً بأعمالِهِ في الارتحالِ ومفارقةِ الأهلِ والمالِ ، ولكنْ ثقةً بفضْلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ورجاءً لتحقيقِهِ وعَدَهُ لمَنْ زارَ بيتَهُ ، وليرجُ أنَّهُ إنْ لمْ يصلْ وأدركتْهُ المنيَّةُ في الطريقِ .. لقيَ اللهَ عزَّ وجلَّ وافداً إليهٍ؛ إذْ قالَ جلَّ جلالُهُ: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكَهُ أَلَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾(١). (١) انظر ما رواه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦) عن ابن عباس رضي الله عنهما. ٢٤١ ثر، كتاب أسرار الحج ٢٠٠٠ ربع العبادات وأمَّا دخولُ الباديةِ إلى الميقاتِ ، ومشاهدةُ تلكَ العقباتِ : فليتذكرْ فيها ما بينَ الخروج مِنَ الدنيا بالموتِ إلى ميقاتِ يوم القيامةِ ، وما بينَهُما منَ الأهوالِ والمطالباتِ . وليتذكرْ مِنْ هولِ قطَّاع الطريقِ هولَ سؤالِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ ، ومِنْ سباع البوادي عقاربَ القبرِ وديدانَهُ وما فيهِ مِنَ الأفاعي والحيَّاتِ ، ومِنِ انفرادِهِ عنْ أهلِهِ وأقاربِهِ وحشةَ القبرِ وكربتَهُ ووحدتَةُ . وليكنْ في هذهِ المخاوفِ في أعمالِهِ وأقوالِهِ متزوِّداً لمخاوفِ القبرِ . وأمَّا الإحرامُ والتلبيةُ مِنَ الميقاتِ : فليعلمْ أنَّ معناهُ إجابةُ نداءِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فليرجُ أنْ يكونَ مقبولاً ، وليخشَ أنْ يقالَ لهُ : لا لبيكَ ولا سعديكَ ، وليكنْ بينَ الرجاءِ والخوفِ متردِّداً، وعنْ حولِهِ وقوَّتِهِ متبرِّئاً، وعلى فضْلِ اللهِ عزَّ وجلَّ وكرمِهِ متَكلاً ؛ فإنَّ وقتَ التلبيةِ هوَ بدايةُ الأمرِ ، وهوَ محلُّ الخطرِ . قالَ سفيانُ بنُ عيينةً: حجَّ عليّ بنُ الحسينِ رضيَ اللهُ عنهُما ، فلمّا أحرمَ واستوتْ بهِ راحلتُهُ .. اصفرَّ لونُهُ ، وانتفضَ ، ووقعتْ عليهِ الرِّعْدَةُ ، ولمْ يستطعْ أنْ يلبِّيَ، فقيلَ لهُ: لِمَ لا تلبِّي؟ فقالَ: أخشى أنْ يقالَ لي : لا لبيكَ ولا سعديكَ، فلمَّا لبَّى .. غشيَ عليهِ ووقعَ عنْ راحلتِهِ ، ٢٤٢ ربع العبادات كتاب أسرار الحج فلمْ يزلْ يعتريهِ ذلكَ حتَّى قضَىْ حِجَّهُ(١). وقالَ أحمدُ بنُ أبي الحَواري : كنتُ معَ أبي سليمانَ الدارانيِّ رضيَ اللهُ عنهُ حينَ أرادَ الإحرامَ ، فلمْ يلبِّ حتَّى سرُنا ميلاً، فأخذتُهُ كالغشيةِ ، ثمَّ أفاقَ وقالَ : يا أحمدُ ؛ إنَّ اللهَ سبحانَهُ أوحى إلى موسى عليهِ السلامُ : مُرْ ظَلَمَةَ بني إسرائيلَ أنْ يُقِلُّوا مِنْ ذِكْرِي ؛ فإنِّي أذكرُ مَنْ ذكرني منهُمْ باللعنةِ ، ويحكَ يا أحمدُ ؛ بلغني أنَّ مَنْ حِجَّ مِنْ غيرِ حِلُّهِ ثمَّ لَبَّى .. قالَ اللهُ عَزَّ وجلَّ : لا لبيك ولا سعديكَ حتَّى تردّ ما في يديكَ، فما نأمنُ أنْ يقالَ لنا ذلك (٢). وليتذكرِ الملِِّ عندَ رفع الأصواتِ بالتلبيةِ في الميقاتِ ؛ إجابةً لنداءِ اللهِ تعالى إذْ قالَ: ﴿ وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِ﴾ نداءَ الخلْقِ بنفْخِ الصُّورِ ، وحشرَهُمْ مِنَ القبورِ ، وازدحامَهُمْ في عرصاتِ القيامةِ مجيبينَ لنداءِ اللهِ تعالى ، ومنقسمينَ إلى مقرَّبينَ وممقوتينَ ، ومقبولينَ ومردودينَ ، ومتردِّدينَ في أوَّلٍ الأمرِ بينَ الخوفِ والرجاءِ تردُّدَ الحاجِّ في الميقاتِ ، حيثُ لا يدرونَ أيتيسّرُ لهمْ إتمامُ الحجِّ وقبولُهُ أمْ لا ؟ ٠٠٠٠ (١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص١٣٦)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ٤١ /٢٧٨ ) . (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٣/٩)، والحديث الذي بلغه ما رواه الطبراني في «الأوسط)) (٥٢٢٤): ((وإذا خرج بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغرز، فنادى : لبيك .. ناداه مناد من السماء : لا لبيك ولا سعديك ، زادك حرام ، ونفقتك حرام ، وحجك غير مبرور ) . ٢٫٨ ٢٤٣ كتاب أسرار الحج دں ربع العبادات وأمَّا دخولُ مَّةَ : فليتذكرْ عندَ ذلكَ أنَّهُ قدِ انتهى إلى حرم آمنٍ ، ولیرجُ عندَهُ أنْ يأمَنَ بدخولِهِ مِنْ عقابِ اللهِ تعالى ، وليخشَ ألا يكونَ أهلاً للقربِ ، فيكونَ بدخولِهِ الحرَمَ خائباً مستحقّاً للمقْتِ ، وليكنْ رجاؤُهُ في جميع الأوقاتِ غالباً ، فالكرمُ عميمٌ، والربُّ رحيمٌ ، وشرفُ البيتِ عظيمٌ، وحقُّ الزائرِ مرعيٍّ ، وذمامُ المستجيرِ اللائذِ غيرُ مضيَّع . وأمَّا وقوعُ البصرِ على البيتِ : فينبغي أنْ تُحضرَ عندَهُ عظمةَ البيتِ في القلب ، وتقدِّرَ أنَّكَ مشاهدٌ لربِّ البيتِ لشدَّةِ تعظيمِكَ، وارجُ أنْ يرزقَكَ اللهُ تعالى النظرَ إِلى وجهِهِ الكريمِ كما رزقَكَ اللهُ النظرَ إلى بيتِهِ العظيمِ ، واشكرِ اللهَ تعالى على تبليغِهِ إِيَّاكَ هذهِ الرتبةَ، وإلحاقِهِ إِيَّاكَ بزمرةِ الوافدينَ إلیهِ . واذكرْ عندَ ذلكَ انصبابَ الناسِ في القيامةِ إلى جهةِ الجنَّةِ آملينَ لدخولِها كافةً ، ثمَّ انقسامَهُمْ إِلى مأذونينَ في الدخولِ ومصروفينَ ؛ انقسامَ الحاجِّ إلى مقبولينَ ومردودينَ ، ولا تغفُلْ عنْ تذكُّرِ أمورِ الآخرةِ في شيءٍ ممَّا تراهُ ؛ فإنَّ كلَّ أحوالِ الحاجِّ دليلٌ على أحوالِ الآخرةِ . وأمَّا الطوافُ بالبيتِ : فاعلمْ أنَّهُ صلاةٌ ، وأحضرْ قلبَكَ فيهِ مِنَ التعظيمِ والخوفِ والرجاءِ والمحبةِ ما فصَّلْناهُ في كتابِ الصلاةِ ، واعلمْ أنَّكَ بالطوافِ %G ـرات ٢٤٤ تن ربع العبادات كتاب أسرار الحج متشبّةٌ بالملائكةِ المقرَّبينَ ، الحافِّينَ حولَ العرشِ الطائفينَ حولَهُ . ولا تظننَّ أَنَّ المقصودَ طوافُ جسمِكَ بالبيتِ ، بلِ المقصودُ طوافُ قلبكَ بذكْرِ ربِّ البيتِ، حتَّى لا تبتدىءَ الذكرَ إلا منهُ، ولا تختمَ إلا بهِ ؛ كما تبتدىءُ الطوافَ مِنَ البيتِ وتختمُ بالبيتِ . واعلمْ: أَنَّ الطوافَ الشريفَ هوَ طوافُ القلبِ بحضرةِ الربوبيةِ ، وأَنَّ البيتَ مثالٌ ظاهرٌ في عالمِ الملكِ لتلكَ الحضرةِ التي لا تشاهدُ بالبصرِ وهي في عالمٍ الملكوتِ ، كما أنَّ البدَنَ مثالٌ ظاهرٌ في عالمِ الشهادةِ للقلبِ الذي لا يشاهدُ بالبصرِ وهوَ في عالم الغيبِ، وأنَّ عالمَ الملكِ والشهادةِ مَدْرَجَةٌ إلى عالم الغيبِ والملكوتِ لمَنْ فتحَ اللهُ لهُ البابَ ، وإلى هذهِ الموازنةِ وقعتِ الإشارةُ بأنَّ البيتَ المعمورَ في السماواتِ بإزاءِ الكعبةِ ، وأنَّ طوافَ الملائكةِ بهِ كطوافِ الإنسِ بهذا البيتِ ، ولمَّا قصرتْ رتبةُ أكثرِ الخلْقِ عنْ مثلِ ذلكَ الطوافِ .. أمروا بالتشبُِّ بهم بحسَبِ الإمكانِ، ووُعِدُوا بأنَّ مَنْ تشبَّةَ بقوم .. فهوَ منهُمْ (١) ، والذي يقدرُ على مثلٍ ذلكَ الطوافِ هوَ الذي يقالُ : إِنَّ الكعبةَ تزورُهُ وتطوفُ بهِ ، على ما رآهُ بعضُ المكاشفينَ لبعضٍ أولياءِ الله سبحانه وتعالى . حن وأمَّا الاستلامُ : فاعتقدْ عندَهُ أنَّكَ مبايعٌ للهِ عزَّ وجلَّ على طاعتِهِ ، فصمِّمْ (١) رواه أبو داوود ( ٤٠٣١). ٢٤٥ جن حن حنجرج ـون كتاب أسرار الحج ربع العبادات عزيمتَكَ على الوفاءِ ببيعتِكَ، فمَنْ غدَرَ في المبايعةِ .. استحقَّ المقْتَ ، وقدْ روى ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما أَنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( الحجرُ الأسودُ يمينُ اللهِ عزَّ وجلَّ في الأرضِ، يصافحُ بها خلقَهُ كما يصافحُ الرجلُ أخاه)) (١) ٠,٦ وأمَّا التعلُّقُ بأستار الكعبةِ والالتصاقُ بالملتزم : فلتكنْ نِيَتُكَ في الالتزامِ طلبَ القرْبِ حبّاً وشوقاً للبيتِ ولربِّ البيتِ ، وتبرُّكاً بالمماسَّةِ ، ورجاءً للتحصُّنِ عنِ النارِ في كلِّ جزْءٍ مِنْ بدِنِكَ لاقى البيتَ . ولتكنْ نَُّكَ في التعلُّقِ بالسترِ الإلحاحَ في طلبِ المغفرةِ وسؤالَ الأمانِ ؛ كالمذنبِ المتعلَّقِ بثيابِ مَنْ أذنبَ إليهِ ، المتضرِّع إليهِ في عفوِهِ عنهُ ، المظهرِ لهُ أنَّهُ لا ملجأ لهُ منهُ إلا إليهِ ، ولا مفزعَ لهُ إلا عفوُهُ وكرمُهُ ، وأنَّهُ لا يفارقُ ذيلَهُ إلا بالعفوِ وبذلِ الأمنِ في المستقبلِ . وأمَّا السعيُ بينَ الصفا والمروةِ في فِناءِ البيتِ : فإنَّهُ يضاهي تردّدَ العبدِ بفِناءِ دارِ الملكِ جائياً وذاهباً مرَّةً بعدَ أخرى ؛ إظهاراً للخلوصِ في الخدمةِ (١) هو بسياقه هنا رواه الأزرقي في ((أخبار مكة)) (٢٥٧/١) موقوفاً على ابن عباس ويلفظ : ( الركن يمين الله في الأرض ، يصافح بها عباده كما يصافح أحدكم أخاه ) هو شطر من حديث رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٥٧/١) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً ، والركن هنا : هو الحجر المذكور في الحديث . ٢ ٤٫٠ ٢٤٦ ربع العبادات كتاب أسرار الحج ورجاءً للملاحظةِ بعينِ الرحمةِ ؛ كالذي دخلَ على الملكِ وخرجَ وهوَ لا يدري ما الذي يقضي بهِ الملكُ في حقِّهِ مِنْ قَبولٍ أوْ ردِّ ، فلا يزالُ يتردَّدُ على فِناءِ الدارِ مرَّةً بعدَ أخرى يرجو أنْ يرحمَ في الثانيةِ إنْ لمْ يرحمْ في الأولى. وليتذكَّرْ عندَ تردُّدِهِ بينَ الصفا والمروةِ تردُّدَهُ بينَ كفَّتي الميزانِ في عرصاتٍ القيامةِ ، وليمثِّلِ الصفا بكفَّةِ الحسناتِ ، والمروةَ بكفَّةِ السيئاتِ ، وليتذكَّرْ تردُّدَهُ بينَ الكفَّتينِ ناظراً إلى الرجحانِ والنقصانِ، متردِّداً بينَ العذابِ والغفرانِ. وأمَّا الوقوف بعرفةَ : فاذكرْ بما ترىُ مِنِ ازدحام الخلقِ ، وارتفاع الأصواتِ ، واختلافِ اللغاتِ واتباع الفرقِ أثمَّتَهُمْ في التردُّداتِ على المشاعرِ ؛ اقتفاءً لهُمْ وسيراً بسيرِهم .. عرصاتِ القيامةِ ، واجتماعَ الأممِ معَ الأنبياءِ والأثمَّةِ ، واقتفاءَ كلِّ أمةٍ نبيَّها ، وطمعَهُمْ في شفاعتِهِمْ ، وتحيرَهُمْ في ذلكَ الصعيدِ الواحدِ بينَ الردِّ والقَبولِ . وإذا تذكَّرْتَ ذلكَ .. فألزمْ قلبَكَ الضراعةَ والابتهالَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ؛ فتحشرَ في زمرةِ الفائزينَ المرحومينَ ، وحقِّقْ رجاءَكَ بالإجابةِ ؛ فالموقفُ شريفٌ، والرحمةُ إنَّما تصلُ مِنْ حضرةِ الجلالِ إلى كافَّةِ الخلقِ بواسطةٍ القلوبِ العزيزةِ مِنْ أوتادِ الأرضِ ، ولا ينفكُ الموقفُ عنْ طبقةٍ مِنَ الأبدالِ والأوتادِ ، وطبقاتٍ منَ الصالحينَ وأربابِ القلوبِ ، فإذا اجتمعتْ هممُهُمْ وتجرَّدَتْ للضراعةِ والابتهالِ قلوبُهُمْ، وارتفعتْ إلى اللهِ تعالى أيديهِمْ، ٢٤٧ ٠٠ : ١٠٠ كتاب أسرار الحج حة ربع العبادات وامتدَّتْ إليهِ أعناقُهُمْ، وشخصتْ نحوَ السماءِ أبصارُهُمْ، مجتمعينَ بهمَّةٍ واحدةٍ على طلبِ الرحمةِ .. فلا تظنَّنَّ أَنَّهُ يخيِّبُ أملَهُمْ، ويضيِّعُ سعيَهُمْ، ويدخرُ عنهُمْ رحمةً تغمرُهُمْ ، ولذلكَ قيلَ : ( إنَّ مِنْ أعظمِ الذنوبِ أنْ يحضرَ عرفاتٍ ويظنَّ أنَّ اللهَ تعالى لمْ يغفرْ لهُ ) . وكأنَّ اجتماعَ الهممِ والاستظهارَ بمجاورةِ الأبدالِ والأوتادِ المجتمعينَ مِنْ أقطارِ البلادِ .. هوَ سرُّ الحجِّ وغايةُ مقصودِهِ ، فلا طريقَ إلى استدرارِ رحمةِ اللهِ سبحانَهُ مثلُ اجتماع الهممِ ، وتعاونِ القلوبِ في وقتٍ واحدٍ على صعيدٍ واحدٍ (١) . وأمَّا رميُّ الجمارِ : فاقصدْ بهِ الانقيادَ للأمرِ ؛ إظهاراً للرقِّ والعبوديةِ ، وانتهاضاً لمجرَّدِ الامتثالِ ، مِنْ غيرِ حظّ للعقلِ والنفسِ . ـون ثمَّ اقصِدْ بهِ التشُّهَ بإبراهيمَ عليهِ السلامُ؛ حيثُ عرضَ لهُ إبليسُ لعنهُ اللهُ تعالى في ذلكَ الموضع ليُدْخِلَ على حجِّهِ شبهةً أَوْ يفتنَهُ بمعصيةٍ ، فأمرَهُ اللهُ تعالى أنْ يرميَهُ بالحجارةِ ؛ طرداً لهُ، وقطعاً لأملِهِ (٢). ١٩ (١) ومن هنا قال العارفون : إذا قرئت سورة ( يس ) في جوف الليل الذي هو الثلث الأخير لأي حاجة .. قضيت مع الإخلاص ؛ لأنه اجتمعت فيه ثلاثة قلوب : قلب الداعي ، وقلب القرآن ، وقلب الليل ، فإذا كان هذا في ثلاثة قلوب .. فما بال آلافٍ من القلوب مع شرف الموقف؟! وهو سر جليل. ((إتحاف)) (٤٥٣/٤). ـكن (٢) روى هذا الخبر الأزرقي في ((أخبار مكة)) (٤٣/١). حن ٢٤٨ تــ ے ے ربع العبادات كتاب أسرار الحج فإنْ خطرَ لكَ أنَّ الشيطانَ عرضَ لهُ وشاهدَهُ، فلذلكَ رماهُ، وأمَّا أنا فليسَ يعرضُ ليَ الشيطانُ .. فاعلمْ أنَّ هذا الخاطرَ مِنَ الشيطانِ ، وأنَّهُ الذي ألقاهُ في قلبكَ ؛ ليفتِّرَ عزمَكَ في الرمي ، ويخيِّلَ إليكَ أنَّهُ فعلٌ لا فائدةَ فيهِ ، وأنَّهُ يضاهي اللعبَ ، فلِمَ تشتغلُ بهِ ؟! فاطردهُ عنْ نفسِكَ بالجدِّ والتشميرِ في الرمي فيهِ .. ترغمْ أَنفَ الشيطانِ ، واعلمْ أنَّكَ في الظاهرِ ترمي الحصى إلى العقبةِ ، وفي الحقيقةِ ترمي بهِ وجهَ الشيطانِ وتقصمُ بهِ ظهرَهُ؛ إذْ لا يحصلُ إرغامُ أنفِهِ إلا بامتثالِكَ أمرَ اللهِ سبحانه ؛ تعظيماً لمجرَّدِ الأمرِ مِنْ غيرِ حظّ للنفسِ والعقلِ فيهِ . 0. د? وأمَّا ذبحُ الهدي : فاعلمْ أنَّهُ تقرُّبٌ إلى اللهِ تعالى بحكْم الامتثالِ ، فأكملِ الهديَ وأجزاءَهُ ، وارجُ أنْ يعتقَ اللهُ بكلِّ جزءٍ منهُ جزءاً منكَ مِنَ النّارِ ، فهكذا وردَ الوعدُ، فكلَّما كانَ الهديُّ أكبرَ وأجزاؤُهُ أوفرَ .. كانَ فداؤُكَ بِهِ مِنَ النارِ أعمّ . وأمَّا زيارةُ المدينةِ : فإذا وقعَ بصرُكَ على حيطانِها .. فتذكَّرْ أنَّها البلدةُ التي اختارَها اللهُ عزَّ وجلَّ لنبيِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وجعلَ إليها هجرتَهُ ، وأنَّها دارُهُ التي شرعَ فيها فرائضَ ربِّهِ عزَّ وجلَّ وسننَهُ ، وجاهدَ عدوَّهُ وأظهرَ بها دينَهُ إلى أنْ توفَّاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ . ٢٤٩ حن حن جن جن حن كتاب أسرار الحج ربع العبادات ثمَّ جعلَ تربتهُ فيها ، وتربةَ وزيريهِ القائمَينِ بالحقِّ مِنْ بعدِهِ . ثُمَّ مثِّلْ في نفسِكَ مواقعَ أقدامِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عندَ تردادِهِ فيها ، وأنَّهُ ما مِنْ موضع قدم تطؤُهُ إلا وهوَ موقعُ قدمِهِ العزيزةِ ، فلا تضعُ قدمَكَ عليهِ إلا على سكينةٍ ووَجَلٍ . وتذكَّرْ مشيَهُ وتخطيَهُ في سككِها ، وتصوَّرْ خشوعَهُ وسكينتهُ في المشي ، وما استودعَ اللهُ سبحانَهُ قلبَهُ مِنْ عظيمٍ معرفتِهِ ، ورفعةِ ذکرِهِ معَ ذکرِهِ تعالی ، حتَّى قرنَهُ بذكْرِ نفسِهِ ، وإحباطَهُ عملَ مَنْ هتكَ حرمتَهُ ولَوْ برفْع صوتِهِ فوقَ صوتهِ . ثُمَّ تذكَّرْ ما منَّ اللهُ بهِ على الذينَ أدركوا صحبتَهُ وسعدوا بمشاهدتِهِ واستماع كلامِهِ ، وأعظمْ تأسُّفَكَ على ما فاتَكَ مِنْ صحبتِهِ وصحبةِ أصحابِهِ رضيَ اللهُ عنهُم . ثمّ اذكرْ أنَّكَ قَدْ فَاتَتْكَ رؤيتُهُ في الدنيا ، وأَنَّكَ مِنْ رؤيتِهِ في الآخرةِ على خطرٍ ، وأنَّكَ ربما لا تراهُ إلا بحسرةٍ وقدْ حيلَ بينَكَ وبينَ قبولِهِ إِيَّاكَ لسوءٍ عملكَ؛ كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: « يُرفَعُ إليَّ أقوامٌ ، فيقولونَ : يا محمدُ، يا محمدُ ؛ فأقولُ: يا ربِّ؛ أصحابي ، فيقولُ : إنَّكَ لا تدري ما أحدثوا بعدَكَ، فأقولُ: بُعداً وسُحقاً)) (١)، فإنْ تركتَ حرمةَ شریعتِهِ ولوْ في دقيقةٍ مِنَ الدقائقِ .. فلا تأمنْ أنْ يحالَ بينَكَ وبينَهُ بعُدُولِكَ عنْ محجَّتِهِ . (١) رواه البخاري (٦٥٨٥)، ومسلم (٢٤٩) دون لفظ النداء . ٠٫٫ ٢٥٠ ربع العبادات كتاب أسرار الحج وليعْظُمْ معَ ذلكَ رجاؤُكَ ألا يحولَ اللهُ بِينَكَ وبينَهُ بعدَ أنْ رزقَكَ الإيمانَ ، وأشخصَكَ مِنْ وطنِكَ لأجلِ زيارتِهِ مِنْ غيرِ تجارةٍ ولا حظّ في دنيا ، بل لمحضٍ حبِّكَ لهُ وتشوُّقِكَ إلى أنْ تنظرَ إلى آثارِهِ ، وإلى حائطِ قبرِهِ ، إذْ سمحَتْ نفسُكَ بالسفرِ لمجرَّدِ ذلكَ لمَّا فاتتْكَ رؤيتُهُ ، فما أجدرَكَ بأنْ ينظرَ اللهُ إليكَ بعينِ الرحمةِ . فإذا بلغتَ المسجدَ .. فاذكرْ أنَّها العرصةُ التي اختارَها اللهُ عزَّ وجلَّ النبيَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولأوَّلِ المسلمينَ وأفضلِهِمْ عصابةٌ ، وأنَّ فرائضَ اللهِ سبحانَةُ أوَّلُ ما أقيمتْ في تلكَ العرصةِ، وأنَّها جمعَتْ أفضلَ خلْقِ اللهِ حيّاً وميّاً . فليعظمْ أملُكَ في اللهِ سبحانَهُ أنْ يرحمَكَ بدخولِكَ إِيَّاهُ ، فادخلْهُ خاشعاً معظِّماً، وما أجدرَ هذا المكانَ بأنْ يستدعيَ الخشوعَ مِنْ قلبٍ كلٌّ مؤمنٍ ؛ كما حُكِيَ عنْ أبي سليمانَ أنَّهُ قالَ: حجَّ أويسٌ القرنيُّ رحمَهُ اللهُ، ودخلَ المدينةَ، فلمَّا وقفَ على بابِ المسجدِ .. قيلَ لهُ: هذا قبرُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فغشيَ عليهِ ، فلمَّا أفاقَ .. قالَ: أخرجوني ، فليسَ يلذُّ لي بلدٌ فيهِ محمدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مدفونٌ (١) . (١) روى الخبر أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٢/٩)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٤٥٠/٩)، وفي غالب النسخ: ( بلدي) بدل ( يلذ لي)، والمثبت من (ج)، والمعنى متقارب . ٢٥١ (٠ ٫ كتاب أسرار الحج ربع العبادات دن وأمَّا زيارةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : فينبغي أنْ تقفَ بينَ يديهِ كما وصفناهُ ، وتزورُهُ ميّاً كما تزورُهُ حيّاً . ولا تقربُ مِنْ قبرِهِ إلا كما كنتَ تقرُبُ مِنْ شخصِهِ الكريم لوْ كانَ حيّاً ، وكما كنتَ ترى الحرمةَ في ألا تمسَّ شخصَهُ ولا تقبلَهُ . بلْ تقفُ مِنْ بعدٍ مائلاً بينَ يديهِ ، فكذلكَ فافعلْ ؛ فإنَّ المسَّ والتقبيلَ للمَشاهِدِ عادةُ النصارى واليهودِ . ـج واعلمْ: أنَّهُ عالِمٌ بحضورِكَ وقيامِكَ وزيارتِكَ، وأَنَّهُ يبلغُهُ سلامُكَ وصلاتُكَ . فمثِّلْ صورتَهُ الكريمةَ في خيالِكَ موضوعاً في اللحدِ بإزائِكَ ، وأحضرْ عظيمَ رتبتِهِ في قلبكَ . ـكن فقدْ رُوِيَ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّ اللهَ تعالى وكَّلَ بقبرِهِ ملكاً يبلِّغُهُ سلامَ مَنْ سلَّمَ عليهِ مِنْ أُمَّتِهِ(١) ، هذا في حقِّ مَنْ لمْ يحضرْ قبرَهُ، فكيفَ بمَنْ فارقَ الوطنَ ، وقطعَ البواديَ شوقاً إلى لقائِهِ ، واكتفاءً بمشاهدةِ مشهدِهِ الكريمِ إذْ فاتَهُ مشاهدةُ غرَّتِهِ الكريمةِ ؟! ؟ بسـ (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٢٧٧٣)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٠١/٥٤) وفيه : (( ثم يوكل الله بذلك ملكاً يدخله في قبري كما تدخل الهدايا ، يخبرني من صلى علي باسمه ونسبه إلى عشيرته ، فأثبته عندي في صحيفة بيضاء)) ، وله ألفاظ أخرى حكاها الحافظ السخاوي في ((القول البديع)) (ص٣١٣) وما بعدها ، وللنسائي (٤٣/٣): ((إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)). ٢٥٢ نے متن سفن ربع العبادات كتاب أسرار الحج حں وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ صلَّى عليَّ مرَّةً واحدةً .. صلَّى اللهُ عليهِ عشراً))(١) . فهذا جزاؤُهُ في الصلاةِ عليهِ بلسانِهِ ، فكيفَ بالحضورِ لزيارتِهِ ببدنِهِ ؟! ثُمَّ ائتِ منبرَ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وتوهَّمْ صعودَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المنبرَ . ومثِّلْ في قلبكَ طلعتَهُ البهيَّةَ قائماً على المنبرِ وقدْ أحدقَ بهِ المهاجرونَ والأنصارُ رضيَ اللهُ عنهُم ، وهوَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يحثُّهُمْ على طاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ بخطبتِهِ . واسألِ اللهَ عزَّ وجلَّ ألاَّ يفرِّقَ في القيامةِ بِينَكَ وبينَهُ . فهذهِ وظيفةُ القلبِ في أعمالِ الحجِّ . فاء. فإذا فرغَ منها كلِّها : فينبغي أنْ يُلزِمَ قلبَهُ الهمَّ والحزنَ والخوفَ ؛ فإنَّهُ ليسَ يدري: أقُبلَ منهُ حبُّهُ وأُثبتَ في زمرةِ المحبوبينَ ، أمْ ردَّ حجُّهُ وأُلحقَ بالمطرودينَ ؟ وليتعرَّفْ ذلكَ مِنْ قلبهِ وأعمالِهِ . فإِنْ صادفَ قلبَهُ قدِ ازدادَ تجافِياً عنْ دارِ الغرورِ ، وانصرافاً إلى دارِ الأنسٍ باللهِ سبحانَهُ وتعالى، ووجدَ أعمالَهُ قدِ اتزنتْ بميزانِ الشرع .. فليئقْ ٥٠٠ (١) رواه مسلم (٤٠٨). ٢٥٣ مان حن وتن ٥ ـيه كتاب أسرار الحج ربع العبادات بالقَبولِ ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يقبلُ إلا مَنْ أحبَّهُ . ومَنْ أحبَّهُ .. تولاَّهُ وأظهرَ عليهِ آثارَ محبَّتِهِ ، وكفَّ عنهُ سطوةً عدوِّهِ إبليسَ لعنَهُ اللهُ . ٥٠ فإذا ظهرَ ذلكَ عليهِ .. دلَّ على القبولِ، وإنْ كانَ الأمرُ بخلافِهِ .. فيوشكُ أنْ يكونَ حظّهُ مِنْ سفرِهِ العناءَ والتعبَ ، نعوذُ باللهِ سبحانَهُ وتعالىُ مِنْ ذلكَ . ٣ : تم كتاب أسرار الرج ومهماته وهو الكتاب التابع من ربع العبادات من كتب إحياء علوم الدين والحمد للهرب العالمين حمدا كثيرا طبيبً مباركاً كما هو أهله وستحقّ وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلواته وسلامه على خير خلقه سيدنا محمد الشبي انا فيّ وعلى آله الطاهرين ٠,٠٠ كلّ ذكره الذاكرون يفضل عند الغافلون يتلوه كتاب آداب تلاوة القرآن ٢٥٤ ٤٠ To ككِتَابُ أَا لَوَةُ القُرآنِ وهو الكتاب الثامن من ربع العبادات من كتب إحياء علوم الدين ٤٠ ٢٥٥ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن كتاب آداب تلاوة القرآن بِسْبِاللهِ الرَّمِ الرَّحَيَّةِ الحمدُ للهِ الذي امتنَّ على عبادِهِ بنبيِّهِ المرسلِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وكتابِهِ المنزلِ عليهِ ، الذي لا يأتيهِ الباطلُ منْ بينِ يديهِ ولا منْ خلفِهِ تنزيلٌ مِنْ حكيمٍ حميدٍ ، حتَّى اتسعتْ على أهلِ الافتكارِ طرقُ الاعتبارِ بما فيهِ مِنَ القصصِ والأخبارِ ، واتضحَ بهِ سلوكُ المنهجِ القويمِ والصراطِ المستقيمِ بما فصَّلَ فيهِ مِنَ الأحكام ، وفرَّقَ بينَ الحلالِ والحرام ، فهوَ الضياءُ والنورُ ، وبهِ النجاةُ مِنَ الغرورِ ، وفيهِ شفاءٌ لما في الصدورِ . جار مَنْ خالفَهُ مِنَ الجبابرةِ .. قصمَهُ اللهُ، ومَنِ ابتغى العلمَ في غيرِهِ .. أضلَّهُ اللهُ، هوَ حبلُ اللهِ المتينُ ، ونورُهُ المبينُ ، والعروةُ الوثقى ، والمعتصمُ الأوقى، وهوَ المحيطُ بالقليلِ والكثيرِ ، والصغيرِ والكبيرِ ، م لا تنقضي عجائبُهُ، ولا تتناهى غرائبُهُ، لا يحيطُ بفوائدِهِ عندَ أهلِ الفهمِ تحديدٌ ، ولا يخلقُهُ عندَ أهلِ التلاوة كثرةُ الترديدِ ، هوَ الذي أرشدَ الأوَّلينَ والآخرينَ ، ولمَّا سمعَهُ الجنُّ .. لمْ يلبثوا أنْ ولَّوا إلى قومِهِمْ منذرينَ ، فقالوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبًا ◌ْ: يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَامَنَّا بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِبِنَآ أَحَدًا﴾. فكلُّ مَنْ آمنَ بهِ .. فقدْ وفِّقَ ، ومنْ قالَ بهِ .. فقدْ صدقَ ، ومَنْ تمسَّكَ ٢٥٧ كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات بهِ .. فقد هُدِيَ، ومَنْ عملَ بهِ .. فقدْ فازَ . وقدْ قالَ تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ ﴾، ومِنْ أَسبابِ حفظِهِ في القلوبِ والمصاحفِ استدامةُ تلاوتِهِ ، والمواظبةُ على دراستِهِ معَ القيام بآدابِهِ وشروطِهِ ، والمحافظةُ على ما فيهِ مِنَ الأعمالِ الباطنةِ والآدابِ الظاهرةِ ، وذلكَ لا بدَّ مِنْ بيانِهِ وتفصيلِهِ . وتنكشفُ مقاصدُهُ في أربعةِ أبوابٍ : البابُ الأوَّلُ : في فضلِ القرآنِ وأهلِهِ . البابُ الثاني : في آدابِ التلاوةِ في الظاهرِ . البابُ الثالثُ : في الأعمالِ الباطنةِ عندَ التلاوةِ . البابُ الرابعُ : في فهْمِ القرآنِ وتفسيرِهِ بالرأيِ وغيرِهِ . ٢٠ ٤ ج:٢ ٢٥٨ ربع العبادات كتاب تلاوة القرآن البَابُ الأَوَّلُ في فضل القرآن وأهله، وأَمّ المقصرين في تلاوته فضيلة القرآن قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ قرأَ القرآنَ ثمَّ رأى أنَّ أحداً أُوتِيَ أفضلَ ممَّا أُوتِيَ .. فقدِ استصغرَ ما عظَّمَهُ اللهُ تعالى))(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ما مِنْ شفيع أفضلَ منزلةً عِندَ اللهِ تعالىُ مِنَ القرآنِ، لا نبيٌّ ولا ملكٌ ولا غيرُهُ))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ كانَ القرآنُ في إهابٍ .. ما مسَّتْهُ النارُ))(٣). (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٧٩٩)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤٠٣/٩)، وأوقفه البيهقي في ((الشعب)) (٢٣٥٢) على عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما . ٢٠٠٠ (٢) قال الحافظ العراقي: ( رواه عبد الملك بن حبيب من رواية سعيد بن سليم مرسلاً ، وللطبراني - في (( الكبير)) [١٣٢/٩] - من حديث ابن مسعود: ((والقرآن شافع مشفع))، ولمسلم ـ في ((صحيحه)) [٨٠٤] - من حديث أبي أمامة: ((اقرؤوا القرآن؛ فإنّه يجيء يوم القيامة شفيعاً لصاحبه))) ((إتحاف)) (٤/ ٤٦٣). (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١٥٥/٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٦/ ١٧٢). ٢٥٩ سر» تر كتاب تلاوة القرآن ربع العبادات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أفضلُ عبادةِ أمَّتي قراءةُ القرآنِ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أيضاً : ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قرأَ ( طه) و( يس ) قبلَ أنْ يخلقَ الخلْقَ بألفِ عامٍ ، فلمَّا سمعتِ الملائكةُ القرآنَ .. قالتْ : طوبى الأمَّةٍ ينزلُ عليهِمْ هذا، وطوبى لأجوافٍ تحملُ هذا ، وطوبى لألسنةٍ تنطقُ بهذا)) (٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( خيرُكُمْ مَنْ تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ))(٣) وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((يقولُ اللهُ تباركَ وتعالىُ: مَنْ شغلَهُ قراءةُ القرآنِ عنْ دعائي ومسألتي .. أعطيتُهُ أفضلَ ثوابِ الشاكرينَ))(٤). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ثلاثةٌ يومَ القيامةِ على كثيبٍ مِنْ مسئٍ أسودَ لا يهولُهُمْ فزعٌ ولا ينالُهُمْ حسابٌ حتَّى يفرِغَ ممَّا بينَ الناسِ : رجلٌ قرأ القرآنَ ابتغاءَ وجهِ اللهِ عزَّ وجلَّ وأمَّ بهِ قوماً وهُمْ بهِ راضونَ ... ))(٥) . ٠٠ (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٨٦٥). (٢) رواه الدارمي في «سننه)) (٣٤٥٧)، والطبراني في «الأوسط)) ( ٤٨٧٣) ، والبيهقي في (( الشعب)) (٢٢٢٥) بنحوه . (٣) رواه البخاري (٥٠٢٧ ). (٤) رواه الترمذي (٢٩٢٦) بنحوه، ورواه الدارمي في (( سننه)) (٣٣٩٩)، وابن شاهين في (( الترغيب في فضائل الأعمال)) ( ١٥٣). (٥) رواه الترمذي (١٩٨٦) بنحوه، وهو بلفظه عند الخطيب في (( تاريخ بغداد)) ( ٤ / ١٢٤ ) . السيدسـ 4 1-" ٢٦٠ روج