Indexed OCR Text

Pages 641-660

سعـ
ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
وهذا يدلُّ على أَنَّ استماعَ ما يقرأُ الإمامُ وفهمَهُ بدلٌ عن قراءتِهِ السورةَ
بنفسِهِ .
وقالَ بَعضُهُمْ : إِنَّ العبدَ ليسجدُ السجدةَ عندَهُ أنَّهُ تقرَّبَ بها إلى اللهِ
تعالى ، ولوْ قسمتْ ذنوبُهُ في سجدتِهِ على أهلِ مدينتِهِ .. لهلكوا ، قيلَ:
وكيفَ ذلكَ ؟ قالَ : يكونُ ساجداً عندَ اللهِ وقلبُهُ مصغ إلى هوى ، ومشاهدٌ
الباطلٍ ، قَدِ استولى عليهِ (١).
فهذهِ صفةُ الخاشعينَ .
فدلَّتْ هذهِ الأخبارُ والحكاياتُ معَ ما سبقَ على أَنَّ الأصلَ في الصلاةِ
الخشوعُ وحضورُ القلبِ ، وأَنَّ مجرَّدَ الحركاتِ معَ الغفلةِ قليلُ الجدوى في
المعادِ ، واللهُ أعلمُ ، نسألُ اللهَ حسْنَ التوفيقِ .
(١) قوت القلوب (١٠٤/٢)، وانظر ((الإتحاف)) ( ١٧٠/٣).
٦٤١

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
البَابُ الرَّابِعُ
في الإساعة والقدوة
وعلى الإمام وظائفُ ؛ قبلَ الصلاةِ ، وفي القراءةِ ، وفي أركانِ
الصلاةِ ، وبعدّ السلامِ .
أمَّا الوظائفُ التي قبلَ الصلاةِ .. فستةٌ :
أوَّلُها : ألا يتقدَّمَ للإمامةِ على قومٍ يكرهونَهُ ، فإنِ اختلفوا .. كانَ النظرُ
إلى الأكثرينَ ، فإنْ كانَ الأقلُّونَ همْ أهلَ الخيرِ والدينِ .. فالنظرُ إليهِمْ
أولى .
وفي الحديثِ: (( ثلاثةٌ لا تجاوزُ صلاتُهُمْ رؤوسَهُمْ: العبدُ الآبقُ ،
وامرأةٌ زوجُها ساخطٌ عليها، وإمامُ قوم وهمْ لهُ كارهونَ)) (١) .
وكما يُنهى عنْ تقدمِهِ معَ كراهتِهِمْ .. فكذلكَ يُنهى عنِ التقدمةِ إنْ كانَ
(١) رواه الترمذي (٣٦٠)، والكراهة لمعنىّ يذم به شرعاً، وإلا .. فلا، واللوم على
كارهه ، ثم إن الذي يذم شرعاً كفسق ، وبدعة ، وتساهل في تحرز عن خبث ، وإخلال
بهيئة من هيئات الصلاة ، وتعامل حرفة مذمومة ، وعشرة فقة ، ونحو ذلك .
((إتحاف)» ( ٣ /١٧١ ).
٦٤٢

ربع العبادات
ـيي
كتاب أسرار الصلاة
وراءَهُ مَنْ هوَ أفقَهُ منهُ وأقرأُ ، إلاَّ إذا امتنعَ منْ هوَ أولى منهُ ، فلهُ التقدُّمُ ،
فإِنْ لمْ يكنْ شيءٌ مِنْ ذلكَ .. فليتقدَّمْ مهما قُدِّمَ وعرفَ مِنْ نفسِهِ القيامَ
بشروطِ الإمامةِ .
ويكرَهُ عندَ ذلكَ المدافعةُ ، فقدْ قيلَ : إنَّ قوماً تدافعوا الإمامةَ بعدَ إقامةِ
الصلاةِ .. فخُسِفَ بهم(١) .
وما رُوِيَ مِنْ مدافعةِ الإمامةِ بينَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ فسببُهُ إيثارُهُمْ
مَنْ رأوهُ أولى بذلكَ ، أوْ خوفُهُمْ على أنفسِهِمُ السهوَ وخطرَ ضمانٍ
صلاتِهِمْ؛ فإنَّ الأئمّةَ ضمناءُ ، وكأَنَّ مَنْ لمْ يتعوَّدْ ذلكَ ربَّما يشتغلُ قلبُهُ
ويتشوَّشُ عليهِ الإخلاصُ في الصلاةِ ؛ حياءً مِنَ المقتدينَ ، لا سيما في
جهرِهِ بالقراءةِ ، فكانَ لاحترازِ مَنِ احترزَ أسبابٌ مِنْ هذا الجنسِ(٢).
الثانيةُ: إذا خيِّرَ المرءُ بينَ الأذانِ والإمامةِ .. فينبغي أنْ يختارَ الإِمامةَ؛
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((العقوبات)) (٩٠)، و((مجابو الدعوة)) (٧٩).
(٢) الأولى بحال الصحابة الوجهُ الأول، وهو الإيثار وخطر الضمان ، وقد كان ذلك من
وصفهم، وفي ((القوت)) (٢١٢/٢): ( ومن هذا كره سهل بن سعد الساعدي
الإمامةَ ، قال أبو حازم : قلت لسهل بن سعد وكان يقدم فتيان قومه يصلون به ،
فقلت : أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولك من السابقة والفضل ، لو
تقدمت فصليت بقومك ، فقال : يا بن أخي ؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: ((الإمام ضامن)) فأكره أن أكون ضامناً). انظر ((الإتحاف)) (١٧٢/٣)،
وسيعقب المصنف على ذلك .
٦٤٣

كتاب أسرار الصلاة
29
ربع العبادات
فإنَّ لكلِّ واحدٍ منهما فضلاً، ولكنَّ الجمعَ مكروهٌ ، بلْ ينبغي أنْ يكونَ
الإمامُ غيرَ المؤذِّنِ .
وإذا تعذّرَ الجمعُ .. فالإمامةُ أولىُ ، وقالَ قائلونَ : الأذانُ أولى ؛ لما
نقلناهُ في فضيلةِ الأذانِ، ولقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الإمامُ ضامنٌ ،
والمؤذِّنُ مؤتمنٌ))(١) ، فقالوا : في الإمامةِ خطرُّ الضمانِ .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((الإِمامُ أمينٌ، فإذا ركعَ .. فاركعوا ، وإذا
سجدَ .. فاسجدوا))(٢).
وفي الحديثِ ((فإنْ أتمَّ .. فلهُ ولهُمْ، وإنْ نقصَ .. فعليهِ لا عليهِمْ))(٣).
ولأنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((اللهمَّ؛ أرشدِ الأئمَّةَ واغفرْ
المؤذِّنينَ))(٤) ، والمغفرةُ أولى بالطلبِ ؛ فإنَّ الرشدَ يرادُ للمغفرةِ .
وفي الخبرِ : (( مَنْ أَذْنَ في مسجدٍ سبعَ سنينَ .. وجبتْ لهُ الجنَّةُ ،
ومَنْ أَذَّنَ أربعينَ عاماً .. دخلَ الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ))(٥) ؛ ولذلكَ نُقْلَ
و
:53
(١) رواه أبو داوود (٥١٧)، والترمذي (٢٠٧)، وابن ماجه ( ٩٨١ ).
(٢) رواه البخاري (٣٧٨)، ومسلم (٤١١)، دون: ((الإمام أمين))، أو ((أمير)) كما
في بعض النسخ ، وهي عند ابن خزيمة في ((صحيحه)) ( ١٦١٣) .
(٣) رواه أبو داوود (٥٨٠ )، وابن ماجه ( ٩٨٣) بنحوه .
(٤) هو تتمة حديث: ((الإمام ضامن)) الذي سبق قريباً .
(٥) روى الشطر الأول منه الترمذي (٢٠٦)، وابن ماجه (٧٢٧) بلفظ: ((من أذَّنَ سبع
سنين محتسباً .. كتبت له براءة من النار)) وزيادة المصنف في ((القوت)) (٢١٢/٢)،
وفي (ج) : ( أنّ) بدل: ( أَذَّن ) .
؟
٦٤٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
حـ
عنِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ أَنَّهُمْ كانوا يتدافعونَ الإمامةَ .
والصحيحُ : أَنَّ الإمامةَ أفضلُ؛ إذْ واظبَ عليها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ، وأبو بكرٍ وعمرُ رضيَ اللهُ عنهُما ، والأثمَّةُ بعدَهُم .
نعمْ ، فيها خطرُ الضمانِ ، والفضيلةُ معَ الخطرِ ، كما أَنَّ رتبةَ الإمارةِ
والخلافةِ أفضلُ؛ لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لَيومٌ مِنْ سلطانٍ عادلٍ
أفضلُ مِنْ عبادةِ سبعينَ سنةً ))(١) .
ولكنْ فيها خطرٌ، ولذلكَ وجبَ تقديمُ الأفضلِ والأفقهِ ، فقدْ قالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أتمتُكُمْ شفعاؤُكُمْ إلى اللهِ))، أوْ قالَ: ((وفدُكُمْ
إلى اللهِ، فإنْ أردتُمْ أنْ تُزُوا صلاتَكُمْ .. فقدِّموا خيارَكُمْ))(٢).
وقالَ بعضُ السلفِ : ( ليسَ بعدَ الأنبياءِ أفضلُ مِنَ العلماءِ ، ولا بعدَ
العلماءِ أفضلُ مِنَ الأئمَّةِ المصلِينَ ؛ لأنَّ هؤلاءِ قاموا بينَ يدي اللهِ عزَّ وجلَّ
وبينَ خلقِهِ ؛ هذا بالنبوَّةِ ، وهذا بالعلم ، وهذا بعمادِ الدينِ وهوَ
الصلاةُ)(٣) .
وبهذهِ الحجَّةِ احتجَّ الصحابةُ في تقديمٍ أبي بكرِ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ
وعنهُمْ للخلافةِ ؛ إذْ قالوا : ( نظرْنا ؛ فإذا الصلاةُ عمادُ الدينِ ، فاخترْنا
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٣٧/١١)، وفيه: (ستين) بدل ( سبعين).
(٢) رواه الدارقطني في «سننه)) (٣٤٦/١)، والجملة الأولى منه (٨٧/٢).
(٣) قوت القلوب (٢٠٨/٢) .
٦٤٥

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
الدنيانا مَنْ رضيهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لديننا)(١)، وما قدَّموا بلالاً
احتجاجاً بأنَّهُ رضيَهُ للأذانِ(٢).
وما رُوِيَ أَنَّهُ قالَ لهُ رجلٌ : يا رسولَ اللهِ ؛ دُلَّني على عملٍ أدخلُ بهِ
الجنَّةَ، قالَ : ((كُنْ مؤذِّناً))، قالَ: لا أَستطيعُ، قالَ: ((كُنْ إماماً))،
قالَ: لا أستطيعُ، قالَ: ((صَلِّ بإزاءِ الإمام))(٣) .. فلعلَّهُ ظنَّ أنَّهُ لا يُرضَى
بإمامتِهِ ؛ إذِ الأذانُ إليهِ والإمامةُ إلى الجماعةِ وتقديمِهِمْ لهُ، ثمَّ بعدَ ذلكَ
توهّمَ أَنَّهُ ربَّما يقدرُ عليها .
الثالثةُ : أنْ يراعيَ الإمامُ أوقاتَ الصلواتِ ، فيصلِّيَ في أوائلِها ؛ ليدركَ
رضوانَ اللهِ سبحانَهُ، ففضْلُ أوَّلِ الوقتِ على آخرِهِ كفضْلِ الآخرةِ على
الدنيا؛ هكذا رُوِيَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٤).
(١) كما روى ذلك ابن سعد في ((طبقاته)) (١٦٧/٣)، وابن عبد البر في (( التمهيد))
(١٢٩/٢٢) عن علي رضي الله عنه، وفيه يقول: ( نظرتُ في أمري؛ فإذا الصلاةُ
عظّمُ الإسلام ، وقوام الدين ، فرضينا لدنيانا ... )، والأثر المرفوع هو ما رواه
البخاري (٦٦٤)، ومسلم ( ٤١٨): ((مروا أبا بكر فليصل بالناس)).
(٢) روي أمر النبي صلى الله عليه وسلم لبلال بالأذان عند ((أبي داوود)) ( ٤٩٩، ٥٠٦)،
وابن ماجه ( ١٢٣٤ ) .
(٣) رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٦/١)، والطبراني في «الأوسط)) ( ٣٦٨٣).
(٤) رواه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٤٤٤/١)، وهو عند الديلمي في ((مسند
الفردوس)" ( ١٣١/٣).
٦٤٦

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
وفي الحديثِ : ((إنَّ العبدَ ليصلِّي الصلاةَ في آخرِ وقتِها ولمْ تفتْهُ، ولَمَا
فاتَهُ مِنْ أَوَّلٍ وقتِها خيرٌ لَهُ مِنَ الدنيا وما فيها)) (١) .
ولا ينبغي أنْ يؤخِّرَ الصَّلاةَ لانتظارِ كثرةِ الجمع ، بلْ عليهِمُ المبادرةُ
لحيازةِ فضيلةِ أوَّلِ الوقتِ ، فهيَ أفضلُ مِنْ كثرةِ الجماعةِ ، ومِنْ تطويلٍ
السورةِ ، وقدْ قيلَ : كانوا إذا حضرَ اثنانِ في الجماعةِ .. لمْ ينتظروا
الثالثَ، وإذا حضرَ أربعةٌ في الجِنازةِ .. لمْ ينتظروا الخامسَ(٢).
وقدْ تأخَّرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عَنْ صلاةِ الفجرِ وكانوا في
سفرٍ، وإنَّما تأخَّرَ للطهارةِ .. فلمْ يُنتَظَرْ، وقُدِّمَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ،
فصلَّى بِهِمْ، حتَّى فاتتْ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ركعةٌ فقامَ يقضِيها ،
قالَ: فأشفقْنا مِنْ ذلكَ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( قدْ
أحسنتُمْ ، هكذا فافعلوا)) (٣).
وقدْ تأخَّرَ في صلاةِ الظهرِ ، فقدَّموا أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ حتَّى جاءً
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهمْ في الصلاةِ ، فقامَ إلى جانبهِ (٤) .
(١) رواه الدارقطني في ((سنته)) (٢٤٨/١) بنحوه .
(٢) أما عدم انتظار زيادة على اثنين في الصلاة .. فلحيازة فضيلة أول الوقت كما علم ، وأما
عدم انتظار الخامس في الجنازة .. فلما ورد من الإسراع والتعجيل في شأنها ... ،
وإنما أورد المصنف الجنازة هنا اتباعاً لما في ((القوت)) (٢١١/٢) واستطراداً .
((إتحاف)) ( ٣ / ١٧٧ ) .
(٣) رواه مسلم ( ٢٧٤)، وكان ذلك في غزوة تبوك ، وهو معنى السفر .
(٤) رواه البخاري (٦٨٤)، ومسلم ( ٤٢١).
٦٤٧

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
وليسَ على الإمام انتظارُ المؤذِّنِ ، وإنَّما على المؤذِّنِ انتظارُ الإمام
للإقامةِ ، فإذا حضرَ .. فلا ينتظرُ غيرَهُ .
الرابعةُ : أَنْ يؤمّ مخلصاً لوجْهِ اللهِ ، ومؤدِّياً أمانةَ اللهِ تعالى في طهارتِهِ
وجميعِ شروطٍ صلاتِهِ .
أمَّا الإخلاصُ: فبألاً يأخذَ عليها أجرةً ، فقدْ أمرَ رسولُ الله صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ عثمانَ بنَ أبي العاصِ الثقفيَّ فقالَ: « واتَّخذْ مؤذِّناً لا يأخذُ على
الأذانِ أجْراً ))(١).
والأذانُ طريقٌ إلى الصَّلاةِ ، فهيَ أولىُ بألاَ يُؤْخِذَ عليها أجرٌ ؛ فإنْ أخذَ
رزقاً مِنَ مسجدٍ قَدْ وُقِفَ على مَنْ يقومُ بإمامتِهِ ، أو مِنَ السلطانِ ، أَوْ مِنْ
آحادِ الناسِ .. فلا يحكمُ بتحريمِهِ ، ولكنَّهُ مكروهٌ، والكراهيةُ في الفرائضِ
أشدُّ منها في التراويح ، وتكونُ أجرةً لهُ على مداومتِهِ على حضورِ الموضع ،
ومراقبةِ مصالح المسجدِ في إقامةِ الجماعةِ ، لا على نفْسِ الصَّلاةِ (٢).
وأمَّا الأمانةُ : فهي الطهارةُ باطناً عنِ الفسْقِ والكبائرِ والإصرارِ على
(١) رواه أبو داوود (٥٣١)، والترمذي (٢٠٩)، والنسائي (٢٣/٢)، وابن ماجه
( ٧١٤ ) .
(٢) وعلامة ذلك: أنه إذا لم يعطَ الأجرة لا يتشوش قلبه في إقامة الجماعة على عادته
الأولى ، وهذه مصيبة قد عمت ، فقد صار الأمر الآن أن المؤذن أو الإمام أو الخطيب
إذا قُصِّرَ في أداء أجرته .. ترك عمله، نسأل الله العفو. ((إتحاف)) (١٧٨/٣ ).
حن
٦٤٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
الصغائرِ ، فالمترشِّحُ للإمامةِ ينبغي أنْ يحترزَ عنْ ذلكَ جهدَهُ ؛ فإنَّهُ كالوفدِ
والشفيعِ للقومِ ، فينبغي أنْ يكونَ خيرَ القومِ .
وكذا الطهارةُ ظاهراً عَنِ الحدثِ والخبثِ ؛ فإنَّهُ لا يطَّلعُ عليهِ سواهُ ، فإنْ
تذكَّرَ في أثناءِ صلاتِهِ حدثاً ، أوْ خرجَ منهُ ريحٌ . . فلا ينبغي أنْ يستحيَ ، بلْ
يأخذُ بيدِ مَنْ يقربُ منهُ ويستخلفُهُ ، فقدْ تذكَّرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
الجنابةَ في أثناءِ الصَّلاةِ، فاستخلفَ، واغتسلَ ، ثمَّ رجعَ ودخلَ في الصَّلاةِ(١).
وقالَ سفيانُ : ( صلِّ خلْفَ كلِّ بَرِّ وفاجرٍ إلا مُدْمِنِ خمرٍ ، أَوْ معلنٍ
بالفسقِ ، أوْ عاقُّ لوالديهِ ، أَوْ صاحبٍ بدعةٍ ، أوْ عبدٍ آبقٍ )(٢) .
الخامسةُ : ألا يكبِّرَ حتَّى تستويَ الصفوفُ ، فليلتفتْ يميناً وشمالاً ، فإنْ
رأى خللاً .. أمرَ بالتسويةِ، قيلَ: كانوا يتحاذونَ بالمناكبِ ويتضافُونَ
بالکعاب .
ولا يكبِّرُ حتَّى يفرُغَ المؤذِّنُ مِنَ الإقامةِ، والمؤذِّنُ يؤخّرُ الإقامةَ عنِ
الأذانِ بقدْرِ استعدادِ الناسِ للصلاةِ؛ ففي الخبرِ: (( ليتمهَّلِ المؤذِّنُ بينَ الأَذانِ
(١) رواه أبو داوود (٢٣٣) وليس فيه ذكر الاستخلاف، وعبارة ((القوت)) (٢٠٨/٢):
( فإن كانت الحادثة في الصلاة .. فعل ذلك ، وإن كان ذكر أنه دخل في الصلاة على غير
طهارة .. خرج ولم يستخلف ) .
(٢) الجملة الأولى منه رواها اللالكائي في ((اعتقاد أهل السنة)) (١٧٣/١).
٦٤٩

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
وَالإقامةِ بِقَدْرِ ما يفرِغُ الآكلُ مِنْ طعامِهِ والمعتصِرُ مِنِ اعتصارِهِ)) (١) ، وذلك
لأنَّهُ نُهَيَ عَنْ مدافعةِ الأخبثينِ (٢)، وأُمرَ بتقديمِ العَشَاءِ على العِشَاءِ(٣)؛ طلباً
الفراغ القلبِ .
السادسةُ : أَنْ يرفعَ صوتَهُ بتكبيرةِ الإحرامِ وسائرِ التكبيراتِ ، ولا يرفعُ
المأمومُ صوتَهُ إلا بقدْرٍ ما يسمعُ نفسَهُ ، وينوي الإِمامَةَ لينالَ الفضلَ ، فإنْ لمْ
بنوٍ .. صحتْ صلاتُهُ وصلاةُ القوم إذا نووًا الاقتداءَ ، ونالوا فضلَ القدوةِ ،
وهوَ لا ينالُ فضْلَ الإِمامةِ .
وليؤخَّرِ المقتدي تكبيرَهُ عنْ تكبيرِ الإمام ، فيبتدئُ بعدَ فراغِهِ .
وأَمَّا وظائفُ القراءةِ .. فثلاثةٌ :
أوَّلُها : أَنْ يُسِرَّ بدعاءِ الاستفتاحِ والتعوُّذِ كالمنفردِ ، ويجهرَ بالفاتحةِ
والسورةِ بعدَها في جميع الصبْحِ وأوليي العشاءِ والمغربِ ، وكذا المنفردُ .
ويجهرَ بقولهِ : ( آمينَ ) في الصلاةِ الجهريةِ ، وكذا المأمومُ ، ويقرنَ
(١) رواه الترمذي (١٩٥)، والمعتصر: هو الذي غلب عليه البول أو الغائط. ((إتحاف))
(٣ /١٨١) .
(٢) كما في ((مسلم)) ( ٥٦٠) بلفظ: (( لا صلاة بحضرة الطعام ، ولا وهو يدافعه
الأخبثان )) .
(٣) رواه البخاري ( ٥٤٦٥)، ومسلم ( ٥٥٧) .
٦٥٠

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
المأمومُ تأمينَةُ بتأمينِ الإمام معاً لا تعقيباً، ويجهرَ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ﴾، والأخبارُ فيهِ متعارضةٌ(١) ، واختيارُ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ
الجهرُ(٢) .
الثانيةُ : أنْ يكونَ للإمام فِي القيام ثلاثُ سكَتَاتٍ ، هكذا رواهُ سَمرَةُ بنُ
جندُبٍ وعِمْرانُ بنُ حصينٍ ، عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (٣):
أولاهُنَّ : إذا كَبَّرَ ، وهي الطُولَى منهنَّ، مقدارُ ما يقرأُ مَنْ خلفَهُ فاتحةً
الكتابِ ، وذلكَ وقتَ قراءتِهِ لدعاءِ الاستفتاح ، فإِنَّهُ إنْ لمْ يسكتْ .. يفوتُهُمُ
الاستماعُ ، فيكونُ عليهِ ما نقصَ مِنْ صلاتِهِمْ ، فإنْ لمْ يقرؤوا الفاتحةَ في
سكوتِهِ واشتغلوا بغيرِها .. فذلكَ عليهِمْ لا عليهِ .
والسكتةُ الثانيةُ : إذا فرغَ منَ الفاتحةِ ليتمَّ مَنْ يقرأُ الفاتحةَ في السكتةِ
(١) وقد جمعها بإنصافٍ مقدِّماً أحاديثَ الجهر مراعاةً لمذهب الإمام الغزالي الإمامُ الحافظ
الزبيدي في «الإتحاف )) ( ١٨٣/٣) وتحدث عنها فيه بإسهاب .
(٢) فقد نصَّ على الجهر بـ ( آمين) و﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في ((الأم)) (٢٤٩/٢)،
(٣٣٠/٨) .
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٨٥٤) عن الحسن مرسلاً قال : ( كان لرسول الله
صلى الله عليه وسلم ثلاث سكتات ؛ سكتة إذا افتتح التكبير حتى يقرأ الحمد ، وإذا فرغ
من الحمد حتى يقرأ السورة ، وإذا فرغ من السورة حتى يركع ) . والذي عليه المعول -
وهو من رواية سمرة وعمران رضي الله عنهما - أنهما سكتتان ، وقد أنكر عمران
إحداهما ، فكتبا إلى أبي بن كعب : فكتب : أن سمرة قد حفظ ، روى ذلك أبو داوود
(٧٨٠)، والترمذي (٢٥١)، وابن ماجه (٨٤٤).
٦٥١

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
الأولى فاتحتهُ ، وهيَ كنصفِ السكتةِ الأولى .
والسكتةُ الثالثةُ : إذا فرغَ مِنَ السورةِ قبلَ أنْ يركعَ ، وهيَ أخفُّها ، وذلكَ
بقدْرِ ما تنفصلُ القراءةُ عنِ التكبيرِ ، فقدْ نُهِيَ عنِ الوصلِ فيهِ .
ولا يقرأُ المأمومُ وراءَ الإمام إلا الفاتحةَ، فإنْ لمْ يسكتِ الإمامُ .. قرأَ
الفاتحةَ معهُ، والمقصِّرُ هوَ الإمامُ ، وإنْ لمْ يسمع المأمومُ في الجهريةِ
لبعدِهِ ، أَوْ كانَ في السريّةِ .. فلا بأسَ بقراءتِهِ للسورةِ .
الثالثةُ : أَنْ يقرأ في الصبح سورتينٍ مِنَ المثاني ما دونَ المئةِ ، فإنَّ
الإطالةَ في قراءةِ الفجرِ والتغليسَ بها سنَّةٌ ، ولا يضرُّهُ الخروجُ منها معَ
الإسفارِ ، ولا بأسَ أنْ يقرأَ في الثانيةِ بأواخرِ السورِ ؛ نحوُ الثلاثينَ أوٍ
العشرينَ إلى أنْ يختمَها ؛ لأنَّ ذلكَ لا يتكرَّرُ على الأسماع كثيراً ، فيكونُ
أبلغَ في الوعظِ ، وأدعى إلى التفكّرِ، وإنَّما كرِهَ بعضُ العلماءِ قراءةَ بعضٍ
أوَّلِ السورةِ وقطعَها، وقدْ رُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قرأْ بعضَ سورةِ
يونسَ ، فلمَّا انتهى إلى ذكرٍ موسى وفرعونَ .. قطعَ فركعَ(١) .
وقدْ رُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قرأ في الفجرِ آيَةً مِنَ البقرَةِ وهيَ
(١) كذا في ((القوت)) (٢٠٩/٢)، وفي (مسلم)) (٤٥٥) عن عبد الله بن السائب قال :
( صلى لنا النبي صلى الله عليه وسلم الصبح بمكة ، فاستفتح سورة المؤمنين ، حتى
جاء ذكر موسى وهارون ، أو ذكر عيسى .. أخذت النبيَّ صلى الله عليه وسلم سعلة
فركع ) .
٦٥٢
حر

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
قولُهُ: ﴿قُولُوَأْءَامَنَا بِاللَّهِ﴾ الآية، وفي الثانيةِ: ﴿ رَبَّنَآ ءَامَنَابِمَا أَنْزَلْتَ﴾(١).
ـت:
وسمعَ بلالاً يقرأُ مِن هلهنا وههنا ، فسألَهُ عنْ ذلكَ فقالَ : أخلطُ الطيِّبَ
بالطيِّبِ، فقالَ: ((أحسنتَ)) (٢).
ويقرأُ في الظهرِ بطوالِ المفصَّلِ إلى ثلاثينَ آيَةً ، وفي العصرِ بنصْفٍ
ذلكَ ، وفي المغربِ بأواخرِ المفضَّلِ .
وآخرُ صلاةٍ صلَّها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المغربُ ، قرأ فيها
بسورةِ ( والمرسلات ) ما صلَّى بعدَها حتَّى قُبضَ(٣).
وبالجملةِ : التخفيفُ أولى، لا سيما إذا كثرَ الجمعُ، قالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ في هذهِ الرخصةِ: (( إِذا صلَّى أحدُكُمْ بالناس .. فليخففْ ؛ فإنَّ
فيهمُ الضعيفَ والكبيرَ وذا الحاجةِ، وإذا صلَّى لنفسِهِ .. فليطولْ
ما شاءَ))(٤)
٠
٢٧٥٠٠٨٠٠٠
وقدْ كانَ معاذُ بنُّ جبلٍ يصلِّي بقومِ العشاءَ ، فقرأ البقرةَ ، فخرجَ رجلٌ
مِنَ الصلاةِ وأتمَّ لنفسِهِ ، فقالوا : نافقَ الرجلُ ، فتشاكيا إلى رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فزجرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ معاذاً وقالَ :
(١) رواه مسلم ( ٧٢٧).
(٢) رواه أبو داوود (١٣٣٠) بنحوه .
(٣) رواه البخاري ( ٧٦٣)، ومسلم ( ٤٦٢) .
(٤) رواه البخاري (٩٠، ٧٠٣)، ومسلم ( ٤٦٧) .
٦٥٣

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
((أفتَّانٌ أنتَ يا معاذُ؟! اقرأْ سورةَ ( سبِّحْ)، ( والسماءِ والطارقِ ) ،
( والشمس وضحاها)))(١).
وأمَّا وظائفُ الأركانِ .. فثلاثةٌ :
أوَّلُها : أنْ يخفِّفَ الركوعَ والسجودَ ، فلا يزيدُ في التسبيحاتِ على
ثلاثٍ ، فقدْ رُوِيَ عنْ أنس أنَّهُ قالَ : ( ما رأيتُ أخفَّ صلاةٌ مِنْ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في تمامٍ )(٢).
نعمْ، رُوِيَ أيضاً أنَّ أنسَ بنَ مالكِ لمَّا صلَّى خلفَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ
وكانَ أميراً بالمدينةِ .. قالَ: ( ما صليتُ وراءَ أحدٍ أشبهَ صلاةٌ بصلاةِ
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ هذا الشابِّ، قالَ: وكنَّا نسبِّحُ وراءَهُ
عشْراً عشراً)(٣)، ورُوِيَ مجملاً أَنَّهُمْ قالوا: ( كنَّا نسبِّحُ وراءَ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الركوع والسجودِ عشراً عشراً )(٤) ، وذلكَ حسنٌ ،
ولكنَّ الثلاثَ إذا كثرَ الجمعُ أحسنُ ، فأمَّا إذا لم يحضرْ إلا المتجرِّدونَ
للدينِ .. فلا بأسَ بالعشرِ .
(١) رواه البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥)، وليس فيهما ذكر ( والسماء والطارق )،
وهي عند البيهقي في ((السنن الكبرى)» (١١٢/٣).
(٢) رواه البخاري ( ٧٠٨)، ومسلم ( ٤٦٩).
(٣) رواه أبو داوود (٨٨٨)، والنسائي (٢/ ٢٢٤).
(٤) كذا قال أبو طالب في ((القوت)) (٢١٠/٢)، وهو مستفاد أيضاً من الحديث الذي
سبق .
٦٥٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
هذا وجهُ الجمْعِ بِينَ الرواياتِ .
وينبغي أنْ يقولَ الإمامُ عندَ رفْعٍ رأسِهِ مِنَ الركوعِ : ( سمعَ اللهُ لمَنْ
حمدَهُ ) .
الثانيةُ: ينبغي للمأموم ألا يسابقَ الإمامَ في الركوع والسجودِ ، بَلْ يتأخّرُ
فلا يهوي للسجودِ إلا إذا وصلتْ جبهةُ الإمام إلى المسجدِ ، هكذا كانَ
اقتداءُ الصحابةِ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (١) ، ولا يهوي للركوع حتَّى
يستويَ الإمامُ راكعاً .
وقدْ قِيلَ : إنَّ الناسَ يخرجونَ مِنَ الصلاةِ على ثلاثة أقسام : طائفةٌ
بخمسٍ وعشرينَ صلاةٌ ؛ وهُم الذينَ يكبّرونَ ويركعونَ بعدَ ركوع الإمامِ ،
وطائفةٌ بصلاةٍ واحدةٍ ؛ وهُم الذينَ يساوقونَهُ(٢) ، وطائفةٌ بلا صلاةٍ ؛ وهمُ
الذين يسابقونَ الإمامَ(٣).
وقدِ اختلفَ في أَنَّ الإمامَ في الركوع : هلْ ينتظرُ لحوقَ مَنْ دخلَ لینالَ بهِ
فضلَ جماعتِهِمْ وإدراكَهُ لتلكَ الركعةِ ؟
(١) رواه البخاري (٨١١)، ومسلم (٤٧٤)، ولفظه: ( فإذا رفع من الركوع .. لم أرَ
أحداً يحني ظهره حتى يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهته على الأرض ، ثم يخرُ
من وراءه سُجَّداً ) .
(٢) أي: يكبرون ويركعون ويسجدون معه، كما هو في ((القوت)) (٢٠٩/٢).
(٣) قوت القلوب (٢٠٩/٢).
٦٥٥

كتاب أسرار الصلاة
05.
ربع العبادات
ولعلَّ الأولىُ أَنَّ ذلكَ مع الإخلاصِ لا بأسَ بهِ (١)، إذا لمْ يظهرْ تفاوتٌ
ظاهرٌ للحاضرينَ ، فإِنَّ حقَّهُمْ مَرعيٍّ في ترْكِ التطويلِ عليهِمْ .
الثالثةُ : لا يزيدُ في دعاءِ التشهُّدِ على مقدارِ التشهُّدِ ؛ حذراً مِنَ
التطويلِ ، ولا يخصُّ في الدعاءِ نفسَهُ ، بلْ يأتي بصيغةِ الجمع فيقولُ :
( اللهمَّ؛ اغفرْ لنا )، ولا يقولُ: (اغفِر لي)، فقدْ كُرِهَ للإمام أنْ يخصَّ
نفسَهُ(٢) .
ولا بأسَ أنْ يستعيذُ في تشهدِهِ بالكلماتِ الخمسِ المأثورةِ عنْ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فيقولَ: (( نعوذُ بكَ مِنْ عذابٍ جهنَّمَ ، وعذابِ
القبرِ ، ونعوذُ بكَ مِن فِتنةِ المحيا والمماتِ ، ومنْ فتنةِ المسيحِ الدجّالِ ،
وإذا أردتَ بقوم فتنةٌ .. فاقبضْنا إليكَ غيرَ مفتونينَ))(٣)، وقيل: سُمِّيَ
مسيحاً لأنَّهُ يمسحُ الأرضَ بطولِها ، وقيل : لأنَّهُ ممسوحُ العينِ ؛ أي :
مطموسُها .
(١) والمراد بالإخلاص : ألا يفعل ذلك تقرباً لوجيهٍ مثلاً، بل يخلص النية في فعله لينال
المقتدي به أجر الجماعة وأجر الركعة المدركة .
(٢) قال الإمام الشافعي في ((الأم)) (٣٠٥/٢): (وروي من وجه عن أبي أمامة قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا يصلي الإمام بقوم فيخصَّ نفسه
بدعوة دونهم )) ) .
(٣) رواه مسلم (٥٨٨)، وزيادة: ((وإذا أردت ... )) هي عند الترمذي (٣٢٣٣).
٦٥٦

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
وأمَّا وظائفُ التحلُّلِ .. فثلاثةٌ :
أولاها : أنْ ينويَ بالتسليمتينِ السلامَ على القوم والملائكةِ .
الثانيةُ: أن يَثِبَ عَقِيبَ السلام، كذلكَ فعلَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ وأبو بكرٍ وعمرُ رضيَ اللهُ عنهُما (١) ، فيصلِّي النافلةَ في موضعٍ
آخرَ (٢)، فإنْ كانَ خلفَهُ نسوةٌ .. لمْ يقمْ حتَّى ينصرفْنَ(٣).
وفي الخبرِ المشهورِ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يكنْ يقعدُ إلا قدْرَ قولِهِ :
((اللهمَّ؛ أنتَ السلامُ، ومنكَ السلامُ، تباركْتَ يا ذا الجلالِ والإكرام)) (٤).
الثالثةُ : إذا وثبَ .. فينبغي أنْ يقبِلَ بوجهِهِ على الناسِ .
ويكرَهُ للمأمومِ القيامُ قبلَ انفتالِ الإمامِ ، فقدْ رُوِيَ عنْ طلحةَ والزبيرِ
رضيَ اللهُ عنهُما أَنَّهُما صلَّيا خلفَ إمام ، فلمَّا سلَّما .. قالا للإمام : ما أحسنَ
(١) ففي ((البخاري)) (٨٤٩) عن أم سلمة قالت: ( كان إذا سلم يمكث في مكانه
يسيراً) ، وحديث مكث الشيخين يسيراً عند أبي داوود (١٠٠٧ )، وقد اعتمد الحافظ
العراقي في ((تخريجه)) على رواية ( يثبت ) ، وشاهدها عند المصنف قول الراوي :
( يسيراً ) وسيفسر هذا اليسير فيما سيأتي .
(٢) كما في ((البخاري)) ( ٨٤٨).
(٣) كما في (( البخاري)) ( ٨٥٠) .
(٤) رواه مسلم (٥٩١)، وقوله : ( المشهور) المراد به المعنى اللغوي ، لا مصطلح أهل
الحديث. ((إتحاف)) (٢٠٩/٣).
٦٥٧
لان جر
حن

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
صلاتَكَ وأتمّها إلا شيئاً واحداً ؛ أنَّكَ لمَّا سلَّمتَ .. لمْ تنفتلْ بوجهِكَ، ثُمَّ قالا
للناسِ : ما أحسنَ صلاتَكُمْ إلا أنَّكُمُ انصرفتُمْ قبلَ أنْ ينفتلَ إمامُكُمْ (١) .
ثمَّ ينصرفُ الإمامُ حيثُ شاءَ مِنْ يمينِهِ أَوْ شمالِهِ ، واليمينُ أحبُّ . هذِهِ
وظيفةُ الصلواتِ .
وأمَّا الصبحُ : فيزيدُ فيها القنوتَ ، فيقولُ الإمامُ: ( اللهمَّ ؛ اهدنا) ،
ولا يقولُ : ( اللهمَّ ؛ اهدني)، ويؤمِّنُ المأمومُ ، فإذا انتهى إلى قولِهِ :
( إِنَّكَ تقضي ولا يُقضى عليكَ) .. فلا يليقُ بهِ التأمينُ؛ لأنَّهُ ثناءٌ، فيقرأُ
معهُ فيقولُ مثلَ قولِهِ ، أَوْ يقولُ : ( بلى وأنا على ذلكَ مِنَ الشاهدينَ ) ، أوْ
( صدقتَ وبرِّرتَ) وما أشبَهَ ذلكَ .
٥٧٥٠
وقدْ رُوِيَ حديثٌ في رفع اليدينِ في القنوتِ ، فإِذا صحَّ الحديثُ ..
استحبَّ ذلكَ(٢) ، وإنْ كانَ على خلافِ الدعواتِ في آخرِ التَشْهُّدِ ، إذْ
لا يرفعُ بسببِها اليدَ ، بلْ التعويلُ على التوقيفِ ، وبينَهُما أيضاً فرْقٌ ؛ وذلكَ
أَنَّ للأيدي وظيفةٌ في التشهدِ ، وهوَ الوضْعُ على الفخذينِ على هيئةٍ
مخصوصةٍ ، ولا وظيفةً لهما هلهنا ، فلا يبعدُ أنْ يكونَ رفعُ اليدينِ هوَ
الوظيفةَ في القنوتِ ؛ فإنَّهُ لائقٌ بالدعاءِ ، واللهُ أعلمُ .
فهذهِ جملُ آدابِ القدوةِ والإمامةِ ، واللهُ الموفِّقُ .
(١) قوت القلوب (٢١٣/٢).
(٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢١١/٢).
٦٥٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
الْبَابُ الْخَامِيسُ
في فضل الجمعة وآدابها وسننها وشروطها
فضيلة الجمعة
اعلمْ: أَنَّ هذا يومٌ عظيمٌ، عظّمَ اللهُ بهِ الإِسلامَ ، وخصَّصَ بهِ
المسلمينَ، قَالَ اللهُ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ
الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾، فحرَّمَ الاشتغالَ بأمورِ الدنيا ، وبكلِّ
صارفٍ عن السعي إلى الجمعةِ .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ فرضَ عليكُمُ الجمعةَ في
يومي هذا ، في مقامي هذا)) (١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ تركَ الجمعةً ثلاثاً مِنْ غيرِ عذرٍ ..
طبعَ اللهُ على قلبهِ))(٢)، وفي لفظٍ آخرَ: (( .. فقَدْ نبذَ الإسلامَ وراءَ
ظهرِهِ)) (٣).
(١) رواه ابن ماجه ( ١٠٨١ ).
(٢) رواه أبو داوود (١٠٥٢)، والترمذي (٥٠٠)، والنسائي (٨٨/٣)، وابن ماجه
( ١١٢٥ ) .
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٦٦/٣)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٢٧١٢) من
قول ابن عباس رضي الله عنهما .
٦٥٩

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
واختلفَ رجلٌ إلى ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما يسألُهُ عنْ رجلِ ماتَ لمْ
يكنْ يشهدُ جمعةً ولا جماعةً ، فقالَ : ( في النارِ ) ، فلمْ يزلْ يتردّدُ إليهِ
شهراً يسألُهُ عنْ ذلكَ وهوَ يقولُ: ( في النارِ)(١) .
وفي الخبرِ: ((إن أهلَ الكتابينِ أُعطوا يومَ الجمعةِ ، فاختلفوا فيهِ ،
فصُرِفوا عنهُ وهدانا اللهُ تعالى لهُ، وأخَّرَهُ لهذهِ الأمةِ ، وجعلَهُ عيداً لهُمْ ،
فَهُمْ أَوَّلُ الناسِ بهِ سبقاً وَأَهلُ الكتابينِ لهُمْ تبعٌ))(٢) .
وفي حديثِ أنسٍ ، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( أتاني
جبريلُ عليهِ السلامُ في كفِّهِ مرآةٌ بيضاءُ ، وقالَ : هذِهِ الجمعةُ يعرضُها عليكَ
ربِّكَ ؛ لتكونَ لكَ عِيداً ولأمَّتِكَ مِنْ بعدِكَ ، قلتُ : فما لنا فيها ؟ قالَ : لكمْ
فيها خيرُ ساعةٍ ، مَنْ دعا فيها بخيرٍ هوَ لهُ قِسْمٌ .. أعطاهُ اللهُ سبحانَهُ إِيَّاهُ، أَوْ
ليسَ لهُ قِسْمٌ .. ذُخِرَ لهُ ما هوَ أعظمُ منهُ، أوْ تَعوَّذَ مِنْ شرِ هوَ مكتوبٌ
عليهِ .. إلا أعاذَهُ اللهُ تعالىُ مِنْ أعظمَ منهُ، وهوَ سيِّدُ الأيامِ عندَنا، ونحنُ
ندعوهُ في الآخرةِ يومَ المزيدِ ، قلتُ : ولِمَ ؟ قالَ : إنَّ رَبَّكَ عزَّ وجلَّ اتَّخذَ
في الجنةِ وادياً أفيحَ مِنْ مسكٍ أبيضَ ، فإذَا كانَ يومُ الجمعةِ .. نزلَ تعالىُ مِنْ
علِِّينَ على كرسيِّهِ ، فيتجلَّىُ لهُمْ حتَّى ينظروا إلى وجهِهِ الكريمِ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( خيرُ يومِ طلعتْ عليهِ الشمسُ يومُ
(١) رواه الترمذي (٢١٨)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٤٧٥).
(٢) رواه البخاري ( ٨٧٦)، ومسلم ( ٨٥٥).
(٣) رواه الشافعي في ((مسنده)) (٥٣٦/١)، والطبراني في ((الأوسط)) (٢١٠٥).
٦٦٠
----.. "