Indexed OCR Text

Pages 601-620

ربع العبادات
حز
كتاب أسرار الصلاة
الملوكِ الذي بيدِهِ الملكُ والملكوتُ والنفعُ والضُّ .. فلا تظنَّنَّ أَنَّ لهُ سبباً
سوى ضعفِ الإيمانِ .
فاجتهدِ الآنَ في تقويةِ الإيمانِ ، وطريقُهُ يُستقصى في غيرِ هذا
الموضع .
وأمَّا التفهُّمُ : فسبَبُه بعدَ حضورِ القلبِ : إدمانُ الفكرِ وصرفُ الذهنِ إلى
إدراكِ المعنى ، وعلاجُهُ : ما هو علاجُ إحضارِ القلبِ مع الإقبالِ على الفكرِ
والتشمُّرِ لدفع الخواطرِ الشاغلةِ ، وعلاجُ دفع الخواطرِ الشاغلةِ : قطعُ
موادِّها ؛ أعني : النزوعَ عنْ تلكَ الأسبابِ التي تنجذبُ الخواطرُ إليها ،
وما لمْ تنقطعْ تلكَ الموادُّ .. لا تنصرفُ عنها الخواطرُ، فمَنْ أحبَّ شيئاً ..
أكثرَ ذكرَهُ ، فذكرُ المحبوبِ يهجمُ على القلبِ بالضرورةِ ، فلذلكَ ترىُ أَنَّ
مَنْ أحبَّ غيرَ اللهِ . . لا تصفو لهُ صلاةٌ عنِ الخواطرِ .
وأمَّا التعظيمُ : فهوَ حالةٌ للقلبِ تتولَّدُ مِنْ معرفتينِ :
إحداهما : معرفةُ جلالِ اللهِ تعالى وعظمتِهِ ، وهوَ مِنْ أصولِ الإيمانِ ؛
فإنَّ مَنْ لا يُعتقدُ عظمتُهُ لا تذعنُ النفسُ لتعظيمِهِ .
الثانيةُ : معرفةُ حقارةِ النفسِ وخسَّتِها ، وكونِها عبداً مسخّراً مربوباً .
حتَّى يتولَّدَ مِنَ المعرفتينِ الاستكانةُ والانكسارُ والخشوعُ للهِ سبحانَهُ ،
فيعبَّرُ عنهُ بالتعظيمِ ، وما لمْ تمتزجْ معرفةُ حقارةِ النفسِ بمعرفةِ جلالِ اللهِ ..
لا تنتظمُ حالةُ التعظيمِ والخشوع ؛ فإنَّ المستغنيَ عنْ غيرِهِ الآمنَ على نفسِهِ
٦٠١
ـة

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
يجوزُ أنْ يعرفَ مِنْ غيرِهِ صفاتِ العظمةِ ولا يكونُ الخشوعُ والتعظيمُ حالَهُ ؛
لأَنَّ القرينةَ الأخرى - وهيَ معرفةُ حقارةِ النفسِ وحاجتِها - لمْ تقترنْ إليهِ .
وأمَّا الهيبةُ والخوفُ : فحالةٌ للنفسِ تتولَّدُ مِنَ المعرفةِ بقدرةِ اللهِ
وسطوتِهِ ، ونفوذٍ مشيئتِهِ فيهِ معَ قلَّةِ المبالاةِ بهِ ، وأَنَّهُ لوْ أهلكَ الأوَّلينَ
والآخرينَ .. لمْ ينقصْ مِنْ ملكِهِ ذَرَّةٌ ، هذا معَ مطالعةِ ما يجري على الأنبياءِ
والأولياءِ مِن المصائبِ وأنواع البلاءِ معَ القدرةِ على الدفع ، على خلافٍ
ما يشاهدُ مِنْ ملوكِ الأرضِ(١).
وبالجملةِ : كلما زادَ العلمُ باللهِ . . زادتِ الخشيةُ والهيبةُ ، وسيأتي
أسبابُ ذلكَ في كتابِ الخوفِ مِنْ ربع المنجياتِ .
وأمَّا الرجاءُ : فسبيُهُ : معرفةُ لطّفِ اللهِ تعالى وكرمِهِ وعميمٍ إِنعامِهِ
ولطائفٍ صنعِهِ ، ومعرفةُ صدقِهِ في وعدِهِ الجنَّةَ بالصلاةِ ، فإِذا حصلَ اليقينُ
بوعدِهِ والمعرفةُ بلطفِهِ .. انبعثَ مِنْ مجموعِهِما الرجاءُ لا محالةَ(٢).
وأمَّا الحياءُ : فباستشعارِهِ التقصيرَ في العبادةِ ، وعلمِهِ بالعجزِ عنِ القيام
بعظيمٍ حقِّ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ويقوىُ ذلكَ بالمعرفةِ بعيوبِ النفسِ وآفاتِها ، وقلَّةِ
حن
(١) من نفاد خزائنهم بالأعطية، وعدم القدرة على دفع ما نزل بهم. ((إتحاف))
(١٢٣/٣) .
(٢) وقد فهم من سياقه أن معرفة كل من صدق الوعد واللطف قرينتان ، وأن الرجاء يتولد
منهما جميعاً من حيث التركيب. ((إتحاف)) ( ٣/ ١٣٤).
٦٠٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
إخلاصِها وخبثٍ دُخْلتِها (١) ، وميلها إلى الحظَّ العاجلِ في جميع أفعالِها ،
معَ العلمِ بعظيمٍ ما يقتضيهِ جلالُ اللهِ تعالى ، والعلم بأنَّهُ مطلعٌ على السرائرِ
وخطراتِ القلبِ وإِنْ دقتْ وخفيتْ ، وهذهِ المعارفُ إذا حصلتْ يقيناً ..
انبعثَ منها بالضرورةِ حالةٌ تسمَّى الحياءَ .
فهذهِ أسبابُ هذهِ الصفاتِ ، وكلُّ ما طُلِبَ تحصيلُهُ فعلاجُهُ إحضارٌ
سبِهِ ، ففي معرفةِ السببِ معرفةُ العلاج ، ورابطةُ جميعِ هذهِ الأسبابِ
الإِيمانُ واليقينُ ؛ أعني بهِ : هذهِ المعارفَ التي ذكرناها ، ومعنى كونِها يقيناً
انتفاءُ الشكِّ، واستيلاؤُها على القلبِ كما سبقَ في بيانِ اليقينِ مِنْ كتابٍ
العلمِ ، وبقدْرِ اليقينِ يخشعُ القلبُ ، ولذلكَ قالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها :
( كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُحدِّثُنَا ونُحدِّثْهُ، فإذا حضرتِ
الصلاةُ .. فكأَنَّهُ لمْ يعرِفْنا ولَمْ نعرفْهُ)(٢).
وقد رُوِيَ أَنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أوحى إلى موسى عليهِ السلامُ : ( يا موسى ؛
إذا ذكرتني .. فاذكرني وأنتَ تنتفضُ أعضاؤُكَ ؛ وكنْ عندَ ذكري خاشعاً
(١) الدخلة: هي - بضم الدال وكسرها -: بطانة الأمر، تقول: إنه لعفيف الدخلة ، أو
لخبيثها ، وبالفتح : طريقة المرء أو مذهبه .
(٢) قال الحافظ ابن رجب في ((فتح الباري)) (١١٤/٤): ( خرجه الحافظ أبو الحسين بن
المظفر في ((غرائب شعبة )) - وساق سنده - عن عائشة قالت: (( كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا كان عندي .. كان في مهنة أهله ، فإذا نودي بالصلاة .. كأنه لم
يعرفنا)))، وأيد هذه الزيادة برواية أخرى عند أبي زرعة في ((تاريخه )"، وأصل
الحديث عند البخاري ( ٦٧٦ ) .
٦٠٣

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
مطمئناً ، وإذا ذكرتني .. فاجعلْ لسانَكَ مِنْ وراءِ قلبكَ ، وإذا قمتَ بينَ
يديّ .. فقُمْ قيامَ العبدِ الذليلِ، وناجني بقلبٍ وَجِلٍ ولسانٍ صادقٍ)(١).
ورُوِيَ أنَّهُ أُوحِيَ إليهِ : ( قلْ لعُصاةِ أُمتِكَ: لا يذكروني ؛ فإني آليتُ
على نفسي أَنَّ مَنْ ذكرني .. ذكرتُهُ، فإِذا ذكروني .. ذكرتُهُمْ باللعنةِ)(٢)،
هذا في عاصٍ غيرِ غافلٍ في ذكرِهِ ، فكيفَ إذا اجتمعتِ الغفلةُ والعصيانُ ؟!
وباختلافِ المعاني التي ذكرناها في القلوبِ انقسمَ الناسُ إلى غافلٍ يتمِّمُ
صلاتَهُ ولمْ يحضرُ قلبُهُ في لحظةٍ منها ، وإلى مَن يتمِّمُ ولمْ يغبْ قلبُهُ في
لحظةٍ ، بلْ ربَّما كانَ مستوعبَ الهمِّ بها بحيثُ لا يحسُّ بما يجري بينَ يديهِ ،
ولذلكَ لمْ يحسَّ مسلمُ بنُ يسارٍ بسقوطِ أسطوانةٍ في المسجدِ اجتمعَ الناسُ
عليها(٣) ، وبعضُهُمْ كانَ يحضرُ الجماعةَ مدةً ولمْ يعرفْ قطَّ مَنْ على يمينِهِ
ويسارِهِ(٤) ، ووجيبُ قلبٍ إبراهيمَ عليهِ السلامُ كانَ يسمعُ علىُ ميلينِ (٥) ،
وجماعةٌ كانتْ تصفرُ وجوهُهُمْ وترتعدُ فرائصُهُمْ ، وكلُّ ذلكَ غيرُ مستبعدٍ ؛
فإِنَّ أضعافَهُ مشاهدٌ في همِّ أهلِ الدنيا وخوفِ ملوك الدنيا معَ ضعفِهِمْ
(١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٣٧٩)، وأبو نعيم في ((حلية
الأولياء)) (٦ /٥٥).
سون.
(٢) قوت القلوب (٥٧/١) بلفظ: ( وروينا في الإسرائيليات : أوحى الله عز وجل لنبيه
موسى وداوود عليهما السلام ... ) بنحوه .
(٣) رواه ابن عساكر في (تاريخ دمشق)) (١٣٥/٥٨)، وهو في «القوت)) (١٠٢/٢).
(٤) وهو سعيد بن جبير، ومدة حضوره أربعون سنة، انظر ((قوت القلوب)) (٢/ ٩٧).
(٥) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢١٨/٦) بنحوه .
٦٠٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
وعجزِهِمْ وخساسةِ الحظوظِ الحاصلةِ منهُمْ، حتَّى يدخلُ الواحدُ على ملكِ
أوْ وزيرٍ ويحدِّثُهُ بمهمِّهِ ثمَّ يخرجُ، ولو سئلَ عمَّنْ حوالَيْهِ أَوْ عنْ ثوبِ
الملكِ .. لكانَ لا يقدرُ على الإِخبارِ عنه ؛ لاشتغالِ هِّهِ بهِ عنْ ثوبِهِ وعنِ
الحاضرينَ حولَهُ .
ولكلِّ درجاتٌ ممَّا عملوا ، فحظُّ كلِّ واحدٍ مِنْ صلاتِهِ بقدْرِ خوفِهِ
وخشوعِهِ وتعظيمِهِ ، فإنَّ موضِعَ نظرٍ اللهِ تعالى القلوبُ دونَ ظاهرٍ
الحركاتِ(١) ، ولذلكَ قالَ بعضُ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ: ( يُحشرُ الناسُ
يومَ القيامةِ على مثالِ هيئتِهِمْ في الصلاةِ مِنَ الطمأنينةِ والهدوءِ ، ومِنْ وجودِ
النعيمِ بها واللذّةِ )(٢).
ولقدْ صدقَ ؛ فإنَّهُ يحشرُ كلٌّ على ما ماتَ عليهِ(٣) ، ويموتُ على
ما عاشَ عليهِ ، ويُراعى في ذلكَ حالُ قلبهِ ، لا حالُ شخصِهِ ، فمِنْ صفاتٍ
القلوبِ تصاغُ الصورُ في الدارِ الآخرةِ ، ولا ينجو إلا مَنْ أتى الله بقلبٍ
سليمٍ ، نسألُ اللهَ حسْنَ التوفيقِ بلطفِهِ وکرمِهِ .
٨٠
(١) كما في ((مسلم)) (٢٥٦٤) مرفوعاً: ((إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ،
ولكن ينظر إلى قلوبكم )) ، وأشار بأصابعه إلى صدره .
G
(٢) قوت القلوب (٩٨/٢)، وعنده (٤٦/١) قال: (ويقال: إن العبد يحشر عند
الموت من قبره على هيئته في صلاته ، من السكون والطمأنينة ، وتكون راحته في
الموقف على قدر راحته وتنعمه بالصلاة ، وروينا معنى هذا عن أبي هريرة ) .
(٣) كما في ((مسلم)) (٢٨٧٨) مرفوعاً: (( يبعث كل عبد على ما مات عليه)).
٦٠٥
دں
حن

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
بيان الدواء الشّافع فى حضور القلب
اعلمْ : أَنَّ المؤمنَ لا بدَّ أنْ يكونَ معظِّماً للهِ عزَّ وجلَّ ، وخائفاً منهُ ،
وراجياً لهُ ، ومستحيياً مِنْ تقصيرِهِ ، فلا ينفكُ عنْ هذهِ الأحوالِ بعدَ إيمانِهِ
وإنْ كانتْ قوَّتُها بقدْرِ قوَّةٍ يقينِهِ ، فانفكاكُهُ عنها في الصلاةِ لا سببَ لهُ إلا
تفرّقُ الفكْرِ وتقشُّمُ الخاطرِ ، وغيبةُ القلبِ عنِ المناجاةِ ، والغفلةُ عنِ
الصلاةِ ، ولا يلهي عنِ الصلاةِ إلا الخواطرُ الواردةُ الشاغلةُ، فالدواءُ في
إحضارِ القلبِ هوَ دفعُ تلكَ الخواطرِ ، ولا يُدفعُ الشيءُ إلا بدفع سببِهِ ،
فلتعلمْ سببه .
وسببُ مواردِ الخواطرِ : إمّا أنْ يكونَ أمراً خارجاً ، أو أمراً في ذاتِهِ
باطناً :
أمَّا الخارجُ : فما يقرعُ السمعَ أوْ يظهرُ للبصرِ ، فإِنَّ ذلكَ قدْ يختطفُ
الهمَّ حتَّى يتبعَهُ ويتصرَّفَ فيهِ ، ثمَّ ينجزُ منهُ الفكرُ إلى غيرِهِ ويتسلسلُ ،
ويكونُ الإبصارُ سبباً للافتكارِ ، ثمَّ تصيرُ بعضُ تلكَ الأفكارِ سبباً
للبعضِ (١)، ومَنْ قويتْ نِيَتُهُ، وعلتْ همتُهُ .. لمْ يلهِهِ ما يجري على
(١) فإن لم يستعجل بإخراج سببها عاجلاً بهمة مرشد كامل، وإلا .. صار صاحبها مقيتاً
ممقتاً لا ينجع فيه الدواء ، ولا يرفع رأسه للهدى ولا يرضى بالاقتداء ، فيعود في ضلاله
كما بدأ. ((إتحاف)) (١٢٦/٣). فوجب صون السمع والبصر اللتين هما أخطر قناتين
للقلب ، لا في الصلاة كما سيذكر المصنف فحسب ، بل قبلها متهيئاً لها .
Ge
ـوز
٦٠٦

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
حواسِّهِ ، ولكنَّ الضعيفَ لا بدَّ وأنْ يتفرَّقَ بهِ فكرُهُ .
فعلاجُهُ: قطعُ هذهِ الأسبابِ بأنْ يغضَّ بصرَهُ(١) ، أوْ يصلِّيَ في بيتٍ
مظلمٍ ، أوْ لا يتركَ بينَ يديهِ ما يشغلُ حسَّهُ ، ويقربَ مِنْ حائطٍ عندَ صلاتِهِ
حتَّى لا تتسعَ مسافةُ بصرِهِ ، ويحترزَ مِنَ الصلاةِ على الشوارعِ ، وفي
المواضع المنقوشةِ المصنوعةِ، وعلى الفرشِ المصبوغةِ(٢)، ولذلكَ كانَ
المتعبِّدُونَ يتعبَّدُونَ في بيتٍ صغيرٍ مظلمٍ ، سعتُهُ بقدْرِ السجودِ ؛ ليكونَ ذلكَ
أجمعَ للهمِّ(٣)، والأقوياءُ منهُمْ كانوا يحضرونَ المساجدَ ويغضُّونَ البصرَ
ولا يجاوزونَ بهِ موضعَ السجودِ ، ويرونَ كمالَ الصلاةِ في ألا يعرفوا مَنْ
على يمينِهِمْ وشمالِهِمْ .
وكانَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما لا يدعُ في موضع الصلاةِ مصحفاً
ولا سيفاً إلا نزعَهُ ، ولا كتاباً إلا محاهُ .
وأمَّا الأسبابُ الباطنةُ : فهيَ أشدُ ؛ فإنَّ مَنْ تشعَّبَتْ بهِ الهمومُ في أوديةِ
(١) فلا يجيله متتبعاً ما حوله ، ويلزم نفسه بنظر السنة ؛ كالنظر إلى موضع السجود قائماً،
كذا يفهم من كلامه كما سيبينه في اللحاق ، وليس المراد إغماض العينين .
(٢) وقد ابتلي الناس بزخرفة المساجد ونقشها بالصباغ المختلفة ، وعدوا ذلك إكراماً لبيت
الرب ، وذهلوا أنها من جملة الشواغل للمصلين ، وهو من أعظم البدع والحوادث .
((إتحاف)) ( ٣/ ١٢٧).
(٣) ففي (( البخاري)) (٣٨٢)، و((مسلم)) (٥١٢) عن عائشة رضي الله عنها قالت:
( كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته ، فإذا سجد ..
غمزني ، فقبضت رجلي ، فإذا قام .. بسطتهما ، قالت : والبيوت يومئذٍ ليس فيها
مصابيح ) .
٦٠٧

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
احد
SG
الدنيا .. لمْ ينحصرْ فكرُّهُ في فنٍّ واحدٍ ، بلْ لا يزالُ يطيرُ مِنْ جانبٍ إلى جانبٍ،
وغضُّ البصرِ لا يغنيهِ في ذلكَ ؛ فإِنَّ ما وقعَ في القلبِ مِنْ قبلُ كافٍ للشغلِ .
فهذا طريقُهُ : أَنْ يردّ النفسَ قهراً إلى فهْمِ ما يقرؤُهُ في الصلاةِ ويشغلَها
بهِ عنْ غيرِهِ ، ويعينُهُ على ذلكَ : أنْ يستعدَّ لهُ قبلَ التحريمِ ؛ بأنْ يجدِّدَ على
نفسِهِ ذكرَ الآخرةِ وموقفِ المناجاةِ وخطرِ المقام بينَ يدي اللهِ سبحانَهُ
وتعالى ، وهولِ المطلع ، ويفرِّغُ قلبَهُ قبلَ التحريمِ بالصلاةِ عمَّا يهُّهُ ، فلا
يتركُ لنفسِهِ شغلاً يلتفتُ إليهِ خاطرُهُ، قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
لعثمانَ بنِ شيبةَ: ((إنِّي نسيتُ أنْ أقولَ لكَ أنْ تُحمِّرَ القدْرَ الذي في البيتِ ؛
فإِنَّهُ لا ينبغي أنْ يكونَ في البيتِ شيءٌ يَشغلُ الناسَ عنْ صلاتِهِمْ))(١).
فهذا طريقُ تسكينِ الأفكارِ ، فإِنْ كانَ لا يسكنُ هائجُ أفكارِهِ بهذا الدواءِ
المسكُّنِ .. فلا ينجيهِ إلا المُسْهلُ الذي يقمعُ مادةَ الداءِ مِنْ أعماقِ العروقِ ،
وهوَ أنْ ينظرَ في الأمورِ الشاغلةِ الصارفةِ لهُ عنْ إحضارِ القلبِ ، ولا شكَّ أَنَّها
تعودُ إلى مهمَّاتِهِ ، وأَنَّها إنَّما صارتْ مهمَّاتٍ لشهواتِهِ ، فيعاقبَ نفسَهُ بالنزوعِ
من
(١) رواه أبو داوود (٢٠٣٠) بلفظ: (( إني نسيت أنْ آمرك أن تخمِّرَ القرنينِ؛ فإنه ليس
ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي)) . والمقصود بالقرنين : قرنا الكبش
الذي فُدي به الذبيح كما في (( مسند أحمد)) (٦٨/٤).
وأشار الحافظ العراقي أن الصواب في اسم المخاطب هو عثمان بن طلحة ، قال الحافظ
الزبيدي في «الإتحاف)) (١٢٨/٣): ( ورأيت بخط الحافظ ابن حجر قال : صوابه :
عثمان بن شيبة ، قلت : إن كان عثمان يكنى أبا شيبة .. فهو كما ذكر ، وارتفع
الخلاف ) .
٦٠٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
عنْ تلكَ الشهواتِ وقطع تلكَ العلائقِ ، فكلُّ ما يشغلُهُ عنْ صلاتِهِ فهوَ ضدُ
دينِهِ ، وجندُ إبليسَ عدوِّهِ ، فإمساكُهُ أضرُّ عليهِ مِنْ إخراجِهِ ، فيتخلَّصُ منهُ
بإخراجِهِ ؛ كما رُويَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا لبسَ الخميصةَ التي أتى بها
أبو جَهْمٍ وعليها عَلَمٌ وصلَّى بها .. نزعَها بعدَ صلاتِهِ وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: (( اذهبوا بها إلى أبي جهمٍ ؛ فإنَّها ألهتني آنفاً عَنْ صلاتي ، وأتوني
بأنْجانِيَّةِ أبي جهم)) (١).
وأمرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بتجديدِ شراكِ نعلِهِ ، ثمَّ نظرَ إليهِ في
الصلاةِ إذْ كانَ جديداً ، فأمرَ أنْ ينزعَ منها ويردَّ الشراكُ الخَلَقُ (٢).
وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قدِ احتذى نعلاً، فأعجبَهُ حسنُها ، فسجدَ
وقالَ : ((تواضعتُ لربِّي عزَّ وجلَّ كي لا يمقتني)» ، ثمَّ خرجَ بها فدفعَها إلى
أوَّلِ سائلٍ لقيَه، ثمَّ أمرَ علياً رضيَ اللهُ عنهُ أنْ يشتريَ لهُ نعلينِ سبتيََّينِ
جرداوينٍ فَلَبِسَهُما(٣) .
وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في يدِهِ خاتمٌ مِنْ ذهبٍ قبلَ التحريمِ ، وكانَ
على المنبرِ ، فرماهُ وقالَ: ((شغلَني هذا، نظرةً إليهِ ونظرةً إليكُمْ))(٤).
(١) رواه البخاري ( ٣٧٣)، ومسلم (٦٢/٥٥٦).
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٠٢).
(٣) كذا في ((القوت)) (١٠٥/٢)، وقال الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (١٣٠/٣):
( قال العراقي : رواه أبو عبد الله بن خفيف في (( شرف الفقراء)) من حديث عائشة
بإسناد ضعيف ) .
معـ
جي
(٤) رواه النسائي (٨/ ١٩٤).
٦٠٩
ـحن

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
ويروىُ أَنَّ أبا طلحةَ صلَّى في حائطِ لهُ فيه شجرٌ ، فأعجبَهُ دُبْسِيٌّ طارَ في
الشجرِ يلتمسُ مخرجاً ، فأتبعَهُ بصرَهُ ساعةً، ثمَّ لمْ يدرِ كمْ صلَّى ، فذكرَ
لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما أصابَهُ مِنَ الفتنةِ ، ثمَّ قالَ :
يا رسولَ اللهِ ؛ هوَ صدقةٌ فضَعْهُ حيثُ شئتَ(١) .
وعنْ رجلٍ آخرَ أَنَّهُ صلَّى في حائطِ لهُ والنخلُ مطوَّقَةٌ بثمرِها ، فنظرَ إِليهِ
فأعجبَهُ ، فلمْ يدرِ كمْ صلَّى، فذكرَ ذلكَ لعثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ وقالَ : هوَ
صدقةٌ ، فاجعلْهُ في سبيلِ اللهِ تعالى ، فباعَهُ عثمانُ بخمسينَ ألفاً (٢) .
فكانوا يفعلونَ ذلكَ قطعاً لمادةِ الفكرِ ، وكفارةً لما جرىُ مِنْ نقصانِ
الصلاةِ ، وهذا هوَ الدواءُ القامعُ لمادةِ العلّةِ ، ولا يغني غيرُهُ .
فأمَّا ما ذكرناهُ مِنَ التلطُّفِ بالتسكينِ ، والردِّ إلى فهْرِ الذكرِ .. فذلكَ
ينفعُ في الشهواتِ الضعيفةِ ، والهممِ التي لا تَشغلُ إلا حواشيَ القلبِ ، فأمَّا
الشهوةُ القويَّةُ المرهِقَةُ .. فلا ينفعُ فيها التسكينُ ، بلْ لا تزالُ تجاذبُها
وتجاذبُكَ ثمَّ تغلبُكَ ، وتنقضي جميعُ صلاتِكَ في شغلِ المجاذبةِ .
ومثالُهُ : رجلٌ تحتَ شجرةٍ أرادَ أنْ يصفوَ لهُ فكرُهُ وكانتْ أصواتُ
العصافيرِ تشوِّشُ عليهِ ، فلمْ يزلْ يطيِّرُها بخشبةٍ في يدهِ ويعودُ إلى فكرِهِ ،
فتعودُ العصافيرُ ، فيعودُ إلى التنفيرِ بالخشبةِ ، فقيلَ لهُ : إنَّ هذا سيرُ
(١) رواه مالك في ((الموطأ)) (٩٨/١)، والديسي: نوع من الحمام.
(٢) رواه مالك في ((الموطأ)) (٩٩/١).
٦١٠

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
حن
السواني(١)، ولا ينقطعُ، فإنْ أردتَ الخلاصَ .. فاقلع الشجرةَ ؛ فكذلكَ
شجرةُ الشهوةِ ، إذا استعلتْ وتفرَّعتْ أغصانُها .. انجذبتْ إليها الأفكارُ
انجذابَ العصافيرِ إلى الأشجارِ ، وانجذابَ الذبابِ إلى الأقذارِ ، والشغلُ
يطولُ في دفعِها، فإنَّ الذبابَ كلَّما ذُبَّ .. آبَ؛ ولأجلِهِ سمَِّ ذُباباً،
فكذلكَ الخواطرُ .
وهذهِ الشهواتُ كثيرةٌ ، وقلَّما يخلو العبدُ عنها، ويجمعُها أصلٌ
واحدٌ، وهوَ حبُّ الدنيا(٢)، وذلكَ رأسُ كلِّ خطيئةٍ(٣)، وأساسُ كلِّ نقصاٍ
ومنبعُ كلِّ فسادٍ ، ومَنِ انطوى باطنُهُ على حبِّ الدنيا حتَّى مالَ إلى شيءٍ
منها ، لا ليتزوَّدَ منها ويستعينَ بها على الآخرةِ .. فلا يطمعنَّ في أنْ تصفوَ لهُ
لذةُ المناجاةِ في الصلاةِ ؛ فإنَّ مَنْ فرحَ بالدنيا لا يفرحُ باللهِ سبحانَهُ
وبمناجاتِهِ .
(١) السواني: جمع سانية ، وهي الناقة يستقى عليها، فالمكان الذي تخرج منه تعود إليه
وهكذا دون جدید .
(٢) والمراد بالحب هنا الاختياري ؛ بأن يختار لنفسه حب شيء من أمورها تعمداً وقصداً ،
لا اضطراراً ؛ فإن الإنسان مجبول على حب ولده وزوجته وما ملكته يداه من الأنعام
والحرث ، ثم إن كل ما أعان العبد على الآخرة من أمور الدنيا .. فليس داخلاً في حد
الدنيا ؛ فإنها إنما جعلت قنطرة للآخرة يتبلغ بها العبد قدر حاجته في سفره إلى مولاه .
((إتحاف)) ( ٣ / ١٣١ ).
(٣) كما في ((الحلية)) (٣٨٨/٦) عن سفيان الثوري قال: ( قال عيسى ابن مريم عليه
السلام: حب الدنيا رأس كل خطيئة)، وعند البيهقي في (( شعب الإيمان))
(١٠٠١٩) مرسلاً عن الحسن البصري ، وسيأتي عند المصنف مصرحاً به .
٦١١

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
وهمَّةُ الرجلِ معَ قرَّةِ عينِهِ ؛ فإنْ كانتْ قَرَّةُ عينِهِ في الدنيا .. انصرفَ -
لا محالةَ - إليها هُّهُ، ولكنْ معَ هذا فلا ينبغي أنْ يتركَ المجاهدةَ، وردّ
القلبِ إلى الصلاةِ ، وتقليلَ الأسبابِ الشاغلةِ .
وعـ
فهذا هوَ الدواءُ المرُّ ، ولمرارتِهِ استبشعتْهُ الطباعُ ، وبقيتِ العلةُ مزمنةٌ ،
وصارَ الداءُ عضالاً، حتَّى إِنَّ الأكابرَ اجتهدوا أنْ يصلُّوا ركعتينٍ لا يحدثونَ
أنفسَهُمْ فيها بأمورِ الدنيا .. فعجزوا عنْ ذلكَ ! فإذاً ؛ لا مطمعَ فيهِ لأمثالنا ،
وليتَهُ سلمَ لنا مِنَ الصلاةِ شطرُها أوْ ثلثُها عنِ الوسواسِ ؛ لنكونَ ممَّنْ خلطوا
عملاً صالحاً وآخرَ سيئاً .
وعلى الجملةِ : فهمَّةُ الدنيا وهمَّةُ الآخرةِ في القلبِ مثلُ الماءِ الذي
يصبُّ في قدحِ مملوءٍ بالخلِّ ، فقدْرِ ما يدخلُ فيهِ مِنَ الماءِ يخرجُ مِنَ الخلِّ
لا محالةَ ، ولا يجتمعانِ .
٦١٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
بيان تفصيل ينبغي أن يحضر في القلب عند كلّ ركن وشرط من أعمال الصّلاة
فنقولُ : حقُّكَ إنْ كنتَ مِنَ المريدينَ للآخرةِ ألا تغفُلَ أوَّلاً عنِ التنبيهاتِ
التي في شروطِ الصلاةِ وأركانِها .
أمّا الشروطُ السوابقُ .. فهيَ: الأذانُ(١) ، والطهارةُ، وسترُ العورةِ،
واستقبالُ القبلةِ ، والانتصابُ قائماً ، والنيَّةُ .
أمَّا الأذانُ : فإِذا سمعتَ نداءَ المؤذِّنِ .. فأحضرْ في قلبكَ هوْلَ النداءِ يومَ
القيامةِ، وتشمَّرْ بظاهرِكَ وباطنِكَ للإجابةِ والمسارعةِ (٢) ، فإِنَّ المسارعينَ
إلى هذا النداءِ همُ الذين ينادونَ باللطّفِ يومَ العرضِ الأكبرِ .
فاعرضْ قلبَكَ على هذا النداءِ ، فإِنْ وجدتَهُ مملوءاً بالفرحِ
والاستبشارِ ، مشحوناً بالرغبةِ إلى الابتدارِ .. فاعلمْ أنَّهُ يأتيكَ النداءُ بالبشرى
والفوزِ يومَ القضاءِ .
ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أرِحْنَا بها يا بِلاَلُ))(٣) أي: أرحْنا بها
(١) والمراد به على الحقيقة دخولُ الوقت، إذ الأذان المعروف ليس شرطاً لصحة
الصلاة .
(٢) والإجابة تكون بمثل ما يقول المؤذن ، والمسارعة في خفة السير إلى الصلاة .
(٣) رواه أبو داوود (٤٩٨٥) .
.. 08 .0x .D. 105
٦١٣

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
وبالنداءِ إليها، إذْ كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قرَّةُ عينِهِ فيها(١).
وأمَّا الطهارةُ : فإِذا أتيتَ بها في مكانِكَ وهوَ ظرفُكَ الأبعدُ ، ثمَّ في
ثيابِكَ وهوَ غلافُكَ الأقربُ، ثمَّ في بشرتِكَ وهوَ قشرُكَ الأدنى .. فلا تغفُلْ
عنْ لبِّكَ الذي هوَ ذاتُكَ وهوَ قلبُكَ ، فاجتهدْ لهُ تطهيراً بالتوبةِ والندم على
ما فرَطَ (٢) ، وتصميمِ العزم على التركِ في المستقبلِ، فطهِّرْ بها باطنَكَ؛
فإِنَّهُ موقعُ نظرٍ معبودِكَ(٣).
وأمَّا سترُ العورةِ : فاعلمْ أَنَّ معناهُ تغطيةُ مقابح بدنِكَ عنْ أبصارِ الخلقِ ،
فإنَّ ظاهرَ بدِنِكَ موقعُ نظرِ الخلقِ ، فما رأيُكَ في عوراتِ باطِنِكَ وفضائحِ
سرِّكَ التي لا يطلعُ عليها إلا ربُّكَ عزَّ وجلَّ ؟!
فأحضرْ تلكَ الفضائح ببالِكَ ، وطالبْ نفسَكَ بسترِها ، وتحقَّقْ أنَّهُ
لا يسترُها عنْ عينِ اللهِ سبحانَهُ ساترٌ، وإنَّما يكفِّرُها الندمُ والحياءُ والخوفُ ،
(١) كما روى النسائي (٦١/٧): ((حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عيني
في الصلاة)) .
(٢). فرط : سبق .
(٣) ثم إن تطهير القلب بما ذكر لا بد له من مرشد صادق ماهر بالعلاج، يريه طرق الإصلاح
وكيفية التطهير ، فليس له حد يضبط ، ولا مرمى ينتهى إليه ، فإذا حصل التطهير .. فلا
بد من التنوير ، وتصقيله عن صدأ التكدير ، بالملازمة على ذكره المناسب لحاله من
الإيراد والتصدير. ((إتحاف)) (١٣٨/٣).
٦١٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
فتستفيدُ بإحضارِها في قلبكَ انبعاثَ جنودِ الخوفِ والحياءِ مِنْ مكامنِها ،
فتذلُّ بها نفسُكَ ، ويستكينُ تحتَ الخجلةِ قلبُكَ ، وتقومُ بينَ يديِ اللهِ تعالى
قيامَ العبدِ المجرمِ المسيءِ الآبقِ الذي ندمَ فرجعَ إلى مولاهُ ناكساً رأسَهُ مِنَ
الحياءِ والخوفِ .
وأما الاستقبالُ : فهوَ صرفٌ لظاهرٍ وجهِكَ عنْ سائرِ الجهاتِ إلى جهةٍ
بيتِ اللهِ تعالى ، أفترىُ أَنَّ صرفَ القلبِ عنْ سائرِ الأمورِ إلى أمرِ اللهِ عزَّ وجلَّ
ليسَ مطلوباً منكَ ؟
هيهاتَ! فلا مطلوبَ سواهُ ، وإنَّما هذهِ الظواهرُ تحريكاتٌ للبواطنِ ،
وضبط للجوارح ، وتسكينٌ لها بالإثباتِ في جهةٍ واحدةٍ حتَّى لا تبغيَ على
القلبِ ؛ فإنَّها إذا بغتْ وظلمتْ في حركاتِها والتفاتِها إلى جهاتِها .. استتبعتِ
القلبَ ، وانقلبتْ بهِ عنْ وجهِ اللهِ تعالى .
ون .
فليكنْ وجهُ قلبِكَ معَ وجهِ بدنِكَ، واعلمْ أنَّهُ كما لا يتوجَّهُ الوجهُ إلى
جهةِ البيتِ إلا بالانصرافِ عنْ غيرِها .. فلا ينصرفُ القلبُ إلى اللهِ سبحانَهُ
إلا بالتفريغ عمَّا سوى اللهِ عزَّ وجلَّ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا
قامَ العبدُ إلى صلاتِهِ ، فكانَ هواهُ ووجهُهُ وقلبُهُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ .. انصرفَ
كيومَ ولدتْهُ أمُّهُ))(١) .
خ5.
(١) نحوه عند مسلم (٢٣٤، ٨٣٢).
٦١٥

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
وأمَّا الاعتدالُ قائماً : فإنَّما هوَ مثولٌ بالشخصِ والقلبِ بينَ يديِ اللهِ عزَّ
وجلَّ ، فليكنْ رأسُكَ الذي هوَ أرفعُ أعضائِكَ مُطرِقاً مطأطئاً مستكيناً ،
وليكنْ وضعُ الرأسِ عنِ ارتفاعِهِ تنبيهاً على إلزامِ القلبِ التواضعَ والتذلُلَ
والتبريَ عنِ الترؤُّسِ والتكتُّرِ، وليكنْ على ذُكْرِكَ ههنا خطرُ القيامِ بينَ
يديِ اللهِ تعالى في هولِ المطَّلَعِ عندَ العرضِ للسؤالِ(١).
واعلمْ في الحالِ : أَنَّكَ قائمٌ بينَ يدي اللهِ تعالى، وهوَ مطَّلِعٌ عليكَ ،
فقمْ بينَ يديهِ قيامَكَ بينَ يدي بعضٍ ملوكِ الزمانِ إنْ كنتَ تَعجَزُ عنْ معرفةِ كنْهِ
جلالِهِ ، بل قدِّرْ في دوام قيامِكَ في صلاتِكَ أَنَّكَ ملحوظٌ ومرقوبٌ بعينٍ كالئةٍ
مِنْ رجلٍ صالحٍ مِنْ أهلِكَ أوْ ممَّنْ ترغبُ في أنْ يعرِفَكَ بالصلاح ، فإنَّهُ تهدأُ
عندَ ذلكَ أطرافُكَ ، وتخشعُ جوارحُكَ ، وتسكُنُ جميعُ أجزائِكَ ؛ خيفةَ أنْ
ينسبَكَ ذلكَ العاجزُ المسكينُ إلى قلَّةِ الخشوع(٢).
وإذا أحسستَ مِنْ نفسِكَ بالتماسِكَ عندَ ملاحظةِ عبدٍ مسكينٍ .. فعاتبْ
نفسَكَ وقلْ لها : إنَّكِ تذَّعينَ معرفةَ اللهِ وحبَّهُ ، أفلا تستحيينَ مِنِ استجرائِكِ
(١) والصلاة هي أول ما يسأل عنه العبد .
(٢) قال الراغب في (( الذريعة)) ( ص ٤٠): ( حق الإنسان إذا همَّ بقبيح أن يتصور
أَجلَّ مَنْ في نفسه ، حتى كأنَّه يراه ، فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه ،
ولذلك لا يستحي من الحيوان ولا من الأطفال ولا من الذين لا يميزون ، ويستحي
من العالِمِ أكثر مما يستحي من الجاهل ، ومن الجماعة أكثر مما يستحي من
الواحد ) .
٦١٦

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
عليهِ معَ توقيرِكِ عبداً مِنْ عبادِهِ ؟! أوَتخشينَ الناسَ ولا تخشينَ اللهَ وهوَ أحقُّ
أنْ يُخشى ؟!
ولذلكَ لمَّا قالَ أبو هريرةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كيفَ الحياءُ مِنَ اللهِ ؟ فقَالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((تستحيي منهُ كما تستحيي منَ الرجلِ الصالحِ مِنْ
قومكَ))، ورُويَ: ((من أهلِكَ))(١) .
وأمَّا النّيَّةُ : فاعزمْ على إجابةِ اللهِ عزَّ وجلَّ في امتثالِ أمرِهِ بالصلاةِ
وإتمامِها ، والكفِّ عنْ نواقضِها ومفسداتِها ، وإخلاصٍ جميع ذلكَ لوجْهِ اللهِ
تعالى ؛ رجاءً لثوابِهِ ، وخوفاً مِنْ عقابِهِ ، وطلباً للقربةِ منهُ، متقلِّداً للمنَّةِ
منهُ بإذنِهِ إِيَّاكَ في المناجاةِ معَ سوءِ أدبِكَ وكثرةِ عصيانِكَ .
وعظِّمْ في نفسِكَ قدْرَ مناجاتِهِ ، وانظرْ مَنْ تناجي ، وكيفَ تناجي ،
وبماذا تناجي ؟ وعندَ هذا ينبغي أنْ يعرقَ جبينُكَ مِنَ الخجلِ ، وترتعدَ
فرائصُكَ مِنَ الهيبةِ(٢) ، ويصفرَّ وجهُكَ منَ الخوفِ.
وأمَّا التكبيرُ : فإذا نطقَ بهِ لسانُكَ .. فينبغي ألا يكذّبَهُ قلبُكَ ، فإنْ كانَ
في قلبكَ شيءٌ هوَ أكبرُ مِنَ اللهِ تعالى .. فاللهُ يشهدُ إِنَّكَ لكاذبٌ وإنْ كانَ
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٦٩/٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٣٤٣).
(٢) الفرائص : جمع فريصة ، وهي لحمة تحت الكتف في وسط الجنب عند منبض القلب ،
وهي تُرعد عند الفزع .
٦١٧
حن

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
الكلامُ صدقاً ؛ كما شهدَ على المنافقينَ في قولِهِمْ: إنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
رسولُ اللهِ .
فإنْ كانَ هواكَ أغلبَ عليكَ مِنْ أمرِ اللهِ تعالى .. فأنتَ أطوعُ لهُ منكَ للهِ
تعالى ؛ فقدِ اتخذتَهُ إلَهَكَ وكَبَّرْتَهُ، فيوشكُ أنْ يكونَ قولُكَ: ( اللهُ أكبرْ)
كلاماً باللسانِ المجرَّدِ وقدْ تخلَّفَ القلبُ عنْ مساعدتِهِ ، وما أعظمَ الخطرَ في
ذلكَ لولا التوبةُ والاستغفارُ وحسنُ الظنِّ بكرم اللهِ تعالى وعفوِهِ (١).
وأمَّا دعاءُ الاستفتاح : فأوَّلُ كلماتهِ قولُكَ: ( وجَّهْتُ وجهي للذي فطرَ
السماواتِ والأرضَ )، وليسَ المرادُ بالوجهِ الوجهَ الظاهرَ ، فإنَّكَ إنَّما
وجهتَهُ إلى جهةِ القبلةِ، واللهُ سبحانَهُ يتقدَّسُ عنْ أنْ تحذَّهُ الجهاتُ حتَّى تقبلَ
بوجهِ بدِنِكَ عليهِ ، وإنَّما وجهُ القلبِ هوَ الذي تتوجَّهُ بهِ إلى فاطرِ السماواتِ
والأرضِ ، فانظرْ إليهِ : أمتوجِّهُ هوَ إلى أمانيهِ وهمِّهِ في البيتِ والسوقِ متبعٌ
للشهواتِ ، أوْ مقبلٌ على فاطرِ السماواتِ ؟
وإيّاكَ أنْ تكونَ أوَّلَ مفاتحتِكَ للمناجاةِ بالكذبِ والاختلاقِ ، ولنْ
ينصرفَ الوجهُ إلى اللهِ تعالى إلا بانصرافِهِ عمَّا سواهُ ، فاجتهدْ في الحالِ في
صرفِهِ إليهِ وإِنْ عجَزتَ عنهُ على الدوامِ ؛ ليكونَ قولُكَ في الحالِ صادقاً .
(١) وإلى هذا الإشارة في قول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾ ، فالعهد :
ما أعطيت بلسانك ، والرعاية : الوفاء بالقلب ، فمن طابق قلبه لسانه .. دخل تحت
هذا الثناء والمدح. ((إتحاف)) ( ١٤٢/٣).
٦١٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
وإذا قلتَ : ( حنيفاً مسلماً ) .. فينبغي أنْ يخطر ببالِكَ أَنَّ المسلمَ هوَ
الذي سَلِمَ المسلمونَ مِنْ لسانِهِ ويدِهِ (١) ، فإنْ لمْ تكنْ كذلكَ .. كنتَ كاذباً ،
فاجتهدْ في أنْ تعزمَ عليهِ في الاستقبالِ ، وتندمَ على ما سبقَ من الأحوالِ .
وإذا قلتَ : ( وما أنا مِنَ المشركينَ ) .. فأخطرْ ببالِكَ الشرْكَ الخفيَّ،
فإنَّ قولَهُ تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلُ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِّ
أَحَدًّا﴾ نزلَ فيمَنْ يقصدُ بعبادتِهِ وجهَ اللهِ وحمدَ الناس(٢)، وكنْ حذراً مشفقاً
مِنْ هذا الشركِ ، واستشعرِ الخجلةَ في قلبِكَ إنْ وصفْتَ نفسَكَ بأَنَّكَ لستَ
مِنَ المشركينَ مِنْ غيرِ براءةٍ عنْ هذا الشركِ ؛ فإنَّ اسمَ الشركِ يقعُ على
القليلِ والكثيرِ منهُ .
وإذا قلتَ : ( محياي ومماتي للهِ) .. فاعلمْ: أَنَّ هذا حالُ عبدٍ مفقودٍ
لنفسِهِ موجودٍ لسيِّدِهِ، وأنَّهُ إنْ صدرَ ممَّنْ رضاهُ وغضبُهُ وقيامُهُ وقعودُهُ ورغبتُهُ
(١) كما في ((البخاري)) (١٠)، و((مسلم)) (٤٠) .
(٢) روى ذلك ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٥٧/٩) عن ابن عباس رضي الله عنهما ،
وعند الطبراني في «الكبير)) (٢٩٠/٧) مرفوعاً: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين
ببقيع واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي قال : أنا خير شريك ، كل عمل كان عُمل
في الدنيا كان لي فيه شريك فأنا أدعه اليوم ، ولا أقبل اليوم إلا خالصاً، ثم قرأ: ﴿ إِلَّا
عِبَادَ اللّهِالْمُخْلَصِينَ﴾، ﴿فَن كَانَ يَرْحُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِ بِعِبَادَةِ رَيِّدِ أَحَدًّا﴾)).
٦١٩

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
في الحياة ورهبتُهُ مِنَ الموتِ لأمورِ الدنيا .. لمْ يكنْ ملائماً للحالِ (١).
وإذا قلتَ : ( أعوذُ باللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ) .. فاعلمْ: أَنَّهُ عدؤُكَ
ومترصِّدٌ الصرْفِ قلبكَ عنِ اللهِ تعالى حسداً لكَ على مناجاتِكَ معَ اللهِ سبحانَهُ
وسجودِكَ لهُ ، مع أنَّهُ لُعِنَ بسببٍ سجدةٍ واحدةٍ تركَها ولمْ يوفَّقْ لها، وأَنَّ
استعاذتَكَ باللهِ تعالى منهُ بترْكِ ما يحبُّهُ ، وتبديلِهِ بما يحبُّ اللهُ عزَّ وجلَّ ،
لا بمجرَّدِ قولِكَ ؛ فإنَّ مَنْ قصدَهُ سبعٌ أوْ عدوٌّ ليفترسَهُ أوْ ليقتلَهُ فقالَ :
( أعوذُ منكَ بذلكَ الحصنِ الحصينِ ) وهوَ ثابتٌ على مكانِهِ .. فإنَّ ذلكَ
لا ينفعُهُ ، بلْ لا يعيذُهُ إلا تبديلُ المكانِ ، فكذلكَ منْ يتبعُ الشهواتِ التي هيَ
محابُّ الشيطانِ ومكارهُ الرحمنِ فلا يغنيهِ مجرَّدُ القولِ .
فليقترنْ قولُهُ بالعزم على التعوُّذِ بحصْنِ اللهِ عزَّ وجلَّ عنْ شرِّ الشيطانِ ،
وحصنُهُ: (لا إلهَ إلا الله)، إِذْ قالَ عزَّ وجلَّ فيما أخبرَ عنهُ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((لا إلهَ إِلا اللهُ حصني، ومنْ دخلَ حصنِي .. أَمِنَ منْ عذابِي))(٢)،
(١) ثم إذا قلت: ( لا شريك له) وأنت تشرك معه في عبادته .. فهو كذب آخر ، والمعنى:
لا إله مقصود بههذه العبادة إلا الله الذي خلقني من أجلها.
فإذا قلتَ : ( وأنا من المسلمين ) .. فالمسلمون عند شروطهم ، فهل أنت تفي بتلك
الشروط وتعرف حقوقهم التي أوجبها الله عليك ، ولا بد أنك تقصر عن ذلك ، فهذا كذب
آخر ، فإذا كان دعاء الاستفتاح مشتملاً على عدة أكاذيب ومخالفات .. فكيف حالك في
سائر الصلاة؟! وما توفيقي إلا بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ((إتحاف )) (١٤٥/٣).
(٢) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (١٩٢/٣)، وانظر ((الإتحاف)) (١٤٧/٣).
٦٢٠
ـت.