Indexed OCR Text

Pages 581-600

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
بالشيءٍ ))، وزادَ بعضُهُمْ: ((والسهوُ، والشكُ))(١).
وقالَ بعضُ السلفِ : ( أربعةٌ في الصلاةِ مِنَ الجفاءِ : الالتفاتُ ، ومسحُ
الوجهِ ، وتسويةُ الحصى ، وأنْ تصلِّيَ بطريقٍ مَنْ يمرُّ بينَ يديكَ)(٢).
ونهى أيضاً عنْ أنْ يشبِّكَ أصابعَهُ(٣)، أوْ يفرقعَ أصابعَهُ(٤)، أوْ يسترَ
وجهَهُ(٥) ، أوْ يضعَ إحدى كفيهِ على الأخرى ويدخلَهُما بينَ فخذيهِ في
الركوع ؛ قالَ بعضُ الصحابة رضيَ اللهُ عنهُم : ( كنَّا نفعلُ ذلكَ فنهينا
عنهُ)(٦) .
(١) في ((الترمذي)) (٢٧٤٨): (( العطاس ، والنعاس ، والتثاؤب في الصلاة ،
والحيض، والقيء، والرعاف من الشيطان))، وعند البخاري (٧٥١) أنه صلى الله
عليه وسلم سُئل عن الالتفات في الصلاة فقال: ((هو اختلاس يختلسه الشيطان من
صلاة العبد))، وعند مسلم (٢٢٠٣) شكاية عثمان بن أبي العاص الوسوسة في الصلاة
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذاك شيطان يقال له: خَنْزَبٌ، فإذا أحسسته ..
فتعوذ بالله منه ... ))، وفي (( تعظيم قدر الصلاة)) (ص٨٩): ( قال سعيد بن جبير :
خمس ينقص من الصلاة : الالتفات ، والاحتكاك ، وتفقيعك أصابعك في الصلاة ،
والوسوسة، وتقليب الحصى)، وما ذكره المصنف هو في ((القوت)) (٢ / ٩٧ ).
(٢) قوت القلوب (٢/ ٩٧).
جن
أمير
(٣) رواه أحمد في ((مسنده)) (٢٤١/٤).
(٤) رواه ابن ماجه (٩٦٥ ).
(٥) عند أبي داوود (٦٤٣)، وابن ماجه (٩٦٦): ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يغطي الرجل فاه في الصلاة ) .
(٦) رواه البخاري (٧٩٠)، ومسلم ( ٥٣٥) ، والمراد ببعض الصحابة هو سعد بن
أبي وقاص رضي الله عنه .
٥٨١

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
ويكرهُ أيضاً أنْ ينفخَ في الأرضِ عندَ السجودِ للتنظيفِ (١) ، وأنْ يسويّ
الحصى بيدهِ(٢) ؛ فإنَّها أفعالٌ مستغنىّ عنها ، ولا يرفعُ إحدى قدميهِ فيضعُها
على فخذِهِ ، ولا يستندُ في قيامِهِ إلى حائطٍ ، فإنِ استندَ بحيثُ لوْ سلَّ ذلكَ
الحائطُ .. لسقطَ ؛ فالأظهرُ بطلانُ صلاتِهِ .
تمييز الفرائض والسنن
جملةُ ما ذكرناهُ يشتملُ على فرائضَ وسننٍ وآدابٍ وهيئاتٍ ممَّا ينبغي
المريدِ طريقِ الآخرةِ أنْ يراعيَ جميعَها .
فالفرضُ مِنْ جملتِها اثنتا عشرةَ خصلةً : النيةُ ، وتكبيرةُ الإحرام ،
والقيامُ ، والفاتحةُ ، والانحناءُ في الركوع إلى أنْ تنالَ راحتاهُ ركبتيهِ معَ
الطمأنينةِ، والاعتدالُ عنهُ قائماً ، والسجودُ معَ الطمأنينةِ ، ولا يجبُ وضعُ
اليدينِ ، والاعتدالُ عنهُ قاعداً ، والجلوسُ للتشهدِ الأخيرِ ، والتشهدُ
الأخيرُ، والصلاةُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، والسلامُ الأوَّلُ ، فأمَّا
نيةُ الخروج .. فلا تجبُ .
وما عدا هلذا فليسَ بواجبٍ ، بلْ هيَ سننٌ وهيئاتٌ فيها(٣) وفي
الفرائض .
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٣٧/٥).
(٢) رواه أبو داوود (٩٤٥)، والترمذي (٣٧٩)، والنسائي (٦/٣).
(٣) أي : في السنن ؛ كما سيبين المصنف ذلك.
٥٨٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
أمّا السننُ : فمنَ الأفعالِ أربعةٌ : رفعُ اليدينِ في تكبيرة الإحرامِ ، وعندَ
الهويِّ إلى الركوع ، وعندَ الارتفاع إلى القيام ، والجلسةُ للتشهدِ الأوَّلِ .
وأمَّا ما ذكرناهُ مِنْ كيفيةِ نشرِ الأصابع وحدِّ رفعِها .. فهيَ هيئاتٌ تابعةٌ
لهذهِ السنَّةِ ، والتورُّكُ والافتراشُ هيئاتٌ تابعةٌ للجلسةِ ، والإطراقُ وتركُ
الالتفاتِ هيئاتٌ للقيام وتحسينِ صورتِهِ ، وجلسةُ الاستراحةِ لمْ نعدَّها مِنْ
أصولِ السننِ في الأفعالِ ؛ لأنَّها كالتحسينِ لهيئةِ الارتفاع مِنَ السجودِ إلى
القيام ، لأنَّها ليستْ مقصودةً في نفسِها ، ولذلكَ لمْ تفردْ بذكرٍ .
وأمَّا السننُ مِنَ الأذكارِ : فدعاءُ الاستفتاحِ، ثمَّ التعوُّذُ، ثمَّ قولُهُ :
( آمينَ ) فإنَّهُ سنةٌ مؤكدةٌ، ثمَّ قراءةُ السورةِ ، ثمَّ تكبيراتُ الانتقالاتِ ، ثمَّ
الذكرُ في الركوع والسجودِ ، والاعتدالِ عنهُما، ثمَّ التشهدُ الأوَّلُ، والصلاةُ
فيهِ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثمَّ الدعاءُ في آخرِ التشهدِ الأخيرِ ، ثُمَّ
التسليمةُ الثانيةُ .
وهذهِ وإِنْ جمعناها في اسم السنةِ فلها درجاتٌ متفاوتةٌ ؛ إذْ يجبرُ مِنْ
جملتِها بسجودِ السهوِ أربعةٌ :
وأمَّا مِنَ الأفعالِ : فواحدةٌ ؛ وهيَ الجلسةُ الأولى للتشهُّدِ الأوَّل ؛ فإنَّها
مؤثرةٌ في ترتيبٍ نظمٍ الصلاةِ في أعينِ الناظرينَ ، حتَّى يعرفُ بها أَنَّها رباعيةٌ
أمْ لا ، بخلافِ رفع اليدينِ ؛ فإنَّهُ لا يؤثرُ في تغييرِ النظمِ ، فَعُبِّرَ عنْ ذلكَ
بالبعضِ ، وقيلَ : الأبعاضُ تجبرُ بالسجودِ .
٥٨٣

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
وأمَّا الأذكارُ : فكلُّها لا تقتضي سجودَ السهوِ إلا ثلاثةٌ : القنوتُ ،
والتشهدُ الأوَّلُ ، والصلاةُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيهِ ، بخلافٍ
تكبيراتِ الانتقالاتِ ، وأذكارِ الركوع والسجودِ ، والاعتدالِ عنهُما ؛ لأنَّ
الركوعَ والسجودَ في صورتِهِما مخالفانِ للعادةِ ، ويحصلُ بهما معنى العبادةِ
معَ السكوتِ عَنِ الأذكارِ وعنْ تكبيراتِ الانتقالاتِ ، فعدمُ تلكَ الأذكارِ
لا تغيِّرُ صورةَ العبادةِ.
وأمَّا الجلسةُ للتشهدِ الأوَّلِ .. ففعلٌ معتادٌ، وما زيدتْ إلا للتشهدِ ،
فتركُها ظاهرُ التأثيرِ (١) ، وأمَّا دعاءُ الاستفتاحِ والسورةُ .. فتركُهُما لا يؤثرُ ،
معَ أَنَّ القيامَ صارَ معموراً بالفاتحةِ ومميزاً عنِ العادةِ بها (٢)، وكذلكَ الدعاءُ
في التشهدِ الأخيرِ .
والقنوتُ أبعدُ ما يجبرُ بالسجودِ ، ولكنْ شُرِعَ مدُّ الاعتدالِ في الصبحِ
لأجلِهِ ، فكانَ كمدٍّ جلسةِ الاستراحةِ ؛ إذْ صارتْ بالمدِّ معَ التشهدِ جلسةً
للتشهدِ الأوَّلِ ، فبقيَ هذا قياماً ممدوداً معتاداً ليسَ فيهِ ذكرٌ واجبٌ ، وفي
الممدودِ احترازٌ عنْ غيرِ الصبح ، وفي خلوِّهِ عنْ ذكرٍ واجبٍ احترازٌ عنْ أصل
القيام في الصلاةِ .
حين
مدن
(١) في تغيير صورة العبادة. ((إتحاف)) ( ١٠٧/٣).
(٢) ولولا قراءتها فيه .. لم يتميز عن قيام العادة. ((إتحاف)) (١٠٧/٣).
٥٨٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
فإنْ قلتَ : تمييزُ السننِ عنِ الفرائضِ معقولٌ ؛ إذْ تفوتُ الصحةُ بفوتِ
الفرضِ دونَ السنةِ ، ويتوجَّهُ العقابُ بهِ دونَها ، فأمَّا تمييزُ سنةٍ عنْ سنةٍ ..
فالكلُّ مأمورٌ بهِ على سبيلِ الاستحبابِ ، ولا عقابَ في تركِ الكلِّ ، والثوابُ
مرجوٌّ على الكلِّ ؛ فما معناهُ ؟
فاعلمْ : أَنَّ اشتراكَهما في الثوابِ والعقابِ والاستحبابِ لا يرفعُ
تفاوتَهُما ، وينكشفُ لكَ ذلكَ بمثالٍ ؛ وهوَ : أَنَّ الإنسانَ لا يكونُ إنساناً
موجوداً كاملاً إلا بمعنىّ باطنٍ وأعضاءٍ ظاهرةٍ ؛ فالمعنى الباطنُ : هوَ الحياةُ
والروحُ ، والظاهرُ : أجسامُ أعضائِهِ .
ثمَّ بعضُ تلكَ الأعضاءِ ينعدمُ الإنسانُ بعدمِها ؛ كالقلبِ والكبدِ والدماغِ
وكلِّ عضوٍ تفوتُ الحياةُ بفواتِهِ ، وبعضُها لا تفوتُ بفواتِهِ الحياةُ ، ولكنْ
يفوتُ بفواتِهِ مقاصدُ الحياةِ ؛ كالعينِ واليدِ والرجْلِ واللسانِ ، وبعضُها
لا يفوتُ بفواتِها الحياةُ ولا مقاصدُها، ولكنْ يفوتُ بها الحسنُ ؛
كالحاجبينِ واللحيةِ والأهدابِ وحسنِ اللونِ ، وبعضُها لا يفوتُ بها أصلُ
الجمالِ ولكنْ كمالُهُ ؛ كاستقواسِ الحاجبينِ وسوادٍ شعرِ اللحيةِ والأهدابِ
وتناسبٍ خلقةِ الأعضاءِ وامتزاج الحمرةِ بالبياضِ في اللونِ ، فهذهِ درجاتٌ
متفاوتةٌ .
فكذلكَ العبادةُ صورةٌ صوَّرَها الشرعُ وتعبَّدَنا باكتسابِها ؛ فروحُها وحياتُها
الباطنةُ : الخشوعُ والنيَّةُ وحضورُ القلبِ والإخلاصُ كما سيأتي ، ونحنُ الآنَ
٥٨٥

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
في أجزائِها الظاهرةِ ، فالركوعُ والسجودُ والقيامُ وسائرُ الأركانِ تجري منها
مَجرى القلبِ والرأسِ والكبدِ ؛ إذْ يفوتُ وجودُ الصلاةِ بفواتِها ، والسننُ
التي ذكرناها مِنْ رفع اليدينِ ودعاءِ الاستفتاحِ والتشهدِ الأوَّلِ تجري منها
مَجرى اليدينِ والعينينِ والرجلينِ ولا تفوتُ الصحةُ بفواتِها كما لا تفوتُ
الحياةُ بفواتِ هذهِ الأعضاءِ ، ولكنْ يصيرُ الشخصُ بسببِ فواتِها مشوَّهَ
الخلقةِ مذموماً غيرَ مرغوبٍ فيهِ ، فكذلكَ مَنِ اقتصرَ على أقلّ ما يُجزِىءُ مِنَ
الصلاةِ كانَ كمنْ أهدى إلى ملكِ مِنَ الملوكِ عبداً حيّاً مقطوعَ الأطرافِ(١).
وأمَّا الهيئاتُ وهيَ ما وراءَ السننِ .. فتجري مَجرى أسبابِ الحسنِ ؛ مِنَ
الحاجبينِ واللحيةِ والأهدابِ وحسنِ اللونِ .
وأمَّا لطائفُ الآدابِ في تلكَ السننِ .. فهي مكمِّلاتٌ للحسنِ ؛
كاستقواسِ الحاجبينِ واستدارةِ اللحيةِ وغيرِها ، فالصلاةُ عندَكَ قربةٌ وتحفةٌ
تتقرَّبُ بها إلى حضرةِ ملكِ الملوكِ كوصيفةٍ يهديها طالبُ القربةِ مِنَ السلاطينِ
إليهِمْ ، وهذهِ التحفةُ تعرضُ على اللهِ تعالى ثمَّ تردُّ عليكَ يومَ العرضِ
الأكبرِ ، فإليكَ الخيرةُ في تحسينِ صورتِها أوْ تقبيحِها ، فإنْ أحسنتَ ..
فلنفسِكَ ، وإنْ أسأتَ .. فعليها .
ولا ينبغي أنْ يكونَ حظُّكَ مِنْ ممارسةِ الفقهِ أنْ يتميَّزَ لكَ السنةُ مِنَ
(١) روى المروزي في (( تعظيم قدر الصلاة)) (ص٨٣ ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
( الصلاة قربان ، إنما مثل الصلاة كمثل رجل أراد من إمام حاجة ، فأهدى له
هدية ... ) .
٥٨٦

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
الفرضِ ، فلا يعلقُ بفهمِكَ مِنْ أوصافِ السنَّةِ إلا أَنَّهُ يجوزُ تركُها فتتركُها ؛
فإنَّ ذلكَ يضاهي قولَ الطبيبِ: إنَّ فقءَ العينِ لا يبطلُ وجودَ الإنسانِ ولكنْ
يخرجُهُ عَنْ أنْ يَصْدُقَ رجاءُ المتقرِّبِ في قبولِ السلطانِ إذا أخرجَهُ في معرضٍٍ
الهدية !
فهكذا ينبغي أنْ تفهمَ مراتبَ السننِ والهيئاتِ والآدابِ ، فكلُّ صلاةٍ لمْ
يتمَّ الإنسانُ ركوعَها وسجودَها فهيَ الخصمُ الأوَّلُ على صاحبها ، تقولُ :
( ضيَّعَكَ اللهُ كما ضيعتني) ، فطالع الأخبارَ التي أوردْناها في إكمالِ أركانِ
الصلاةِ ليظهرَ لكَ وقعُها .
٥٨٧

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
البَابُ الثَّالِثُ
في الشروط الباطنة من أعمال القلب
ولنذكرْ في هذا البابِ ارتباطَ الصلاةِ بالخشوع وحضورِ القلبِ ، ثمَّ
لنذكرِ المعانيَ الباطنةَ وحدودَها وأسبابها وعلاجها ، ثمَّ لنذكرْ تفصيلَ
ما ينبغي أنْ يحضرَ في كلِّ ركنٍ مِنْ أركانِ الصلاةِ ؛ لتكونَ صالحةٌ لزادٍ
الآخرةِ .
بيان اشتراط الخشوع وحضور القلب
اعلمْ: أَنَّ أدلةَ ذلكَ كثيرةٌ، فمنْ ذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ
لِذِكْرِىّ﴾، وظاهرُ الأمرِ الوجوبُ، والغفلةُ تضادُّ الذكرَ(١)، فمَنْ غفلَ
في جميع صلاتِهِ كيفَ يكونُ مقيماً للصلاةِ لذكرِهِ ؟!
وقولُهُ تعالى: ﴿ وَلَا تَكُن مِّنَ اٌلْفَفِلِينَ﴾ نهيٌّ، وظاهرُهُ التحريمُ .
٢
وقولُهُ تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ تعليلٌ لنهي السكرانِ ، وهوَ مطردٌ
(١) والغفلة : هي فقد الشعور عما حقه أن يشعر به ، أو هي الذهول عن الشيء ، أو هي
سهو يعتري من قلة التحفظ والتيقظ ، أو هي متابعة النفس على ما تشتهيه ، وبكل
معانيها تضاد الذكر سواء كان قلبياً أو لسانياً. ((إتحاف)) (١١٠/٣).
٥٨٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
في الغافلِ المستغرقِ الهمِّ بالوسواسِ وأفكارِ الدنيا .
وقولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّما الصلاةُ تمسكنٌ وتواضعٌ))(١) حصرٌ
بالألفِ واللام ، وكلمةُ (إِنَّما) للتحقيقِ والتوكيدِ (٢) ، وقدْ فهمَ الفقهاءُ مِنْ
قولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّما الشفعةُ فيما لمْ يُقْسمْ))(٣) الحصرَ
والإثباتَ والنفيَ .
وقولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ لمْ تنهَهُ صلاتُهُ عنِ الفحشاءِ
والمنكرِ .. لمْ يزدَدْ مِنَ اللهِ إلا بُعداً)) (٤)، وصلاةُ الغافلِ لا تمنعُ مِنَ
الفحشاءِ والمنكرِ .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كمْ مِنْ قائمِ حظّهُ مِنْ قيامِهِ التعبُ
والنصبُ))(٥) ، وما أرادَ بهِ إلا الغافلَ .
(١) رواه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (١٢٤/٣)، وهو عند الترمذي (٣٨٥)
بنحوه .
(٢) وقد ذهب إمام الحرمين والقاضي أبو الطيب إلى إفادة ( إنما ) الحصر مع احتمالها لتأكيد
الإثبات، قال ابن دقيق العيد: وهذا هو مختار الغزالى. ((إتحاف)) ( ١١١/٣)،
وفي غير ( ب، ج): ( التمحيق ) بدل : ( التوكيد ) .
(٣) رواه البخاري (٢٢١٣)، ومسلم (١٦٠٨) عن جابر رضي الله عنه قال: ( جعل
رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل مال لم يقسم ) ، والحديث يثبت الشفعة
لما لم يقسم حصراً ، وينفيها عن المقسوم ، فالحصر واقع بينهما .
(٤) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٥٤/١١) مرفوعاً .
(٥) عند ابن ماجه (١٦٩٠): ((ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر))، وهو عند أحمد
في «مسنده)) (٢/ ٣٧٣): ((ورب قائم حظّه من قيامه السهر)).
٥٨٩

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ليسَ للعبدِ مِنْ صلاتهِ إلا ما عقلَ
منها)» (١) .
والتحقيقُ فيهِ: أَنَّ المصليّ مُناج ربَّهُ عزَّ وجلَّ كما وردَ الخبرُ بهِ (٢)،
والكلامُ معَ الغفلةِ ليسَ بمناجاةٍ ألبتةَ .
وبيانُهُ : أَنَّ الزكاةَ إنْ غفلَ الإنسانُ عنها مثلاً .. فهيَ في نفسِها مخالفةٌ
للشهوةِ شديدةٌ على النفسِ ، وكذا الصومُ قاهرٌ للقُوى كاسرٌ لسطوةِ الهوى
التي هيَ آلةٌ للشيطانِ عدوِّ اللهِ ، فلا يبعدُ أنْ يحصلَ منها مقصودٌ معَ الغفلةِ ،
وكذلكَ الحجُّ أفعالٌ شاقةٌ شديدٌ ، وفيهِ مِنَ المجاهدةِ ما يحصلُ بهِ الإيلامُ ،
كانَ القلبُ حاضراً معَ أفعالِهِ أوْ لمْ يكنْ .
أمَّا الصلاةُ: فليسَ فيها إلا ذكرٌ وقراءةٌ ، وركوعٌ وسجودٌ ، وقيامٌ
وقعودٌ :
فأمَّا الذكرُ : فإنَّهُ محاورةٌ ومناجاةٌ معَ اللهِ تعالى ؛ فإمّا أنْ يكونَ المقصودُ
منهُ كونَهُ خطاباً ومحاورةً ، أوِ المقصودُ منهُ الحروفَ والأصواتَ امتحاناً
للسانِ بالعملِ ؛ كما تمتحنُ المعدةُ والفرجُ بالإمساكِ في الصوم ، وكما
(١) في ((الحلية)) (٦١/٧) عن سفيان الثوري قال: ( يكتب للرجل من صلاته ما عقل
منها)، وعند أبي داوود (٧٩٦) مرفوعاً وسيأتي: ((إن الرجل لينصرف وما كتب له
إلا عُشْرُ صلاته، تُسعها، ثمنها، سبعها، سدسها ، خمسها ، ربعها ، ثلثها، نصفها)).
(٢) رواه البخاري (٤٠٥)، ومسلم (٥٥١) بلفظ: (( إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه
يناجي ربه )).
٥٩٠

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
يمتحنُ البدنُ بمشاقِّ الحجِّ ، ويمتحنُ القلبُ بمشقَّةِ إخراج الزكاةِ واقتطاع
المالِ المعشوقِ .
ولا شكَّ أنَّ هذا القسمَ باطلٌ ؛ فإنَّ تحريكَ اللسانِ بالهذيانِ ما أخفَّهُ
على الغافلِ ، فليسَ فيهِ امتحانٌ مِنْ حيثُ إنَّهُ عملٌ ، بلِ المقصودُ الحروفُ
مِنْ حيثُ إنَّهُ نطقٌ ، ولا يكونُ نطقاً إلا إذا أعربَ عمَّا في الضميرِ ، ولا يكونُ
معرباً إلا بحضورِ القلبِ ؛ فأيُّ سؤالٍ في قولِهِ: ﴿ أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
إذا كانَ القلبُ غافلاً ؟ وإذا لمْ يقصدْ كونَهُ تضرُّعاً ودعاءً .. فأيُّ مشقّةٍ في
تحريكِ اللسانِ بهِ معَ الغفلةِ لاسيما بعدَ الاعتيادِ ؟!
جنيجن٥
جر
هذا حكمُ الأذكارِ .
بلْ أقولُ : لَوْ حلفَ الإنسانُ وقالَ : ( لأشكرنَّ فلاناً وأثني عليهِ وأسألُهُ
حاجةً ) ، ثمَّ جرتِ الألفاظُ الدالَّةُ على هذهِ المعاني على لسانِهِ في النومِ ..
لمْ ييرَّ في يمينِهِ ، ولَوْ جرتْ على لسانِهِ في ظلمةٍ وذلكَ الإنسانُ حاضرٌ وهوَ
لا يعرفُ حضورَهُ ولا يراهُ .. لا يصيرُ بارّاً في يمينِهِ؛ إذْ لا يكونُ كلامُهُ
خطاباً ونطقاً معهُ ما لمْ يكنْ هوَ حاضراً في قلبِهِ ، فلوْ كانتْ تجري هذهِ
الكلماتُ على لسانِهِ وهوَ حاضرٌ إلا أَنَّهُ في بياضِ النهارِ غافلٌ ؛ لكونِهِ
مستغرقَ الهمِّ بفكرٍ مِنَ الأفكارِ ولمْ يكنْ لهُ قصدُ توجيهِ الخطابِ إليه عندَ
نطقهِ .. لمْ يصرْ بارّاً في يمينِهِ(١).
(١) فتحصل عدم الأداء عند وجود : الغفلة ، أو عدم حضور القلب ، أو انتفاء القصد في
الخطاب .
٥٩١
ـحن
:بكن

كتاب أسرار الصلاة
ـحن
ربع العبادات
ولا شكّ في أَنَّ المقصودَ مِنَ القراءةِ والأذكارِ الحمدُ والثناءُ والتضرُّعُ
والدعاءُ ، والمخاطبُ هوَ اللهُ، وقلبُهُ بحجابِ الغفلةِ محجوبٌ عنهُ ، فلا
يراهُ ولا يشاهدُهُ(١)، بلْ هوَ غافلٌ عنِ المخاطبِ ولسانُهُ يتحرَّكُ بحكم
العادةِ ، فما أبعدَ هذا عنِ المقصودِ بالصلاةِ التي شرعتْ لتصقيلِ القلبِ
وتجدیدِ ذکرِ الله تعالی ورسوخِ عَقْدِ الإیمانِ بهِ .
هذا حكمُ القراءةِ والذكرِ .
وبالجملةِ : فهذهِ الخاصيَّةُ لا سبيلَ إلى إنكارِها في النطقِ ، وتمييزِهِ بها
عنِ الفعلِ .
وأمَّا الركوعُ والسجودُ : فالمقصودُ بهما التعظيمُ قطعاً، ولوْ جازَ أنْ
يكونَ معظِّماً للهِ بفعلِهِ وهوَ غافلٌ عنهُ .. لجازَ أنْ يكونَ معظُّماً لصنٍ موضوعٍ
بينَ يديهِ وهوَ غافلٌ عنهُ ، أوْ يكونَ معظُّماً للحائطِ الذي بينَ يديهِ وهوَ غافلٌ
عنهُ !
وإذا خرجَ عنْ كونِهِ تعظيماً .. لمْ يبقَ إلا مجرَّدُ حركةِ الظهرِ والرأسِ ،
وليسَ فيهِ مِنَ المشقَّةِ ما يقصدُ الامتحانُ بِهِ ، ثمَّ يُجعلُ عمادَ الدينِ ،
(١) والمراد بالرؤية والمشاهدة هنا : هو معرفته بأسمائه وصفاته ، وفيها تتفاوت المراتب؛
فليس من يعلم أنه عالم قادر على الجملة كمن شاهد عجائب آياته في ملكوت السماء
والأرض ، واستغرق في دقائق الحكمة ، واستوفى لطائف التدبير ، وإما على سبيل
الحقيقة ؛ فلا يهتز أحد لنيله إلا ردته سُبحات الجلال إلى الحيرة ، ولا يشرئب أحد
لملاحظته إلا غطَّى الدهش طرفه. («إتحاف)» (١١٣/٣).
٥٩٢

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
والفاصلَ بينَ الكفرِ والإسلامِ ، ويقدَّمُ على الحجِّ وسائرِ العباداتِ ، ويجبُ
القتلُ بسببٍ تركِهِ على الخصوصِ !
وما أرىُ أَنَّ هذهِ العظمةَ كلَّها للصلاةِ مِنْ حيثُ أعمالُها الظاهرةُ إلا أنْ
يضافَ إليها مقصودُ المناجاةِ ، فإذْ ذاكَ تتقدمُ على الصومِ والزكاةِ والحجِّ
وغيرهِ ، بلِ الضحايا والقرابينُ التي هيَ مجاهدةٌ للنفسِ بتنقيصِ الملكِ(١)
قالَ اللهُ تعالى فيها: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾
أي : الصفةُ التي استولتْ على القلبِ حتَّى حملتْ على امتثالِ الأوامرِ هيَ
المطلوبةُ ، فكيفَ الأمرُ في الصلاةِ ولا أربَ في أفعالِها؟(٢) .
فهذا ما يدلُّ مِنْ حيثُ المعنى على اشتراطِ حضورِ القلبِ .
فإنْ قلتَ : إنْ حكمتَ ببطلانِ الصلاةِ وجعلتَ حضورَ القلبِ شرطاً في
صحَّتِها .. خالفتَ إجماعَ الفقهاءِ ؛ فإنَّهم لم يشترطوا إلا حضورَ القلبِ عندَ
التكبيرِ .
فاعلمْ : أَنَّهُ قَدْ تقدَّمَ في كتابِ العلمِ أَنَّ الفقهاءَ لا يتصرَّفونَ في الباطنِ ،
ولا يشقُّونَ عنِ القلوبِ ولا في طريقِ الآخرةِ ، بلْ يبنونَ ظاهرَ أحكام الدينِ
(١) أي : لأجل المناجاة التي ينطوي بها حقيقة العبودة لله تعالى تكون الصلاة سيدة
العبادات ، ومقدمة على باقي أركان الدين ، بل وعلى الضحايا والقرابين .
(٢) الأرب : الحاجة.
٥٩٣

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
على ظاهرِ أعمالِ الجوارحِ ، وظاهرُ الأعمالِ كافٍ لسقوطِ القتلِ أوْ تعزيرِ
السلطانِ ، فأمَّا أَنَّهُ ينفعُ في الآخرةِ .. فليسَ هذا مِنْ حدودِ الفقهِ ، على أنَّه
لا يمكنُ أنْ يدَّعى الإجماعُ ؛ فقدْ نُقِلَ عن بشرِ بنِ الحارثِ فيما رواهُ عنهُ
أبو طالبٍ المكيُّ، عنْ سفيانَ الثوريِّ أنَّهُ قالَ: ( مَنْ لمْ يخشعْ .. فسدتْ
صلاتُهُ)(١).
وروى عنِ الحسنِ أنَّهُ قالَ : ( كلُّ صلاةٍ لا يحضرُ فيها القلبُ فهيَ إلى
العقوبةِ أسرعُ)(٢) .
وعنْ معاذِ بنِ جبلٍ : ( مَنْ عرفَ مَنْ على يمينِهِ وشمالِهِ متعمِّداً وهوَ في
الصلاةِ .. فلا صلاةَ لهُ)(٣) ، ورُوِيَ أيضاً مسنداً .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ العبدَ ليصلِّي الصلاةَ لا يكتبُ لهُ
سدسُها ولا عشرُها، وإنَّما يكتبُ للعبدِ مِنْ صلاتِهِ ما عقَلَ منها)) (٤).
وهذا لوْ نقلَ عنْ غيرِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. لجعلَ مذهباً ، فكيفَ
لا يتمسّكُ بهِ ؟!
(١) قوت القلوب (٩٧/٢ ).
(٢) رواه الطوسي في ((أربعينه)) (١١)، والخبر في «القوت)) (٢/ ٩٧ ).
(٣) قوت القلوب (٩٧/٢)، وقال: ( وقد أسنده إسماعيل بن أبي زياد عن بشر بن
الحارث وغيره ) .
(٤) في سنن أبي داوود (٧٩٦) مرفوعاً: (( إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر
صلاته ، تسعها ، ثمنها ، سبعها ، سدسها ، خمسها ، ربعها ، ثلثها ، نصفها))، وفي
«الحلية)) (٦١/٧) عن سفيان الثوري قال: ( يكتب للرجل من صلاته ما عقل منها ) .
٥٩٤

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
وقالَ عبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ : ( أجمعتِ العلماءُ أَنَّهُ ليسَ للعبدِ مِنْ صلاتِهِ
إلا ما عقلَ منها )(١)، فجعلَهُ إجماعاً .
جر
وما نقلَ مِنْ هذا الجنسِ عنِ الفقهاءِ المتورِّعينَ وعنْ علماءِ الآخرةِ أكثرُ
مِنْ أَنْ يحصى(٢)، والحقُّ الرجوعُ إلى أدلَّةِ الشرع، والأخبارُ والآثارُ ظاهرةٌ
في هذا الشرطِ ، إلا أَنَّ مقامَ الفتوى في التكليفِ الظاهرِ يتقدَّرُ بقدْرِ قصورِ
الخلْقِ ، فلا يمكنُ أنْ يُشترطَ على الناسِ إحضارُ القلبِ في جميع الصلاةِ ؛
فإنَّ ذلكَ يعجزَ عنهُ كلُّ البشرِ إلا الأقلِّينَ ، وإذا لمْ يمكنِ اشتراطُ الاستيعابِ
للضرورةِ .. فلا مردَّ لهُ، إلا أنْ يُشترطَ منهُ ما ينطلقُ عليهِ الاسمُ ولوْ في
اللحظةِ الواحدةِ ، وأولى اللحظاتِ بهِ لحظةُ التكبيرِ ، فاقتصرنا على
التكليفِ بذلكَ .
ونحنُ مع ذلكَ نرجو ألا يكونَ حالُ الغافلِ في جمیع صلاتِهِ مثلَ حالِ
(١) قوت القلوب (١٠٢/٢).
(٢) وقد حملها أهل العلم - والمصنف معهم كما سترى بعد قليل - على الكمال ، وجعلوا
تفسيرها على ظاهرها من الغرائب ، قال الإمام النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)»
(٤٠٦/١): (ومن غرائب القاضي حسين ما حكيته عنه في آخر باب ما يفسد الصلاة
في (( شرح المهذب)) أنه قال: لو صلى وهو يدافع الأخبثين بحيث يذهب خشوعه .. لم
تصح صلاته ، وقاله قبله الشيخ أبو زيد المروزي ، والصحيح المشهور : لا تبطل ، بل
تكره )، قال الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (١١٥/٣): ( سلمنا أن الفقهاء
صححوها بما أدى إليه علمهم بمقتضيات أقوال أئمتهم ؛ فهلا يأخذ المصلي بالاحتياط
ليذوق لذة المناجاة ، فالتقوى غير الفتوى ) .
٥٩٥

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
التاركِ بالكلِّيَّةِ ؛ فإنَّهُ على الجملةِ أقدمَ على الفعلِ ظاهراً وأحضرَ القلبَ
لحظةً ، وكيفَ لا والذي صلَّىُ معَ الحدثِ ناسياً صلاتُهُ باطلةٌ عندَ اللهِ ولكنْ
لهُ أجرٌ ما بحسبٍ فعلِهِ وعلى قدْرِ قصورِهِ وعذرِهِ ؟! ومع هذا الرجاءِ فيخشى
أنْ يكونَ حالُهُ أشدَّ مِنْ حالِ التاركِ ، وكيفَ لا والذي يحضرُ الخدمةَ وبتهاونُ
بالحضرةِ ويتكلّمُ بكلام الغافلِ المستحقرِ أشدُّ حالاً مِنَ الذي يعرضُ عنِ
الخدمةِ ؟!
وإذا تعارضتْ أسبابُ الخوفِ والرجاءِ وصارَ الأمرُ مخطراً في نفسِهِ ..
فإليكَ الخيرةُ بعدَهُ في الاحتياطِ والتساهلِ(١)، ومعَ هذا فلا مطمعَ في
مخالفةِ الفقهاءِ فيما أفتوا بهِ مِنَ الصخَّةِ مع الغفلةِ(٢)؛ فإنَّ ذلكَ ضرورةُ
الفتوى كما سبقَ التنبيهُ عليهِ .
ومَنْ عرفَ سرّ الصلاةِ .. علمَ أَنَّ الغفلةَ تضادُّها ، ولكنْ قدْ ذكرنا في
(١) إما أن تأخذ بالاحتياط فهو الأقوى، وإما أن تأخذ بما صححه الفقهاء فعليه الفتوى ،
وهذا محط الجواب وفصل الخطاب. ((إتحاف )) ( ١١٧/٣ ).
حن
حن
(٢) نقل الحافظ الزبيدي في بداية هذا الباب أن المصنف جعل الخشوع شرطاً في الصلاة ،
بينما أصحاب المذهب يرون أنه سنة، قال في ((الإتحاف)) (١١٠/٣): ( أكثر
العلماء جعلوه - أي : الخشوع - من سنن الصلاة، وعليه مشى الرافعي والنووي وغالب
الأصحاب ، وجعله أبو طالب المكي وغيره من العارفين شرطاً في الصلاة ، ووافقهم
المصنف ) ، وكلام المصنف هنا بل في ثنايا هذا الباب يشير إلى التأكيد والحرص على
الخشوع ، وما حشده من أدلة بيَّن هنا أنها سيقت لبيان الكمال ، أو أنه أراد الوجوب غير
الاصطلاحي ، وشتان بين صلاة شوهاء لا حظ للعبد منها ، وبين صلاة حصد فيها
العبد الأجر والوصل .
٥٩٦

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
بابِ الفرقِ بينَ العلمِ الباطنِ والظاهرِ في كتاب قواعدِ العقائدِ أَنَّ قصورَ الخلقِ
أحدُ الأسبابِ المانعةِ عنِ التصريحِ بكلِّ ما ينكشفُ مِنْ أسرارِ الشرع .
فلنقتصر على هذا القَدْرِ مِنَ البحثِ ؛ فإِنَّ فيهِ مقنعاً للمريدِ الطالبِ
لطريقِ الآخرةِ ، وأمَّا المجادلُ المشغبُ .. فلسنا نقصدُ مخاطبتَهُ الآنَ .
وحاصلُ الكلام : أَنَّ حضورَ القلبِ هوَ روحُ الصلاةِ ، وأَنَّ أقلَّ ما يبقى
بهِ رمقُ الروحِ الحضورُ عندَ التكبيرِ ، فالنقصانُ منهُ هلاكٌ ، وبقدْرِ الزيادةِ
عليهِ تنبسطُ الروحُ في أجزاءِ الصلاةِ ، وكمْ مِنْ حِيٍّ لا حراكَ بهِ قريبٌ مِنْ
ميتٍ ، فصلاةُ الغافلِ في جميعِها إلا عندَ التكبيرِ كحيٍّ لا حراكَ بهِ ،
نسألُ اللهَ حسنَ العونِ .
ـجو
٥٩٧
ت.
من :

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
بيان المعاني الباطنة التي تتم بهاحياة الصّلاة
اعلمْ : أَنَّ هذهِ المعانيَ تكثرُ العباراتُ عنها ، ولكنْ يجمعُها ستُ
جملٍ ، وهيَ : حضورُ القلبِ ، والتفهُّمُ، والتعظيمُ ، والهيبةُ، والرجاءُ ،
والحياءُ .
فلنذكرْ تفاصيلَها ، ثمَّ أسبابَها ، ثمَّ العلاجَ في اكتسابِها .
أمَّا التفاصيلُ :
فالأوَّلُ : حضورُ القلبِ : ونعني بهِ : أَنْ يفرِغُ القلبَ عَنْ غيرِ ما هوَ
ملابسٌ لهُ ومتكلُّمٌ بهِ ، فيكونُ العلمُ بالفعلِ والقولِ مقروناً بهما ، ولا يكونُ
الفكرُ جائلاً في غيرِهِما ، ومهما انصرفَ الفكرُ عنْ غيرِ ما هوَ فيهِ ، وكانَ في
قلبهِ ذكرٌ لما هوَ فيهِ، ولمْ يَكُنْ فيهِ غفلةٌ عنْ كلِّ شيءٍ .. فقدْ حصلَ حضورُ
القلب .
ـدر
ولكنَّ التفهُّمَ لمعنى الكلام أمرٌ وراءَ حضورِ القلبِ ، فربّما يكونُ القلبُ
حاضراً معَ اللفظِ ولا يكونُ حاضراً معَ معنى اللفظِ ، فاشتمالُ القلبِ على
العلمِ بمعنى اللفظِ هوَ الذي أردناهُ بالتفَهُمِ .
وهذا مقامٌ يتفاوتُ الناسُ فيهِ ؛ إذْ ليسَ يشتركُ الناسُ في تفهُّمِ المعاني
للقرآنِ والتسبيحاتِ ، وكمْ مِنْ معانٍ لطيفةٍ يفهمُها المصلِّي في أثناءِ صلاتِهِ
٥٩٨

ربع العبادات
كتاب أسرار الصلاة
ولمْ يكنْ قدْ خطرَ بقلبهِ ذلكَ قبلَهُ ، ومِنْ هذا الوجهِ كانتِ الصلاةُ ناهيةً عنِ
الفحشاءِ والمنكرِ ؛ فإنَّها تفهِمُ أموراً تلكَ الأمورُ تمنعُ مِنَ الفحشاءِ
لا محالةَ .
وأمَّا التعظيمُ : فهوَ أمرٌ وراءَ حضورِ القلبِ والفهمِ ، إذِ الرجلُ يخاطبُ
عبدَهُ بكلامِ هوَ حاضرُ القلبِ فيهِ ومتفهِّمٌ لمعناهُ ولا يكونُ معظِّماً لهُ ،
فالتعظيمُ زائدٌ عليهما(١) .
وأمَّا الهيبةُ : فأمرٌ زائدٌ على التعظيمِ ، بلْ هيَ عبارةٌ عنْ خوفٍ منشؤُهُ
التعظيمُ ؛ لأنَّ مَنْ لا يخافُ لا يسمَّى هائِباً ، والمخافةُ مِنَ العقربِ وسوءِ
خُلُقِ العبدِ وما يجري مَجراهُ مِنَ الأسبابِ الخسيسةِ لا تسمَّى مهابةً ، بلِ
الخوفُ مِنَ السلطانِ المعظّم يسمَّى مهابةٌ ، والهيبةُ : خوفٌ مصدرُهُ
الإجلالُ .
وأمَّا الرجاءُ : فلا شكّ في أنَّهُ زائدٌ ، فكمْ مِنْ معظُم مَلكاً مِنَ الملوكِ
يهابُهُ أوْ يخافُ سطوتَهُ ولكنْ لا يرجو مبرَّتَهُ، والعبدُ ينبغي أنْ يكونَ راجياً
بصلاتِهِ ثوابَ اللهِ تعالى ؛ كما أَنَّهُ خائفٌ بتقصيرِهِ عقابَ اللهِ عزَّ وجلَّ .
وأمَّا الحياءُ : فهوَ زائدٌ على الجملةِ ؛ لأنَّ مستندَهُ استشعارُ تقصيرِ
(١) ولا بد منه في مناجاة الحق سبحانه، إذ لا ثمرة في الحضور والتفهم بدونه ، والمراد
منه : ملاحظة عظمته وجلاله ، وأنه معظم في نفسه عظم نفسه بنفسه ، ويلاحظ تعاليه
وتقدسه عن مشابهة المخلوقين. ((إتحاف)) (١٢٠/٣).
٥٩٩

كتاب أسرار الصلاة
ربع العبادات
وتوهُمُ ذنبٍ ، ويتصوَّرُ التعظيمُ والخوفُ والرجاءُ مِنْ غيرِ حياءٍ ، حيثُ
لا يكونُ توقُّمُ تقصيرٍ وارتكابِ ذنبٍ(١) .
وأمَّا أسبابُ هذهِ المعاني السنَّةِ :
فاعلمْ : أَنَّ حضورَ القلبِ سببُهُ الهمَّةُ ، فإنَّ قلبَكَ تابعٌ لهمِّكَ ، فلا
يحضرُ إلا فيما يهمُّكَ، ومهما أهمَّكَ أمرٌ .. حضرَ القلبُ فيهِ شاءَ أمْ أبى ،
فهوَ مجبولٌ عليهِ ومسخّرٌ لهُ، والقلبُ إذا لمْ يحضرْ في الصلاةِ .. لمْ يكنْ
متعطّلاً، بلْ جائلاً فيما الهمَّةُ مصروفةٌ إليهِ مِنْ أمورٍ الدنيا ، فلا حيلةً
ولا علاجَ لإحضارِ القلبِ إلا بصرفِ الهمَّةِ إلى الصلاةِ ، والهمَّةُ لا تنصرفُ
إليها ما لمْ يتبينْ أَنَّ الغرضَ المطلوبَ منوطٌ بها ، وذلكَ هوَ الإيمانُ
والتصديقُ بأَنَّ الآخرةَ خيرٌ وأبقى، وأَنَّ الصلاةَ وسيلةٌ إليها ، فإِذا أضيفَ
هذا إلى حقيقةِ العلمِ بحقارةِ الدنيا ومهماتِها .. حصلَ مِنْ مجموعِها حضورُ
القلبِ في الصلاةِ .
0
وبمثلِ هذهِ العلَّةِ يحضرُ قلبُكَ إذا حضرتَ بينَ يدي بعضِ الأكابرِ ممَّنْ
لا يقدرُ على مصرَّتِكَ ومنفعتِكَ، فإذا كانَ لا يحضرُ عندَ المناجاةِ معَ ملكِ
(١) مَنْ يُستحى منه ثلاثةٌ: من البشر وهم أكثر من يستحى منه ، ومن نفسه ، ثم من الله عز
وجل ، ومن استحى من الناس ولم يستح من نفسه .. فنفسه عنده أخُّ من غيره ، ومن
استحى منهما ولم يستح من الله .. دلَّ على قلَّة معرفته به، ومن لم يعرف الله .. فكيف
يستعظمه وكيف يعلم أنه مطلع عليه. («إتحاف )، ( ١٢١/٣).
٦٠٠