Indexed OCR Text
Pages 341-360
ربع العبادات كتاب قواعد العقائد فكلُّ ذلكَ ممَّا وردتْ بهِ الأخبارُ ، وشهدتْ بهِ الآثارُ ، فمنِ اعتقدَ جمیعَ ذلكَ موقناً بهِ .. كانَ مِنْ أهلِ الحقِّ وعصابةِ السنَّةِ ، وفارقَ رَهْطَ الضلالِ وحزْبَ البدعةِ . فنسألُ اللهَ تعالى كمالَ اليقينِ ، وحسنَ الثباتِ في الدينِ ، لنا ولكافَّةٍ المسلمينَ برحمتِهِ ، إنَّهُ أرحم الراحمينَ ، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمدٍ وعلى كلِّ عبدٍ مصطفىٍ . .: حن ٣٤١ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات الفَصْلُ الثَّانِي في وجد الشيريج إلى الإرشاد وترتيب درجات الاعتقاد ٤٥٪ اعلمْ : أنَّ ما ذكرناهُ في ترجمةِ العقيدةِ ينبغي أنْ يُقدَّمَ إلى الصبيِّ في أوَّلِ نشوئِهِ ليحفظَهُ حفظاً(١) ، ثمَّ لا يزالُ ينكشفُ لهُ معناهُ في كبرِهِ شيئاً فشيئاً ، فابتداؤُهُ الحفظُ ، ثمَّ الفهمُ، ثمَّ الاعتقادُ والإيقانُ والتصديقُ بهِ ، وذلكَ ممَّا يحصلُ في الصبيِّ بغيرِ برهانٍ . فمِنْ فَضْلِ اللهِ سبحانَهُ على قلبِ الإنسانِ أنْ شرحَهُ في أوَّلِ نشوئِهِ للإيمانِ مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى حجَّةٍ وبرهانٍ ، وكيفَ يُنكرُ ذلكَ وجميعُ عقائدِ العوامِّ مبادئُها التلقينُ المجزَّدُ والتقليدُ المحضُ ؟!(٢). نعمُ ، يكونُ الاعتقادُ الحاصلُ بمجرَّدِ التقليدِ غيرَ خالٍ عنْ نوعٍ مِنَ الضعفِ في الابتداءِ ، على معنى أنَّهُ يقبلُ الإزالةَ بنقيضِهِ لوْ أُلقيَ إليهِ ، # ولا بدَّ مِنْ تقويتِهِ وإثباتِهِ في نفسِ الصبيِّ والعاميِّ حتَّى يترسَّخَ ولا يتزلزلَ. وليسَ الطريقُ في تقويتِهِ وإثباتِهِ أنْ يُعلَّمَ صنعةً الجدلِ والكلام ، بلْ (١) يحفظه فى صدره حفظاً يآمن به عن الإغفال عنه، ويتمكن ذلك المحفوظ في باطنه حتى يكون نقشاً على الحجر ولا يطرأ عليه ما يخالفه. ((إتحاف)) (٢ /٤٢). (٢) في غير ( ب): ( والتعليم المحض ) . ٣٤٢ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد يشتغلُ بتلاوةِ القرآنِ وتفسيرِهِ ، وقراءةِ الحديثِ ومعانيهِ ، ويشتغلُ بوظائفٍ العباداتِ ، فلا يزالُ اعتقادُهُ يزدادُ رسوخاً بما يقرعُ سمعَهُ منْ أدلَّةِ القرآنِ وحججِهِ ، وبما يردُ عليهِ مِنْ شواهدِ الأحاديثِ وفوائدِها ، وبما يسطعُ عليهِ مِنْ أنوارِ العباداتِ ووظائِفِها ، وبما يسري إليهِ مِنْ مشاهدةِ الصالحين ومجالستِهِمْ ، وسيماهُمْ وسماعِهِمْ وهيئاتِهِمْ ؛ في الخضوعِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، والخوفِ منهُ ، والاستكانةِ لهُ، فيكونُ أوَّلُ التلقينِ كإلقاءٍ بَذْرٍ في الصدْرِ ، وتكونُ هذه الأسبابُ كالسقْي والتربيةِ لهُ حتَّى ينموَ ذلكَ البذرُ ويقوى ، ويرتفعَ شجرةً طيِّبةٌ راسخةً ، أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماءِ . وينبغي أنْ يُحرَسَ سمعُهُ مِنَ الجدلِ والكلام غايةَ الحراسةِ ؛ فإنَّ ما يشوُِّهُ الجدلُ أكثرُ ممَّا يمهّدُهُ ، وما يفسدُهُ أكثرُ ممَّا يصلحُهُ ، بلْ تقويتُهُ بالجدَلِ تضاهي ضرْبَ الشجرةِ بالمِدقَّةِ مِنَ الحديدِ رجاءَ تقويِها بأنْ تكتِزَ أجزاؤُها(١)، وربَّما يفتُّها ذلكَ ويفسدُها، وهوَ الأغلبُ، والمشاهدةُ تكفيكَ في هذا بياناً ، وناهيكَ بالعِيانِ برهاناً . فقسْ عقيدةَ أهلِ الصلاحِ والتقى مِنْ عوامِّ الناسِ بعقيدةِ المتكلِّمينَ والمجادلينَ ؛ فترى اعتقادَ العاميِّ في الثباتِ كالطودِ الشامخ ، لا تحركُهُ الدواهي والصواعقُ ، وعقيدةَ المتكلِّم الحارسِ اعتقادَهُ بتقسيماتِ الجدلِ كخيطٍ مرسلٍ في الهواءِ تسفيهِ الريحُ مرَّةً هكذا ومرَّةً هكذا، إلاَّ مَنْ سمعَ (١) في (ب): ( تكثرَ أجزاؤها ). ٣٤٣ کتاب قواعد العقائد ربع العبادات منهُمْ دليلَ الاعتقادِ فتلقَّفَهُ تقليداً كما تلقَّفَ نفسَ الاعتقادِ تقليداً ؛ إذْ لا فرقَ في التقليدِ بينَ تعلُّمِ الدليلِ أوْ تعلُّمِ المدلولِ ، فتلقينُ الدليلِ شيءٌ والاستدلالُ بالنظرِ شيءٌ آخرُ بعيدٌ عنهُ . ثمَّ الصبيُّ إذا وقعَ نشوءُهُ على هذهِ العقيدةِ : G إنِ اشتغلَ بكسبِ الدنيا .. لمْ ينفتحْ لهُ غيرُها، ولكنَّهُ يسلمُ في الآخرةِ باعتقادِ أهلِ الحقِّ ؛ إذْ لمْ يكلِّفِ الشرعُ أجلافَ العربِ أكثرَ مِنَ التصديقِ الجازمِ بظاهرِ هذهِ العقائدِ، فأمَّا البحثُ والتفتيشُ وتكلُّفُ نظْم الأدلَّةِ .. فلمْ يُكلَّفوهُ أصلاً . وإنْ أرادَ أنْ يكونَ مِنْ سالكي طريقِ الآخرةِ ، وساعدَهُ التوفيقُ حتَّى اشتغلَ بالعملِ ، ولازمَ التقوى ، ونهى النفسَ عنِ الهوى ، واشتغلَ بالرياضةِ والمجاهدةِ .. انفتحَتْ لهُ أبوابٌ مِنَ الهدايةِ تكشفُ عنْ حقائقِ هذهِ العقيدةِ بنورٍ إلهيِّ يُقذفُ في قلبهِ بسببِ المجاهدةِ ؛ تحقيقاً لوعدِهِ عزَّ وجلَّ إذْ قالَ : وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ . وهوَ الجوهرُ النفيسُ الذي هوَ غايةُ إيمانِ الصدِّيقينَ والمقرَّبينَ ، وإليهِ الإشارةُ بالسرِّ الذي وقرَ في صدرِ أبي بكرِ الصدِّيقِ رضيَ اللهُ عنهُ حيثُ فضَلَ بهِ الخلقَ . وانكشافُ ذلكَ السرِّ بلْ تلكَ الأسرارِ لهُ درجاتٌ بحسَبِ درجاتٍ المجاهدةِ ودرجاتِ الباطنِ ؛ في النظافةِ والطهارةِ عمَّا سوى اللهِ تعالى ، ء ٣٤٤ ربع العبادات کتاب قواعد العقائد وفي الاستضاءةِ بنورِ اليقينِ ، وذلكَ كتفاوتِ الخلْقِ في أسرارِ الطبِّ والفقْهِ وسائرِ العلوم ؛ إذْ يختلفُ ذلكَ باختلافِ الاجتهادِ واختلافِ الفطرةِ في الذكاءِ والفطنةِ، وكما لا تنحصرُ تلكَ الدرجاتُ .. فكذلكَ هذهِ(١). مَثْالَّةٌ [في حكم تعلمِ الجدلِ والكلام] فإنْ قلتَ : تعلُّمُ الجدلِ والكلام مذمومٌ كتعلَّمِ النجوم ، أوْ هوَ مباحٌ ، أوْ هوَ مندوبٌ إلیهِ ؟ فاعلمْ : أنَّ للناسِ في هذا غلواً وإسرافاً في أطرافٍ : فمِنْ قائلٍ : إنَّهُ بدعةٌ وحرامٌ ، وإنَّ العبدَ إنْ لقيَ اللهَ عزَّ وجلَّ بكلِّ ذنبٍ سوى الشركِ .. خيرٌ لهُ مِنْ أنْ يلقاهُ بالكلامِ . ومِنْ قائلِ : إنَّهُ واجبٌ وفرضٌ ؛ إمَّا على الكفايةِ ، أَوْ على الأعيانِ ، وإنَّهُ أفضلُ الأعمالِ وأعلى القرباتِ ؛ فإنَّهُ تحقيقٌ لعلْمِ التوحيدِ ، ونضالٌ عنْ دینِ الله تعالى . وإلى التحريم ذهبَ الشافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ ابنُ حنبلِ ، وسفيانُ ، وجميعُ أهلِ الحديثِ منَ السلفِ . (١) والحاصل مما سبق من كلام المصنف : أن الصبيان والعوام لا ينبغي أن يلقنوا بأكثر مما ذكر في العقيدة المختصرة ؛ فإن فيها مقنعاً لهم ، وزجراً عن الوقوع فيما يضرّهم . ((إتحاف)) (٤٦/٢ ). ٣٤٥ كتاب قواعد العقائد 2م ربع العبادات قالَ ابنُ عبدِ الأعلى رحمهُ اللهُ : سمعتُ الشافعيَّ رضيَ اللهُ عنهُ يومَ ناظرَ حَفْصاً الفرْدَ - وكانَ مِنْ متكلِّمي المعتزلةِ - يقولُ: ( لأنْ يلقى اللهَ عزَّ وجلَّ العبدُ بكلِّ ذنبٍ ما خلا الشرْكَ باللهِ .. خيرٌ لهُ مِنْ أنْ يلقاهُ بشيءٍ مِنْ علمٍ الكلام ، ولقد سمعتُ مِنْ حفصٍ كلاماً لا أقدرُ أنْ أحكيَهُ )(١). وقالَ أيضاً : ( قدِ اطلعتُ منْ أهلِ الكلام على شيءٍ ما ظننتُهُ قطُّ ، ولأنْ يُبتلى العبدُ بكلِّ ما نهى اللهُ عنهُ ما عدا الشركَ .. خيرٌ لهُ منْ أَنْ ينظرَ في الكلام )(٢) . وحَكَى الكرابيسيُّ أنَّ الشافعيَّ رضيَ اللهُ عنهُ سُئِلَ عنْ شيءٍ منَ الكلام ، فغضبَ وقالَ : ( سلْ عنْ هذا حَفْصاً الفردَ وأصحابَهُ أخزاهُمُ اللهُ)(٣). ولمَّا مرضَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ .. دخلَ عليهِ حَفْصٌ الفردُ وقالَ : مَنْ أنا ؟ فقالَ : حفصٌ الفردُ ، لا حفظَكَ اللهُ ولا رعاكَ حتَّى تتوبَ ممَّا أنتَ فيهِ(٤) . وقال أيضاً : ( لوْ علمَ الناسُ ما في الكلام منَ الأهواءِ .. لفرُّوا منهُ فرارَهُمْ منَ الأسدِ )(٥) . (١) جامع بيان العلم وفضله ( ١٧٨٨)، وما امتنع عن حكايته عنه هو قوله بخلق القرآن . (٢) جامع بيان العلم وفضله ( ١٧٨٩ ). جامع بيان العلم وفضله ( ١٧٩٠ ). (٣) جامع بيان العلم وفضله ( ١٧٩١ ). (٤) جامع بيان العلم وفضله ( ١٧٩٢ ). (٥) ٣٤٦ Q ربع العبادات كتاب قواعد العقائد وقالَ أيضاً : ( إذا سمعتَ الرجلَ يقولُ: الاسمُ هوَ المسمَّى ، أوْ غيرُ المسمَّى .. فاشهدْ بأنَّهُ مِنْ أهلِ الكلام ولا دينَ لهُ)(١). وقالَ الزعفرانيُّ : قالَ الشافعيُّ : ( حكمي في أصحابِ الكلامِ أنْ يُضربوا بالجريدِ ، ويُطافَ بهِمْ في العشائرِ والقبائلِ، ويقالَ : هذا جزاءُ مَنْ تركَ الكتابَ والسنَّةَ وأخذَ في الكلامِ)(٢). وقالَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ : ( لا يفلحُ صاحبُ الكلام أبداً ، ولا تكادُ ترى أحداً نظرَ في الكلامِ إلَّ وفي قلبِهِ دَغَلٌ )(٣). وبالغَ في ذمِّهِ حتَّى هجرَ الحارثَ المحاسبيَّ معَ زهدِهِ وورعِهِ بسببٍ تصنيفِهِ كتاباً في الردِّ على المبتدعةِ ، وقالَ لهُ: (ويحَكَ! ألستَ تحكي بدعتَهُمْ أَوَّلاً ثمَّ تردُّ عليهِمْ؟! ألستَ تحملُ الناسَ بتصنيفِكِ على مطالعةِ البدعةِ والتفكّرٍ في تلكَ الشبهاتِ فيدعوهُمْ ذلكَ إلى الرأيِ والبحثِ ؟! )(٤). وقال أحمدُ رحمهُ اللهُ : ( علماءُ الكلامِ زنادقةٌ)(٥) وقال مالكٌ رحمهُ اللهُ: ( أرأيتَ إنْ جاءَهُ مَنْ هوَ أجدلُ منهُ .. أيدعُ دينَهُ جامع بيان العلم وفضله ( ١٧٩٢ ) . (١) (٢) جامع بيان العلم وفضله ( ١٧٩٣ ). (٣) جامع بيان العلم وفضله ( ١٧٩٦ ) ، والدغل : الفساد . (٤) وكلٌّ منهما من رؤساء الأئمة ، وهداة هذه الأمة ، والظنُّ بالحارث أنه إنما تكلّم حيث دعت الحاجة، ولكل مقصد، والله يرحمهما. ((إتحاف)) (٤٩/٢). (٥) قوت القلوب (١٣٨/١). ٣٤٧ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات كلَّ يومٍ لدينٍ جديدٍ ؟! ) يعني: أنَّ أقوالَ المتجادلينَ تتقاومُ(١). وقالَ مالكٌ رحمهُ اللهُ أيضاً : ( لا تجوزُ شهادةُ أهلِ البدع والأهواءِ ) ، فقالَ بعضُ أصحابِهِ في تأويلِهِ : إنَّهُ أرادَ بأهلِ الأهواءِ أهلَ الكلام على أيِّ مذهبٍ كانوا(٢) . وقالَ أبو يوسفَ : ( مَنْ طلبَ العلْمَ بالكلام .. تزندقَ )(٣). وقالَ الحسنُ : ( لا تجالسوا أهلَ الأهواءِ ، ولا تجادلوهُمْ، ولا تسمعوا منهُمْ)(٤) . وقدِ اتفقَ أهلُ الحديثِ مِنَ السلفِ على هذا ، ولا ينحصرُ ما نُقْلَ عنهُمْ مِنَ التشديداتِ فيهِ ، وقالوا : ما سكتَ عنهُ الصحابةُ معَ أنَّهُمْ أعرفُ بالحقائقِ وأفصحُ بترتيبِ الألفاظِ مِنْ غيرِهِمْ .. إلاَّ لعلمِهِمْ بما يتولَّدُ منهُ منَ الشرِّ، ولذلكَ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((هلكَ المُتَنَطُّعُونَ، هلكَ المتنطِّعونَ ، هلكَ المتنطِّعونَ))(٥) ؛ أي : المتعمِّقونَ في البحثِ والاستقصاءِ . (١) رواه اللالكائي في ((اعتقاد أهل السنة)) (٢٩٤)، والمعنى: لا يعتمد على تلك الأقوال؛ لكونها في معرض الإزالة بما هو أقوى. ((إتحاف)) (٤٩/٢). (٢) جامع بيان العلم وفضله ( ١٨٠٠ ). (٣) قوت القلوب (١٣٩/١). (٤) رواه الدارمي في «سننه» (٤١٥)، وكذا ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١٨٠٣ ) . (٥) رواه مسلم ( ٢٦٧٠) . ق ت ٣٤٨ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد واحتجُّوا أيضاً بأنَّ ذلكَ لوْ كانَ منَ الدينِ .. لكانَ ذلكَ أهمّ ما يأمُرُ بهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ويعلِّمُ طريقَهُ ، ويثني عليهِ وعلى أربابِهِ ؛ فقدْ علَّمَهُمُ الاستنجاءَ(١)، وندبَهُمْ إلى حِفْظِ الفرائضِ وأثنى عليهِمْ(٢)، ونهاهُمْ عنِ الكلام في القدَرِ وقالَ: ((أمسكُوا))(٣). وعلى هذا استمرَّ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهمْ، فالزيادةُ على الأستاذِ طغيانٌ وظلمٌ ، وهمُ الأستاذونَ والقدوةُ، ونحنُ الأتباعُ والتلامذةُ . وأمَّا الفرقةُ الأخرى: فاحتجُّوا بأنَّ المحذورَ مِنَ الكلام إنْ كانَ هوَ لفظَ الجوهرِ والعَرَضِ ، وهذهِ الاصطلاحاتِ الغريبةَ التي لمْ تعهدْها الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهُمْ .. فالأمرُ فيهِ قريبٌ ؛ إذْ ما مِنْ علمٍ إلاَّ وقدْ أُحدثَ فيهِ اصطلاحاتٌ لأجلِ التفهيمِ ؛ كالحديثِ والتفسيرِ والفقهِ ، ولوْ عُرِضَ عليهِمْ عبارةُ النقضِ والكسرِ والتركيبِ والتعديةِ وفسادِ الوضع إلى جميع الأسئلةِ التي تُورَدُ على القياسِ .. لما كانوا يفهمونَهُ، فإحداثُ عبارةٍ للدلالةِ بها على مقصودٍ صحيح كإحداثِ آنيةٍ على هيئةٍ جديدةٍ لاستعمالِها في مباحٍ . وإنْ كانَ المحذورُ هوَ المعنى .. فنحنُ لا نعني بهِ إلَّ معرفةَ الدليلِ على حدثِ العالمِ ووحدانيةِ الخالقِ وصفاتِهِ كما جاءَ بهِ الشرعُ ، فمنْ أينَ تحرمُ معرفةُ اللهِ تعالى بالدليلِ ؟ (١) كما في ((مسلم)) ( ٢٦٢). (٢) كما في ((الترمذي)) (٢٠٩١)، وابن ماجه (٢٧١٩). (٣) رواه الطبرانى فى ((الكبير)) (٩٦/٢)، وأبو نعيم فى ((الحلية)) (١٠٨/٤). ٣٤٩ كن كتاب قواعد العقائد ربع العبادات ٢٧. وإنْ كانَ المحذورُ هوَ التشغُّبَ والتعصُّبَ والعداوةَ والبغضاءَ وما يفضي إليهِ الكلامُ .. فذلكَ محرَّمٌ، ويجبُ الاحترازُ عنهُ؛ كما أنَّ الكبْرَ والعجبَ والرياءَ وطلبَ الرئاسةِ ممَّا يفضي إليه علمُ الحديثِ والتفسيرِ والفقهِ ، وهوَ محرَّمٌ يجبُ الاحترازُ عنهُ ، ولكنْ لا يمنعُ منَ العلمِ لأجلِ أدائِهِ إليهِ ، وكيفَ يكونُ ذكرُ الحجَّةِ والمطالبةُ بها والبحثُ عنها محظوراً وقدْ قالَ اللهُ تعالى : ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾، وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْبَى مَنْ حَىَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، وقالَ تعالى: ﴿إِنْ عِندَكُمْ مِن سُلْطَانٍ بَهَذَا﴾، أيْ : حجةٍ وبرهانٍ، وقالَ: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِّغَةُ﴾، وقال تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِىِ حَكَجَّ إِبَهِئِمَ فِ رَبِّهِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿فَبُّهِتَ الَّذِىِ كَفَرَ﴾؛ إذْ ذكرَ سبحانَهُ احتجاجَ إبراهيمَ ومجادلتَهُ وإفحامَهُ خصمَهُ في معرضِ الثناءِ عليهِ ، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾، وقالَ تعالى: قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرَّتَ جِدَلَنَا﴾، وقال تعالى في قصَّةِ فِرِعونَ: ﴿ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُبِينٍ﴾؟! وعلى الجملةِ : فالقرآنُ مِنْ أَوَّلِهِ إلى آخرِهِ محاجَّةٌ معَ الكفارِ ، فعمدةُ أدلَّةِ المتكلمينَ في التوحيدِ قولُهُ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾، وفي النبوةِ: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْتٍ مِّمَّا نَزَّْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ﴾، وفي البعثِ قولُهُ تعالى: ﴿ قُلْ يُحْبِيَهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الآياتِ والأدلَّةِ . ولمْ تزلِ الرسلُ صلواتُ اللهِ عليهِمْ يحاجُّونَ المنكرينَ ويجادلونَهُمْ ، قَالَ ٣٥٠ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾، والصحابةُ رضيَ اللهُ عنهُمْ أيضاً كانوا يحاجُونَ المنكرينَ ويجادلونَ ولكنْ عندَ الحاجةِ ، وكانتِ الحاجةُ إليهِ قليلةٌ في زمانِهِمْ . وأوَّلُ مَنْ سنَّ دعوةَ المبتدعةِ بالمجادلةِ إلى الحقِّ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ ؛ إذْ بعثَ ابنَ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما إلى الخوارجِ يكلِّمُهُمْ ، فقالَ : ما تنقمونَ على إمامِكمْ؟ قالوا : قاتلَ ولمْ يسبِ ولمْ يغنمْ ، قالَ : ذلكَ في قتالِ الكفَّارِ ، أرأيتُمْ لوْ سُبيَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها في يومٍ الجملِ ، فوقعتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها في سهْمِ أحدِكُمْ ، أكنتمْ تستحلُّونَ منْها ما تستحلُّونَ مِنْ ملكِكُمْ وهيَ أقْكُمْ في نصِّ الكتابِ ؟ فقالوا : لا ، ورجعَ منهُمْ إلى الطاعةِ بمجادلتِهِ ألفانٍ(١) . ورُوِيَ أنَّ الحسنَ ناظرَ قدرياً فرجعَ عنِ القدَرِ . وناظرَ عليٌّ بنُ أبي طالبٍ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ رجلاً مِنَ القدريَّةِ . وناظرَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ يزيدَ بنَ عَميرةَ في الإيمان ، قال عبدُ اللهِ : لوْ قلتُ : إنِّي مؤمنٌ .. لقلتُ: إِنِّي في الجنَّةِ ، فقالَ لهُ يزيدُ بنُ عَمِيرةَ : يا صاحبَ رسولِ اللهِ ؛ هذهِ زلَّةٌ منكَ، وهلِ الإيمانُ إلاَّ أنْ تؤمنَ باللهِ وملائكتِهِ وكتبهِ ورسلِهِ والبعثِ والميزانِ ، وتقيمَ الصلاةَ والصومَ والزكاةَ ، (١) جامع بيان العلم وفضله (١٨٣٤) مختصراً، وهو عند أبي نعيم في (( الحلية)) (٣١٨/١) . ٣٥١ کتاب قواعد العقائد ربع العبادات كن ولنا ذنوبٌ لوْ نعلمُ أنَّها تُغفرُ لنا .. لعِلِمْنا أنَّا مِنْ أهلِ الجنَّةِ ، فمنْ أجلِ ذلكَ نقولُ : إنَّا مؤمنونَ ، ولا نقولُ : إنَّا مِنْ أهلِ الجنَّةِ ، فقالَ ابنُ مسعودٍ : صدقتَ واللهِ؛ إنَّها مِنِّي زلٌَّ (١) . يبقى أنْ يقالَ : كانَ خوضُهُمْ فِيهِ قليلاً لا كثيراً، وقصيراً لا طويلاً ، وعندَ الحاجةِ لا بطريقِ التصنيفِ والتدريسِ واتخاذِهِ صناعةٌ ، فيقالُ : أمَّا قلَّةُ خوضِهِمْ فيهِ .. فإنَّه كانَ لقلَّةِ الحاجةِ ؛ إذْ لمْ تكنِ البدعةُ تظهرُ في ذلكَ الزمانِ . وأمَّا القصرُ .. فقدْ كانَ الغايةُ إفحامَ الخصم واعترافَهُ وانكشافَ الحقِّ وإزالةِ الشبهةِ، فلوْ طالَ إشكالُ الخصم أوْ لجاجُهُ .. لطالَ - لا محالةً - إلزامُهُمْ ، وما كانوا يقدرونَ قدْرَ الحاجةِ بميزانٍ ولا مكيالٍ بعدَ الشروع فيها . وأمَّا عدمُ تصدِّيهِمْ للتدريسِ والتصنيفِ فيهِ .. فهكذا كانَ في الفقهِ والتفسيرِ والحديثِ أيضاً ، فإنْ جازَ تصنيفُ الفقهِ ووضعُ الصورِ النادرةِ التي لا تتََّقُ إلا على الندورِ؛ إِمَّ ادِّخاراً ليوم وقوعِها وإنْ كانَ نادراً ، أوْ تشحيذاً للخواطرِ .. فنحنُ أيضاً نرتُّبُ طرقَ المحاجَّةِ لتوقُّع وقوع الحاجةِ بثورانِ شبهةٍ ، أَوْ هيجانِ مبتدع ، أوْ لتشحيذِ الخاطرِ ، أوْ لادِّخارِ الحجَّةِ حتَّى لا يعجزَ عنها عندَ الحاجةِ على البديهةِ والارتجالِ ؛ كمَنْ يعدُّ السلاحَ قبلَ القتالِ ليومِ القتالِ . 0 (١) انظر ((تاريخ دمشق)) (١١/ ٤٦١). ٣٥٢ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد فهذا ما يمكنُ أنْ يُذكرَ للفريقينِ . فإنْ قلتَ : فما المختارُ فيهِ عندَكَ ؟ فاعلم : أنَّ الحقَّ فيهِ أنَّ إطلاقَ القولِ بذمِّهِ في كلِّ حالٍ أَوْ بحمدِهِ في كلِّ حالٍ .. خطأٌ، بلْ لا بدَّ فيهِ منْ تفصيلٍ . فاعلمْ أوَلاً: أنَّ الشيءَ قدْ يحرمُ لذاتِهِ ؛ كالخمرِ والميتةِ ، وأعني بقولي : ( لذاتِهِ ) أنَّ علَّةَ تحريمِهِ وصْفٌ في ذاتِهِ ، وهوَ الإسكارُ والموتُ، وهذا إذا سُئِلْنا عنهُ .. أطلقْنا القولَ بأنَّهُ حرامٌ، ولا يلتفتُ إلى إباحةِ المبتّةِ عندَ الاضطرارِ ، وإباحةِ تجرُّع الخمْرِ إذا غصَّ الإنسانُ بلقمةٍ ولمْ يجدْ ما يسيغُها سوى الخمرِ(١). وإلى ما يحرمُ لغيرِهِ ؛ كالبيع على بيع أخيكَ المسلمِ في وقتِ الخيارِ ، والبيع وقتَ النداءِ ، وكأكْلِ الطينِ ؛ فإنَّهُ يحرمُ لما فيهِ منَ الإضرارِ . وهذا ينقسمُ إلى ما يضرُّ قليلُهُ وكثيرُهُ ، فيُطلقُ القولُ عليهِ بأنَّهُ حرامٌ ؛ كالسمِّ الذي يقتلُ قليلُهُ وكثيرُهُ، وإلى ما يضرُّ عندَ الكثرةِ ، فَيُطلقُ القولُ عليهِ بالإباحةِ ؛ كالعسلِ ، فإنَّ كثيرَهُ يضرُ بالمحرورِ ، وكأكْلِ الطينِ ، وكأنَّ ٥٦٠ (١) وكأن هذا جواب عن سؤال مقدر بقول القائل : كيف يجوز إطلاق القول فيهما بالحرمة مع أنهما يباحان في وقت ؟ فأجاب بأن ذلك نادر، ولا حكم للنادر . (« إتحاف )) (٢ /٥٧ ) . ٣٥٣ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات إطلاقَ التحريمِ على الطينِ والخمرِ ، والتحليلِ على العسلِ .. التفاتٌ إلى أغلبِ الأحوالِ . فإنْ تصدَّى شيءٌ تقابلَتْ فيهِ الأحوالُ .. فالأولى والأبعدُ عنِ الالتباسِ أنْ يُفصَّلَ . فنعودُ إلى علْم الكلام ونقولُ : إنَّ فيهِ منفعةٌ وفيهِ مضرَّةً ، فهوَ باعتبارِ منفعتِهِ في وقتِ الانتفاع حلالٌ أوْ مندوبٌ إليهِ أوْ واجبٌ كما يقتضيهِ الحالُ ، وهوَ باعتبارِ مضرَّتِهِ في وقتِ الاستضرارِ ومحلُّهِ حرامٌ . أمَّا مضرَّتُهُ : فإثارةُ الشبهاتِ ، وتحريكُ العقائدِ ، وإزالتُها عنِ الجزمِ والتصميمٍ ، فذلكَ ممَّا يحصلُ في الابتداءِ ، ورجوعُها بالدليلِ مشكوكٌ فيهِ ، ويختلفُ فيهِ الأشخاصُ ، فهذا ضررُهُ في الاعتقادِ الحقِّ . ولهُ ضررٌ آخرُ في تأكيدِ اعتقادِ المبتدعةِ للبدعةِ وتثبيتِهِ في صدورهِمْ ، بحيثُ تنبعثُ دواعيهمْ ويشتدُّ حرصُهُمْ على الإصرارِ عليهِ ، ولكنَّ ههذا الضررَ بواسطةِ التعصُّبِ الذي يثورُ منَ الجدلِ ، ولذلكَ ترى المبتدعَ العاميَّ يمكنُّ أنْ يزولَ اعتقادُهُ باللطْفِ في أسرع زمانٍ ، إلاَّ إذا كانَ نشوءُهُ في بلدٍ يظهرُ فيهِ الجدلُ والتعصُّبُ ؛ فإنَّهُ لوِ اجتمعَ عليهِ الأوَّلونَ والآخِرونَ .. لِمْ يقدروا على نزع البدعةِ مِنْ صدرِهِ ، بلِ الهوىُ والتعصُّبُ وبغضُ خصومِهِ المجادلينَ وفرقةِ المخالفينَ يستولي على قلبهِ ويمنعُهُ منْ إدراكِ الحقِّ ، حتَّى ٣٥٤ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد لو قيلَ لهُ: هلْ تريدُ أنْ يكشفَ اللهُ تعالى لكَ الغطاءَ فيعرِّفَكَ بالعِيانِ أنَّ الحقَّ معَ خصمِكَ .. لكرِهَ ذلكَ ؛ خيفةٌ مِنْ أَنْ يفرحَ بهِ خصمُهُ ، وهذا هوَ الداءُ العضالُ الذي استطارَ في البلادِ والعبادِ ، وهوَ نوعُ فسادٍ أثارَهُ المجادلونَ بالتعصُّبِ(١). فهذا ضررُهُ . وأمَّا منفعتُهُ : فقدْ يُظنُّ أنَّ فائدتَهُ كشفُ الحقائقِ ومعرفتُها على ما هيَ عليهِ ، وهيهاتَ! فليسَ في الكلام وفاءٌ بههذا المطلبِ الشريفِ، ولعلَّ التخبيطَ والتضليلَ فيهِ أكثرُ مِنَ الكشْفِ والتعريفِ ، وهذا إذا سمعتُهُ مِنْ محدِّثٍ أوْ حشْويٌّ .. ربّما خطرَ ببالِكَ أنَّ الناسَ أعداءُ ما جهلوا ؛ فاسمعْ هذا ممَّنْ خَبُرَ الكلامَ ثمَّ قلاهُ بعدَ حقيقةِ الخبرةِ ، وبعدَ التغلغلِ فيهِ إلى منتهى درجةِ المتكلُّمينَ ، وجاوزَ ذلكَ إلى التعمّقِ في علومٍ أُخَرَ تناسبُ نوعَ الكلام ، وتحقَّقَ أنَّ الطريقَ إلى حقائقِ المعرفةِ منْ هذا الوجهِ مسدودٌ . نے ولعمري ؛ لا ينفكُ الكلامُ عنْ كشْفٍ وتعريفٍ وإيضاحٍ لبعضِ الأمورِ - ولكنْ على الندورِ - في أمورٍ جليَّةٍ تكادُ تُفهمُ قبلَ التعمُّقِ في صنعةِ الكلامِ ، بلْ منفعتُهُ شيءٌ واحدٌ ؛ وهوَ حراسةُ العقيدةِ التي ترجمناها على العوامِّ ، وحفظُها عنْ تشويشاتِ المبتدعةِ بأنواعِ الجدلِ ؛ فإنَّ العاميَّ ضعيفٌ يستفزُّهُ جدلُ المبتدع وإنْ كانَ فاسداً ، ومعارضةُ الفاسدِ بالفاسدِ تدفعُهُ ، والناسُ (١) انظر ((الاقتصاد فى الاعتقاد)) للمصنف (ص ٧٧). ٣٥٥ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات متعبَّدونَ بهذهِ العقيدةِ التي قدَّمْناها ؛ إذْ وردَ الشرعُ بها لما فيها مِنْ صلاحِ دينِهِمْ ودنياهُمْ، وأجمعَ السلفُ الصالحُ عليها ، والعلماءُ متعبَّدونَ بحفظِها على العوامُّ مِنْ تلبيساتِ المبتدعةِ، كما تُعبِّدَ السلاطينُ بحفظِ أموالِهِمْ عَنْ تهجُّماتِ الظلمةِ والغصَّابِ . وإذا وقعتِ الإحاطةُ بضررِهِ ومنفعتِهِ .. فينبغي أنْ يكونَ كالطبيبِ الحاذقِ في استعمالِ الدواءِ الخطرِ ؛ إذْ لا يضعُهُ إلاَّ في موضعِهِ ، وذلكَ في وقتٍ الحاجةِ ، وعلى قدْرِ الحاجةِ . وتفصيلُهُ : أَنَّ العوامَّ المشغولينَ بالحرَفِ والصناعاتِ يجبُ أنْ يُتركوا على سلامةِ عقائِدِهِمُ التي اعتقدوها مهما تلقَّنوا الاعتقادَ الحقَّ الذي ذكرناهُ ؛ فإنَّ تعليمَهُمُ الكلامَ ضررٌ محضٌ في حقُّهِمْ؛ إذْ ربَّما يثيرُ لهُمْ شكّاً ، ويزلزلُ عليهِمُ الاعتقادَ ، ولا يمكنُ القيامُ بعدَ ذلكَ بالإصلاحِ . ١ ,٠ ٠١٠٠ وأمَّا العاميُّ المعتقدُ للبدعةِ .. فينبغي أنْ يُدعى إلى الحقِّ بالتلطُفِ لا بالتعصُّبِ ، وبالكلام اللطيفِ المقنع للنفسِ المؤثِّرِّ في القلبِ ، القريبِ مِنْ سياقِ أدلَّةِ القرآنِ والحديثِ ، الممزوج بفنِّ الوعْظِ والتحذيرِ ؛ فإنَّ ذلكَ أنفعُ مِنَ الجدلِ الموضوع على شرطِ المتكلِّمينَ ؛ إذِ العاميُّ إذا سمعَ ذلكَ .. اعتقدَ أنَّهُ نوعُ صنعةٍ منَ الجدلِ تعلَّمَها المتكلِّمُ ليستدرجَ الناسَ إلى اعتقادِهِ ، فإنْ عجزَ عنِ الجوابِ .. قدَّرَ أنَّ المجادلينَ مِنْ أهلِ مذهبهِ أيضاً يقدرونَ على دفعِهِ . ٣٥٦ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد فر فالجدلُ معَ هذا ومعَ الأوَّلِ حرامٌ ، وكذا معَ مَنْ وقعَ لهُ شكٌّ ، إذْ يجبُ إزالتُهُ باللطفِ والوعظِ ، والأدلَّةِ القريبةِ المقبولةِ ، البعيدةِ عنْ تعمُّقِ الكلام . واستقصاءُ الجدلِ إنَّما ينفعُ في موضع واحدٍ ؛ وهوَ أنْ يُفرضَ عاميٌّ اعتقدَ البدعةَ بنوع جدلٍ سمعَهُ ، فيُقابلُ ذلكَ الجدلُ بمثلِهِ ، فيعودُ إلى اعتقادِ الحقِّ ، وذلكَ فيمنْ ظهرَ لهُ مِنَ الأنسِ بالمجادلةِ ما يمنعُهُ عنِ القناعةِ بالمواعظِ والتحذيراتِ العامَِّةِ ، فقدِ انتهى هذا إلى حالةٍ لا يشفيهِ إلا دواءُ الجدلِ ، فجازَ أنْ يُلقى إليهِ . وهذا في بلادٍ تقلُّ فيها البدعةُ ، ولا تختلفُ فيها المذاهبُ ، فيُقتصرُ فيها على ترجمةِ الاعتقادِ الذي ذكرناهُ ، ولا يُتعرَّضُ للأدلَّةِ ، ويُتربَّصُ وقوعُ شبهةٍ ، فإنْ وقعتْ .. ذُكرَ بقدْرِ الحاجةِ . فإنْ كانتِ البدعةُ شائعةً، وكانَ يخافُ على الصبيانِ أنْ يُخدعوا .. فلا بأسَ أنْ يُعلَّموا القدْرَ الذي أودعناه كتابَ «الرسالةُ القدسيةُ))؛ ليكونَ ذلكَ سبباً لدفع تأثيرِ مجادلاتِ البدعةِ إنْ وقعتْ إليهمْ ، وهذا مقدارٌ مختصرٌ ، وقدْ أودعناهُ هذا الكتابَ لاختصارِهِ(١). ١٦٠ فإِنْ كانَ فيهِ ذكاءٌ وتنبّهَ بذكائِهِ لموضع سؤالٍ ، أوْ ثارَ في نفسِهِ شبهةٌ .. (١) و((الرسالة القدسية)) هي الفصل الثالث من هذا الكتاب الذي نحن فيه ، وهي شرح للعقيدة المجملة المتقدمة في الفصل الأول . ٣٥٧ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات فقدْ بدتِ العلَّةُ المحذورةُ ، وظهرَ الداءُ ، فلا بأسَ أنْ يرقى منهُ إلى القَدْرِ الذي ذكرناهُ في كتابِ (( الاقتصادُ في الاعتقادِ )) ، وهوَ قَدْرُ خمسينَ ورقةً ، وليسَ فيهِ خروجٌ عنِ النظرِ في قواعدِ العقائدِ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ مباحثٍ المتكلِّمينَ(١) . فإِنْ أقنعَهُ ذلكَ .. كفَّ عنهُ، وإنْ لمْ يشفِهِ ذلكَ .. فقدْ صارتِ العلَّةُ مزمنةٌ ، والداءُ غالباً ، والمرضُ سارياً ، فليتلطفْ بهِ الطبيبُ بقدْرِ إمكانِهِ ، وينتظرْ قضاءَ اللهِ تعالى فيهِ ، إلى أنْ ينكشفَ لهُ الحقُّ بتنبيهٍ مِنَ اللهِ سبحانَهُ ، أوْ يستمرَّ على الشكِّ والشبهةِ إلى ما قُدِّرَ لهُ . فالقدْرُ الذي يحويهِ ذلكَ الكتابُ وجنسُهُ مِنَ المصنَّاتِ هوَ الذي يُرجى نفعه . فأمَّا الخارجُ عنهُ . . فقسمانِ : أحدُهُما : بحثٌ عنْ غيرِ قواعدِ العقائدِ ؛ كالبحثِ عنِ الاعتماداتِ والأكوانِ(٢)، وعنِ الإدراكاتِ، والخوضِ في أنَّ الرؤيةَ: هلْ لها ضدٌ (١) و((الاقتصاد)) يمكن عدُّه شرحاً لـ ((الرسالة القدسية)) وإن تقدم في التصنيف، قال الحافظ الزبيدي فيه : ( وهو كتاب جليل ، وشرحه غير واحد من الأئمة). ((إتحاف)) (٦١/٢ ) . (٢) والاعتمادات كقول أبي هاشم : إن الموجب لهويِّ الثقيل هو الاعتماد دون الحركة، ذكره في مسألة التولد ، والأكوان - جمع كون - وهو استحالة جوهر ما إلى ما هو أشرف منه ، ويقابله الفساد ، وهو استحالة جوهر ما إلى ما هو دونه ، ولهم في الكون إطلاقات أخر. ((إتحاف)) (٢/ ٦١ ). ٣٥٨ ربع العبادات كتاب قواعد العقائد يُسمَّى المنعَ أوِ العمى ، وإنْ كانَ .. فذلكَ واحدٌ هوَ منعٌ عنْ جميع ما لا يرىُ ، أَوْ يثبتُ لكلِّ مرئيٍّ يمكنُ رؤيتُهُ منعٌ بحسَبِ عددِهِ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الترَّهاتِ المضلِّلةِ . والقسمُ الثاني : زيادةُ تقريرٍ لتلكَ الأدلَّةِ في غيرِ تلكَ القواعدِ ، وزيادةُ أسئلةٍ وأجوبةٍ ، وذلكَ أيضاً استقصاءٌ لا يزيدُ إلا ضلالاً وجهلاً في حقِّ مَنْ لمْ يقنعْهُ ذلكَ القدْرُ ، فربَّ كلام يزيدُهُ الإطنابُ والتقريرُ غموضاً . ولوْ قالَ قائلٌ : البحثُ عنْ حكْمِ الإدراكاتِ والاعتماداتِ فيهِ فائدةٌ تشحيذِ الخواطرِ ، والخاطرُ آلةُّ الدينِ ؛ كالسيفِ آلةُ الجهادِ ، فلا بأسَ بتشحيذِهِ .. كانَ كقولِهِ : لعبُ الشطرنج يشحذُ الخاطرَ ؛ فهوَ مِنَ الدينِ ، وذلكَ هوسٌ ؛ فإنَّ الخاطرَ ينشحذُ بسائرِ علوم الشرع ، ولا يُخافُ منها م فقدْ عرفتَ بهذا القدْرَ المذمومَ والقدرَ المحمودَ منَ الكلام ، والحالَ التي يُذْمُّ فيها ، والحالَ التي يُحمدُ فيها ، والشخصَ الذي ينتفعُ بهِ ، والذي میر مضرةٌ . لا ینتفعُ بهِ . فإنْ قلتَ : مهما اعترفتَ بالحاجةِ إليهِ في دفْع المبتدع ، والآنَ قدْ ثارتِ البدعُ، وعمَّتِ البلوىُ، وأرهقتِ الحاجةُ(١) .. فلا بدّ وأنْ يصيرَ (١) أي : دنت وقرب وقوعها . ٣٥٩ كتاب قواعد العقائد ربع العبادات --- ---- ..... 3 القيامُ بههذا العلمِ مِنْ فروضِ الكفاياتِ ؛ كالقيام بحراسةِ الأموالِ وسائرٍ الحقوقِ بالقضاءِ والولايةِ وغيرِهِما ، وما لمْ يشتغلِ العلماءُ بنشرِ ذلكَ والتدريسِ فيهِ والبحثِ عنهُ .. لا يدومُ، ولوْ تُركَ بالكلِّيَّةِ .. لاندرسَ، وليسَ في مجرَّدِ الطباع كفايةٌ لحلِّ شبَهِ المبتدعةِ ما لمْ يتعلَّمْ ، فينبغي أنْ يكونَ التدريسُ فيهِ أيضاً مِنْ فروضِ الكفاياتِ ، بخلافِ زمانِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ ؛ فإنَّ الحاجةَ ما كانتْ مَاسَّةٌ إليهِ . فاعلمْ : أَنَّ الحقَّ أنَّهُ لا بدَّ في كلِّ بلدٍ مِنْ قائمٍ بهذا العلمِ ، مستقلٌّ بدفْع شبهِ المبتدعةِ التي ثارتْ في تلكَ البلدةِ ، وذلكَ يدومُ بالتعليمِ ، ولكنْ ليسَ مِنَ الصوابِ تدريسُهُ على العمومِ كتدريسِ الفقهِ والتفسيرِ ؛ فإنَّ هذا مثلُ الدواءِ ، والفقهَ مثلُ الغذاءِ ، وضررُ الغذاءِ لا يحذرُ ، وضررُ الدواء محذورٌ لما ذكرنا فيهِ مِنْ أنواعِ الضررِ . فالعالمُ بهِ ينبغي أنْ يخصِّصَ بتعليم هذا العلم مَنْ فيهِ ثلاثُ خصالٍ : إحداها : التجرُّدُ للعلمِ والحرصُ عليهِ ؛ فإنَّ المحترفَ يمنعُهُ الشغلُ عنِ الاستتمامِ وإزالةِ الشكوكِ إذا عرضتْ . والثانيةُ : الذكاءُ والفطنةُ والفصاحةُ ؛ فإنَّ البليدَ لا ينتفعُ بفهمِهِ ، والقَدِمَ لا ينتفعُ بحجاجِهِ(١) ، فيُخافُ عليهِ مِنْ ضررِ الكلام، ولا يُرجى فيهِ نفعُهُ . (١) القدم : العبِيُّ عن الحجة والكلام مع ثقل ورخاوة وقلة فهم . ٣٦٠ 1-