Indexed OCR Text

Pages 61-80

ربع العبادات
كتاب العلم
ومعرفةِ علاجها ؛ فإنَّ منْ لا يعرفُ الشرَّ يقعُ فيه ، والعلاجُ هو مقابلةُ السببِ
بضدِهِ ، فكيفَ يمكنُ دونَ معرفةِ السببِ والمسبَّبِ ؟!
وأكثرُ ما ذكرناهُ في ربع المهلكاتِ من فروضِ الأعيانِ ، وقد تركَهُ الناسُ
كافةٌ ؛ اشتغالاً بما لا يغني .
وممَّا ينبغي أنْ يُبادرَ في إلقائِهِ إليهِ إذا لم يكنْ قدِ انتقلَ عَنْ ملَّةٍ أخرى :
الإيمانُ بالجنَّةِ والنارِ ، والحشْرِ والنشْرِ ؛ حتَّى يؤمنَ بهِ ويصدِّقَ ، وهوَ من
تتمَّةِ كلمتي الشهادةِ ؛ فإنَّهُ بعدَ التصديقِ بكونِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رسولاً
ينبغي أنْ يفهمَ الرسالةَ التي هوَ مبلّغُها ، وهوَ أنَّ منْ أطاعَ اللهَ ورسولَهُ .. فلهُ
الجنَّةُ، ومَنْ عصاهُ .. فلهُ النارُ .
فإذا تنبَّهْتَ لهذا التدريج .. علمتَ أنَّ المذهبَ الحقَّ هوَ هذا،
وتحققتَ أنَّ كلَّ عبدٍ فهوَ في مجاري أحوالِهِ في يومِهِ وليلتِهِ لا يخلو عنْ
وقائعَ في عباداتِهِ ومعاملاتِهِ تجدِّدُ عليه لوازمَ ، فيلزمُهُ السؤالُ عنْ كلِّ ما يقعُ
لهُ من النوادرِ ، وتلزمُهُ المبادرةُ إلى تعلُّمِ ما يتوقَّعُ وقوعَهُ على القربِ غالباً .
فإِذاً ؛ تبيَّنَ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إنَّما أرادَ بالعلمِ المعرَّفِ بالألفِ واللام
في قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ )) (١) عِلْمَ
العملِ الذي هو مشهورُ الوجوبِ على المسلمينَ لا غيرَ ، وقدٍ اتضحَ وجهُ
التدريجِ في وقتٍ وجوبِهِ ، واللهُ أعلمُ .
٥٠.
(١) رواه ابن ماجه (٢٢٤) .
٦١

كتاب العلم
ربع العبادات
بيان العلم الذي هو فرض كفاية
اعلمْ : أنَّ الفرضَ لا يتميَّزُ عنْ غيرِهِ إلا بذكْرِ أقسام العلومِ ، والعلومُ
بالإضافةِ إلى الفرضِ الذي نحنُ بصددِهِ تنقسمُ إلى شرعيَّةٍ وغيرٍ شرعيَّةٍ .
وأعني بالشرعيَّةِ : ما يستفادُ مِنَ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهِمْ أجمعينَ ،
ولا يرشدُ العقلُ إليهِ مثلُ الحسابِ ، ولا التجربةُ مثلُ الطبِّ ، ولا السماعُ
مثلُ اللغةِ .
فالعلومُ التي ليستْ شرعيةٌ : تنقسمُ إلى ما هوّ محمودٌ ، وإلى ما هوَ
مذمومٌ ، وإلى ما هوَ مباحٌ .
فالمحمودُ : ما ترتبطُ بهِ مصالحُ الدنيا ؛ كالطِّبِّ والحسابِ ، وذلكَ
ينقسمُ إلى ما هوَ فرضُ كفايةٍ ، وإلى ما هوَ فضيلةٌ وليسَ بفريضةٍ .
أمَّا فرضُ الكفايةِ : فهوَ كلُّ علْمٍ لا يُستغنى عنهُ في قِوام أمورِ الدنيا ؛
كالطِّبٌّ ، إذْ هوَ ضروريٌّ في حاجةٍ بقاءِ الأبدانِ ، وكالحسابِ ؛ فإنَّهُ
ضروريٍّ في المعاملاتِ وقسمةِ الوصايا والمواريثِ وغيرِها ، وهذهِ هيَ
العلومُ التي لو خلا البلدُ عمَّنْ يقومُ بها .. حَرِجَ أهلُ البلدِ ، وإذا قامَ بها
واحدٌ .. كفى وسقطَ الفرضُ عنِ الآخرينَ .
فلا يُتعجَّبْ مِنْ قولِنا : إنَّ الطبَّ والحسابَ مِنْ فروضِ الكفاياتِ ؛ فإنَّ
أصولَ الصناعاتِ أيضاً مِنْ فروضِ الكفاياتِ ؛ كالفلاحةِ والحياكةِ والسياسةِ
٦٢

ربع العبادات
كتاب العلم
بلِ الحجامةِ ؛ فإنَّهُ لو خلا البلدُ عنِ الحجَّام .. تسارعَ الهلاكُ إليهِمْ،
وحَرِجوا بتعريضِهِمْ أَنفسَهُمْ للهلاكِ ؛ فإنَّ الذي أنزلَ الداءَ أنزلَ الدواءَ وأرشدَ
إلى استعمالِهِ، وأعدَّ الأسبابَ لتعاطيهِ ، فلا يجوزُ التعرُّضُ للهلاكِ
بإهماله .
وأمَّا ما يعدُّ فضيلةً لا فريضةً : فالتعمُّقُ في دقائقِ الحسابِ وحقائقٍ
الطبِّ، وغيرِ ذلكَ ممَّا يُستغنى عنهُ، ولكنَّهُ يفيدُ زيادةَ قوَّةٍ في القَدْرِ المحتاجِ
إليهِ .
من
وأمَّا المذمومُ منهُ: فعلْمُ السخرِ والطُّلَّسماتِ(١)، وعلمُ الشعبذةِ
والتلبيسات
واك
وأمَّا المباحُ منهُ : فالعلمُ بالأشعارِ التي لا سخْفَ فيها ، وتواريخ الأخبارِ
وما يجري مجراهُ .
وأمَّا العلومُ الشرعيةُ - وهيَ المقصودةُ بالبيانِ - : فهيَ محمودةٌ كلُّها ،
ولكنْ قدْ يلتبسُ بها ما يُظنُّ أنَّها شرعيَّةٌ وتكونُ مذمومةً ؛ فلتقسمْ إلى
المحمودةِ والمذمومةِ :
أمَّا المحمودةُ : فلها أصولٌ ، وفروعٌ ، ومقدماتٌ ، ومتمِّماتٌ ، فهيَ
أربعةُ أَضْربٍ :
(١) الطلسمات: مفردها الطُّلَّسْم بتخفيف اللام وتشديدها، وهو اسم للسرِّ المكتوم ، وعلم
تأليف القوى السماوية بقوى بعض الأجرام الأرضية ليتألف من ذلك قوة ، ومنه ما يوافق
الشرع ومنه ما يخالفه ، ويطلب ذلك في مواطنه .
٦٣

كتاب العلم
ربع العبادات
الضربُ الأول : الأصولُ : وهيَ أربعةٌ : كتابُ اللهِ عزَّ وجلَّ، وسنّةُ
رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وإجماعُ الأمَّةِ ، وآثارُ الصحابةِ .
والإجماعُ أصلٌ مِنْ حيثُ إنَّهُ يدلُّ على السنَّةِ ، فهوَ أصلٌ في الدرجةِ
الثانيةِ، وكذلكَ الأثرُ ؛ فإنَّهُ يدلُّ أيضاً على السنَّةِ ؛ لأنَّ الصحابةَ رضوانُ اللهِ
عليهِمْ قدْ شاهدوا الوحيَ والتنزيلَ ، وأدركوا بقرائنِ الأحوالِ ما غابَ عنْ
غيرِهِمْ عيانُهُ ، وربَّما لا تحيطُ العباراتُ بما أُدركَ بالقرائنِ ، فمِنْ هذا الوجهِ
رأى العلماءُ الاقتداءَ بِهِمْ والتمسُّكَ بآثارِهِمْ ، وذلكَ بشرْطِ مخصوصٍ وعلى
وجْهٍ مخصوصٍ عندَ مَنْ رآهُ ، ولا يليقُ بيانهُ بهذا الفنِّ .
٠٢٧
الضربُ الثاني : الفروعُ : وهوَ مافُهِمَ مِنْ هذهِ الأصولِ لا بموجَبٍ
ألفاظِها، بلْ بمعانٍ تنَّهتْ لها العقولُ، فاتَّسعَ بسببها الفهمُ ، حتى فُهِمَ مِنَ
اللفظِ الملفوظِ بهِ غيرُهُ ، كما فُهِمَ مِنْ قولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: « لا يَقضِي
القاضي وهوَ غضبانُ )) (١) أنَّهُ لا يقضي إذا كانَ حاقناً أو جائعاً أو متألماً بمرضٍ.
وهذا على ضربينٍ :
أحدُهما : يتعلَّقُ بمصالح الدنيا ، ويحويهِ فنُّ الفقْهِ ، والمتكفِّلُ بهِ
الفقهاءُ ، وهمْ مِنْ علماءِ الدنيا(٢)
(١) رواه البخاري ( ٧١٥٨)، ومسلم ( ١٧١٧) .
(٢) مع بيانه رضي الله عنه كما سيأتي في (ص٧٤) أنه - أي: الفقه - لا يستغني عنه أحد من
سالكي طريق الآخرة ألبتة ، فتنبه .
٦٤

ربع العبادات
كتاب العلم
والثاني : ما يتعلَّقُ بمصالح الآخرةِ ، وهوَ علْمُ أحوالِ القلبِ وأخلاقِهِ
المحمودةِ والمذمومةِ ، وما هوَ مرضيٍّ عندَ اللهِ تعالى وما هوَ مكروهٌ ، وهوَ
الذي يحويهِ الشطْرُ الأخيرُ مِنْ هذا الكتابِ ؛ أعني: جملةَ كتابٍ («إحياء
علوم الدين )) ، ومنهُ العلمُ بما يترشّحُ مِنَ القلبِ على الجوارحِ في عباداتِها
وعاداتِها ، وهوَ الذي يحويهِ الشطرُ الأوَّلُ مِنْ هذا الكتابِ .
والضربُ الثالثُ : المقدماتُ : وهوَ الذي يجري منها مَجرى الآلاتِ ؛
كعلم اللغةِ والنحوِ ، فإنَّهما آلةٌ لعلمٍ كتابِ اللهِ سبحانَهُ وسنَّةِ رسولِهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ ، وليسَ اللغةُ والنحوُ مِنَ العلومِ الشرعيَّةِ في أنفسِهِما ، ولكنْ
لزومُ الخوضِ فيهما بسببِ الشرع ؛ إذْ جاءتْ هذهِ الشريعةُ بلغةِ العربِ ،
وكلُّ شريعةٍ لا تظهرُ إلا بلغةٍ ، فيصيرُ تعلَّمُ تلكَ اللغةِ آلةً .
جلة
ومِنَ الآلاتِ علمُ كتابةِ الخطُّ ، إلا أنَّ ذلكَ ليسَ ضرورياً ؛ إذْ كانَ
رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أمَّاً ، ولو تُصوَّرَ استقلالُ الحفظِ بجميعِ
ما يسمعُ .. لاستغنىُ عَنِ الكتابةِ، ولكنَّهُ صارَ بحكمِ العجْزِ في الغالبِ
ضرورياً .
الضربُ الرابعُ : المتمِّماتُ : وذلكَ في علم القرآنِ ، فإنَّه ينقسمُ إلى
ما يتعلَّقُ باللفظِ ؛ كعلمِ القراءاتِ ومخارج الحروفِ ، وإلى ما يتعلَّقُ
بالمعنى ؛ كالتفسيرِ ، فإنَّ اعتمادَهُ أيضاً على النقلِ ؛ إذ اللغةُ بمجرَّدِها
لا تستقلُّ بهِ ، وإلى ما يتعلَّقُ بأحكامِهِ ؛ كمعرفَةِ الناسخ والمنسوخِ ، والعامِّ
٦٥

کتاب العلم
ربع العبادات
والخاصِّ ، والنصِّ والظاهرِ ، وكيفيةِ استعمالِ البعضٍ منهُ معَ البعضٍ ، وهو
العلمُ الذي يسمَّى : أصولَ الفقهِ ، ويتناولُ السنَّةَ أيضاً .
وأمَّا المتمِّماتُ في الآثارِ والأخبارِ .. فالعلمُ بالرجالِ وأساميهِمْ وبأسامي
الصحابةِ وصفاتِهِمْ ، والعلمُ بالعدالةِ في الرواةِ ، والعلمُ بأحوالِهِمْ ليتميَّزَ
الضعيفُ عَنِ القويِّ، والعلمُ بأعمارِهِمْ ليتميَّزَ المرسِلُ عنِ المسْنَدِ ، وكذلكَ
ما يتعلَّقُ بهِ .
فهذهِ هيَ العلومُ الشرعيَّةُ ، وكلُّها محمودةٌ ، بلْ كلُّها مِنْ فروضُ
الكفاياتِ .
فإنْ قلتَ : فلمَ ألحقتَ الفقهَ بعلمِ الدنيا ، وألحقتَ الفقهاءَ بعلماءِ
الدنيا ؟
مميزة
فاعلمْ : أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أخرجَ آدَمَ عليهِ السلامُ مِنَ الترابِ ، وأخرجَ
ذريَتَهُ مِنْ سلالةٍ مِنْ طينٍ ومِنْ ماءِ دافقٍ ، فأخرجَهُمْ مِنَ الأصلابِ إلى
الأرحام ، ومنها إلى الدنيا ، ثمَّ إلى القَبْرِ، ثمَّ إلى العَرْضِ، ثمَّ إلى الجنَّةِ
أو إلى النارِ ، فهذا مبدؤُهُمْ، وهذهِ غايتُهُمْ، وهذهِ منازلُهُمْ.
وخلقَ الدنيا زاداً للمعادِ ؛ ليتناولَ منها ما يصلُحُ للتزؤُّدِ ، فلوْ تناولوها
بالعدلِ .. انقطعَتِ الخصوماتُ وتعطّلَ الفقهاءُ، ولكنَّهُمْ تناولوها
بالشهواتِ ؛ فتولَّدَتْ منها الخصوماتُ ، فمسَّتِ الحاجةُ إلى سلطانٍ
٦٦
ے.

ربع العبادات
كتاب العلم
يسوسُهُمْ ، واحتاجَ السلطانُ إلى قانونٍ يسوسُهُمْ بهِ .
فالفقيهُ : هوَ العالمُ بقانونِ السياسةِ وطريقِ التوسُّطِ بينَ الخلقِ إذا تنازعوا
بحكْمِ الشهواتِ ، فكانَ الفقيهُ معلِّمَ السلطانِ ومرشدَهُ إلى طريقِ سياسةٍ
الخلقِ وضبطِهِمْ ؛ لينتظمَ باستقامتِهِمْ أمورُهُمْ في الدنيا .
شن
ولعمري ؛ إنّهُ متعلِّقٌ أيضاً بالدينِ ، ولكنْ لا بنفسِهِ ، بلْ بواسطةٍ
الدنيا ؛ فإنَّ الدنيا مزرعةُ الآخرةِ، ولا يتمُّ الدينُ إلا بالدنيا ، والمُلكُ
والدينُ توءمانِ ، والدينُ أصلٌ والسلطانُ حارسٌ، وما لا أصلَ لهُ ..
فمهدومٌ، وما لا حارسَ لهُ .. فضائعٌ، ولا يتمُّ المُلكُ والضبطُ إِلا
بالسلطانِ(١) ، وطريقُ الضبْطِ في فصْلِ الخصوماتِ بالفقهِ .
وكما أنَّ سياسةَ الخلْقِ بالسلطنةِ ليسَ مِنْ علمِ الدينِ في الدرجةِ الأولىُ ،
بلْ هوَ معينٌ على ما لا يتمُّ الدينُ إلا بهِ .. فكذلكَ معرفةُ طريقِ السياسةِ ؛
فمعلومٌ أنَّ الحجَّ لا يتمُّ إلا ببَذْرَقَةِ(٢) تحرسُ من العربِ في الطريقِ ، ولكنَّ
الحجَّ شيءٌ وسلوكَ الطريقِ إلى الحجِّ شيءٌ ثانٍ ، والقيامَ بالحراسةِ التي
لا يتمُّ الحجُّ إلا بها شيءٌ ثالثٌ ، ومعرفةَ طُرُقِ الحراسةِ وحيلها وقوانينها
شيءٌ رابعٌ .
(١) ويرحم الله الإمام عبد الله بن المبارك إذ يقول في ((ديوانه)) (ص ٦٦):
الله يرفع بالسلطان معضلة
عن ديننا رحمة منه ورضوانا
وكان أضعفنا نهباً لأقوانا
لولا الأئمة لم تأمن لنا سيلٌ
(٢) البذرقة : الخفارة والحرس ، وهي كلمة فارسية معربة .
٦٧

كتاب العلم
٢٠٠٠
ربع العبادات
وحاصلُ فنِّ الفقهِ : معرفةُ طرقِ السياسةِ والحراسةِ .
ويدلُّ على ذلكَ ما رُويَ مسنداً : (( لا يُفتي الناسَ إلا ثلاثةٌ: أميرٌ أو
مأمورٌ أو مُتَكَلِّفٌ))(١) .
فالأميرُ هوَ الإمامُ وقدْ كانوا همُ المفتينَ ، والمأمورُ نائبُهُ، والمتكلِّفُ
غيرُهُما ، وهوَ الذي يتقلَّدُ تلكَ العهدةَ مِنْ غيرِ حاجةٍ .
وقدْ كانَ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهُمْ يحترزونَ عَنِ الفتوىُ ، حتَّىُ كانَ يحيلُ
كُّ واحدٍ منهُمْ على صاحبهِ ، وكانوا لا يحترزونَ إذا سُئِلوا عنْ علْمِ القرآنِ
وطريقِ الآخرةِ .
وفي بعضٍ الرواياتِ بدلَ ( المتكلِّفِ ) : المرائي (٢)؛ فإنَّ مَنْ تقلَّدَ
خطرَ الفتوى وهوَ غيرُ متعيِّنِ للحاجةِ .. فلا يقصدُ بهِ إلا طلبَ الجاهِ
والمالِ .
فإنْ قلتَ : هذا إنِ استقامَ لكَ في أحكام الحدودِ والجراحاتِ
(١) كذا في ((القوت)) (١٣١/١) حيث قال: (وقد روينا مسنداً) وذكره ، وقد رواه
بنحوه أحمد في ((المسند)) (٢٢/٦)، والطبراني في ((الكبير)) (٧٦/١٨)، وأوله:
((لا يقصُّ إلا أمير ... ))، وله روايات أخرى .
(٢) رواه ابن ماجه (٣٧٥٣) بهذا اللفظ ، ولكن أوله كما تقدَّم عند أحمد والطبراني،
ونحوه عند أبي داوود ( ٣٦٦٥) .
٦٨

ربع العبادات
ـوم
کتاب العلم
والغراماتِ وفصلِ الخصوماتِ .. فلا يستقيمُ فيما يشتملُ عليهِ ربعُ العباداتِ
من الصيام والصلاةِ ، ولا فيما يشتملُ عليهِ ربعُ العاداتِ مِنَ المعاملاتِ مِنْ
بيانِ الحلالِ والحرامِ .
فاعلمْ : أنَّ أقربَ ما يتكلّمُ الفقيهُ فيهِ من الأعمالِ التي هي أعمالُ الآخرةِ
ثلاثةٌ : الإسلامُ ، والصلاةُ ، والحلال والحرامُ .
فإذا تأمَّلْتَ منتهى نظرِ الفقيهِ .. علمتَ أنَّهُ لا يجاوز حدودَ الدنيا إلى
الآخرةِ ، وإذا عرفتَ هذا في هذهِ الثلاثةِ .. فهوَ في غيرِها أظهرُ :
أمَّا الإسلامُ: فيتكلَّمُ الفقيهُ فيما يصحُّ منهُ وما يفسدُ ، وفي شروطِهِ ،
وليسَ يلتفتُ فيهِ إلا إلى اللسانِ، وأمَّا القلبُ .. فخارجٌ عَنْ ولايةِ الفقيهِ بعزلٍ
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أربابَ السيوفِ والسلطنةِ عنهُ ؛ حيثُ قالَ :
(( هلاَّ شَقَقْتَ عنْ قلبهِ))(١) في الذي قَتَلَ مَنْ تكلَّمَ بكلمةِ الإسلام معتذراً بأنَّهُ
قالَ ذلكَ مِنْ خوفِ السيفِ ، بلْ يحكُمُ الفقيهُ بصحَّةِ الإسلامِ تحتَ ظلالٍ
السيوفِ ، مع أنَّهُ يعلمُ أنَّ السيفَ لمْ يكشِفْ لهُ عنْ شبهةٍ ، ولم يرفعْ عن قلبهِ
غشاوةَ الجهلِ والحيرةِ ، ولكنَّهُ مشيرٌ على صاحبِ السيفِ ؛ فإنَّ السيفَ
ممتدٌّ إلى رقبتِهِ ، واليدَ ممتدَّةٌ إلى مالِهِ ، وهذهِ الكلمةُ باللسانِ تعصمُ رقبتَهُ
ومالَهُ ما دامتْ لهُ رقبةٌ ومالٌ ، وذلكَ في الدنيا ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((أُمرتُ أنْ أقاتلَ الناسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا
(١) رواه البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦)، قاله لأسامة بن زيد رضي الله عنهما.
٦٩

كتاب العلم
ربع العبادات
قالوها .. فقد عصمُوا مِنِّي دماءَهُمْ وأموالَهُمْ))(١) ، جعلَ أثرَ ذلكَ في الدم
والمالِ .
وأمَّا الآخرةُ .. فلا تنفعُ فيها الأقوالُ، بلْ أنوارُ القلوبِ وأسرارُها
وإخلاصُها ، وليسَ ذلكَ مِنْ فنِّ الفقهِ ، وإنْ خاضَ الفقيهُ فيهِ .. كانَ كما لو
خاضَ في الكلام أو الطبِّ ، وكانَ خارجاً عَنْ فنِّهِ .
وأمَّا الصلاةُ : فالفقيهُ يفتي بالصحَّةِ إذا أتى بصورةِ الأعمالِ مع ظاهرِ
الشروطِ ، وإنْ كانَ غافلاً في جميع صلاتِهِ مِنْ أَوَّلِها إلى آخرِها ، مشغولاً
بالتفكّرٍ في حسابِ معاملاتِهِ في السوقِ إلا عندَ التكبيرِ ، وهذهِ الصلاةُ
لا تنفعُ في الآخرةِ ؛ كما أنَّ القولَ باللسانِ في الإسلام لا ينفعُ ، ولكنَّ الفقية
يفتي بالصحَّةِ ؛ أي : إنَّ ما فعلَهُ حصلَ بهِ امتثالُ صيغةِ الأمرِ ، وانقطعَ بهِ عنهُ
القتلُ أوِ التعزيرُ ، فأمَّا الخشوعُ وإحضارُ القلبِ الذي هوَ عملُ الآخرةِ ، وبهِ
ينفعُ العملُ الظاهرُ .. لا يتعرَّضُ لهُ الفقيهُ، ولو تعرَّضَ لهُ .. لكانَ خارجاً
عنْ فنِّهِ .
ـور
وأمَّا الزكاةُ(٢): فالفقيهُ ينظرُ إلى ما يقطعُ مطالبةَ السلطانِ، حتَّى إِنَّهُ إذا
امتنعَ عن أدائِها ، فأخذَها السلطانُ قهراً .. حَكَمَ بأنَّهُ برئتْ ذمَّتُهُ(٣).
ـ63
(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢١) واللفظ له .
(٢) وهي قرينة الصلاة ، فهي من القسم الثاني الذي أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى.
(٣) بأخذه لها منه، وهذا إذا أخذ السلطان منه مما يجب عليه من الزكاة. ((إتحاف))
( ١/ ١٥٧ ) .
٧٠

ربع العبادات
کتاب العلم
وحُكِيَ أنَّ أبا يوسفَ القاضيَ كان يهبُ مالَهُ لزوجتِهِ في آخرِ الحوْلِ ،
ويستوهبُ مالَها لإسقاطِ الزكاةِ ، فحُكِيَ ذلكَ لأبي حنيفةَ رحمهُ اللهُ فقالَ :
( ذلكَ مِنْ فقهِهِ ) ، وصدقَ ؛ فإنَّ ذلكَ مِنْ فِقْهِ الدنيا ، ولكنَّ مضرَّتَهُ في
الآخرةِ أعظمُ مِنْ كلِّ جنايةٍ ، ومثلُ هذا العلمِ هوَ الضارُّ .
وأمَّا الحلال والحرامُ : فالورعُ عنِ الحرامِ مِنَ الدينِ ، ولكنَّ الورعَ لهُ
أربعُ مراتبَ :
الأولى : الورعُ الذي يُشترَطُ في عدالةِ الشهادةِ ؛ وهوَ الذي يخرجُ بعدمِهِ
الإنسانُ عنْ أهليّةِ الشهادةِ والقضاءِ والولايةِ ، وهوَ الاحتراز عن الحرام
الظاهرِ .
الثانيةُ : ورعُ الصالحينَ ؛ وهوَ التوقُّ مِنَ الشبهاتِ التي تتقابلُ فيها
الاحتمالاتُ(١)، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا
يَرِيبُكَ))(٢)، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الإثمُ حَوازُّ القلوبِ))(٣).
(١) أي: هل هو حرام أم حلال. ((إتحاف)) (١ / ١٥٧).
(٢) رواه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٥٢٠١).
(٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٤٩/٩)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٨٩٢)، وهو
موقوف على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، وحوازّ القلوب - بتشديد الزاي - : جمع
حازَّة ، وهي الأمور التي تحزُّ فيها ؛ أي : تؤثر كما يؤثر الحزُّ في الشيء ، وهو ما يخطر
فيها من أن تكون معاصي؛ لفقد الطمأنينة إليها. ورواه شمر: (( الإثم حوَّاز القلوب))
بتشديد الواو ؛ أي: يحوزها ويتملكها ويغلب عليها، ويروى: ((الإثم حزَّاز القلوب))
بزايين ، الأولى مشددة وهي فعّال من الحزّ ، وفي (أ): ( حزَّاز ) .
٧١

كتاب العلم
ربع العبادات
الثالثةُ : ورعُ المتقينَ ؛ وهو تركُ الحلالِ المحضِ الذي يخافُ منهُ أنْ
يؤديَ إلى الحرام؛ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يكونُ الرجلُ مِنَ المتقينَ
حتَّى يَدَعَ ما لا بأسَ بهِ مخافةً ممَّا بِهِ بأَسٌ)) (١)، وذلكَ مثلُ التورُّع عَنِ
التحدُّثِ بأحوالِ الناسِ ؛ خيفةً مِنَ الانجرارِ إلى الغيبةِ ، والتوزُّعِ عنْ أكلٍ
الشهواتِ ؛ خيفةً من هيجانِ النشاطِ والبطرِ المؤدِّي إلى مقارفةٍ
المحظوراتِ(٢).
الرابعةُ : ورعُ الصدِّيقينَ؛ وهوَ الإعراضُ عمَّا سوى اللهِ سبحانَهُ ؛ خوفاً
مِنْ صرْفِ ساعةٍ من العمرِ إلى ما لا يفيدُ زيادةَ قربٍ عندَ اللهِ تعالى ؛ وإنْ كانَ
يعلمُ ويتحقَّقُ أنَّه لا يفضي إلى حرامٍ .
فهذهِ الدرجاتُ كلُّها خارجةٌ عَنْ نظرِ الفقيهِ ، إلا الدرجةَ الأولىُ ، وهوَ
ورعُ الشهودِ والقضاةِ وما يقدحُ في العدالةِ ، والقيامُ بذلكَ لا ينفي الإِثْمَ في
الآخرةِ ؛ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لوابِصَةَ : (( استفْتِ قلبَكَ وإنْ
أَفْتَوكَ وَأَفْتَوكَ وَأفْتَوكَ)) (٣).
(١) رواه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥) .
(٢) والبطر أخف من النشاط ؛ لأنه دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وعدم القيام
بحقّها وصرفها عن وجهها. ((إتحاف)) (١٥٩/١).
(٣) رواه أحمد في ((مسنده)) (٢٢٨/٤).
٧٢

ربع العبادات
کتاب العلم
والفقيهُ لا يتكلّمُ في حزازاتِ القلوبِ وكيفيةِ العملِ بها ، بلْ فيما يقدحُ
في العدالةِ فقطْ .
فإذاً ؛ جميعُ نظرِ الفقيهِ مرتبطٌ بالدنيا التي بها صلاحُ طريقِ الآخرةِ ، فإنْ
تكلَّمَ في الإثمِ وصفاتِ القلبِ وأحكام الآخرةِ .. فذلكَ يدخلُ في كلامِهِ على
سبيلِ التطفُّلِ ، كما قدْ يدخلُ في كلامِهِ شيءٌ من الطبِّ والحسابِ والنجومِ
وعلمِ الكلام ، وكما تدخلُ الحكمةُ في النحوِ والشعرِ .
وقدْ كانَ سفيانُ الثوريُّ وهوَ إمامٌ في علْمِ الظاهرِ يقولُ : ( إنَّ طلبَ هذا
ليسَ مِنْ زادِ الآخرةِ) (١) ، كيفَ وقدِ اتفقوا على أنَّ الشرفَ في العلمِ ليُعملَ
بهِ ، فكيفَ يُظُّ أنَّهُ علْمُ اللعانِ والظهارِ ، والسلَمِ والإجارةِ والصرْفِ ؟!
ومنْ تعلَّمَ هذهِ الأمورَ ليتقرَّبَ بتعاطيها إلى اللهِ تعالى .. فهوَ مجنونٌ ،
وإنما العملُ بالقلبِ والجوارحِ في الطاعاتِ ، والشرفُ هو علْمُ تلكَ
الأعمالِ(٢).
(١) ذكره في ((قوت القلوب)) (١٣٥/١)، وروى ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم
وفضله )) ( ١٩٥٦) عن سفيان الثوري نحوه .
(٢) هذا موطن من المواطن التي أنكر المغاربةُ فيها على المصنف رحمه الله كتابَهُ
(( الإحياء)) حين وصل إليهم ، فقاموا بإحراقه ، وكان ذلك في حياته وبعد مماته ؛ إذ
قالوا : كيف يسمي العالمَ بالأحكام الشرعية مجنوناً؟! ((إتحاف)) (١٦١/١).
ويجب ألا ننسى أن الذي يقرر ذلك هو واحد من العلماء الفقهاء، صاحب (( البسيط ))
و((الوسيط)) و((الوجيز)) و((الخلاصة)) وغيرها، فلا بدَّ من فهم مرادات المؤلف في
مثل هذه المواطن ، وذلك لا يخفى عند أدنى تأمّل .
٧٣

كتاب العلم
ربع العبادات
فإنْ قلتَ : لِمَ سوَّيتَ بينَ الفقهِ والطبِّ ؛ إذِ الطبُّ أيضاً يتعلَّقُ بالدنيا
وهوَ صحَّةُ الجسدِ ، وذلكَ يتعلَّقُ بهِ أيضاً صلاحُ الدينِ ، وهذهِ التسويةُ
تخالفُ إجماعَ المسلمينَ ؟
فاعلمْ: أنَّ التسويةَ غيرُ لازمةٍ ، بلْ بينَهما فرقٌ ؛ فإنَّ الفقهَ أشرفُ منهُ
مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ :
أحدُها : أنَّهُ علْمٌ شرعيٌّ ؛ إذْ هوَ مستفادٌ مِنَ النبوَّةِ ، بخلافِ الطبِّ؛
فإنَّهُ ليسَ مِنْ علمِ الشرعِ .
والثاني : أنَّهُ لا يستغني عنهُ أحدٌ مِنْ سالكي طريقِ الآخرةِ ألبتةً ،
لا الصحيحُ ولا المريضُ(١)؛ وأمَّ الطبُّ .. فلا يحتاجُ إليهِ إلا المرضى وهمُ
الأقلُّونَ .
والثالثُ : أنَّ علْمَ الفقهِ مجاورٌ لعلمٍ طريقِ الآخرةِ ؛ لأنَّهُ نظرٌ في أعمالٍ
ـحرز
=
وكذلك يجب عند التأقُل والتبصُّر في كلام الإمام الغزالي .. استكمال الفكرة أو
الموضوع الذي يتكلم فيه ، فالاجتزاء والانتقاء وعدم الاستيعاب .. سبب لعدم الفهم
المؤدي للإنكار ؛ كما قال المتنبي في ((ديوانه)) (٤ /١٢٠):
وآفته من الفهم السقيم
وكم من عائب قولاً صحيحاً
فالإمام الغزالي ترابطت أفكاره ومعانيه ومفاهيمه في ثنايا هذا الكتاب ، من أوله إلى
آخره ، والحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره .
رع
فالاطلاع الكامل للكتاب بميزان العلم والمنطق الصحيح .. يدرِكُ معهُ الموفَّقُ أنَّ الاسمَ
وافقَ المسمى ، وأنه : ( إحياء علوم الدين ) .
(١) انظر ((الاقتصاد)) (ص ٧٩).
٧٤

ربع العبادات
كتاب العلم
الجوارح ، ومصدرُ الأعمالِ ومنشؤُها صفاتُ القلوبِ ، فالمحمودُ مِنَ
الأعمالِ يصدرُ عَنِ الأخلاقِ المحمودةِ المنجيةِ في الآخرةِ ، والمذمومُ يصدُرُ
منّ المذموم ، وليسَ يخفى اتصالُ الجوارحِ بالقلبِ(١).
وأمَّا الصحّةُ والمرضُ .. فمنشؤُهُما صفاتٌ في المزاج والأخلاطِ ،
وذلكَ مِنْ أوصافِ البدنِ ، لا منْ أوصافِ القلبِ ، فمهما أضيفَ الفقهُ إلى
الطبِّ .. ظهرَ شرفُهُ، وإذا أضيفَ علمُ طريقِ الآخرةِ إلى الفقهِ .. ظهرَ أيضاً
شرفُ علمٍ طريقِ الآخرةِ .
فإنْ قلتَ : فَصِّلْ لي علمَ طريقِ الآخرةِ تفصيلاً يشيرُ إلى تراجمِهِ وإنْ لمْ
يمكنِ استقصاءُ تفاصيلِهِ .. فاعلمْ أنَّهُ قسمانِ : علمُ مكاشفةٍ وعلمُ معاملةٍ .
٨
فالقسمُ الأوَّلُ : علمُ المكاشفةِ وهوَ علمُ الباطنِ، وذلكَ غايةُ العلومِ(٢) ؛
فقدْ قالَ بعضُ العارفينَ : ( مَنْ لم يكنْ لهُ نصيبٌ مِنْ هذا العلمِ .. أخافُ
عليهِ سوءَ الخاتمةِ ، وأدنى نصيبٍ منهُ التصديقُ بهِ وتسليمُهُ لأهلِهِ )(٣).
مرة
(١) وعليه المعول في كل صلاح أو فساد؛ قال صلى الله عليه وسلم كما في (( البخاري))
(٥٢): ((ألا وإن في الجسد مضغةً: إذا صَلَحَتْ .. صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا
فسدت .. فَسَدَ الجسد كلُّهُ ، ألا وهي القلب)).
(٢) وإليه تنتهي همم العارفين، لا يوجد وراءه مرمى للأنظار. ((إتحاف)) (١٦٢/١)،
وإليه وإلى ترجيحه على كل الطرق والعلوم انتهى المصنف رحمه الله تعالى في كتابه
((المنقذ)) .
(٣) قوت القلوب (١٧٣/١).
٨
٧٥

كتاب العلم
ربع العبادات
وقالَ آخرُ : ( منَ كانَ فيهِ خصلتانٍ .. لمْ يُفتحْ لهُ بشيءٍ مِنْ هذا العلمِ :
بدعةٌ أو كبْرٌ)(١) .
وقيلَ : ( مَنْ كانَ محبّاً للدنيا أو مصرّاً على هوىٌ . . لم يتحقَّقْ بهِ ، وقدْ
يتحقَّقُ بسائرِ العلوم، وأقلُّ عقوبةِ مَنْ ينكرُهُ ألاَّ يُرِزَقَ منهُ شيئاً )(٢) .
ويُنشدُ على قولِهِ(٣):
[من المنسرح]
وَأَرْضَ لِمَنْ غَابَ عَنْكَ غَيْبَتَهُ فَذَاكَ ذَنْبٌ عِقَابُهُ فِيهِ
وهوَ علْمُ الصدِّيقينَ والمقرَّبينَ ؛ أعني : علمَ المكاشفةِ ، فهوَ عبارةٌ عنْ
نورٍ يظهرُ في القلبِ عندَ تطهيرِهِ وتزكيتِهِ مِنْ صفاتِهِ المذمومةِ ، وينكشفُ في
ذلكَ النورِ أمورٌ كانَ يسمعُ مِنْ قبلُ أسماءَها ، فيتوهَّمُ لها معانيَ مجملةً غيرَ
متضحةٍ ؛ فتتضحُ إذْ ذاكَ حتَّى تحصُلَ المعرفةُ الحقيقيةُ بذاتِ اللهِ سبحانَهُ ،
وبصفاتِهِ الباقياتِ التامَّاتِ ، وبأفعالِهِ وبحكمتِهِ في خلْقِ الدنيا والآخرةِ ،
ووجهِ ترتيبهِ للآخرةِ على الدنيا ، والمعرفةُ بمعنى النبوَّةِ والنبيِّ ، ومعنى
الوحي ومعنى لفظِ الملائكةِ والشياطينِ ، وكيفيةُ معاداةِ الشيطانِ للإنسانِ ،
وكيفيةُ ظهورِ المَلَكِ للأنبياءِ ، وكيفيةُ وصولِ الوحي إليهم ، والمعرفةُ
بملكوتِ السماواتِ والأرضِ ، ومعرفةُ القلبِ ، وكيفيةُ تصادم جنودٍ
(١) قوت القلوب (١٧٣/١).
(٢) قوت القلوب (١٧٣/١)، ولذلك قال شيخ الطائفة الإمام الجنيد رحمه الله تعالى:
( الإيمان بعلمنا هذا ولاية صغرى ) .
(٣) البيت لابن نباتة المصري في ((ديوانه)) (ص ٥٧٤).
٧٦

ربع العبادات
كتاب العلم
الملائكةِ والشياطينِ فيهِ ، ومعرفةُ الفرقِ بين لَمَّةِ المَلَكِ ولمَّةِ الشيطانِ ،
ومعرفةُ الآخرةِ ، والجنَّةِ والنارِ ، وعذابِ القبرِ ، والصراطِ ، والميزانِ ،
والحسابِ ، ومعنى قولهِ تعالى: ﴿ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، ومعنى
قولِهِ تعالى: ﴿ وَإِنَ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾، ومعنى
لقاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ والنظرِ إلى وجهِهِ الكريمِ ، ومعنى القربِ منهُ ، والنزولِ في
جوارِهِ ، ومعنىُ حصولِ السعادةِ بمرافقةِ الملأِ الأعلى ، ومقارنةِ الملائكةِ
والنبيِّينَ ، ومعنى تفاوتِ درجاتِ أهلِ الجنانِ حتَّى يرىُ بعضُهُمْ بعضاً كما
يُرَى الكوكبُ الدريُّ في جوّ السماءِ ، إلى غيرِ ذلكَ ممَّا يطولُ تفصيلُهُ .
إذْ للناسِ في معاني هذهِ الأمورِ بعدَ التصديقِ بأصولِها مقاماتٌ :
فبعضُهُمْ يَرى أنَّ جميعَ ذلكَ أمثلةٌ ، وأنَّ الذي أعدَّهُ اللهُ لعبادِهِ الصالحينَ
ما لا عينٌ رأتْ ولا أذن سمعتْ ولا خَطَرَ على قلبٍ بشرٍ ، وأنَّهُ ليسَ معَ
الخلْقِ مِنَ الجنَّةِ إلا الصفاتُ والأسماءُ .
وبعضُهُمْ يرى أنَّ بعضَها أمثلةٌ وبعضَها يوافقُ حقائقَها المفهومةَ مِنْ
ألفاظِها .
وكذا يَرىُ بعضُهُمْ أنَّ منتهى معرفةِ اللهِ تعالى الاعترافُ بالعجزِ عن معرفتِهِ .
وبعضُهُمْ يدَّعي أموراً عظيمةً في المعرفةِ باللهِ عزَّ وجلَّ .
وبعضُهُمْ يقولُ : حدٌّ معرفةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ما انتهى إليهِ اعتقادُ جميعِ
العوامّ؛ وهوَ أنَّهُ موجودٌ عالمٌ قادرٌ سميعٌ بصيرٌ متكلُّمٌ .
٧٧
حر

كتاب العلم
ربع العبادات
فنعني بعلمٍ المكاشفةِ : أنْ يرتفعَ الغطاءُ حتَّى يتضحَ لهُ جليَّةُ الحقِّ في هذهِ
الأمورِ اتضاحاً يجري مجرى العيانِ الذي لا يُشُّ فيهِ . وهذا ممكنٌ في جوهرِ
الإنسانِ لولا أنَّ مرآةَ القلبِ قدْ تراكمَ صدؤُها وخبْتُها بقاذوراتِ الدنيا .
وإنَّما نعني بعلمٍ طريقِ الآخرةِ العلمَ بكيفيةِ تصقيلِ هذِهِ المرآةِ عنْ هذهِ
الخبائثِ التي هيَ الحجابُ عنِ اللهِ تعالى ، وعنْ معرفةِ صفاتِهِ وأفعالِهِ ،
وإنَّما تصفيتُها وتطهيرُها بالكفّ عن الشهواتِ ، والاقتداءِ بالأنبياءِ
صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِمْ في جميع أحوالِهِمْ ، فبقدْرِ ما ينجلي مِنَ القلبِ
ويحاذي بهِ شطرَ الحقِّ .. تتلألأُ فيهِ حقائقُهُ، ولا سبيلَ إليهِ إلا بالرياضةِ التي
يأتي تفصيلُها في موضعِهِ ، وبالعلمِ وبالتعلُّمِ (١).
وهذهِ هيَ العلومُ التي لا تُسطَرُ في الكتبِ(٢)، ولا يتحدَّثُ بها مَنْ
أنعمَ اللهُ عليهِ بشيءٍ منها إلا معَ أهلِهِ ، وهوَ المشارِكُ فيهِ ، على سبيلِ
المذاكرةِ وبطريقِ الإسرارِ .
٨٥٠
وهذا العلمُ الخفيُّ هوَ الذي أرادَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بقولِهِ: ((إنَّ مِنَ
العلمِ كَهَيْئَةِ المكنُونِ لا يَعلمُهُ إلاَّ أهلُ المعرفةِ باللهِ تعالى ، فإذا نطقُوا بهِ ..
(١) من مرشدٍ حقِّ على حد قوله: ولا بدَّ من شيخ يريك شخوصها. ((إتحاف))
(١/ ١٦٥ ) .
(٢) لأنها علوم ذوقية كشفية تدرك عن مشاهدة ، لا عن دليل وبرهان ، ولأن المسطور في
كتاب يقع في يد المتأهل وغير المتأهل ، فإن لم يكن أهلاً لمعرفته .. يقع في حيرة
عظيمة تترتب عليها مفاسد. (( إتحاف)) (١٦٦/١ ).
٧٨

ربع العبادات
٩٠٠
كتاب العلم
لم يَجهلْهُ إلَّ أهلُ الاغتِرارِ باللهِ عزَّ وجلَّ، فلا تَحْقِرُوا عالِماً آتاهُ اللهُ تعالى
علماً؛ فإنَّ اللهَ عَزَّ وجلَّ لَمْ يَحْفِرْهُ إِذْ آتَاهُ إِيَّاهُ))(١) .
وأمَّا القسمُ الثاني : وهوَ علمُ المعاملةِ: فهو علمُ أحوالِ القلبِ :
أمّا ما يُحمدُ منها .. فكالصبرِ، والشكرِ ، والخوفِ والرجاءِ ،
والرضا، والزهدِ ، والتقوى ، والقناعةِ ، والسخاوةِ ، ومعرفةِ المنَّةِ للهِ
تعالى في جميع الأحوالِ ، والإحسانِ ، وحسْنِ الظنِّ ، وحسنِ الخلقِ ،
وحسنِ المعاشرةِ ، والصدقِ ، والإخلاصِ .
فمعرفةُ حقائقِ هذهِ الأحوالِ وحدودِها وأسبابِها التي بها تُكتسبُ ،
وثمراتِها وعلاماتِها ، ومعالجةٍ ما ضعفَ منها حتَّى يقوَىُ ، وما زالَ حتَّى
يعودَ .. مِنْ علْمِ الآخرةِ.
وأمَّا ما يُذُ منها .. فخوفُ الفقرِ، وسخطُ المقدورِ ، والغلُّ والحقدُ ،
والحسدُ، والغشُّ ، وطلبُ العلوِّ، وحثُّ الثناءِ ، وحبُّ طولِ البقاءِ في
الدنيا للتمثُّع ، والكبرُ ، والرياءُ، والغضبُ، والأنفةُ، والعداوةُ
والبغضاءُ ، والطمعُ والبخلُ ، والرغبةُ والبذَغُ(٢)، والأَشَرُ والبطَرُ،
٥٠٠
(١) بلفظه في ((قوت القلوب)) (١٧٥/١) معلقاً، وقال الحافظ المنذري في ((الترغيب
والترهيب)) (١٣٥/١): (رواه أبو منصور الديلمي في ((المسند)) ((٨٠٢))،
وأبو عبد الرحمن السلمي في (( الأربعين)) التي له في التصوف) .
(٢) البَذَخ : تطاول وتكبُّر الرجل بكلامه وافتخاره وتعاليه .
٧٩
حزب

کتاب العلم
ربع العبادات
0
وتعظيمُ الأغنياءِ والاستهانةُ بالفقراءِ ، والفخرُ والخيلاءُ ، والتنافسُ
والمباهاةُ ، والاستكبارُ عنِ الحقِّ ، والخوضُ فيما لا يعني ، وحبّ كثرةٍ
الكلام، والصَّلَفُ(١)، والتزيّنُ للخلْقِ، والمداهنةُ، والعجْبُ،
والاشتغالُ عنْ عيوبِ النّفْسِ بعيوبِ الناسِ ، وزوالُ الحزنِ مِنَ القلبِ ،
وخروجُ الخشيةِ منهُ، وشدَّةُ الانتصارِ للنفسِ إذا نالَها الذلُّ ، وضعفُ
الانتصارِ للحقِّ ، واتخاذُ إخوانِ العلانيةِ على عداوةِ السرِّ، والأمنُ مِنْ
مُكْرِ اللهِ سبحانَهُ في سلْبٍ ما أعطَىُ ، والاتكالُ على الطاعةِ ، والمكْرُ
والخيانةُ والمخادعةُ ، وطولُ الأملِ ، والقسوةُ والفظاظةُ ، والفرحُ بالدنيا
والأسفُ على فواتِها ، والأنْسُ بالمخلوقينَ والوحشةُ لفراقِهِمْ ، والجفاءُ ،
والطيشُ والعجلةُ، وقلَّهُ الحياءِ ، وقلَّةُ الرحمةِ .
فهذهِ وأمثالُها منْ صفاتِ القلبِ مغارسُ الفواحِشِ ، ومنابتُ الأعمالِ
المحظورةِ ، وأضدادُها - وهيَ الأخلاقُ المحمودةُ - منبعُ الطاعاتِ
والقرباتِ .
ـدرة
فالعلمُ بحدودِ هذهِ الأمورِ وحقائِقِها وأسبابِها وثمراتِها وعلاجِها هوَ علمُ
الآخرةِ ، وهوَ فرضُ عينٍ في فتوى علماءِ الآخرةِ ، والمعرِضُ عنها هالكٌ
بسطوةِ مَلِكِ الملوكِ في الآخرةِ ؛ كما أنَّ المعرضَ عَنِ الأعمالِ الظاهرةِ
هالٌ بسيفِ سلاطينِ الدنيا بحكْمٍ فتوى فقهاءِ الدنيا .
جن
(١) الصَّلَف: التمدح بما ليس عند الرجل، وادعاء ما هو دونه تكبراً .
٨٠