Indexed OCR Text
Pages 601-620
٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٢) حديث فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّّهِ: ((إِنَّهُ لَيَغْضَبُ عَلَيَّ أَنْ لَا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ. مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوْقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافاً)) قلبه، ولو كان ممن وقر الإيمان في قلبه لم يتهم النبي بَّ في قوله وفعله، اهـ. وكذا قال غير واحد من الشراح، قال الشيخ في ((البذل))(١): لعل هذا الرجل كان من أجلاف العرب، حديث عهد بالإسلام، لم يتأدب بآداب الشرع، أو كان منافقاً، اهـ (فقال رسول الله وَله) تعجباً: (إنه ليغضب علي) بشد الياء (أن لا أجد) أي لأجل أن لا أجد (ما أعطيه) مفعول لا أجد مع أن عدم الوجدان لا يقتضي الغضب أصلاً، ولفظ أبي داود: ((يغضب عليّ أن لا أجد ما أعطيه))، قال الباجي: هذا إنكار منه وَّ لفعله، ثم ضَيَّقَ عليه وعلى مثله بعد أن كان موسعاً علیهم. فقال: (من سأل منكم) عن أحد من الناس (وله أوقية) بضم الهمزة وشد الياء وتخفيفها: أربعون درهماً من الفضة (أو عدلها) قال القاري: بكسر العين ويفتح أي ما يساويها من ذهب ومال آخر، اهـ. واقتصر الزرقاني على فتح العين فقط (فقد سأل إلحافا) أي إلحاحاً، وسؤال الإلحاف أن يلازم المسؤول حتى يعطيه، كذا في ((المحلى)). قال الباجي: قوله: إلحافاً يريد إلحاحاً يقال: ألحف في المسألة أي ألحّ فيها، ويقتضي ذلك أنه ورد على أمر قد تقرر فيه أن الإلحاف في المسألة ممنوع، فجعل من الإلحاف الممنوع سؤال من له أوقية، اهـ. قلت: وقد أخرج النسائي(٢) بسنده إلى معاوية قال رسول الله وَ له: ((لا تلحفوا في المسألة، ولا يسألني أحد منكم شيئاً وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته)) . (١) ((بذل المجهود)) (١٥٦/٨). (٢) (سنن النسائي)) (٩٨/٥) ح(٢٥٩٣). ٦٠١ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٢) حديث قَالَ الْأَسَدِيُّ: فَقُلْتُ لَلَقْحَةٌ لَنَا خَيْرٌ مِنْ أُوْقِيَّةٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَالْأُوْقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَماً. قَالَ: فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ. وقال الشيخ في ((البذل)) (١) تبعاً للزرقاني: قوله: سأل إلحافاً أي خالف ثناء الله تعالى بقوله عز اسمه: ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ ومعناه أنهم لا يسألون، وإن سألوا عن ضرورة لم يُلِحُوا، وقيل: هو نفي السؤال والإلحاح معاً، اهـ. (قال الأسدي) المذكور: (فقلت) في نفسي عند سماع ذلك عن النبي وَّة (للقحة) بفتح اللام الأولى ابتدائية، أو جواب قسم مقدر، وكسر اللام الثانية، وقد تفتح وسكون القاف، أي ناقة، كذا في ((الزرقاني))(٢)، وفي ((المحلى)): الناقة ذات اللبن قريبة النتاج (لنا خير) أي أفضل وأكثر قيمة (من أوقية). (قال مالك: والأوقية أربعون درهماً) هذا نص في أن التفسير من قول مالك، وليس في رواية أبي داود والنسائي لفظ: ((قال مالك))، فقال الشيخ في ((البذل))(٣): هذا القول من بعض الرواة، اهـ. قلت: وقد أخرج النسائي(٤) من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله وَله: ((من سأل وله أربعون درهماً فهو الملحف)) (قال) الأسدي، كذا في النسخ الهندية، وليس في النسخ المصرية لفظ: ((قال)) وهو موجود في رواية أبي داود دون النسائي (فرجعتُ) بصيغة المتكلم أي من عند النبي ◌َّه إلى أهلي (ولم أسأله) وَلَّ، وهذا من قوة فهمه، فإن السعيد من وعظ بغيره. (١) ((بذل المجهود)) (١٥٦/٨). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٦/٤). (٣) ((بذل المجهود)) (٨/ ١٥٧). (٤) سنن النسائي (٩٨/٥) ح(٢٥٩٤). ٦٠٢ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٢) حديث فَقُدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ لَهَ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَعِيرٍ وَزَبِيبٍ. فَقَسَمَ لَنَا مِنْهُ حَتَّى أَغْنَانَا اللهُ عزّ وجلّ. أخرجه النسائيّ في: ٢٣ - كتاب الزكاة، ٩٠ - باب إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها . (فقُدِم) بضم القاف وتخفيف الدال المكسورة برواية المجهول على ما في (الموطأ)) لزيادة الباء على قوله: شعير، وفي ((أبي داود)) و((النسائي)): ((فقَدِم على رسول الله وَّ﴿ بعد ذلك شعيرٌ وزبيبٌ)) بدون الباء، فقدم ببناء المعلوم (على رسول الله وَيقول بعد ذلك بشعير وزبيب) بالزاي والموحدتين بينهما ياء في جميع النسخ المصرية والهندية، وكذا في روايتي أبي داود والنسائي، فما في نسخة ((المحلى)): ((وذهب)) بالذال والهاء تحريف من الناسخ. (فقسم) بَّ (لنا منه) أي مما قدم، زاد في رواية أبي داود بعد ذلك: أو كما قال، وليس هذا اللفظ في رواية ((الموطأ)) ولا في رواية النسائي من حديث ابن القاسم عن مالك، فالظاهر أنه شكٌّ من القعنبي راوي أبي داود عن مالك (حتى أغنانا الله عزّ وجل) من فضله، فإنه من يستغن يغنيه الله كما تقدم. قال الزرقاني(١): وقد وقع نحو هذه القصة لأبي سعيد الخدري. قال أسرحتني (٢) أَمِّي إلى النبي ◌َّ يعني لأسأله من حاجة شديدة، فأتيته، وقعدت، فاستقبلني، فقال: ((من استغنى أغناه الله، ومن استعفّ أعفّه الله، ومن استكفى كفاه الله، ومن سأل وله أوقية فقد ألحف)) فقلت: ناقتي خير من أوقية، فرجعت ولم أسأله، رواه أحمد والنسائي، وصححه ابن حبان والضياء، اهـ. قلت: وأخرجه أبو داود مختصراً، وفي الحديث حرمة السؤال لمن ملك أوقية أو عدلها، قال الباجي(٣): هذا إنما يكون في السؤال دون الأخذ، قال (١) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٦/٤). (٢) كذا في ((شرح الزرقاني)) والصواب ((سرحتني)) كما في ((سنن النسائي)) ح(٢٥٩٥). (٣) ((المنتقى)) (٣٢٤/٧). ٦٠٣ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٢) حديث الشيخ أبو بكر: تحلّ الصدقة، يريد الزكاة لمن له خمسة أواقٍ، وإن كانت واجبة عليه زكاتها إذا كان ذا عيال، وقد اختلف العلماء في ذلك على ما بينته في ((كتاب الزكاة))، اهـ. قلت: قد تقدم في ((كتاب الزكاة)) في ((باب من يجوز له أخذ الصدقة)) اختلافهم في الغنى المانع عن أخذ الزكاة، وحديث الباب فيما يمنع السؤال، قال صاحب ((المحلى)): اختلفت الأخبار في مقدار ما يحرم به السؤال، فدل هذا الحديث على أنها أربعون درهماً، وروى أصحاب السنن الأربعة عن ابن مسعود: ((من سأل الناس وله ما يغنيه، جاء يوم القيامة، ومسألته في وجهه خموش أو كدوح، قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب». ولأبي داود(١) عن سهل بن الحنظلة: ((من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار، قالوا: وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغدِّيه ويعشيه))، ولابن خزيمة قال: ((يا رسول الله ما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة، قال: أن يكون له شبع يوم وليلة)). قال الخطابي: اختلفوا في تأويل حديث سهل، فقال بعضهم: من وجد غداء يومه وعشاءه لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث، وقال بعضهم: إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوت المدة الطويلة حرمت عليه المسألة، وقال آخرون: هذا منسوخ بالأحاديث التي تقدر الغنى بملك خمسين درهماً أو قيمتها، قال المنذري: ادعاء النسخ مشتركة بينهما، ولا أعلم مرجحاً بينهما، وقد كان الشافعي - رضي الله عنه - يقول: قد يكون الرجل بالدرهم غنياً في كسبه، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عیاله، اهـ. (١) ((سنن أبي داود)) (باب: ٢٤) كتاب الزكاة. ٦٠٤ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٢) حديث وفي ((البذل))(١): قال البيهقي في ((سننه)): ليس شيء من هذه الأحاديث مختلفاً، وكأن النبي ( علم ما يُغني كلاً منهم، فجعل غناءه به، لأن الناس مختلفون في قدر كفاياتهم، فمنهم من يغنيه خمسون درهماً لا أقل، ومنهم من يُغنيه أربعون لا أقل، ومنهم من له كسب يَدِرُّ عليه كل يوم ما يغديه ويعشيه ولا عيال له فهو مستغنٍ به، كذا في ((الدرجات))، اهـ. وفي ((الشرح الكبير))(٢) للحنابلة: اختلف العلماء في الغنى المانع من أخذ الزكاة، فنقل عن أحمد فيه روايتان؛ إحداهما: من ملك خمسين درهماً، أو قيمتها من الذهب، أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام، من مكسب، أو تجارة، أو عقار، أو نحو ذلك، ولو ملك من الحبوب، أو العروض، أو العقار، أو السائمة، ما لا تحصل به الكفاية، لم يكن غنياً، اختاره الخرقي، وهذا قول الثوري والنخعي وابن المبارك وإسحاق، لحديث ابن مسعود: ((من سأل وله ما يغنيه)) الحديث. وفيه: قيل: ما الغنى يا رسول الله؟ قال: ((خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب))، رواه أبو داود والترمذي، وقال حسن، وقال الموفق: هذا أظهر الروايتين عن أحمد. وقال أيضاً: هذا هو الظاهر من مذهبه . والرواية الثانية: أن الغنى ما تحصل به الكفاية، فإذا لم يكن محتاجاً حرمت عليه الصدقة، وإن لم يملك شيئاً، وإن كان محتاجاً حلت له الصدقة. وإن ملك نصاباً، والأثمان وغيرهما في هذا سواء، وهذا اختيار أبي الخطاب، وقول مالك والشافعي، لحديث قبيصة بن مخارق: ((لا تحِلُّ المسألة إلا لأحدٍ ثلاثة)) الحديث، فيه: ((حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش))، رواه مسلم، فمدّ إباحة المسألة إلى إصابة القوام أو السداد، ويجوز أن تحرم المسألة. (١) ((بذل المجهود)) (١٦٢/٨). (٢) (٥٢٣/٣)، وانظر: ((المغني)) (١١٨/٤). ٦٠٥ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٢) حديث ولا يحرم أخذ الصدقة إذا جاءته من غير مسألة، فإن المذكور فيه تحريم المسألة، فيقتصر عليه، فمن قال: الغنى هو الكفاية سَوَّى بين الأثمان وغيرها، وجوّز أخذها لكل من لا كفاية له، وإن ملك نصاباً من جميع الأموال، ومن قال بالرواية الأخرى فرَّقَ بين الأثمان وغيرها، لحديث ابن مسعود، انتهى مختصراً . وقال النووي(١) في ((باب النهي عن المسألة)): مقصود الباب وأحاديثه النهي عن السؤال، واتفق العلماء عليه إذا لم تكن ضرورة، واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين: أصحهما: أنه حرام، لظاهر الأحاديث، والثاني: حلال بثلاثة شروط: أن لا يُذِلّ نفسه، ولا يُلِح في السؤال، ولا يُؤذي المسؤول، فإن فقد أحد هذه الشروط فهو حرام بالاتفاق، اهـ. وفي ((الدر المختار))(٢): ولا يحل أن يسأل شيئاً من القوت من له قوت يومه بالفعل أو بالقوة كالصحيح المكتسب، ويأثم معطيه إن علم بحاله لإعانته على المحرم، ولو سأل للكسوة أو لاشتغاله عن الكسب بالجهاد أو طلب العلم جاز لو محتاجاً، اهـ. قال ابن عابدين: قوله: لا يحل أن يسأل قيد بالسؤال، لأن الأخذ بدونه لا يحرم، وقيد بقوله: شيئاً من القوت، لأن له سؤال ما يحتاج إليه غير القوت کثوب. وإذا كان له دارٌ يسكنها ولا يقدر على الكسب، قال ظهر الدين: لا يحل له السؤال إذا كان يكفيه ما دونها ((معراج))، ثم نقل ما يدل على الجواز، (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٧/ ١٢٧). (٢) (٣٥٧/٣). ٦٠٦ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٣) حديث ١٢/١٨٢٣ - وَعَنْ مَالِكِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وقال: هو أوسع، وبه يفتى، وقوله: للكسوة ومثلها أجرة المسكن، ومرمة البيت الضرورية لا يشتري به بيتاً، اهـ. ١١/١٨٢٣ - (مالك عن العلاء بن عبد الرحمن) الحرقي (أنه سمعه) أي سمع الإمام مالك عن العلاء (يقول) العلاء، موقوف في ((الموطأ))، وسيأتي رفعه في آخر الحديث (ما نقصت صدقة) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك لفظ (الله) وليس هذا في النسخ المصرية ولا في ((المشكاة)) وغيرها، فإن صحّ فالمراد الصدقة التي تكون خالصاً لوجهه الكريم (من مال) قال القاري(١): ((ما)) نافية و((من)) زائدة أو تبعيضية أو بيانية، أي ما نقصت صدقة مالاً أو بعض مال أو شيئاً من مال، بل تزيد أضعاف ما يعطى منه بأن ينجبر بالبركة الخفية أو بالعطية الجلية أو بالمثوبة العلية، اهـ. وفي ((المحلى)): ((من)) زائدة أي ما نقصت صدقة مالاً، أو صلة لنقصت، أو ما نقصت شيئاً من مال، بل تزيد في الدنيا بالبركة فيه، ودفع المضرات منه، وفي الآخرة بالأجر الجزيل، اهـ. قال الزرقاني(٢): ما نقصت صدقة من مال، بل يزيد الله فيه ما نقص، ويحتمل أنه وإن نقص فله في الآخرة ما يجبر ذلك النقص، ويحتمل أن يجمع له الأمران، قاله عیاض، اهـ. قلت: وقال الله عز اسمه: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُمْ﴾، وفي الحديث كما في ((المشكاة)) برواية الشيخين عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللَّهم أعط مُنْفِقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللَّهم أعط ممسكاً تلفاً)). (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠٠/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٤٢٧). ٦٠٧ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٣) حديث وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدَاً بِعَفْوٍ إِلَّا عِزَّا. وَمَا تَوَاضَعَ عَبْدٌ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ. (وما زاد الله) تبارك وتعالى (عبداً بعفو) أي بسبب عفوه وتجاوزه عن الانتقام مع قدرته على الانتصار (إلا عزاً) أي رفعة في الدنيا، فمن عرف بالصفح ساد وعظم في القلوب، فيزيد عزة في الدنيا والآخرة بأن يعظم ثوابه أو فيهما، قاله عیاض. وفي (المشكاة)) (١) برواية الترمذي وأبي داود عن سهل بن معاذ عن أبيه مرفوعاً: ((من كظم غيظاً وهو يقدر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة، حتى يُخَيِّره في أيّ الحور شاء)»، وفيه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿آدْفَعْ بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ قال: الصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا عصمهم الله، وخضع لهم عدوهم ﴿كَأَنَُّ وَلِىُّ حَمِيدٌ﴾، رواه البخاري، تعليقاً. (وما تواضع عبد) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (الله) تعالى بلام الجارة على اسم الجلالة، وليس لفظ: (الله)) في النسخ المصرية، وهو موجود في (المشكاة)) و((مسلم))، فإن لم يكن في اللفظ فهو مراد قطعاً، فإن التواضع المعبر هو الذي يكون الله تعالى، لا للفخر والرياء، قال القاري: أي أنزل نفسه عن مرتبة يستحقها لرجاء التقرب إليه تبارك وتعالى دون غرض غيره، اهـ. (إلا رفعه الله) تعالى في الدنيا بأن يثبت له في القلوب المحبة، وفي الآخرة بأن ينيله الرفعة فيها . قال النووي(٢): فيه أيضاً وجهان، أحدهما: يرفعه في الدنيا، والثاني: المراد ثوابه في الآخرة، وقال العلماء: وهذه الأوجه في الألفاظ الثلاثة موجودة في العادة معروفة، وقد يكون المراد الوجهين جميعاً في الدنيا والآخرة، اهـ. (١) ح (٥٠٨٨). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٦/ ١٤٢). ٦٠٨ ٥٩ - كتاب الصدقة (٢) باب (١٨٢٣) حديث قَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي أَيُرْفَعُ هُذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ وَ أَمْ لَا. مثله لا يكون رأياً. وأسنده عنه جماعة. وهو محفوظ مسند. قاله ابن عبد البر. وأخرجه مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ١٩ - باب استحباب العفو والتواضع، حديث ٦٩. (قال مالك: لا أدري أيرفع) ببناء المجهول أو المعلوم، فالضمير إلى العلاء، واقتصر الزرقاني على الثاني (هذا الحديث عن النبي ◌ّ أم لا) كذا في جميع النسخ المصرية والهندية بلفظ ((عن))، وفي ((التجريد)): قال مالك: لا أدري أيرفع هذا الحديث إلى النبي ◌َ ◌ّ أم لا؟ قال: ذكرنا هذا الحديث ههنا، لأنه محفوظ عن النبي و له من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة من طرق، وقد ذكرنا كثيراً منها في ((التمهيد))(١)، ثم ذكر بسنده إلى إسماعيل بن جعفر قال: أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ولايه قال: ما نقصت، الحديث، قال: ورواه شعبة وجماعة عن العلاء هكذا بإسناده هذا ، اهـ. وقال الزرقاني(٢): وأخرجه مسلم والترمذي من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر، وتابعه محمد بن جعفر وحفص بن ميسرة وشعبة وعبد العزيز، كلهم عن العلاء أسند ذلك كله في ((التمهيد))(٣)، اهـ. وفي ((المحلى)): رفعه أحمد(٤) ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، اهـ. (١) (ص١١٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٧/٤). (٣) (٢٦٩/٢٠). (٤) ((مسند أحمد)) (٢٣٥/٢، ٣٨٦، ٤٣٨)، ومسلم في البر والصلة (٢٥٨٨)، والترمذي. (٢٠٢٩). ٦٠٩ ٥٩ - كتاب الصدقة (٣) باب (١٨٢٤) حديث (٣) باب ما يكره من الصدقة ١٣/١٨٢٤ - حدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ رَسُولُ اللهِ وَله قَالَ: ((لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِآَلِ مُحَمَّدٍ. (٣) ما يكره من الصدقة يعني بيان كون الصدقة مكروهة في حق بعضهم تحريماً، وفي بعضهم تنزيهاً، لكونها من أوساخ الناس. ١٣/١٨٢٤ - (مالك أنه بلغه) قال ابن عبد البر في ((التجريد))(١): هذا حديث يرويه مالك مسنداً، رواه عنه سعيد بن داود بن أبي زنبر وجويرية بن أسماء، وهو حديث فيه طول يستند من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، اهـ. وقال السيوطي في ((التنوير)) (٢): وصله مسلم من طريق جويرية بن أسماء عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل مطولاً، وتابعه سعيد بن داود بن أبي زنبر عن مالك أخرجه قاسم بن أصبغ، اهـ. قلت: وأخرجه أبو داود أيضاً مطولاً برواية يونس عن الزهري، وفيه قصة نكاح عبد المطلب بن ربيعة والفضل بن عباس. (أن رسول الله (وَ له قال: لا تحل الصدقة لآل محمد). قال الباجي(٣): قال ابن القاسم: لا ندري ذلك إلا في الصدقة المفروضة، ولا بأس أن يعطوا من التطوع، ومن أعطاهم شيئاً من الصدقة المفروضة لم يجزه، وقال يحيى بن يحيى عن مالك (٤) عن نافع: ذلك في جميع الصدقات الفرض والتطوع، وقال عيسى بن دينار: الذي آخذ به وسمعته عمن أرضى أن ذلك (١) (ص٢٥٢) وانظر: ((الاستذكار)) (٤٢٨/٢٧)، و((التمهيد)) (٣٥٩/٢٤). (٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٧٢٣). (٣) ((المنتقى)) (٣٢٥/٧). (٤) كذا في الأصل، والظاهر عن ابن نافع عن مالك اهـ. ش. ٦١٠ ٥٩ - كتاب الصدقة (٣) باب (١٨٢٤) حديث في جميع الصدقات من الأموال وتطوع الناس، وجه قول ابن القاسم أن لفظ الصدقة مصروف إلى الصدقة المعهودة، وهي التي هي من أوساخ الناس، فأما التطوع فلا فرق بينها وبين الهبة، وجه قول ابن نافع أن لفظ الصدقة عام، فيحمل على عمومه، اهـ. وفي (المحلى)): أما التطوع فالصحيح عند الشافعية والحنابلة جوازه، وهو قولنا، وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال: الجواز، والمنع، وجواز التطوع دون الفرض، وعكسه، اهـ. كذا قال، ولم أجده في كلامهم. قال الموفق(١): لا نعلم خلافاً في أن بني هاشم لا تحلّ لهم الصدقة المفروضة، وأما بنو المطلب فهل لهم الأخذ من الزكاة؟ على روايتين، سيأتي ذكرهما، ثم قال: ويجوز لذوي القربى الأخذ من صدقة التطوع، وعن أحمد رواية أخرى، أنهم يمنعون صدقة التطوع أيضاً، لعموم قوله وَ له: ((إنا لا تحلّ لنا الصدقةُ)) والأول أظهر، فإنه وَلّ قال: ((المعروف كلَّه صدقة)) متفق عليه، ولا خلاف في إباحة المعروف إلى الهاشمي، اهـ. وقال النووي(٢): أما صدقة التطوع، فللشافعي فيها ثلاثة أقوال: أصحها: أنها تحرم على رسول الله وَ لَّ وتحلّ لآله، والثاني: تحرم عليه وعليهم، والثالث: تحل له ولهم، اهـ. وفي ((الدر المختار))(٣): جازت التطوعات من الصدقات وغلة الأوقاف لبني هاشم، قال ابن عابدين: نقل في ((البحر)) عن عدة كتب أن النفل جائز لهم إجماعاً، وذكر أنه المذهب، اهـ. (١) «المغني) (١٠٩/٤). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٧٦/٧). (٣) (٣٥٢/٣). ٦١١ ٥٩ - كتاب الصدقة (٣) باب (١٨٢٤) حديث وفي ((المرقاة)(١): قال ابن الهمام: لا تدفع الزكاة إلى بني هاشم، هذا ظاهر الرواية، وروى أبو عصمة عن أبي حنيفة أنه يجوز في هذا الزمان، وإنما كان ممتنعاً في ذلك الزمان، وعنه وعن أبي يوسف يجوز أن يدفع بنو هاشم إلى بني هاشم زكاتهم، وأما الصدقة النافلة، فقال في ((النهاية)): يجوز بالإجماع. وفي ((شرح الكنز)): لا فرق بين الصدقة الواجبة والتطوع، وقال بعض أهل العلم: يحلّ لهم التطوع، فقد أثبت الخلاف على وجه يشعر بترجيح حرمة النافلة، وهو الموافق للعمومات، فوجب اعتباره، فلا تدفع إليهم النافلة إلا على وجه الهبة مع الأدب، وخفض الجناح تكرمةً لأهل بيت رسول الله وَ له، انتهى مختصراً . وأما المراد بالآل فيدخل فيهم بنو هاشم إجماعاً، كما تقدم عن الموفق، واختلفوا في غيره، قال النووي(٢): مذهب الشافعي وموافقيه أن آله وَّر هم بنو هاشم وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية، وقال أبو حنيفة ومالك: هم بنو هاشم خاصة، قال القاضي: قال بعض العلماء: هم قريش كلها، وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي، اهـ. وقال الزرقاني(٣): هم بنو هاشم فقط عند مالك وأكثر أصحابه وأبي حنيفة إلا أنه استثنى آل أبي لهب، وعند الشافعي وبعض المالكية بنو هاشم، وبنو المطلب، وعند أحمد القولان، اهـ. قال الموفق (٤) بعد حكاية الإجماع على بني هاشم كما تقدم: وأما بنو (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٦/٤). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٧٦/٧). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٧/٤). (٤) («المغني)) (١١١/٤). ٦١٢ ٥٩ - كتاب الصدقة (٣) باب (١٨٢٤) حديث إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ)». رواه مسلم من طريق جويرية بن أسماء عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب: أن عبد المطلب بن ربيعة بن حارث حدثه. في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٥١ - باب ترك استعمال آل النبيّ وَّل على الصدقة، حديث ١٦٧ . المطلب هل لهم الأخذ من الزكاة؟ على روايتين: إحداهما: ليس لهم ذلك، لقوله وَاليه: ((أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، إنما نحن وهم شيءٌ واحد)) ولأنهم يستحقون من خمس الخمس، فلم يكن لهم الأخذ، والرواية الثانية: لهم الأخذ، وهو قول أبي حنيفة، لأنهم دخلوا في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ الآية، لكن خرج بنو هاشم لقوله وَّ: ((لا تحل الصدقة لآل محمد)) فيجب أن يختص المنع بهم، ولا يصح قياس بني المطلب على بني هاشم، لأن بني هاشم أقرب إلى النبي ◌َّ﴾ وأشرف وهم آل النبي وَّ، ومشاركة بني المطلب لهم في خمس الخمس ما استحقوه بمجرد القرابة، بدليل أن بني عبد شمس وبني نوفل يساوونهم في القرابة، ولم يعطوا شيئاً، وإنما شاركوه بالنصرة، والنصرة لا تقتضي منع الزكاة، اهـ. وفي ((الدر المختار))(١): لا يصرف الزكاة إلى بني هاشم إلا من أبطل النص قرابتهم، وهم بنو لهب، فتحِلّ لمن أسلم منهم، كما تحلّ لبني المطلب، اهـ. (إنما هي) أي الصدقة (أوساخ الناس) لأنها تطهر أموالهم ونفوسهم، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية، فهي كغسالة، كذا في ((المحلى)). قال الباجي (٢): يريد أنها تطهر أموالهم وتكفر ذنوبهم، وإنما يسوغ (١) (٣٥٠/٣). (٢) ((المنتقى)) (٣٢٥/٧). ٦١٣ ٥٩ - كتاب الصدقة (٣) باب (١٨٢٥) حديث ١٤/١٨٢٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ عَلَى الصَّدَقَةِ. فَلَمَّا قَدِمَ سَأَلَّهُ إِلاً مِنَ الصَّدَقَةِ. أخذ الفقراء لها، كما يسوغ عند أكثر من هذه الضرورة المحظور من الطعام، فأراد النبي ( # أن ينزه آل محمد ر لل عن مثل هذا، وأن يكون لهم الصبر أفضل مما لغيرهم، اهـ. وفي ((المرقاة))(١) عن ((الكافي)): أما التطوع والوقف فيجوز الصرف إليهم، لأن المؤدى في الواجب يطهر نفسه بإسقاط الفرض، فيتدنَّسُ به المؤدى، كالماء المستعمل، وفي النفل يتبرَّعُ بما ليس عليه، فلا يتدنس به المؤدی، کمن تبرد بالماء، اهـ. ١٨٢٥/ ١٤ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم (عن أبيه) أبي بكر (أن رسول الله (وَ 18) كذا في ((الموطأ)) مرسلاً، قال ابن عبد البر: رواه أحمد بن منصور البلخي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أنس، كذا في ((التنوير))(٢). (استعمل رجلاً من بني عبد الأشهل) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة، بطن من الأوس، كذا في ((الزرقاني)) (على الصدقة) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية، غير الزرقاني ففيها ((في الصدقة))، قال الزرقاني(٣): أي عليها، وفي نسخة على الصدقة، اهـ. (فلما قدم) بفتح القاف وكسر الدال الخفيفة (سأله) وَليزر (إبلاً من الصدقة) (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٦/٤). (٢) («تنوير الحوالك)) (٧٢٣)، والحديث روي موصولاً في ((التمهيد)) (٣٨٣/١٧) وقال ابن عبد البر: الصحيح ما في ((الموطأ)). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٨/٤). ٦١٤ ٥٩ - كتاب الصدقة (٣) باب (١٨٢٥) حديث فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ. وَكَانَ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ أَنْ تَحْمَرَّ عَيْنَاهُ. ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَسْأَلُنِي مَالَا يَصْلُحُ لِي وَلَا لَهُ. قال الباجي(١): يحتمل أنه سأله في أجرة عمله أكثر مما يستحقه، ويحتمل أنه سأله زيادة على أجرته مما غيره أحق به منه أو مما ليس هو بأهل له، اهـ. (فغضب) بكسر الضاد المعجمة (رسول الله وَ ل﴿ حتى عرف) بضم العين وكسر الراء (الغضب) نائب الفاعل (في وجهه) الكريم، قال الباجي: يعني أنه بلغ منه وَلّ الغضب إلى أن أبداه. (وكان) وَل﴾ (مما يعرف به) ببناء المجهول (الغضب) نائب الفاعل (في وجهه) الشريف (أن تحمرّ) بفتح الهمزة وسكون النون وشد الراء اسم كان (عيناه) . وفي ((الشمائل))(٢) في حديث هند بن أبي هالة في حليته وَّ﴾: أزجُ الحواجب سوابغ، بينهما عِرْق يَدِرُّه الغضَب، وفيه عن عائشة - رضي الله عنها - ما رأيت رسول الله وَليل منتصراً من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء، فإذا انتهك من محارم الله شيء كان من أشدهم في ذلك غضباً، وفيه عن أبي سعيد الخدري: وكان ◌َلّ إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه. قلت: وذلك لكثرة جماله وَّه، فإن الجميل إذا سُرَّ أو غضب يُعرف ذلك في وجهه. (ثم قال) وَيّ: (إن الرجل) أي بعضاً من الناس (ليسألني) بفتح اللام الأولى وضم الثانية (ما) موصولة مفعول يسأل (لا يصلح) بضم اللام (لي ولا له) أي يسأل ما لا يجوز لي إعطاؤه، ولا يجوز له أخذه، وعلم منه أن أحداً (١) ((المنتقى)) (٣٢٥/٧). (٢) ((جمع الوسائل شرح الشمائل)) للقاري (٣٦/١ - ٣٧). ٦١٥ ٥٩ - كتاب الصدقة (٣) باب (١٨٢٥) حديث فَإِنْ مَنَعْتُهُ كَرِهْتُ الْمَنْعَ. وَإِنْ أَعْطَيْتُهُ، أَعْطَيْتُهُ مَالَا يَصْلُحُ لِي وَلَا لَهُ)) فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَا أَسْأَلُكَ مِنْهَا شَيْئاً أَبَداً . من متولي الأوقاف لو أعطى أحداً من الذين لهم وظيفة في الوقف زائداً على حقه لإصراره وطلبه، فلا يجوز له أخذه، ولا يكفي له أن يقول: أعطاني المتولي أو ناظم الأوقاف، فإنه و # مع أنه هو هو قال: ((لا يصلح لي ولا له)) . (فإن منعته) بصيغة المتكلم (كرهت المنع) لأنه ◌ّلي مجبول بالطبع على الجود والسخاء، قال الباجي: هذا يقتضي أنه كان يكره أن يمنع ما يسأله، وإن كان مما لا يصلح أن يمنعه (١)، لأنه يكره المنع جملة، اهـ. (وإن أعطيته) لسؤاله (أعطيته ما) أي شيئاً (لا يصلح لي) إعطاؤه (ولا له) أخذه. (فقال الرجل) المذكور السائل: (يا رسول الله لا أسألك منها) أي من الصدقة (شيئاً أبداً) بعد ذلك، قال الزرقاني: وفقه الله تعالى لقبول الموعظة الحسنة ببركته فيثقة، اهـ. وقال الباجي: يقال: إن الرجل المذكور أبيّ بن كعب - رضي الله عنه - وقوله: لا أسألك قاله على وجه الإقلاع، والتوبة، والانتهاء عما نهى الله تعالى عنه، اهـ. قلت: وفي البخاري(٢) وغيره قصة ابن اللُتبية الأسدي الأزدي معروفة، إذ استعمله رسول الله وَّل على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أُهْدِيَ لي، الحديث، وفيه إنكاره 18 عليه أشدّ الإنكار، وفي ((الدر)) برواية ابن سعد عن زياد الصدائي في حديث طويل، قال: قام رجل فقال: يا رسول الله أعطني من الصدقة، فقال: ((إن الله لم يكل قسمها إلى ملك مقرب ولا نبيّ مرسل حتى (١) كذا في الأصل، اهـ. (ش)). (٢) أخرجه البخاري (٧١٧٤) في باب هدايا العمال، ((فتح الباري))، (١٦٤/١٣). ٦١٦ ٥٩ - كتاب الصدقة (٣) باب (١٨٢٦) حديث ١٥/١٨٢٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ الْأَرْقَمِ: ادْلُلْنِي عَلَى بَعِيرِ مِنَ الْمَطَايَا أَسْتَحْمِلُ عَلَيْهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقُلْتُ: نَعَمْ. جَمَلاً مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ الْأَرْقَمِ: أَتُحِبُّ أَنَّ رَجُلاً بَادِناً فِي يَوْم حَارِّ غَسَلَ لَكَ مَا تَحْتَ إِزَارِهِ وَرُفْغَيْهِ جزّأها ثمانية أجزاء، فإن كنتَ جزءاً منها أعطيتك، وإن كنت غنياً عنها، فإنما هي صُداع في الرأس، وداء في البطن))، وأخرجه في ((المشكاة)) (١) برواية أبي داود مختصراً، وفيها برواية مسلم عن معاوية قال: قال رسول الله وقال : ((لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً، فتخرج له مسألته مني شيئاً، وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته)). ١٥/١٨٢٦ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن أبيه) أسلم مولى عمر - رضي الله عنه - (أنه قال) لي (عبد الله بن الأرقم) الصحابي الشهير: (اذلُلْني) بضم الهمزة وسكون الدال وضم اللام الأولى، أي أرشدني واختر لي (على بعير من المطايا) جمع مطية، وهي الظهر التي تركب (أستحمل) بصيغة المتكلم (عليه أمير المؤمنين) مفعول أستحمل أي أطلب من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يحملني عليه (فقلت) مقولة أسلم (نعم جمل) نفيس بالرفع في النسخ الهندية وأكثر المصرية، وفي بعضها جملاً بالنصب أي تأخذ (من الصدقة) أي من إبل الصدقة. (فقال عبد الله بن الأرقم) منكراً على قولي (أتحب) بهمزة الاستفهام (أن رجلاً بادناً) بالنون في جميع النسخ المصرية والهندية، أي سميناً كثير اللحم، قال الزرقاني: وفي نسخة بالتحتية أي من أهل البادية، والغالب عليهم عدم النظافة، اهـ (في يوم حارِّ) بشد الراء المكسورة، أي كثير الحرارة (غسل لك) بصيغة الماضي (ما تحت إزاره) من القبل والدبر (ورفغيه) بالفاء والغين في (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٧١/٤). ٦١٧ ٥٩ - كتاب الصدقة (٣) باب (١٨٢٦) حديث ثُمَّ أَعْطَاكَهُ فَشَرِبْتَهُ؟ قَالَ: فَغَضِبْتُ وَقَلْتُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكَ. أَتَقُولُ لِي مِثْلَ هُذَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْأَرْقَمِ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ أَوْسَاخُ النَّاسِ يَغْسِلُونَهَا عَنْهُمْ. جميع النسخ المصرية، وبالسين والغين ((رسغيه)) في الهندية، وفي ((المحلى)): رفقيه وقال: بضم الراء وسكون الفاء أصول الفخذين، اهـ. والظاهر فيه تحريف، والصواب الأول، وهو بضم الراء المهملة وسكون الفاء وغين معجمة تثنية رفغ، قال ابن السكيت: هو أصل الفخذ(١)، وقال ابن الفارس: أصل الفخذ وسائر المغابن، وكل موضع اجتمع فيه الوسخ فهو رفع، قاله الزرقاني (ثم أعطاكه) أي أعطاك هذه الغسالة، أي الماء الذي غسل به هذه الأعضاء (فشربته) بصيغة الخطاب، أي أعطاكه لتشرب هذا الماء. (قال) أسلم: (فغضبتُ) بصيغة المتكلم، لكراهة هذا الكلام الذي قال لي، والماء الذي اختار لشربي، (وقلتُ) له: (يغفر الله لك أتقول) بهمزة الاستفهام، و((تقول)) بصيغة الخطاب من المضارع في جميع النسخ المصرية، وكذا في ((المحلى))، وفي غيرها من النسخ الهندية ((لك القول)) بلفظ المصدر المعرّف باللام، والأوجه الأول (لي مثل هذا) الكلام الفظيع والشراب القبيح. (فقال عبد الله بن الأرقم) في وجه قوله بذلك: (إنما الصدقة أوساخ الناس) كما قال ◌َلّر (يغسلونها) أي يغسلون الناس الأوساخ (عنهم) بهذه الصدقة، فما قلتُ ذلك إلا توضيحاً، لقوله وَله: ((إنما هي أوساخ الناس)) قال الزرقاني(٢): كان مراد ابن الأرقم أن أسلم يَدُلُّه على بعير من غير إبل الصدقة يطلبه من عمر - رضي الله عنه -، فلما دلّه أسلمُ على حمله من الصدقة ضرب له هذا المثال، لينبهه على ما غفل عنه، اهـ. (١) في ((التعليق على الموطأ)) الأندلسي: ((باطن الفخذ)). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٩/٤). ٦١٨ ٥٩ - كتاب الصدقة (٣) باب (١٨٢٦) حديث قال الباجي(١): قصد البادن لأنه يكون أكثر عرقاً، ووضراً من النحيف، وذكر اليوم الحار، لأن العرق ووضر البدن يكون فيه أكثر، وذكر ما تحت الإزار والرفغين، لأنه أقذر موضع في الجسد، لأنه أكثر عرقاً ووسخاً مع الغسل والإنقاء، فكيف مع العرق في اليوم الحار، لعلمه أن مال الصدقة أقبح الأموال وأقذرها، ومما يجب أن يستعفّ عنه المسلم الغنيّ عنها، ولذلك قال: ((إنما هي أوساخ الناس)) أي أوساخ أموالهم، ومما يتطهر بها، وأن الأخذ لمال الصدقة يحمل وسخها عن أرباب الأموال المخرجين لها والمطهرين أموالهم بها، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٣٢٦/٧). ٦١٩ ٦٠ - كتاب العلم (١) باب (١٨٢٧) حدیث بسم الله الرحمن الرحيم ٦٠ - كتاب العلم (١) باب ما جاء في طلب العلم ١/١٨٢٧ - حدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيم أَوْصَى ابْنَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ جَالِسِ الْعُلَمَاءَ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْكَ. (١) ما جاء في طلب العلم قد وردت الآيات الكثيرة في القرآن العظيم، والروايات الشهيرة في كتب الحديث في فضل العلم، ولم يذكر الإمام شيئاً منها بل ذكر قول لقمان الحكيم، وذلك لإشارة لطيفة إلى أخصر طريق أسهلها لطلب، فإن العلم كما يكثر بمجالسة العلماء، والمذاكرة معهم، والبحث معهم، لا يحصل ذلك بمطالعة الكتب ولا درسها، فإن الفضائل لما كانت معروفة في القرآن والحديث نَّهَ المصنفُ إلى تحصيلها بأخصر طرق. ١/١٨٢٧ - (مالك أنه بلغه) سيأتي وصله في آخر الحديث (أن لقمان الحكيم) الشهير الذي حكي في القرآن المجيد بعض وصاياه (أوصى ابنه) قال السهيلي: اسمه باران بموحدة وراء مهملة، وقيل فيه بالدال في أوله، وقيل: اسمه أنعم، وقيل: شكور، وقيل: بابلي، كذا في ((الفتح))، وحكى الزرقاني(١) نحوه عن ((الفتح))، وذكر فيه بار بدل باران، وأسلم بدل بابلي، (فقال: يا بُنَيَّ) بشد الياء مصغراً (جالِس العلماء وزاحمهم) بصيغة الأمر في الموضعين، وزاحمهم من المزاحمة، فما في النسخ الهندية من زيادة الألف في أوله تحريف من الناسخ (بركبتيك) بتثنية الركبة. قال الباجي(٢): يريد القرب منهم بمجالسته لهم حتى يأخذ بأيديهم، (١) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٩/٤). (٢) ((المنتقى)) (٣٢٦/٧). ٦٢٫٠