Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٣) حديث
مِثْلَ الْجَبَلِ .
فأخرجه البخاريّ في: ٩٧ - كتاب التوحيد، ٢٣ - باب قول الله تعالى ﴿تَعْرُجُ
اٌلْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾. ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ١٩ - باب قبول الصدقة من
الكسب الطيب، حديث ٦٣.
٢/١٨١٣ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
طَلْحَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ
بالتذكير، فيكون الضمير إلى ثواب هذه الصدقة (مثل الجبل) في الثقل والعظم،
وهكذا لفظ البخاري.
قال الحافظ(١): ولمسلم من طريق سعيد بن يسار عن أبي هريرة ((حتى
تكون أعظم من الجبل)) ولابن جرير من وجه آخر ((حتى يوافي بها يوم القيامة،
وهي أعظم من أحد)) يعني التمرة، وفي رواية القاسم عند الترمذي بلفظ ((حتى
إن اللقمة تصير مثل أحد)) قال: وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ
الرَّوَأْ وَيُرْبِ الضَّدَقَتِ﴾، وفي رواية ابن جرير التصريح بأن تلاوة الآية من كلام
أبي هريرة، والظاهر أن المراد بعظمها أن عينها تعظم لتثقل في الميزان،
ويحتمل أن يكون ذلك معبراً به عن ثوابها، اهـ.
وفي ((المحلى)): أراد بذلك تعظيم أجرها، وتضعيف ثوابها، ويصح أن
يكون على ظاهره، وأن يعظم في ذاته حتى يثقل في الميزان، حكاهما النووي
عن عياض، اهـ. والفرق بينه وبين كلام الحافظ مشعرٌ إلى مختارهما في
الترجيح، فتأمل.
٢/١٨١٣ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري (أنه
سمع أنس بن مالك) - رضي الله عنه - هكذا أخرجه البخاري في الزكاة(٢)
(١) ((فتح الباري)) (٢٨٠/٣).
(٢) ((صحيح البخاري)) ح (١٤٦١) باب الزكاة على الأقارب.
٥٦١

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٣) حديث
يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيِّ بِالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْل. وَكَانَ
أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ،
برواية عبد الله بن يوسف عن مالك (يقول: كان أبو طلحة) زيد بن سهل
الخزرجي زوج أم سليم (أكثر) بالنصب على أنه خبر كان، (أنصاريّ بالمدينة)
قال الزرقاني(١): أي أكثر كل واحد من الأنصار، ولذا لم يقل أكثر الأنصار،
فهو من التفضيل عن التفضيل، قاله الكرماني، اهـ.
قلت: لكن لفظ البخاري في الرواية المذكورة كان أبو طلحة أكثر
الأنصار بالمدينة (مالا) بالنصب على التمييز، (من نخل) أي من حيث المال
نخلاً، بيان للمال، قال الباجي: يقتضي أنه يجوز للرجل الصالح الاستكثار من
المال الحلال، اهـ. (وكان أحب أمواله إليه) بنصب أحب على أنه خبر كان،
واسمه بيرحاء، والمراد بأمواله الحوائط، قال ابن عبد البر: كانت دار أبي
جعفر والدار التي تليها حوائط لأبي طلحة.
وبسط الحافظ(٢) في ذلك في ((باب من تصدق إلى وكيله ثم ردّ الوكيل
إليه))، قال الباجي(٣): يقتضي جواز حب الرجل الصالح المال، قال عز اسمه:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ الآية، قال عمر - رضي الله
عنه -: اللَّهم إنا لا نستطيع إلا أن نحب ما زينت لنا فاجعلنا ممن يأخذه بحقه
فينفقه في وجهه، وقال أبو بكر - رضي الله عنه - لعائشة: لا أحد أحبُّ إليّ
غنّى منك، ولا أعزّ عليّ فقراً منك، اهـ.
(بيرحاء) قال الحافظ (٤): بفتح الموحدة وسكون التحتانية وفتح الراء
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤١٨/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٨٧/٥).
(٣) ((المنتقى)) (٣١٩/٧).
(٤) ((فتح الباري)) (٣٢٦/٣).
٥٦٢

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٣) حديث
وبالمهملة والمد، وجاء في ضبطه أوجهٌ كثيرة، جمعها ابن الأثير في ((النهاية))
فقال: يروى بفتح الباء وبكسرها، وبفتح الراء وضمها، وبالمد والقصر، فهذه
ثمان لغات، وفي رواية حماد بن سلمة، يعني عند مسلم كما سيأتي ((بريحا))
بفتح أوله وكسر الراء، وتقديمها على التحتية، وفي ((سنن أبي داود)): ((باريحا))
مثله لكن بزيادة الألف، وقال الباجي: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح
الراء مقصوراً، وكذا جزم به الصغاني، وقال: إنه فيعلى(١) من البراح، قال:
ومن ذكره بكسر الموحدة وظن أنها بئر من آبار المدينة فقد صحّف، اهـ.
وقال في موضع آخر(٢): ووقع في مسلم (٣) ((بريحاء)) ورجحه صاحب
(الفائق))، وقال: هي وزن فعيلاء من البراح، وهي الأرض الظاهرة المنكشفة،
وعند أبي داود: ((باريحاء)) بإشباع الموحدة، ووهم من ضبطه بكسر الموحدة
وفتح الهمزة، فإن ((أريحاء)) من الأرض المقدسة، ويحتمل إن كان محفوظاً أن
تکون سميت باسمها .
وقال عياض: رواية المغاربة إعراب الراء والقصر في حاء، وخطأه
الصوري، ونقل أبو علي الصدفي عن أبي ذر الهروي أنه جزم أنها مركبة من
كلمتين، ((بير)) كلمة و((حاء)) كلمة، ثم صارت كلمة واحدة، واختلف في حاء
هل هي اسم رجل أو امرأة أو مكان أضيفت إليه البئر أو هي كلمة زجر للإبل؟
لأن الإبل، كانت ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة، فأضيفت البئر إلى اللفظة
المذكورة، اهـ.
وتمام كلام الباجي قال: قرأنا هذه اللفظة على أبي ذر بفتح الراء في
(١) هكذا في ((فتح الباري)) (٤١٨/٤) وفي ((الزرقاني)) (٤١٨/٤) بدله: فعيلا، والصواب ما
في ((الفتح))، والله أعلم.
(٢) ((فتح الباري)) (٣٩٧/٥).
(٣) ((صحيح مسلم)) (٢/ ٦٩٤).
٥٦٣

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٣) حديث
وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ
مَاءٍ فِيهَا طَيِّب. قَالَ أَنْسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هُذِهِ الآيَةُ - ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ
حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا مُحِبُونَ﴾
الرفع والنصب والخفض، واللفظتان اسم للموضع، وليست بئر مضافة إلى
موضع، قال الباجي(١): قال لي أبو عبيد الله الصوري الحافظ: إنما هي
(بيرحاء)) بفتح الباء والراء، واتفق هو وأبو ذر وغيرهما من الحفاظ على من
رفع الراء حال الرفع، فقد غلط، وعلى ذلك كنا نقرأه على شيوخ بلدنا، وعلى
القول الأول أدركت أهل الحفظ والعلم بالمشرق، وهذا الموضع يعرف بقصر
بني حرملة، وهو موضع بفناء مسجد المدينة على ساكنها الصلاة والسلام، اهـ.
وذكره الحافظ في ((الفتح))(٢) بقصر بني حديلة، وقال: هو بالمهملة
مصغراً، ووهم من قاله بالجيم، وبنو حديلة بطن من الأنصار، وبسط في بناء
معاوية قصره لما اشترى من حسان حصته (وكانت) بيرحاء (مستقبلة المسجد)
النبوي، أي مقابله قريبة منه على الجانب الشمالي، كذا في ((المحلى)).
(وكان رسول الله (وَ لٍ و يدخلها) زاد في رواية للبخاري: ويستظل فيها
(ويشرب من ماء فيها) أي في بيرحاء (طيب) بالجر صفة لماء، قال الباجي:
يريد عذباً، وهذا يقتضي تبسط الرجل في مال من يعرف رضاه بذلك وإن لم
يستأمره.
(قال أنس: فلما أنزلت) بالهمزة في أوله في جميع النسخ ببناء المجهول
من الإنزال (هذه الآية) التي في آل عمران (٣) أي (لن تنالوا البر) أي لن تبلغوا
حقيقة البر وكماله (حتى تنفقوا مما تُحِبّون) أي بعض ما تُحِبُّون من المال
(١) ((المنتقى)) (٣٢٠/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٨٨/٥).
(٣) سورة آل عمران: الآية ٩٢.
٥٦٤

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٣) حديث
قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ
وَتَعَالى يَقُولُ : - ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ - وَإِنَّ أَحَبَّ
أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ. وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ.
فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ شِئْتَ.
والجاه وغيرهما (قام أبو طلحة إلى رسول الله (وَ لؤ) زاد في رواية لابن عبد البر:
ورسول الله صل على المنبر (فقال: يا رسول الله: إن الله تبارك وتعالى يقول)
فيما أنزل علينا: (﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ وإنَّ أحبَّ) بالنصب اسم
إن جملة مستأنفة (أموالي إليّ) بشد الياء (بيرحاء) خبر إن (وإنها صدقةٌ لله) عز
وجل، ولمسلم عن ثابت عن أنس: لما نزلت الآية قال أبو طلحة: أرى ربنا
يسألنا عن أموالنا، فاستشهد يا رسول الله إني جعلت أرضي بيرحاء لله (أرجو
برها) أي خيرها (وذخرها) بضم الذال وإسكان الخاء المعجمتين، أي نتيجتها
المؤخرة وفائدتها المدخرة (عند الله تعالى).
قال الباجي(١): هذا يدل على أن أبا طلحة تأَوَّلَ هذه الآيةَ على أنها
تقتضي أنه إنما ينال البر بصدقة ما يحب الإنسان من ماله، وقد فعل ذلك
زيد بن حارثة جاء بفرسه، وقال: هذا أحبُّ أموالي إليّ فتصدق به، وكان
الربيع بن خثيم إذا سمع سائلاً يقول: أعطوه سكراً، فإن الربيع يحب
السُّكَّر، اهـ.
(فضعها) بفتح الضاد المعجمة وسكون العين المهملة، أمر من وضع يضع
(يا رسول الله حيث شئت) قال الباجي: قوله: هي صدقة لله فضعها حيث
شئت، وإقرار النبي 18 على ذلك يدل على أن الصدقة المطلقة يصح أن
تصرف إلى الوجوه التي شاء المتصدق والمستشار في ذلك، اهـ.
وقال الزرقاني(٢): وللتنيسي والقعنبي: ((حيث أراك الله)) فَوَّض أبو طلحة
(١) ((المنتقى)) (٣٢٠/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٤١٩/٤) ..
٥٦٥

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٣) حديث
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: ((بَخْ!
تعيين مصرفها له قليلة، لكن لا تصريح فيه بأنه جعلها وقفاً، ولذا قيل: لا
ينهض الاستدلال بهذه القصة لشيء من مسائل الوقف، اهـ.
قلت: واختلفت ألفاظ الروايات في ذلك جداً، وعليها بناء المسائل،
ولذا ترجم عليها البخاري أبواباً عديدة، منها ((باب الزكاة على الأقارب))، وفي
كتاب الوكالة ((إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله))، وفي الوصايا
((باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه))، و((باب من تصدق إلى وكيله ثم رد
الوكيل))، و((باب إذا وقف أرضاً ولم يبين الحدود)) وغير ذلك من التراجم.
وقال الحافظ في ((باب من تصدق إلى وكيله ثم رد الوكيل)) وأخرج فيه
البخاري هذه القصة، وفي آخرها: وباع حسان حصته منه من معاوية، قال
الحافظ(١): هذا يدل على أن أبا طلحة مَلَّكَهم الحديقة المذكورة، ولم يقفها
عليهم، إذ لو وقف لما ساغ لحسان أن يبيعها فيُعَكِّرُ على من استدل بشيء من
قصة أبي طلحة في مسائل الوقف إلا فيما لا تخالف فيه الصدقة الوقف،
ويحتمل أن يقال: شرط أبو طلحة عليهم لما وقفها عليهم أن من احتاج إلى
بيع حصته منهم جاز له بيعها، وقد قال بجواز هذا بعض العلماء كعليّ
- رضي الله عنه - وغيره، اهـ.
وفي ((المحلى)): ظاهره جواز بيع الوقف، وقد أجمعوا على خلافه،
وأجاب عنه الكرماني بأن التصدق على معين تمليك له، وقال العسقلاني وتبعه
العيني: إنه يجوز أن يقال: إن أبا طلحة شرط عند وقفه عليهم أنه يجوز لمن
احتاج أن يبيع حصته، وذلك جائز عند بعضهم، اهـ.
(قال) أنس: (فقال رسول الله وَلجر: فبخ) بالفاء في أوله في جميع النسخ
المصرية والهندية، وفي رواية البخاري المذكورة من طريق عبد الله بن يوسف
(١) ((فتح الباري)) (٣٨٨/٥).
٥٦٦

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٣) حديث
ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ. ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ
عن مالك (بخ)) بدون الفاء، وفي جميع نسخ ((الموطأ)) وكذا في رواية البخاري
المذكورة بدون التكرار، وفي ((المشكاة)) برواية الشيخين عن أنس ((بخ بخ)) يعني
مرتين، قال النووي: (بخ)) بإسكان الخاء وتنوينها مكسورة، وحكى القاضي
الكسر بلا تنوين، وحكى الأحمر التشديد فيه، وقال القاضي: وروي بالرفع،
فإذا كررت، فالاختيار تحريك الأول منوناً وإسكان الثاني، قال ابن دريد:
معناه تعظيم الأمر وتفخيمه، سكنت الخاء فيه كسكون اللام في ((هل)) و((بل))،
ومن قال بخ بكسره منوناً شبهه بالأصوات كصَهٍ ومَهٍ، وقال ابن السكيت: بخ
بخ، وبه به بمعنى واحد، وقال الداودي: ((بخ)) كلمة تقال إذا حمد الفعل،
وقال غيره: تقال عند الإعجاب، اهـ.
وفي (الزرقاني))(١) عن ((الفتح)): بفتح الموحدة وسكون المعجمة، وقد
تنون مع التثقيل والتخفيف بالكسر وبالرفع والسكون ويجوز التنوين لغات، ولو
كررت، فالمختار تنوين الأولى وتسكين الثانية، زاد الحافظ(٢): وقد يسكنان
جميعاً، كما قال الشاعر:
بخ بخ لوالده وللمولود
ومعناها تفخيم الأمر والإعجاب به، اهـ.
(ذلك مال رابح ذلك مال رابح) مرتين في جميع النسخ الهندية والمصرية،
لكن رقم في النسخ الهندية على الثانية النون المشعرة على أنها في بعض النسخ
مرة واحدة، ثم لفظ: ((رابح)) بالموحدة في النسخ المصرية في كلا الموضعين،
وكلها متظافرة على ذلك، واختلفت النسخ الهندية بعد اتفاقها على عدم اتحاد
اللفظين، ففي بعضها: ((رابح)) بالموحدة في الأول، ((ورائج)) بالهمزة والجيم
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤٢١/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٩٩٧/٥).
٥٦٧

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٣) حديث
في الثانية، وفي أخرى: (رائح)) بالهمزة والحاء في الأولى والموحدة في الثانية
وغير ذلك، لكن كلها متفقة على الاختلاف في الجملتين غير ((المحلى))، فإنه
لم يضبطهما بالاختلاف، بل قال: بالهمز على أن أصله المثناة، وذلك رواية
یحیی بن یحیی أي يروح عليك نفعه وثوابه، اهـ.
قال الباجي: قوله: ((رايح)) بالياء(١) معجمة هي رواية يحيى بن يحيى
وجماعة الرواة، قال عيسى بن دينار: إن كل ما انتفع به بعده في الدنيا راح
عليه أجره في الآخرة، قال الباجي(٢): ومعنى ذلك عندي أنه مال يروح عليه
ثوابه، ورواه مطرف وابن الماجشون (رابح)) بالباء معجمة واحدة، قال عيسى بن
دينار: معناه أن صاحبه قد وضعه موضع الربح، والغنيمة لثوابه، والادخار
لمعاده، اهـ. كذا في نسخة ((المنتقى)) للباجي الموجودة عندي المطبوعة بمصر.
قال السيوطي في ((التنوير))(٣): قال الباجي: رواه يحيى وجماعة بالتحتية
والجيم من الرواج، أي أنه يروج ثوابه في الآخرة، ورواه مطرف وابن
الماجشون بالموحدة والحاء المهملة من الربح ضد الخسران أي أن صاحبه
وضعه موضع الربح له والغنيمة فيه، والادخار لمعاده، اهـ. قال الزرقاني(٤):
قال الباجي: رواه يحيى وجماعة بتحتية(٥) وجيم أي يروج ثوابه في
الآخرة، اهـ.
(١) كذا في الأصل، اهـ. ((ش)).
(٢) ((المنتقى)) (٣٢٠/٧).
(٣) ((تنوير الحوالك)) (ص٧١٩).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٤١٩/٤).
(٥) لعله - رحمه الله - أخذه من كلام السيوطي، وما تقدم عن أصل الباجي، ظاهره عندي
أنه أراد بالياء معجمة التحتية فقط، ولم يتعرض عن الجيم كما يدل عليه لفظه الآخر
بمعجمة واحدة، فتأمل. اللَّهم إلا أن يقال: إن الباجي صرَّح بالجيم في شرح آخر، فإن
له ثلاثة شروح لـ((الموطأ))، كما تقدم في المقدمة، اهـ. ((ش)).
٥٦٨

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٣) حديث
قال الزرقاني: وهو مخالف لقول ابن عبد البر، رواه يحيى وجماعة رابح
من الربح أي رابح صاحبه ومعطيه، ورواه ابن وهب وغيره بتحتية أي يروح
على صاحبه بالأجر العظيم، والأول أولى عندي، اهـ.
والحديث أخرجه البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك، وقال في
آخره: تابعه روح، وقال يحيى بن يحيى وإسماعيل: رايح.
قال الحافظ(١): قوله: تابعه روح يعني عن مالك في قوله: (رابح))
بالموحدة، وقال يحيى وإسماعيل: رايح، يعني بالتحتانية، وقد وهم صاحب
((المطالع)) فقال: رواية يحيى بن يحيى بالموحدة، وكأنه اشتبه عليه الأندلسي
بالنيسابوري، فالذي عناه هو الأندلسي، والذي عناه البخاري النيسابوري، قال
الداني في ((أطراف الموطأ)): رواه يحيى بن يحيى الأندلسي بالموحدة، وتابعه
جماعة، ورواه يحيى النيسابوري بالمثناة، وتابعه إسماعيل وابن هب، ورواه
القعنبي بالشك، كما وصله البخاري في الأشربة، والرواية الأولى واضحة من
الربح أي ذو ربح، وقيل: هو فاعل بمعنى مفعول، أي هو مال مربوح فيه،
وأما الثانية فمعناه رائح عليه أجره، قال ابن بطال: المعنى أن مسافته قريبة،
وقيل: معناه يروح بالأجر ويغدو به، واكتفى بالرواح عن الغدو، وادعى
الإسماعيلي أن من رواه بالتحتية فقد صحف، اهـ.
وفي ((المجمع)): مال رائح أي يروح عليك ثوابه، يعني قرب وصوله إليه
أو من الرواح، أي شديد الذهاب والفوات، فإذا ذهب في الخير فأولى، اهـ.
وقال النووي(٢): مال رابح ضبطناه ههنا بالوجهين، بالياء المثناة
وبالموحدة، وقال القاضي: روايتنا فيه في ((كتاب مسلم)) بالموحدة، واختلفت
(١) ((فتح الباري)) (٣٢٦/٣).
(٢) (شرح صحيح مسلم) للنووي (٨٦/٧).
٥٦٩

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٣) حديث
وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهِ. وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ)) فَقَالَ
أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ
الرواة فيه عن مالك في ((البخاري)) و((الموطأ)) وغيرهما، فمن رواه بالموحدة
فمعناه ظاهر، ومن رواه رايح بالمثناة، فمعناه رايح عليك أجره في
الآخرة، اهـ.
وعلم من هذا كله أن ما حُكِي عن الباجي بالجيم في ضبطه، لم يضبطه
بذلك عامة الشراح ولا أهل اللغة، وليس هو في أصل الباجي، فلعله توهم في
نقله .
(وقد سمعت) بضم التاء على صيغة المتكلم (ما قلت) بفتحها على
الخطاب (فيه) أي في مالك (وإني أرى) زيادة الفضل والأجر في (أن تجعله)
كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية بضمير التذكير إلى المال، غير نسخة
الزرقاني، ففيها أن تجعلها بضمير التأنيث إلى بيرحاء (في الأقربين) أي في
أقربائك، وفي رواية للبخاري من طريق إسحاق بن عبد الله ((قبلناه منك ورددناه
عليك، فاجعله في الأقربين)) وترجم عليه البخاري ((باب من تصدق إلى وكيله
ثم رد الوكيل إليه)) وفي أخرى للبخاري من طريق ثابت عن أنس ((اجعله لفقراء
أقاربك فجعلها لحسان وأبي بن كعب)) قال الباجي: رأى النبي وَلّ أن ذلك
أفضل وجه يصرف إليه لما فيه من الصدقة، وصلة الرحم، وتقويت أهل الفضل
والعلم.
(فقال أبو طلحة: أَفْعَلُ) بفتح الهمزة وضم اللام على صيغة المتكلم من
المضارع (يا رسول الله) تعميلاً لإرشادك (فقسمها أبو طلحة) قال الحافظ (١):
فيه تعيين أحد الاحتمالين في رواية غيره حيث وقع فيها ((أفعل فقسمها))، فإنه
احتمل الأول، واحتمل أن يكون افعل صيغة أمر، وفاعل قسمها النبي ◌َّر،
(١) ((فتح الباري)) (٣٩٧/٥).
٥٧٠

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٣) حديث
فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٤٤ - باب زكاة الأقارب. ومسلم
في: ١٢ - كتاب الزكاة، ١٤ - باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج،
حديث ٤٢.
وانتفى هذا الاحتمال الثاني بهذه الرواية، وذكر ابن عبد البر أن إسماعيل
القاضي رواه عن القعنبي عن مالك، فقال في روايته: ((فقسمها رسول الله وله
في أقاربه وبني عمه أي أقارب أبي طلحة)).
قال الحافظ: ووقع في رواية ثابت عن أنس كما تقدم(١)، وكذا في رواية
همام عن إسحاق بن أبي طلحة، فقال وَلير: ((ضعها في قرابتك فجعلها حدائق
بین حسان بن ثابت وأبي بن كعب)).
لفظ إسحاق أخرجه أبو داود الطيالسي في ((مسنده))(٢) قال ابن عبد البر:
إضافة القسم إلى رسول الله بَّلة، وإن كان سائغاً شائعاً في لسان العرب على
معنى أنه الآمر به، لكن أكثر الرواة لم يقولوا ذلك، والصواب رواية من قال:
((فقسمها أبو طلحة))، اهـ.
(في أقاربه وبني عمه) من عطف الخاص على العام، وفي رواية ثابت
المتقدمة، فجعلها لحسان وأبي بن كعب، وكذا في رواية همام عن إسحاق،
وكذا في رواية الأنصاري عن أبيه عن ثمامة، وقد تمسك به من قال: أقل من
يعطى من الأقارب إذا لم يكونوا منحصرين اثنان، وفيه نظر، لأنه وقع في
رواية الماجشون عن إسحاق ((فجعلها أبو طلحة في ذي رحمه وكان منهم
حسان وأبي بن كعب)) فدل على أنه أعطى غيرهما معهما، ثم رأيت في مرسل
أبي بكر بن حزم ((فرده على أقاربه أبي بن كعب وحسان بن ثابت وأخيه - أو
ابن أخيه - شداد بن أوس ونبيط بن جابر))، اهـ.
(١) من قوله: اجعله فجعلها، اهـ. (ش).
(٢) ح (٢١٩٣).
٥٧١

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٤) حديث
٣/١٨١٤ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: ((أَعْطُوا السَّائِلَ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ)).
قال النووي(١): فيه أن القرابة يراعى حقها في صلة الأرحام، وإن لم
يجتمعوا إلا في أب بعيد، لأنه وليّ أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في
الأقربين، فجعلها في أبيّ بن كعب وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه في
الجد السابع، اهـ.
زاد أبو داود في ((سننه)) (٢)، قال أبو داود: بلغني عن الأنصاري قال: أبو
طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن
عمرو بن مالك بن النجار، وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان إلى
حرام، وهو الأب الثالث، وأبيّ بن كعب بن قيس بن عتيك بن زيد بن
معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، فعمرو يجمع حسان وأبا طلحة وأبيًّا،
قال الأنصاري: بين أبيّ وأبي طلحة ستة آباء، اهـ.
ونحو ذلك في ((البخاري)) وذكرت لفظ أبي داود؛ لأنه أوضح وأخصر من
البخاري إلا أن في البخاري قيس بن عبيد بدل قيس بن عتيك وهو وهم، كما
حققه الشيخ في ((البذل))(٣)، والصواب ما في البخاري، وبسط الحافظ في هذه
الروايات.
٣/١٨١٤ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر - رضي الله
عنه -، ذكره ابن عبد البر في ((التجريد)) في مرسلات زيد التي لم يختلف عن
مالك في إرسالها (أن رسول الله وَّة) وسيأتي وصله في آخر الحديث (قال:
أعطوا السائل) الذي يسأل التصدق (وإن) وصلية (جاء على فرس) يعني لا تردُّوه
(١) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (٨٦/٧).
(٢) (٥٧/٢).
(٣) ((بذل المجهود)) (٢٤٢/٨).
٥٧٢

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٤) حديث
وإن جاء على حالة تدل على غناه كركوب فرس، لأنه لولا حاجته للسؤال ما
بذل وجهه .
وحكي أن عمر بن عبد العزيز بعث مالاً يُفَرَّقُ بالرقة، فقال الذي بعث
معه: يا أمير المؤمنين تبعثني إلى قوم لا أعرفهم، وفيهم غنيٌّ وفقير، فقال: كل
من مَدَّ يده إليك فأعطه، وزعم أن المراد وإن جاء على فرس يطلب علفه
وطعامه، تعسف ركيك، كذا في ((الزرقاني)) (١).
وقال الباجي(٢): يريد أن يكون على فرس لا غنى به عنه، وكذلك قال
مالك - رضي الله عنه - في صاحب المسكن والخادم: لا فضل فيهما، وهذا
في الزكاة، وأما صدقة التطوع فتعطى لكل أحد من غنيّ وفقير، وقد يكون
السائل ابن سبيل ويكون على فرس، فيلزم عونه على طريقه، ويكون غازياً،
فيلزم أن يعان على غزوه، وليس من شرط الصدقة أن تصرف إلى من ليس له
شيء جملة، بل تُعْطَى من له البُلْغة ليبقى بها حاله، أو ليبلغ بها حال الغنى
على حسب ما تصدق أبو طلحة بيرحاء على أبيّ وحسان إرادة غناهما، اهـ.
قال السيوطي في ((التنوير))(٣): قال ابن عبد البر: ليس في هذا اللفظ سند
يحتجّ به فيما علمت، وقد أخرجه قاسم بن أصبغ من طريق سفيان عن
مصعب بن محمد عن يعلى بن أبي يحيى عن فاطمة بنت حسين عن أبيها قال:
قال رسول الله وَله: ((للسائل حق وإن جاء على فرس)) قال السيوطي: أخرجه
من هذا الطريق أحمد وأبو داود، وأخرج أحمد في ((الزهد)) عن سالم بن أبي
الجعد قال: قال عيسى بن مريم عليه السلام: ((إن للسائل حقاً وإن أتاك على
فرس مطوَّق بالفضة)»، اهـ.
(١) (شرح الزرقاني)) (٤٢٠/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٣٢٠/٧).
(٣) ((تنوير الحوالك)) (ص٧١٩).
٥٧٣

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٥) حدیث
٤/١٨١٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيِّ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ جَدَّتِهِ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله :
(يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ. لَا تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ
وفي ((الزرقاني)) (١): قال ابن عبد البر: لا أعلم في إرسال هذا الحديث
خلافاً عن مالك، وليس له سند يحتج به فيما أعلم، اهـ. قال الزرقاني: وقد
وصله ابن عدي من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي صالح عن
أبي هريرة، لكن عبد الله ضعيف، نعم له شاهد، أخرجه أحمد وأبو داود
وقاسم بن أصبغ عن الحسين بن علي مرفوعاً: ((للسائل حق وإن جاء على
فرس)) وسنده جيد، قاله العراقي وغيره، ولكن قال ابن عبد البر: سنده ليس
بالقوي، وجاء بلفظ ((الموطأ)) من وجه آخر عن أبي هريرة عند ابن عدي
وضَعَّفه، ومن وجه آخر عند الدارقطني.
والحاصل أن المرسل صحيح، وتَتَقَوَّى روايةُ الوصل بتعدد الطرق
وباعتضادها بالمرسل، اهـ.
وفي ((المحلى)): الحديث مرسل في ((الموطأ))، رواه أبو داود (٢) عن علي
وعن ابنه الحسين، والطبراني عن الهرباس بن زياد بلفظ ((للسائل حق وإن جاء
على فرس))، اهـ.
٤/١٨١٥ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن عمرو) بالواو في
جميع النسخ فهو بفتح العين (ابن معاذ الأشهلي الأنصاري) الأوسي، تقدم
الخلاف في نسبه في ((باب جامع الطعام))، فإنه ذكر فيه هذا الحديث بسنده
ومتنه (عن جدته) يقال: اسمها حواء، كما تقدم (أنها قالت: قال رسول الله وَله :
يا نساء المؤمنات) تقدم البسط في اختلافهم في إعراب هذه الكلمة. (لا
تحقرن) بكسر القاف وشد النون (إحداكن) كذا ههنا في جميع النسخ الهندية
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤٢٠/٤).
(٢) ((سنن أبي داود)) (١٦٦٥).
٥٧٤

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٦) حديث
أَنْ تُهْدِيَ لِجَارَتِهَا وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقاً)».
جاء في الصحيحين عن أبي هريرة. أخرجه البخاريّ في: ٥١ - كتاب الهبة،
١ - باب الهبة وفضلها والتحريض عليها. ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة ٢٩ - باب
الحث على الصدقة ولو بالقليل، حديث ٩٠.
٥/١٨١٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْج
النَّبِيِّ وَِّ: أَنَّ مِسْكِيناً سَأَلَهَا وَهْيَ صَائِمَةٌ وَلَيْسَ فِي بَيْتِهَا إِلَّا رَغِيفٌ.
فَقَالَتْ لِمَوْلَاةٍ لَهَا : أَعْطِيهِ إِيَّاهُ
والمصرية (أن تهدي) بضم المثناة الفوقية وسكون الهاء، وليس في النسخ
الهندية لفظ ((أن تهدي)) (لجارتها شيئاً) ولو قليلاً (ولو) كان (كُراع) بضم الكاف
وتخفيف الراء (شاة) بالجر (مُحْرَقاً) بالنصب(١) على التذكير في جميع النسخ
المصرية، ومحرق على التذكير أيضاً بدون النصب في جميع النسخ الهندية،
وهكذا كان اختلاف النسخ فيما سبق من هذه الرواية.
قال الزرقاني(٢): نعت الكراع وهو مؤنث فحقه محرقة، لكن وردت
الرواية هكذا في ((الموطآت)) وغيرها، ومَرَّ هذا الحديث بسنده ومتنه في ((جامع
ما جاء في الطعام والشراب)) إشارة إلى أن الطعام اسم لكل ما يطعم وإن قَلَّ،
وأعاد ههنا إلى الترغيب في الصدقة، وإن قَلَّتْ، والنهي عن احتقارها فلا
تكرار، قال أبو عمر: في ذكر القليل تنبيهٌ على فضل الكثير، اهـ.
٥/١٨١٦ - (مالك أنه بلغه) وتقدم مراراً أن بلاغ الإمام مالك صحيح
(عن عائشة زوج النبي وَ ل ﴿ أن مسكيناً سألها) أي سأل أم المؤمنين (وهي) أي
عائشة - رضي الله عنها - (صائمة وليس في بيتها إلا رغيف) أي خبز واحد
(فقالت) عائشة - رضي الله عنها - (لمولاة لها) لم تسم (أعطيه إياه) بتذكير
(١) هكذا في ((الاستذكار)) (٤٠٥/٢٧) أيضاً، والحديث في ((التمهيد)) (٢٩٥/٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٢١/٤).
٥٧٥

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٦) حديث
الضميرين في جميع النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية: ((أعطيها إياه))، بتأنيث
الأول وتذكير الثاني، وهكذا في الجملة الآتية، والمؤدى واحدٌ، يعني أعطي
السائل ذاك الرغيف.
قال الباجي(١): أمرتها أن تعطي للسائل رغيفاً، ليس عندها غيره وهي
صائمة على معنى الإيثار على نفسها والتوكل على الله عَزَّ وجلّ، ولعله قد كان
ذلك في عام الرمادة لما رأت بالسائل من جهد خافت عليه، وأحسَّتْ في
نفسها قوةً على الصبر، اهـ
قلت: لا حاجة إلى ذلك الاحتمال، فإن عادات الصحابة - رضي الله
عنهم أجمعين - لا سيما سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - في الإيثار وكثرة
الصدقات معروفة، فإنهم نزل فيهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ﴾(٢) وفي ((الدر))(٣): أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في ((الشعب))
عن ابن عمر - رضي الله عنهما- قال: أُهدي لرجل من أصحاب رسول الله وَل
رأس شاة، فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوجُ إلى هذا منّا، فبعث به إليهم،
فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر، حتى تداولها أهل سبعة أبيات، حتى رجعت
إلى الأول.
وفي ((الإحياء)): وذكره أيضاً أبو نعيم في ((الحلية)) عن محمد بن المنكدر
عن أم درة، وكانت تخدم عائشة - رضي الله عنها - قالت: إن معاوية - رضي الله
عنه - بعث إليها بمالٍ في غرارتين ثمانين ومائة ألف درهم، فدعت بطبق،
فجعلت تقسمه بين الناس، فلما أمست قالت: يا جارية هلمي فُطُوْرِي، فجاءتها
(١) ((المنتقى)) (٣٢١/٧).
(٢) سورة الحشر: الآية ٩.
(٣) ((الدر المنثور)) (١٠٢/٨).
٥٧٦

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٦) حدیث
فَقَالَتْ: لَيْسَ لَكِ مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ: أَعْطِيهِ إِيَّاهُ. قَالَتْ
فَفَعَلْتُ. قَالَتْ: فَلَمَّا أَمْسَيْنَا أَهْدَى لَنَا أَهْلُ بَيْتٍ، أَوْ إِنْسَانٌ، مَا كَانَ
يُهْدِي لَنَا، شَاةً
بخبز وزيت، فقالت لها أم درة: ما استطعتِ فيما قسمتِ اليوم أن تشتري لنا
بدرهم لحماً نفطر عليه؟ فقالت: لو كنتِ ذَكَّرتِني لفعلتُ.
وفي ((الإتحاف)): روى هشام بن عروة عن أبيه أن معاوية بعث إلى عائشة
مرة بمائة ألف قال: فوالله ما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى فَرَّقَتْها، فقالت
مولاة لها: لو اشتريت لنا من هذه الدراهم بدرهم لحماً؟ فقالت: لو قلت لي
قبل أن أفرقها لفعلت، وقال تميم بن سلمة عن عروة: لقد رأيت عائشة تتصدق
بسبعين ألفاً، وأنها لترقع جانب درعها .
وأخرج أبو نعيم في ((الحلية)) عن عروة أن عائشة - رضي الله عنها -
باعت مالها بمائة ألف فقسمته، ثم أفطرت على خبز الشعير، فقالت مولاة لها :
ألا كنت أبقيت لنا درهماً، فذكر مثل ما تقدم في قصة أم درة.
وأخرج بسنده إلى عبد الرحمن بن القاسم قال: أَهْدَى معاوية لعائشة ثياباً
وورقاً وأشياء توضع في أسطوانها، فلما خرجت عائشة نظرت إليه، فبكت، ثم
قالت: لكن رسول الله و لو لم يكن يجد هذا، ثم فرقته، ولم يبق منه شيء، وعندها
ضيف، فلما أفطرت، وكانت تصوم من بعد رسول الله وَله، أفطرت على خبز
وزيت، فذكر نحو ما تقدم، وأخبارها - رضي الله عنها - في ذلك شهيرة.
(فقالت) المولاة: (ليس لك) بكسر الكاف (ما تفطرين عليه) غير هذا
الرغيف الواحد، وما موصولة اسم ليس (فقالت) عائشة مرة ثانية: (أعطيه إياه)
بتذكير الضميرين في المصرية وتأنيث الأول في الهندية (قالت) المولاة:
(ففعلت) بصيغة المتكلم أي امتثلت أمرها، فأعطيتُه الرغيف (قالت) المولاة:
(فلما أمسينا) وجاء وقت الإفطار (أهدى لنا أهل بيت أو) شك من الراوي
(إنسان ما) نافية (كان يهدي لنا) شيئاً قبل ذلك، قال صاحب ((المحلى)): ما
نافية، والجملة صفة لما قبلها (شاة) بالنصب مفعول أهدى.
٥٧٧

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٦) حديث
وَكَفَنَهَا .
قال الباجي(١): يريد أن عائشة - رضي الله عنها - لم تعلم بذلك ولم
تحتسب به، فتشق عليه، وتعول عليه، ولكن الله سبحانه عوضها من حيث لم
تحتسب، اهـ.
قلت: وقال عز اسمه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَهَا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا
يَحْتَسِبْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهٌُ﴾(٢) وقال عز اسمه: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ
فَهُوَ يُخْلِفُةٌ، وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾(٣) وفي ((المشكاة)) (٤) برواية الشيخين عن أبي
هريرة مرفوعاً: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما:
اللَّهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللَّهم أعط ممسكاً تلفاً))، وعنه برواية
((الصحيحين)) أيضاً: قال الله تعالى: ((أنفق يا ابن آدم أنفق عليك)) (وكَفَنَها)(٥)
هكذا في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح غير الزرقاني بالكاف فالفاء
فالنون، ولم يتعرض عنه السيوطي.
قال الباجي(٦): قال عيسى بن دينار: يريد أنها كانت ملفوفة
بالرغف، اهـ. وفي ((المجمع)) في الكفن: أهدى لنا شاة وكفنها، أي ما يُغَطِّيها
من الرغفان، اهـ. وفي نسخة الزرقاني كفتها بالكاف فالفاء فالمثناة الفوقية،
وقال: أي مطبوخة للأكل، اهـ. وفي جميع النسخ الهندية بالكاف فالمثناة
(١) انظر: ((المنتقى)) (٣٢١/٧).
(٢) سورة الطلاق: الآيتان ٢، ٣.
(٣) سورة سبأ: الآية ٣٩.
(٤) (١٨٦٠).
(٥) قوله: شاة وكفنها: فإن العرب أو بعض وجوههم كان هذا من طعامهم؛ يأتون إلى الشاة
أو الخروف، فإذا سلخوه غطوه كله بعجين دقيق البر، وكفنوه فيه، ثم علّقوه في التّور،
فلا يخرج من وَدكه شيءٌ إلا في ذلك الكفن، وذلك من طيب الطعام عندهم.
((الاستذكار)) (٢٧/ ٤٠٧).
(٦) ((المنتقى)) (٣٢١/٧).
٥٧٨

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٧) حدیث
فَدَعَتْنِي عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ: كُلِي مِنْ هُذَا. هُذَا خَيْرٌ مِنْ
قُرْصِكِ.
٦/١٨١٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مِسْكِيناً
اسْتَطْعَمَ عَائِشَةَ أَمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ يَدَيْهَا عِنَبٌ. فَقَالَتْ لِإِنْسَانٍ: خُذْ
حَبَّةً فَأَعْطِهِ
الفوقية فالفاء، فلو صح هذا فالظاهر أنه من باب عطف الخاص على العام،
والمراد بالكتف لحم الكتف، قال صاحب ((المجمع)) في الحديث: أكل عندها
كتفاً أي لحم كتف، اهـ.
وهكذا في نسخة ((المصفى)) بالكاف والفوقية، وترجمه شيخ مشايخنا
بقوله: وجانب آن قدري أزنان، اهـ.
قالت المولاة: (فدعتني عائشة) - رضي الله عنها - لما وصلت إليها الهدية
المذكورة (فقالت: كلي) بضم الكاف وتخفيف اللام أمر من الأكل (من هذا)
أي لحم الشاة والرغف (هذا) الذي أخلفنا الله عز وجل (خير من قرصك) بضم
القاف وسكون الراء، أي رغيفك الذي أعطيت السائل، قال الباجي: تريد أن
تذكرها بوجه الصواب فيما قدمته من الصدقة بالقرص، لأنه لم يكن عندها
غيره، وأن الله تعالى عوضها أفضل من ذلك، وفي هذا شكر لله عز وجل وثناء
عليه على حسن بلائه وفضل ما عوض به، اهـ.
٦/١٨١٧ - (مالك قال: بلغني) عن بعض من سلف (أن مسكيناً استطعم)
أي طلب شيئاً من الطعام (عائشة زوج النبي ◌َّ- وبين يديها عنب) بكسر العين
وفتح النون مبتدأ مؤخر، قال الراغب(١): العنب يقال لثمرة الكرم، وللكرم
نفسه، الواحدة عنبة، وجمعه أعناب، قال تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ﴾
وقال عز اسمه: ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴿ وَزَيْتُونَا﴾ الآية (فقالت) عائشة - رضي الله عنها -
(لإنسان) كان عندها (خذ حبة) أي عنبة واحدة من هذه الأعناب (فأعطه) أي
(١) ((مفردات القرآن)) (ص٥٨٩).
٥٧٩

٥٩ - كتاب الصدقة
(١) باب
(١٨١٧) حديث
إِيَّاهَا. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَعْجَبُ.
السائل (إياها) أي الحبة، كذا في جميع النسخ المصرية بتأنيث الضمير الثاني،
وهو أوضح، وفي النسخ الهندية فأعطه إياه بتذكير الضميرين وللتأويل مساغ.
قال الباجي: أمرها بإعطاء حبة على معنى الصدقة باليسير، وإيثاره على
الرد، ومن تكررت منه الصدقة تصدق مرة بقليل ومرة بكثير، وإنما هو بحسب
ما يعرف له من نية ويرى من موضع حاجة، اهـ.
قلت: وقد تكون حبات الأعناب كبيرة جداً، فلا عجب في إعطاء واحد
واحد لأفراد من الناس، والأوجه عندي: أن عائشة - رضي الله عنها - فعلت
ذلك عمداً تعليماً، لأن القليل من الصدقة تؤجر عليها؛ لما في ((الدر)) (١) برواية
ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: لما نزلت: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية،
كان المسلمون يرون أنهم لا يُؤْجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء
السائل إلى أبوابهم، فيستقلّون أن يعطوه التمرة والكسرة، فيردونه، ويقولون:
ما هذا الشيء، الحديث بطوله.
(فجعل) الإنسان المذكور المأمور (ينظر إليها) أي عائشة - رضي الله
عنها - (ويعجب) بسكون العين المهملة وفتح الجيم في جميع النسخ الهندية
والمصرية (٢) غير الزرقاني، ففيها يتعجّب من التفعل يعني يتعجب من قلة
الصدقة من مثل عائشة - رضي الله عنها -، أو تعجب من أن الحبة الواحدة أنّى
تقع من المستطعم، أخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذُكِر لنا أن عائشة
- رضي الله عنها - جاءها سائل فسأل، فأمرت له بتمرة، فقال قائل: يا أم
المؤمنين إنكم لتصدقون بالتمرة؟ قالت: نعم، والله إن الخلق كثير، ولا يشبعه
إلا الله، أوَليس فيها مثاقيلُ ذَرِّ كثيرةٌ؟
(١) ((الدر المنثور)) (٥٤٣/٨).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٤٠٨/٢٧).
٥٨٠