Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٧ - كتاب الكلام
(٩) باب
(١٨٠٣) حديث
٢٢/١٨٠٣ - حدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ
النَّبِيِّ وَِّ قَالَتْ:
٢٢/١٨٠٣ - (مالك أنه بلغه أن أم سلمة) أم المؤمنين (زوج النبي
◌َىاللّه
قالت) قال ابن عبد البر في ((التجريد)) (١): هذا الحديث لا يعرف لأم سلمة إلا
من وجه ليس بالقوي، يروى عن محمد بن سوقة عن نافع عن ابن جبير عن أم
سلمة، وقد روي في معنى هذا الحديث حديث أم سلمة بغير هذا اللفظ، وأما
هذا اللفظ فإنه معروف لزينب بنت جحش عن النبي وَلقر، وهو مشهور محفوظ
من حديث ابن شهاب، وقد اختلف عليه في بعض إسناده، وقد ذكرنا ذلك كله
في ((التمهيد))(٢)، اهـ.
قلت: وهذا الذي أشار إليه ابن عبد البر من الاختلاف على الزهري في
هذا الحديث هو اختلاف آخر، بسطه الحافظ في ((الفتح))(٣) في أول الفتن،
وهو أن البخاري(٤) أخرجه عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن
أم حبيبة عن زينب بنت جحش أنها قالت: استيقظ النبي بَ لّ، الحديث، وذكر
الحافظ جماعةً من الرواة الذين رووه هكذا مثل سند البخاري.
قال الحافظ: هكذا رواه كلهم عن الزهري ليس في السند حبيبة، وزاد
جماعة من أصحاب ابن عيينة عنه ذكر حبيبة، فقالوا: عن زينب بنت أم سلمة
عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة، هكذا أخرجه مسلم(٥) عن جماعة
من الرواة، ثم قال مسلم: زادوا فيه حبيبة، وهكذا أخرجه الترمذي عن غير
واحد عن سفيان، قال سفيان: حفظت عن الزهري في هذا الحديث أربع نسوة
(١) (ص٢٤٩).
(٢) (٣٠٨/٢٤).
(٣) ((فتح الباري)) (١٢/١٣).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٣٣٤٦). كتاب الأنبياء. باب قصة يأجوج ومأجوج.
(٥) أخرجه مسلم في الفتن (٢٨٨٠).
٥٢١

٥٧ - كتاب الكلام
(٩) باب
(١٨٠٣) حديث
يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَهْلِكُ وَفِيْنَا الصَّالِحُونَ؟
عن أم حبيبة عن زينب
بلاتّـ
زينب بنت أم سلمة عن حبيبة، وهما ربيبتا النبي
بنت جحش، وهما زوجا النبي ◌َّ، انتهى مختصراً.
وهذا هو الاختلاف على الزهري الذي أشار إليه ابن عبد البر، وما قال
ابن عبد البر: وقد روي في معنى هذا الحديث حديث أم سلمة بغير هذا
اللفظ، فلعله أشار بذلك إلى ما في الترمذي (١) إذ أخرج عن الصديق الأكبر أنه
قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
الآية، وإني سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم
يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه))، قال الترمذي: في الباب
عن عائشة وأم سلمة.
وأخرج الترمذي(٢) أيضاً بسنده إلى عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال
رسول الله ◌َ: ((يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ))، قالت: قلت: يا
رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا ظهر الخبث))، قال: هذا
حديث غريب من حديث عائشة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، اهـ.
(يا رسول الله أنهلك) بكسر اللام (وفينا الصالحون) هكذا في رواية
البخاري عن زينب بنت جحش، قال الحافظ: وفي رواية ((قلت: يا رسول الله
أيعذبنا الله، وفينا الصالحون))، وكأنها أخذت ذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾، اهـ
قال الباجي(٣): إنها اعتقدت أن بالصالحين يدفع الله عن المسيئين
العذاب، ولعلها اعتقدت أن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ
(١) سنن الترمذي (٢١٦٨) من الفتن.
(٢) (٢١٥٢).
(٣) ((المنتقى)) (٣١٦/٧).
٥٢٢

٥٧ - كتاب الكلام
(٩) باب
(١٨٠٣) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: ((نَعَمْ. إِذَا كَثُرَ الْخَبْثُ)).
فِيهِمْ﴾(١) فتأولت في كل قوم فيهم صالح، وإنما كان ذلك لنبينا وَلَه خاصاً،
وأما غيره من الأنبياء فقد أهلك قومهم مع كون النبي فيهم، فينجي الله رسله،
ويحتمل أن يكون سألت أم سلمة عن هذه الأمة خاصة، واعتقدت أنها لما لم
تعذب مع بقاء النبي وَ لّر فيها أنها لا تهلك ما دام فيها صالح من أمة النبي ◌َّ،
فأعلم والر أنه ليس حال الصالح من الأمة مثل حاله وَلّ، وقد تهلك جماعة من
أمة فيها صالح أو صالحون، قال تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
مِنكُمْ خَضَةٌ﴾، اهـ.
(فقال رسول الله وَله: نعم) يمكن ذلك (إذا كثر الخبث) قال الحافظ(٢):
بفتح المعجمة والموحدة ثم مثلثة فسروه بالزنا وبأولاد الزنا وبالفسوق
والفجور، وهو أولى(٣)، لأنه قابله بالصلاح، قال ابن العربي: فيه البيان بأن
الخيّر يهلك بهلاك الشرير إذا لم يغير عليه خبثه، وكذلك إذا غيّر عليه، لكن
حيث لا يجدي ذلك ويصر الشرير على عمله السيء، ويفشو ذلك، ويكثر حتى
يعُمَّ الفساد، فيهلك حينئذ القليل والكثير. ثم يُحْشر كل أحد على نيته، وكأنها
فهمت من فتح القدر المذكور في حديث زينب من الردم، أن الأمر إن تمادى
على ذلك اتّسع الخرق بحيث يخرجون، وكان عندها علم أن في خروجهم على
الناس هلاكاً عاماً لهم، اهـ.
قلت: ونص رواية البخاري عن زينب بنت جحش أن رسول الله وَ لل دخل
عليها يوماً فزعاً يقول: ((لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم
من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها، قالت
زينب: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر
(١) سورة الأنفال: الآية ٣٣.
(٢) ((فتح الباري)) (١٠٩/١٣).
(٣) أي تفسيره بالفسوق مطلقاً أولى من التقييد بالزنا وأولاده، اهـ. ((ش)).
٥٢٣

٥٧ - كتاب الكلام
(٩) باب
(١٨٠٤) حديث
١٨٠٤/ ٢٣ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيم، أَنَّهُ
سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: كَانَ يُقَالُ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَاَلَى لَا
يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ. وَلَكِنْ إِذَا عُمِلَ الْمُنْكَرُ جِهَاراً اسْتَحَقُوا
الْعُقُوبَةَ كُلَّهُمْ.
الخبث))، قال الحافظ(١): وفي رواية استيقظ النبي وَلّر من النوم محمراً وجهه
يقول، الحديث، ويجمع بينهما بأنه دخل عليها بعد أن استيقظ، اهـ.
قال الزرقاني(٢): وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن زينب
بنت جحش، لكن لا يمتنع أن أم سلمة سألت عن ذلك وإن كان أيضاً في
حديثها مقال، لأنه اعتضد ببلاغ مالك، اهـ.
٢٣/١٨٠٤ - (مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم) القرشي المدني (أنه
سمع) أمير المؤمنين (عمر بن عبد العزيز) قال الزرقاني: ختام الخلفاء الراشدين
(يقول) أي عمر - رضي الله عنه - (كان يقال) في زمن الصحابة: (إن الله تبارك
وتعالى لا يعذب العامة) أي لا ينزل العذاب العمومي (بذنب الخاصة) أي يذنب
جماعة قليلة (ولكن إذا عمل) ببناء المجهول (المنكر جهاراً) بكسر الجيم، أي
عياناً، ولم يغيروه ولم ينكروا عليه (استحقوا) أي الناس كلهم (العقوبة كلهم)
تأكيد لضمير استحقوا، قال الله عز اسمه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِىّ
إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَدُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنْكَرٍ﴾(٣) الآية.
VA
وفي ((المشكاة)) (٤) برواية ((شرح السنة)) عن عدي بن عدي الكندي عن
((فتح الباري)) (١٠٤/١٣).
(١)
((شرح الزرقاني)) (٤١٢/٤).
(٢)
(٣) سورة المائدة: الآية ٧٨، ٧٩.
(٤) ((مشكاة المصابيح)) (١٤٢٤/٣).
٥٢٤

٥٧ - كتاب الكلام
(١٠) باب
(١٠) باب ما جاء في التقى
مولاه عن جده مرفوعاً: ((إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى
يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكروا، فإذا
فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة)) وفيه أيضاً عن أبي بكر الصديق قال: يا
أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾(١) الآية،
فإني سمعت رسول الله وَل* يقول: ((إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه يوشك
أن یعمهم الله بعقابه)) رواه ابن ماجه والترمذي وصححه.
وفي رواية أبي داود(٢): ((إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن
يعمهم الله بعقاب)) وفي أخرى له: ((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم
يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب)).
وقال الحافظ في ((الفتح))(٣) في باب قوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةً﴾(٤): حديث عدي بن عميرة سمعت رسول الله وَله
يقول: ((إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة)) الحديث، تقدم قريباً، قال:
أخرجه أحمد بسند حسن، وهو عند أبي داود من حديث العرس بن عميرة، وله
شواهد من حديث حذيفة وجرير وغيرهما عند أحمد وغيره، اهـ.
(١٠) ما جاء في التقى
بضم المثناة الفوقية في ((مختار الصحاح)): التقوى والتقى واحد، قال
الراغب: الوقاية حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، والتقوى جعل النفس في وقاية
مما يخاف، هذا تحقيقه، ثم يسمى الخوف تارة تقوى، والتقوى خوفاً، حسب
(١) سورة المائدة: الآية ١٥.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٣٨).
(٣) ((فتح الباري)) (٤/١٣).
(٤) سورة الأنفال: الآية ٢٥.
٥٢٥

٥٧ - كتاب الكلام
(١٠) باب
(١٨٠٥) حدیث
٢٤/١٨٠٥ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ،
وَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ حَائِطاً فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ، وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ
جِدَارٌ، وَهُوَ فِي جَوْفِ الْحَائِطِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ! ..
تسمية الشيء بمقتضيه أو بمقتضاه، وصار التقوى في تعارف الشر حفظ النفس
عما يؤثم، وذلك بترك المحظور، ويتم ذلك بترك بعض المباحات.
٢٤/١٨٠٥ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن) عمه
(أنس بن مالك قال: سمعت عمر بن الخطاب) أمير المؤمنين الكلام الآتي
(وخرجت معه) أي كنت قد خرجت معه من داره إلى البستان (حتى دخل) أي
عمر - رضي الله عنه - (حائطاً) أي بستاناً (فسمعته وهو يقول) جملة حالية.
وفي (تاريخ الخلفاء))(١): قال أنس: دخلت حائطاً، فسمعت عمر
- رضي الله عنه - يقول - وبيني وبينه جدار: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين -
بخ بخْ، والله لتتقين الله ابن الخطاب أو ليعذبَنّك الله، اهـ.
(وبيني وبينه جدار) يعني كنت قريباً منه، وكان هو خالياً منفرداً في وراء
الجدار (وهو في جوف الحائط) أي داخل البستان، وكان أنس خارجه (عمر بن
الخطاب أمير المؤمنين) قال صاحب ((المحلى)): قوله: عمر بن الخطاب مرفوع
على أنه بدل من المستكن في يقول، وقوله: أمير المؤمنين صفة له، يعني يقول
عمر - رضي الله عنه - الكلام الآتي المشعر بكمال الخوف، مع كونه عمر
- رضي الله عنه - علماً في الفضل والتقوى أمير المؤمنين، ويحتمل أن يكون
مرفوعاً على الفاعلية، والجملة خبر هو على أنه للشأن، ويحتمل أن يكون
منصوباً على أنه حال موطية نظيره ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ قَُّنَا عَرَبِيًّا﴾، اهـ.
والظاهر عندي أن هذا مقولة عمر - رضي الله عنه - بنفسه، ((عمر)) مبتدأ،
(١) (ص١٤٧).
٥٢٦

٥٧ - كتاب الكلام
(١٠) باب
(١٨٠٥) حديث
بَخِ بَخٍ، واللهِ لَتَتَّقِيَنَّ اللهَ أَوْ لَيُعَذِّبَنَّكَ.
و ((أمير المؤمنين)) خبره، وكأنه يقول استعجاباً على انقلاب الزمان أن عمر أمير
المؤمنين، الله، الله، سبحان الله، ويشير إلى ذلك قوله: (بخ بخ) وهي كلمة
يقال عند المدح والرضاء بالشيء، وتكرر للمبالغة، وهي مبنية للسكون، فإن
وصلت جررت ونونت، وربما شددت، كذا في ((النهاية))، واختار الخطابي إذا
كرّر تنوين الأولى وتسكين الثانية، كذا في ((المحلى)).
وقال الزرقاني(١): بخ بخ أي عظم الأمر وفخم، الأول منون، والثاني
مسكن، وتسكينهما وتشديدهما، ويقال مفردة ساكنة، ومكسورة، ومنونة،
ومضمومة منونة، كلمة تقال عند الرضاء والإعجاب بالشيء، أو الفخر
والمدح، قاله المجد الشيرازي، اهـ.
(والله) هكذا في جميع النسخ المصرية، وليس في النسخ الهندية لفظ
((والله)) (يا ابن الخطاب) هذا في النسخ الهندية، وليس هذا في المصرية
(لتتقين الله) أي تخافه وتحذر عقابه بصيغة الخطاب في النسخ المصرية،
وبصيغة الغائب ((ليتقين)) في النسخ الهندية، والصواب الأول لا سيما في النسخ
الهندية لذكر ((يا ابن الخطاب)) فيها (أو ليعذبنك) قال صاحب ((المحلى)):
جواب قسم محذوف، اهـ.
قلت: هذا على النسخ الهندية، والقسم مذكور في النسخ المصرية.
قال الباجي(٢): قول عمر - رضي الله عنه - وقد خلا بنفسه، واعتقد أن
أحداً لا يسمعه: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ على معنى تعظيم هذه
الحال واستشناعه لها، وأنه قد وصل من الرفعة في الدنيا إلى ما لا مزيد عليه،
فيعرض ذلك على نفسه معظماً لنعمة الله عز وجل، وذكراً لها بما يذكر الناس
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤١٣/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٣١٦/٧).
٥٢٧

٥٧ - كتاب الكلام
(١٠) باب
(١٨٠٦) حدیث
٢٥/١٨٠٦ - قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ
يَقُولُ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَمَا يَعْجَبُونَ بِالْقَوْلِ.
قَالَ مَالِكٌ: يُرِيدُ، بِذَلِكَ، الْعَمَلَ. إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى عَمَلِهِ وَلَا
يُنْظَرُ إِلَى قَوْلِهِ.
له هذه الحال، وأنها حال إن لم يتق الله تعالى لم يَنْجُ من عذابه، وأن هذه
الحال يغبطه بها من لا علم له وهي حال لا تنفعه، وإنما ينفعه التقى والعمل
الصالح وتوبيخ الإنسان لنفسه ومحاسبته لها في الخلاء من فعل مثل عمر بن
الخطاب ومما يليق بفضله وعلمه ودينه، اهـ.
وفي ((المحلى)): إذا كان مثل عمر - رضي الله عنه - يقول ذلك من
الخوف، فغيره أولى بذلك، ﴿فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾، اهـ.
وفي ((البخاري)) عن الحسن البصري ((ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق))،
قال النووي: ما خافه أي الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ.
جَّثَانِ ﴾﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾، ورجح
الحافظ أن الضمير المنصوب إلى النفاق، واستدل عليه بالرواية.
٢٥/١٨٠٦ - (مالك قال: بلغني أن القاسم بن محمد) بن أبي بكر
الصديق - رضي الله عنه - (كان يقول: أدركت الناس) أي الصحابة
الكرام (وما يعجبون) بفتح الجيم، أي ما يرضون (بالقول) المجرد بدون
العمل.
(قال مالك: يريد) القاسم بن محمد (بذلك العمل) يعني معنى قوله: ما
يعجبون بالقول أنهم يعجبون من العمل (إنما ينظر إلى عمله ولا ينظر) ببناء
المجهول فيهما (إلى قوله) يعني أن العبرة إنما هي للأعمال لا الأقوال
المحضة، قال الباجي: قول القاسم: ما يعجبون بالقول، وقال مالك: إنما
ينظر إلى عمله، يريد أن القول ممن لا يعمل لا يعجب به أهل الفضل، وإنما
يعجبون بعمل العالم، قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا
٥٢٨

٥٧ - كتاب الكلام
(١١) باب
(١٨٠٧) حديث
(١١) باب القول إذا سمعت الرعد
٢٦/١٨٠٧ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛
أَنَّهُ
كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾(١)، اهـ.
تَفْعَلُونَ
(١١) القول إذا سمعت الرعد
بفتح المثناة الفوقية على صيغة الخطاب في جميع النسخ المصرية
والهندية، والرعد بفتح الراء وسكون العين المهملتين، قال الراغب(٢): الرعد
صوت السحاب، وروي أنه ملك يسوق السحاب، وقيل: رعدت السماء
برقت، وأرعدت أبرقت.
٢٦/١٨٠٧ - (مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير) التابعي العابد الشهير
(أنه) أي عامر، هذا على ما عندي من جميع نسخ ((الموطأ)) المصرية والهندية
من المتون والشروح إذ جعلوا الأثر من كلام عامر، وهكذا في متن ((المنتقى))
عن عامر، وفي ((شرحه)) قوله: إن ابن الزبير يريد عبد الله كان يقول إلخ، وهذا
يدل على أن هذا الكلام من كلام ابن الزبير.
وفي ((الدر))(٣): أخرج مالك وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد في ((الزهد))
والبخاري في ((الأدب)) وابن المنذر وغيرهم عن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا
سمع الرعد ترك الحديث إلى آخر ما في ((الموطأ))، وذكر الدعاء صاحب
((الحصن))، وفي ((هامشه)) عن ((الحرز)): رواه مالك في ((الموطأ)) موقوفاً عن
عبد الله بن الزبير بإسناد صحيح، اهـ.
(١) سورة الصف: الآيتان ٢، ٣.
(٢) ((مفردات القرآن)) (ص٣٥٧).
(٣) ((الدر المنثور)) (٥٥٣/٤).
٥٢٩

٥٧ - كتاب الكلام
(١١) باب
(١٨٠٧) حديث
كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ
بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ. ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ هُذَا لَوَعِيدٌ، لِأَهْلِ
الْأَرْضِ شَدِيدٌ.
فالظاهر أن في نسخ ((الموطأ)) سقوطاً، وإن تظاهرت عليه النسخ،
والصواب عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه (كان إذا سمع الرعد) أي
صوته (ترك الحديث) الذي كان مشتغلاً فيه، قال الباجي: ارتياعاً منه وإقبالاً
على ذكر الله تعالى، اهـ.
قلت: واتباعاً لقوله وفعله وَ ل# كما سيأتي (وقال) كذا في الهندية، وفي
المصرية ((ويقول)) (سبحان الذي يسبح الرعد بحمده) أي يقول الرعد: سبحان الله
وبحمده، كذا في ((الزرقاني)) تبعاً ((للجلالين)) (والملائكة من خيفته) أي من خوفه
تعالى عزّ اسمه، وقيل: من خوف الرعد، فإنه رئيسهم، كذا في ((المحلى)).
وفي سورة الرعد ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنِشِئُ السَّحَابَ
اَلنَّقَالَ ﴿﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ﴾(١) الآية، وأخرج ابن جرير
وغيره عن أبي هريرة (٢) رفعه: ((أنه كان إذا سمع الرعد قال: سبحان من يسبح
الرعد بحمده))، وعنه أنه وَلو كان إذا هبت الريح أو سمع صوت الرعد تَغَيَّر لونه
حتى عرف ذلك في وجهه، ثم يقول للرعد: ((سبحان من سبحت له)).
(ثم يقول: إن هذا لوعيد)، هكذا في النسخ المصرية بزيادة لام الابتداء
على وعيد، فيكون ((هذا)) اسم ((إن))، وقوله: وعيد مرفوعاً على الابتداء
و(شديد)) خبره، وهو الأوجه عندي لمزيد التأكيد فيه، وفي النسخ الهندية
الوعيد بزيادة لام التعريف، فعلى هذا هو اسم ((إن)) و(لأهل الأرض شديد) خبر
إن، وفي ((المحلى)): شديد لدلالته على خوف الملائكة منه تعالى، اهـ. يعني
(١) سورة الرعد: الآيتان ١٢، ١٣.
(٢) انظر: ((الدر المنثور)) (٥٥٣/٤).
٥٣٠

٥٧ - كتاب الكلام
(١١) باب
(١٨٠٧) حديث
أنهم مع عصمتهم لما يخافون، فكيف بأهل الأرض المبتلين بالمعاصي
والسيآت في كل الأحيان.
والأوجه عندي أن الإشارة إلى الرعد الذي ينشأ عنه البرق، قال عز
اسمه: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ فإنه مما يخاف منه لا
محالة، أخرج أبو الشيخ عن الضحاك في تفسير هذه الآية قال: الخوف ما
يخاف عن الصواعق، والطمع الغيث، وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن
الحسين رفعه: ((إنما الرعد وعيد من الله، فإذا سمعتموه فأمسكوا عن
الحدیث)) .
وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر، وأبو نعيم في
((الدلائل)) والضياء في ((المختارة)) وجماعة عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى
رسول الله ) فقالوا: يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا
بهن عرفنا أنك نبيٌّ واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه، قال:
((الله على ما نقول وكيل)) قال: هاتوا، قالوا: أخبِرْنا عن علامة النبوة، فذكر
الحديث بطوله.
وفيه قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ((مَلَكٌّ من ملائكة الله موَكّل
بالسحاب، بيديه مخراق نار، يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله تعالى))،
قالوا: فماذا الصوت الذي نسمع؟ قال: ((صوته))، قالوا: صدقت، الحديث.
وبسط السيوطي(١) الآثار الكثيرة عن الصحابة وغيرهم في تفاسير البرق
والرعد، وقال: أخرج أحمد والحاكم عن أبي هريرة عن النبي وَلّ قال: ((إن
ربكم يقول: لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعتُ عليهم
الشمسَ بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد))، وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد
(١) انظر: ((الدر المنثور)) (٥٥٠/٤).
٥٣١

٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٢) باب ما جاء في تركة النبي
صلىالله
وَسَّلة
والبخاري في ((الأدب)) والترمذي والنسائي والحاكم وجماعة عن ابن عمر
- رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله صل﴿ إذا سمع صوت الصواعق والرعد
قال: ((اللَّهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافِنا قبل ذلك))(١).
وأخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((إذا
سمعتم الرعد فاذكروا الله تعالى، فإنه لا يصيب ذاكراً))، وأخرج أبو داود في
((مراسيله)) عن عبيد الله بن أبي جعفر أن قوماً سمعوا الرعد فكَبَّرُوا، فقال
رسول الله وَل: ((إذا سمعتم الرعد فسبحوا ولا تكبروا))، وأخرج سعيد بن
منصور عن ابن عباس قال: من سمع صوت الرعد فقال: ((سبحان من يسبّح
الرعد بحمده والملائكة من خيفته، وهو على كل شيء قدير)) فإن أصابته صاعقة
فعليّ ديتُه، وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي جعفر قال: ((الصاعقة
تصيب المؤمن والكافر، ولا تصيب ذاكر الله)) كذا في ((الدر)).
وفيه روايات أخر عديدة في الباب، وقال: أخرج الخرائطي في ((مكارم
الأخلاق))(٢) عن أحمد بن داود قال: بينما سليمان بن داود عليهما السلام
يمشي مع أبويه، وهو غلام إذ سمع صوت الرعد فَخَرَّ، فلصق بفخذ أبيه،
فقال: يا بنيّ، هذا صوت مقدمات رحمته، فكيف لو سمعت صوت مقدمات
غضبه؟اهـ. اللهم احفظنا منه.
(١٢) ما جاء في تركة النبي وَله
قال الزرقاني (٣): التركة بفتح التاء وكسر الراء وتخفف بكسر أوله وسكون
الراء مثل كلمة وكلمة: ما خلفه الميت، والجمع تركات، اهـ.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٨٣/٢٧).
(٢) انظر: ((الدر المنثور)) (٥٥٤/٤).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٤١٤/٤).
٥٣٢

٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٨) حديث
٢٧/١٨٠٨ - حدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ وَجِهِ، حِينَ تُوُفِّيَ
رَسُولُ اللهِ مَێِ،
وقال الراغب(١): ترك الشيء رفضه قصداً واختياراً أو قهراً واضطراراً،
فمن الأول قوله: ﴿وَتَرَّكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ ومن الثاني ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن
جَنَّتٍ وَعُيُونٍ﴾ ومنه: تركة الميت لما يخلفه بعد موته، اهـ.
١٨٠٨/ ٢٧ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير عن) خالته
(عائشة أم المؤمنين) زوج النبي ◌َّ﴾ (أن أزواج النبي ◌ُّ) اللاتي مات عنهن، قال
قتادة: مات رسول الله وَل عن تسع: خمس من قريش عائشة وحفصة وأم حبيبة
وسودة وأم سلمة، وثلاث من سائر العرب ميمونة وزينب بنت جحش وجويرية،
وواحدة من بني هارون، كذا في ((التلقيح)) (حين توفي رسول الله وَليه) .
هكذا أخرجه البخاري(٢) برواية القعنبي عن مالك، قال الحافظ(٣): ظاهر
سياقه أنه من مسند عائشة. وقد رواه إسحاق بن محمد الفروي عن مالك بهذا
السند عن عائشة عن أبي بكر الصديق أورده الدارقطني في ((الغرائب))، وأشار
إلى أنه تفرد بزيادة أبي بكر في سنده، وهذا يوافق رواية معمر عن الزهري عند
البخاري في هذا الباب في إتيان فاطمة - رضي الله عنها - والعباس إلى أبي
بكر - رضي الله عنهما - يلتمسان ميراثهما من رسول الله وَيّ، فإن فيه عن
عائشة أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله وَلّ يقول، فذكره،
فيحتمل أن تكون عائشة سمعته من النبي وَلّ، كما سمعه أبوها، ويحتمل أن
تكون إنما سمعته من أبيها عن النبي ◌َّل# فأرسلته عن النبي ◌َ﴿ لما طالب
الأزواج ذلك، اهـ.
(١) ((مفردات القرآن)) (ص١٦٦).
(٢) أخرجه البخاري في الفرائض (٦٧٣٠) ومسلم في الجهاد (١٧٥٨).
(٣) ((فتح الباري)) (٩/١٢).
٥٣٣

٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٨) حدیث
أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إِلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، فَيَسْأَلْنَهُ
مِيرَاثَهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلَ فَقَالَتْ لَهُنَّ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلَّه: ((لَا نُورَثُ. مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ)).
أخرجه البخاريّ في: ٨٥ - كتاب الفرائض، ٣ - باب قول النبي وَلّ ((لا
نورث. ما تركنا صدقة)) ومسلم في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، ١٦ - باب قول
النبي ◌َل: ((لا نورث ما تركنا فهو صدقة))، حديث ٥١.
(أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر الصديق) - رضي الله عنه -
وكان إذ ذاك أمير المؤمنين وخليفة رسول الله # وكان بيده ما ترك النبي
من عقار الفيء (فيسألنه) أي عن أبي بكر الصديق خليفة رسول الله موصلجيده وأمير
المؤمنين (ميراثهن من رسول الله (وَ ل18) وهو الثمن، ولفظ أبي داود برواية القعنبي
عن مالك بهذا السند: ((فيسألنه ثمنهن من رسول الله وَلت)).
(فقالت لهن عائشة) رضي الله عنها: (أليس قد قال رسول الله وَ ليه) قال
الزرقاني(١): وفي رواية البخاري عن شعيب عن الزهري عن عروة عن عائشة،
فقلت لهن: ((ألا تتقين الله، ألم تعلمن أن النبي وَ الر كان يقول))، اهـ.
(لا نورث) بضم النون وفتح الراء مخففة ببناء المجهول. قال الطيبي: أي
لا يورث منا، فحذف الجار فاستمر ضمير الجمع في الفعل، فانقلب الفعل عن
الغائب إلى المتكلم، قال القاري(٢): هذا بناء على أنه لا يتعدى بنفسه، وجعله
بعض اللغويين متعدياً بنفسه وبمن، فلا خلاف ولا تحويل، كذا حققه العلامة
السندي، وقد جاءت اللغتان في التنزيل في قوله تعالى: ﴿يَرْثُنِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ
يَعْقُوبِ﴾ وفي ((القاموس)): ورث أباه، ومنه بكسر الراء يرثه كيعده، اهـ.
(ما تركنا فهو صدقة) لا شك في أن لفظ صدقة ههنا بالرفع، لكونه خبراً
لقوله: ((فهو))، والجملة خبر لقوله: ((ما تركنا)).
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤١٤/٤).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٥٧/١١).
٥٣٤

٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٨) حديث
وهذه الرواية تؤيد الرفع في حديث أبي بكر - رضي الله عنه - عند
الشيخين بلفظ: ((لا نورث ما تركناه صدقة)) كما في ((المشكاة))، قال
القاري(١): بالرفع جملة مستأنفة، كأنه لما قيل: لا نورث، فقيل: ما يفعل
بتركتكم؟ فأجيب: ما تركنا صدقة، ذكره الطيبي، ويروى بالنصب، أي ما
تركناه مبذول صدقة، فحذف الخبر، وبقي الحال كالعوض، ونظيره قوله
تعالى: ﴿وَحْنُ عُصْبَةُ﴾ بالنصب في قراءة شاذّةٍ، وقول الشيعة: ((ما)) نافية
((وصدقة)) مفعول ((تركنا)) فبهتان وزور، يَرُدُّه وجود الضمير في تركناه في أكثر
الروايات، ووجود ((فهو صدقة)) في بعضها، وصرائح الأحاديث الأخر،
كقوله: ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث)) لما يلزم من التناقض بين السابق
واللاحق، اهـ
قال الباجي(٢): والذي أجمع عليه جميع أهل السنة أن هذا حكم جميع
الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وقال ابن علية: إن ذلك لنبينا وَل# خاصة،
وقالت الإمامية: إن جميع الأنبياء يورثون، وتعلقوا في ذلك بأنواع من التخليط
لا شبهة فيها، مع ورود هذا النص عن النبي وَلَد.
قال الباجي(٣): وقد أخبرني أبو جعفر السمناني أن أبا علي بن شاذان،
وكان من أهل العلم بهذا الشأن إلا أنه لم يكن قرأ عربية، ناظر يوماً في هذه
المسألة أبا عبد الله بن المعلم، وكان إمام الإمامية، وكان مع ذلك من أهل
العلم بالعربية، فاستدل ابن شاذان على أن الأنبياء - عليهم السلام - لا يورثون
بما روي عن النبي ◌َر أنه قال: ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة))
فقال له ابن المعلم: إنما هو صدقة بالنصب على الحال، فيقضي ذلك أن ما
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١١/ ٢٥٧).
(٢) ((المنتقى)) (٣١٧/٧).
(٣) ((المنتقى)) (٣١٧/٧).
٥٣٥

٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٨) حديث
تركه النبي صل على وجه الصدقة لا يورث عنه، ونحن لا نمنع هذا، وإنما نمنع
ذلك فيما تركه النبي وَّل على غير هذا الوجه.
واعتمد على هذه النكتة لما علم أن ابن شاذان لا يعرف العربية، ولا
يفرق بين الحال وغيرها، فقال له ابن شاذان: إن ما زعمت أن قوله اَله: ((ما
تركنا صدقة)) إنما هو منصوب على الحال، وأنت لا تمنع هذا الحكم فيما تركه
الأنبياء - صلوات الله عليهم - على هذا الوجه، فإنا لا أعلم فرقاً بين النصب
والرفع، ولا أحتاج في هذه المسألة إلى معرفة ذلك، فإنه لا شك عندي وعندك
أن فاطمة - رضي الله عنها وأرضاها - من أفصح العرب، ومن أعلمهم بالفرق
بين قوله وق لو: صدقة بالنصب والرفع، وكذلك العباس - رضي الله عنه -، وهو
ممن كان يستحق الميراث لو كان موروثاً، وكذلك كان علي بن أبي طالب
- رضي الله عنه - من أفصح قريش، وأعلمهم بذلك، وطلبت فاطمة - رضي الله
عنها - ميراثها من أبيها .
فجاوبها أبو بكر - رضي الله عنه - بهذا اللفظ على وجه فهمت منه أنه لا
شيء لها، فانصرفت عن الطلب، وفهم ذلك العباس - رضي الله عنه -، وكذلك
عليّ - رضي الله عنه -، وسائر الصحابة، ولم يعترض أحد منهم بهذا
الاعتراض، وكذلك أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - المحتج به والمتعلق به،
لا خلاف أنه من فصحاء العرب العالمين بذلك لم يورد من هذا اللفظ إلا بما
يقتضي المنع، ولو كان اللفظ لا يقتضي المنع لما أورده ولا تعلق به، فإما أن
يكون بالنصب يقتضي ما يقوله، فادعاؤك باطل، وإما أن يكون الرفع هو الذي
يقتضيه، فهو المرويّ وادعاء النصب فيه باطل، اهـ.
قال النووي(١): إن جمهور العلماء على أن جميع الأنبياء - صلوات الله
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٨٠/١٢).
٥٣٦

٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٨) حديث
وسلامه عليهم أجمعين - لا يورثون، وحكى القاضي عن الحسن البصري أنه
قال: عدم الإرث منهم مختص بنبينا وَلّ، لقوله تعالى عن زكريا عليه السلام:
﴿يَرِثُنِى وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٍ﴾، وزعم أن المراد وراثة المال، وقال: لو أراد
وراثة النبوة لم يقل: ﴿وَ إِنِّ خِفْتُ اُلْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى﴾ إذ لا يخاف الموالي على
النبوة، ولقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدٌ﴾، والصواب ما حكيناه عن الجمهور
أن جميع الأنبياء لا يورثون، والمراد بقصة زكريا وداود وراثة النبوة، وليس
المراد حقيقة الإرث، بل قيامه مقامه، اهـ.
وتقدم قريباً ما قال الباجي: إن ذلك الذي أجمع عليه جميع أهل السنة
أن هذا حكم جميع الأنبياء عليهم الصلاة، وقال ابن علية: إن ذلك لنبينا وعليه
خاصة، اهـ.
وفي حديث مالك بن أوس بن الحدثان الطويل عند البخاري وغيره في
منازعة علي وعباس عند عمر - رضي الله عنهم - وقوله: هل تعلمون أن
رسول الله وَ﴾ قال: ((لا نورث ما تركنا صدقة)) يريد رسول الله وَل نفسه؟،
الحديث، قال الحافظ(١): في قول عمر - رضي الله عنه -: ((يريد نفسه)) إشارة
إلى أن النون في قوله: ((نورث)) للمتكلم خاصة لا للجمع، وأما ما اشتهر في
كتب الأصول وغيرها بلفظ: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) فقد أنكره جماعة
من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ: ((نحن)).
ولكن أخرجه النسائي من طريق محمد بن منصور عن ابن عيينه عن أبي
الزناد، بلفظ: ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث)) الحديث، وهو كذلك في ((مسند
الحميدي)) عن ابن عيينة، وهو أتقن أصحاب ابن عيينة فيه، وزاد في ((تلخيص
الحبير))(٢): إسناده على شرط مسلم، وبسط في هذه الروايات.
(١) ((فتح الباري)) (٨/١٢).
(٢) (١٠٩٣/٣).
٥٣٧

٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٨) حديث
وقال في ((الفتح))(١): وأورده الهيثم بن كليب في ((مسنده)) من حديث أبي
بكر الصديق باللفظ المذكور، وأخرجه الطبراني في ((الأوسط)» بنحو اللفظ
المذكور، وأخرجه الدارقطني في ((العلل)) من رواية أم هانئ عن فاطمة - عليها
السلام - عن أبي بكر الصديق بلفظ: ((إن الأنبياء لا يورثون)).
قال ابن بطال وغيره: وجه ذلك أن الله تعالى بعثهم مبلغين رسالته
وأمرهم أن لا يأخذوا على ذلك أجراً، كما قال: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ
أَجْرًا﴾، وقال نوح وهود وغيرهما نحو ذلك، فكان الحكمة أن لا يورثوا لئلا
يظن أنهم جمعوا المال لوارثهم. قال: وقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدِّ﴾
حمله أهل العلم بالتأويل على العلم والحكمة، وكذا قول زكريا عليه السلام،
وقد حكى ابن عبد البر: أن للعلماء في ذلك قولين، وأن الأكثر على أن
الأنبياء لا يورثون، وذكر أن ممن قال بذلك من الفقهاء إبراهيم بن إسماعيل بن
علية، ونقله عن الحسن البصري عياض في ((شرح مسلم))، وأخرج الطبري عن
إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله تعالى حكاية عن زكريا قال:
(رث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة)) ومن طريق قتادة عن الحسن نحوه.
لكن لم يذكر المال، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن رفعه مرسلاً:
((رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من يرث ماله)).
قال الحافظ (٢): وعلى تقدير تسليم القول المذكور، فلا معارض من القرآن
لقوله مَ لّ: ((لا نورث ما تركنا صدقة)) فيكون ذلك من خصائصه و سل ر التي أكرم
بها، بل قول عمر - رضي الله عنه -: يريد نفسه يؤيد اختصاصه بذلك، اهـ.
والظاهر أن ما في ((الفتح)) من كلام ابن عبد البر فيه سقوط من الناسخ
(١) ((فتح الباري)) (٨/١٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/١٢).
٥٣٨

٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٨) حديث
في ((الفتح))، فإن ظاهره أن ابن علية ممن قال بالعموم، وليس كذلك، بل هو
ممن قال بتخصيصه بنبينا ولار، كما تقدم في كلام الباجي.
وحكى الحافظ بنفسه على الصواب في ((تلخيص الحبير)) إذ قال: نقل ابن
عبد البر عن قوم من أهل البصرة، منهم إبراهيم بن علية أن هذا من خصائص
النبي وَير، والصحيح أنه عام لجميع الأنبياء لهذا الحديث، اهـ.
وفي ((التعليق الممجد)) (١): نقل ابن عبد البر عن جمع من أهل البصرة،
منهم ابن عُلَيَّة أن هذا من خصائصه وَّه، ونقل القاضي عياض عن الحسن
البصري أنه عام في جميع الأنبياء، اهـ. وفي هذا أيضاً تحريف من الناسخ،
فإنه ذكر مذهب ابن علية على الصواب، لكنه وقع التحريف في نقل مذهب
الحسن البصري، فإنه أيضاً قائل بالتخصيص، كما تقدم في كلام النووي عن
القاضي عياض.
وقال العيني في ((شرح البخاري)) (٢): قوله وَّل: ((لا نورث)) الرواية فيه
بالنون، قال القرطبي: أي جماعة الأنبياء، كما في رواية أخرى: ((نحن معاشر
الأنبياء لا نورث))، وروى أبو عمر في ((التمهيد))(٣) من حديث الزهري عن
مالك بن أوس عن عمر - رضي الله عنه -: ((إنا معاشر الأنبياء))، وهذا حجة على
الحسن البصري في ذهابه إلى أن هذا خاص بنبينا ◌َ # دون غيره من الأنبياء،
واستدل بقصة زكريا وسليمان - عليهما السلام -، وحمل جمهور العلماء الآيتين
على ميراث العلم والنبوة والحكمة ومنطق الطير في حق سليمان، اهـ.
وفي ((المحلى)) عن ((شرح الشمائل)) لابن حجر: أن هذا الحكم عام في
(١) (١٣٤/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٢٨/١٠).
(٣) (١٥١/٨).
٥٣٩

٥٧ - كتاب الكلام
(١٢) باب
(١٨٠٨) حديث
الأنبياء، وخالف فيه الحسن البصري، فقال: يختص به نبينا وَّ ﴾ لقصة زكريا
- عليه السلام -، ففيها وراثة مال لا نبوة وإلا لم يقل: ﴿وَإِّ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن
وَرَآءِى﴾، وصوب الجمهور خلاف قوله لرواية النسائي: ((إنا معاشر الأنبياء لا
نورث)»، اهـ.
وفي ((شرح الشمائل))(٢) للقاري: أما ما حكي في تفسير قوله تعالى:
﴿يَرِثُنِىِ وَبَرِثُ﴾ عن ابن عباس والحسن والضحاك والسدي ومجاهد والشعبي من
أن المراد يرث مالي، فهو بناء على ((أن لا نورث)) خاص بنبينا وَلقر، والجمهور
على خلافه، لقوله: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث))، فالمراد بالإرث الثابت
وراثة النبوة والعلم، والمنفي إرث المال، ويمكن أن يكون قولهم: يرثني المال
محمولاً على المعنى المجازي بأن يراد به أخذ المال في الحياة كما ارتكب
المجاز في حديث: ((إن الأنبياء إنما يورثون العلم)) لأن أخذ العلم أعم أن
يكون في الحياة أو بعد الممات، اهـ.
قال القاري في ((شرح الشمائل))(٢): ثم هذا الحديث مقطوع بالنسبة إلى
الصديق وكل من سمعه من النبي و 98، وأما بالنسبة إلى غيرهم فهو مشهور
يجوز أن يخصص به الكتاب، وأيضاً إن جمعاً كثيراً رووا هذا الحديث، فلا
يبعد أنه وصل إلى حد التواتر بالنسبة إلى الصحابة وإن كان بالنسبة أيضاً من
جملة الآحاد المفيدة للظن، اهـ.
قلت: والمراد بتخصيص الكتاب عموم قوله تعالى: ﴿يُوُصِيكُمُ اَللَّهُ فِىّ
أَوْلَدِكُمْ﴾ الآية، وقال الحافظ في ((الفتح))(٣): أما عموم الآية فأجيب عنها
(١) (٢٢٥/٢).
(٢) (٢٢٦/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٩/١٢).
٥٤٠