Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٨) حديث
١٧/١٧٩٨ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ: مَا
بَلَغَ بِكَ مَا نَرَى؟
قال الزرقاني: قوله: ((ألا ترى)) لم يقع هذا في المرفوع عند الشیخین،
فهو موقوف على ابن مسعود، لأن الإمام ذكر الحديث موقوفاً، اهـ.
١٧٩٨/ ١٧ - (مالك أنه بلغه) أخرجه ابن أبي الدنيا وأحمد وابن جرير،
كما سيأتي في آخر الحديث (أنه قيل للقمان) الحكيم المعروف المذكور في
سورة لقمان، قال الزرقاني(١): قيل: إنه حبشيٍّ، وقيل: نوبي، والأكثر على أنه
كان صالحاً أوتي الحكم، ولم يكن نبياً، ولابن أبي حاتم عن قتادة: أن لقمان
خُيِّرَ بين الحكمة والنبوة، فاختار الحكمة، فسئل عن ذلك، فقال: خفتُ أن
أضعف عن حمل أعباء النبوة.
قال السهيلي: اسم والده عنقاء بن شروان، وقال غيره: هو لقمان بن
باعور بن ناصر بن آزر، فهو ابن أخي إبراهيم، وذكر وهب في ((المبتدأ)»: أنه
ابن أخت أيوب، وقيل: ابن خالته، والصحيح أنه كان في عصر داود - عليه
السلام -، وقيل: كان يفتي قبل بعثته، وقيل: عاصر إبراهيم، كذا في
((الزرقاني)) ملخصاً من ((الفتح)).
وأخرج السيوطي في ((الدر)) (٢) برواية أحمد وغيره عن ابن عباس قال:
كان لقمان عبداً حبشياً نَجَّاراً، وبرواية الطبراني وغيره عن ابن عباس مرفوعاً
((اتخذوا السودان، فإن ثلاثة منهم سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم،
والنجاشي، وبلال المؤذن))، وفي ((المحلى)): الجمهور على أنه لم يكن نبياً،
وتفرد عكرمة بالقول بنبوته.
(ما بلغ) بفتحات وتخفيف اللام وما بمعنى أي شيء (بك) الباء
للتعدية أي أوصلك (ما نرى) بالنون في أوله مفعول بلغ، وما بمعنى الذي
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٩/٤).
(٢): ((الدر المنثور)) (٤٤٨/٦) ..
٥٠١
٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٨) حديث
يُرِيدُونَ الْفَضْلَ، فَقَالَ لُقْمَانُ: صِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ. وَتَرْكُ
مَا لَا يَعْنِيني.
(يريدون) بقوله: ما نرى (الفضل) الذي يشاهدونه فيه، يعني أي شيء أوصلك
إلى هذه المرتبة القصوى من الفضل.
(فقال لقمان) أوصلني إليها (صدق الحديث) الذي يجمع أبواب الخير،
فقد تقدم أن الصدق يهدي إلى البر، قال الله عز اسمه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
أَثَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ ﴾(١). قال بشر بن بكر: رأيت الأوزاعي مع
جماعة من العلماء في الجنة، فقلت: وأين مالك بن أنس، فقيل: رفع، قلت:
بماذا؟ قال: لصدقه، كذا في ((المنتقى)) (وأداء الأمانة) إلى أهلها، قال عز
اسمه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾(٢) الآية في سورة النساء،
وفي البقرة ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَّدِّ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَتَهُ﴾(٣) الآية، وفي
الحديث: ((أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)).
(وترك ما لا يعنيني) كذا في النسخ المصرية بإضافة المصدر إلى مفعوله،
وفي النسخ الهندية (تركي)) بإضافته إلى فاعله، والمؤدى واحد، وقوله:
((يعنيني)) بفتح أوله وسكون العين المهملة بعدها نونان مكسوران بينهما تحتية
ساكنة في النسخ المصرية، و((لا يعني)) بحذف المفعول في النسخ الهندية،
والمعنى واحد، أي ترك ما لا يَهُمُّني، وفي الحديث المعروف ((من حسن
إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) قال صاحب ((المشكاة)) (٤): رواه مالك وأحمد
عن علي بن الحسين مرفوعاً، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة والترمذي والبيهقي
في ((الشعب)) عنهما، اهـ.
(١) سورة التوبة: الآية ١١٩.
(٢) سورة النساء: الآية ٥٨.
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٨.
(٤) ((مشكاة المصابيح)) (١٣٦١/٣) ح (٤٨٣٩ - ٤٨٤٠).
٥٠٢
٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٩) حدیث
١٨/١٧٩٩ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ
كَانَ يَقُولُ: لَا يَزَالُ الْعَبُدُ يَكْذِبُ وَتُنْكَتُ
قلت: هو أحد الأحاديث الأربعة التي انتخبها الإمام أبو داود من
خمسمائة ألف حديث كما كتب هو بنفسه، إذ قال: كتبت من رسول الله وَله
خمسمائة ألف، انتخبتُ منها ما ضمنت هذا الكتاب يعني ((سنن أبي داود))، ثم
انتخب منها الأحاديث الأربعة المعروفة، هذا أحدها، وسبق الإمام أبا داود في
ذلك الإمام الأعظم أبو حنيفة - رضي الله عنه - إذ قال في وصاياه لا بنه حماد:
انتخبت خمسة أحاديث من خمسمائة ألف، فذكر منها هذا الحديث كما في
((جامع أصول الأولياء)».
وقال السيوطي في ((الدر))(١): أخرج ابن أبي الدنيا في ((كتاب الصمت))
وابن جرير عن عمر بن قيس قال: مَرَّ رجلٌ بلقمان، والناس عنده، فقال:
ألست عبد بني فلان؟ قال: بلى، قال: ألست الذي كنت ترعى عند جبل كذا
وكذا؟ قال: بلى، قال: فما الذي بلغ بك ما أرى؟ قال: تقوى الله تعالى،
وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السكوت عما لا يعنيني، وأخرجه
أحمد في ((الزهد)» عن محمد بن جحادة مثله، وأخرج أحمد وابن أبي شيبة
والبيهقي عن سَيّار بن الحكم قال: قيل للقمان: ما حكمتك؟ قال: لا أسأل
عما قد كفيت، ولا أتكلف ما لا يعنيني؟
١٨/١٧٩٩ - (مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يقول) قال
الزرقاني(٢): موقوفاً وحكمه الرفع، لأنه لا مدخل للرأي فيه، اهـ. (لا يزال
العبد يكذب) مرة بعد مرة (وينكت) بالفاء في أوله في النسخ الهندية، وينكت
بالواو في النسخ المصرية، قال الزرقاني: تنكت بفتح أوله أو تحتية ضبط
(١) ((الدر المنثور)) (٤٥١/٦).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٩/٤).
٥٠٣
٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٩) حديث
فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ كُلُّهُ
بهما، اهـ. أي بالفوقية في أوله أو التحتية، قال المجد: النكت أن تضرب في
الأرض بقضيب فيؤثر فيها (في قلبه نكتة سوداء) أي أثر صغير أسود (حتى
يسودً) بشد الواو المفتوحة (قلبه كله) بزيادة حرف التأكيد في النسخ المصرية،
وبدونها في الهندية.
قال الباجي(١): قال أبو عبيد الهروي. النكتة: الأثر الصغير من أي لون
كان، ووصفه بالسواد؛ لأنه من ألوان الكفر، وبذلك وصف الله تعالى وجوه
الكفرة في الآخرة، فقال عز اسمه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾(٢)، والمعنى
أنه يتصل ذلك منه حتى تستوعب النكتة قلبه كله، اهـ.
وفي ((الدر))(٣): أخرج أحمد والحاكم والترمذي وصححه والنسائي وابن
ماجه، وابن حبان وغيرهم عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إن العبد إذا أذنب ذنباً
نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت
حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا
(٤)
كَانُواْ يَكْسِبُونَ
وقال شيخ مشايخنا الدهلوي في ((حجة الله))(٥) في بحث أحوال القلب
والنفس والعقل: أما المقامات الحاصلة للنفس من جهة تسلط نور الإيمان
عليها وقهره إياها وتغيير صفاتها الخسيسة إلى الصفات الفاضلة، فأولها أن
ينزل نور الإيمان من العقل المتنور بالعقائد الحقة إلى القلب، فيزدوج بجبلة
(١) ((المنتقى)) (٣١٥/٧).
(٢) سورة آل عمران: الآية ١٠٦.
(٣) ((الدر المنثور)) (٤٠٨/٨).
(٤) سورة المطفّفين: الآية ١٤.
(٥) ((حجة الله البالغة)) (٩٩/٢).
٥٠٤
٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٩) حديث
فَيُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ مِنَ الْكَاذِبِينَ.
القلب، فيتولد بينهما زاجر يقهر النفس، ويزجرها عن المخالفات، ثم يتولد
بينهما ندم يقهر النفس، ويأخذ بتلابيبها، ثم يتولد بينهما العزم على ترك
المعاصي في المستقبل، ويجعلها مطمئنة بأوامر الشرع ونواهيه.
قال تعالى: ﴿وَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَ﴾(١) الآية، فقوله:
من خاف، بيان الاستنارة العقل بنور الإيمان، ونزول النور منه إلى القلب، لأن
الخوف له مبتدأ ومنتهى، فمبتدأه معرفة الخوف وسطوته، وهذا محله العقل،
ومنتهاه فزع وقلق ودهش، وهذا محله القلب، وأما قوله: نهى النفس، فبيان
النزول النور المخالط لوكاعة (٢) القلب إلى النفس، ثم ينزل من العقل نور
الإيمان مرة أخرى ويزدوج بجبلة القلب، فيتولد بينهما اللجاء إلى الله، ويُفْضي
ذلك إلى الاستغفار والإنابة، والاستغفار يفضي إلى الصقالة.
قال ◌َله: ((إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه)) الحديث،
وفي آخره ((فذلكم الران الذي ذكر الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلِّ رَنَ﴾))(٣)، أما النكتة
السوداء فظهور ظلمة من ظلمات البهيمية واستنارة نور من الأنوار الملكية، وأما
الصقالة فضوء يفاض على النفس من نور الإيمان، وأما الران فغلبته البهيمية،
وكون الملكية رأساً، انتهى مختصراً.
(فيكتب عند الله من الكاذبين) أي يحكم له بذلك، وفي ((البخاري)) في
رواية منصور عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً: ((إن الرجل ليكذب
حتى يكتب عند الله كذاباً)). قال الحافظ(٤): والمراد بالكتابة الحكم عليه
(١) سورة النازعات: الآية ٤٠.
(٢) أي قوة.
(٣) سورة المطفّفين: الآية ١٤.
(٤) (فتح الباري)) (٥٠٨/١٠).
٥٠٥
٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٨٠٠) حديث
١٩/١٨٠٠ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم؛ أَنَّهُ قَالَ:
قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَاناً؟ فَقَالَ: ((نَعَمَّ)) فَقِيلَ لَهُ:
أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلاً؟ فَقَالَ: (نَعَمْ)) فَقِيلَ لَهُ:
بذلك، وإظهاره للمخلوقين من الملأ الأعلى، وإلقاء ذلك في قلوب أهل
الأرض، وقد ذكره مالك بلاغاً عن ابن مسعود، وزاد فيه زيادة مفيدة، ولفظه:
((لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب، فينكت في قلبه نكتة سوداء)) الحديث.
قال النووي: قال العلماء: في هذا الحديث حث على تحري الصدق،
وهو قصده والاعتناء به، وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه، فإنه إذا
تساهل فیه کثر منه فیعرف به، اهـ.
قلت: ما حكاه الحافظ من لفظ التحري لم أجده في نسخ ((الموطأ)) من
رواية يحيى، فلعله يكون في رواية أخرى غير يحيى أو في نسخة أخرى، نعم
وجد التحري في روايات عديدة عن ابن مسعود وغيره، كما في ((الفتح)) وغيره.
١٩/١٨٠٠ - (مالك عن صفوان بن سليم) التابعي الكبير الزاهد، كما في
((المرقاة)) (أنه قال) قال الزرقاني(١): مرسل أو معضل، قال ابن عبد البر: لا
أحفظه مسنداً من وجه ثابت، وهو حديث حسن مرسل، اهـ. رواه صاحب
((المشكاة)) وقال: رواه مالك والبيهقي في ((شعب الإيمان)) مرسلاً، اهـ. (قيل
لرسول الله (18) أي سئل رسول الله وَله (أيكون) بهمزة الاستفهام (المؤمن
جباناً؟) قال القاري: بفتح الجيم وتخفيف الموحدة، ضد الشجاع، وفي
((المحلى)) عن ((القاموس)): رجل جبان، كسحاب وشداد، يعني هل يمكن أن
يطبع المؤمن على الجبانة؟ (فقال) وَلير: (نعم) أي يمكن كينونته جباناً، ولا
ينافي هذا الإيمان أو كماله.
(فقيل له) بَيّ: (أيكون المؤمن بخيلاً؟) أي هل يمكن أن يطبع المؤمن على
البخل؟ (فقال) مَله: (نعم) يمكن ذلك، ولا ينافي هذا كمال الإيمان (فقيل له:
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤١٠/٤).
٥٠٦
٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٨٠٠) حديث
أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّاباً؟ فَقَالَ: ((لَا)).
أيكون المؤمن كذاباً؟) بتشديد الذال على صيغة المبالغة (فقال) وَيه بزيادة الفاء
على ((قال)) في النسخ المصرية، وبحذفها في الهندية (لا) أي لا يكون المؤمن
كذاباً .
قال الزرقاني(١): وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((إياكم
والكذب، فإنه مجانبٌ للإيمان)) أخرجه ابن عدي (٢)، وصوّب الدارقطني وقفه،
كما رواه أحمد وابن أبي شيبة وغيرهما عن الصديق موقوفاً، وروى ابن عبد البر
عن عبد الله بن جراد أنه سأل النبي وهيلر: هل يزني المؤمن؟ قال: ((قد يكون
ذلك))، قال: هل يكذب؟ قال: ((لا)).
وللبزار وأبي يعلى عن سعيد (٣) بن أبي وقاص رفعه: ((يطبع المؤمن على
كل خلقة غير الخيانة والكذب)) وضعف البيهقي (٤) رفعه، وقال الدارقطني:
الموقوف أشبه بالصواب، وقال غيره: ومع ذلك فحكمه الرفع على الصحيح،
لأنه مما لا مجال للرأي فیه، اهـ.
قلت: حديث ((يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب))
أخرجه صاحب ((المشكاة)) عن أبي أمامة مرفوعاً، وقال: رواه أحمد أي عن
أبي أمامة، ورواه البيهقي في ((الشعب))(٥) عن سعد بن أبي وقاص، قال
القاري: وفي ((الجامع الصغير)): رواه البيهقي في ((الشعب)) عن ابن عمر
- رضي الله عنه -، اهـ. قلت: ورقم عليه بالحسن .
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤١٠/٤).
(٢) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٤٣/١) وأخرجه الدارقطني في ((العلل))، (٢٥٩/١).
(٣) كذا في الأصل والصواب سعد بن أبي وقاص، اهـ. ((ش)).
(٤) أخرجه البيهقي في ((السنن)) (١٩٧/١٠) موقوفاً.
(٥) (١٠٢/٩).
٥٠٧
٥٧ - كتاب الكلام
(٨) باب
(١٨٠١) حديث
(٨) باب ما جاء في إضاعة المال وذي الوجهين
٢٠/١٨٠١ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ قَالَ:
(٨) ما جاء في إضاعة المال وذي الوجهين
جمعهما في ترجمة للاختصار، أو لأن الصرف على ذي الوجهين من
إضاعة المال، فإن غالب غرضه يكون الأكل من مائدة الفريقين بإظهار الموحدة
بهما، وسيأتي الكلام عليهما في الحديثين.
٢٠/١٨٠١ - (مالك عن سهيل) بضم السين المهملة مصغراً (ابن أبي
صالح عن أبيه) أبي صالح السمان ذكوان (أن رسول الله وسلم قال) قال ابن
عبد البر(١): كذا أرسله يحيى وابن وهب والقعنبي وابن القاسم ومعن ومحمد بن
المبارك الصوري، فلم يقولوا فيه: عن أبي هريرة، وأسنده يحيى بن بكير وأبو
مصعب وعبد الله بن يوسف ومصعب الزبيري وسعيد بن عفير وأكثر الرواة عن
مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، وهو محفوظ لمالك وغيره مسنداً
هكذا، اهـ.
قلت: وأخرجه مسلم(٢) برواية جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة
مرفوعاً مثل رواية مالك مختصراً، اهـ. ولفظه: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره
لكم ثلاثاً، فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله
جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال))، ثم
أخرج برواية أبي عوانة عن سهيل مثله.
وأخرج الشيخان عن المغيرة بن شعبة بمعنى حديث الباب أخرجه
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤١٠/٤).
(٢) أخرجه مسلم في الأقضية (١٧١٥)، وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٤٤٢)،
والحديث في ((التمهيد)) (٢٦٩/٢١).
٥٠٨
٥٧ - كتاب الكلام
(٨) باب
(١٨٠١) حدیث
((إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثاً. وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثاً. يَرْضَى لَكُمْ أَنْ
تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً،
البخاري بمواضع من ((صحيحه)) مختصراً ومطولاً، منها ما في ((الاعتصام)) عن
ورّاد كاتب المغيرة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: اكتب إليّ ما
سمعت من رسول الله وَل﴿ قال: فكتب إليه: إن نبي الله ولو كان يقول في دبر
كل صلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو
على كل شيء قدير، اللَّهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا
ينفع ذا الجد منك الجد))، وكتب إليه: إنه كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة
السؤال، وإضاعة المال، وكان ينهى عن عقوق الأمهات، ووأد البنات ومنع
وهات، اهـ.
(إن الله) تبارك وتعالى (يرضى لكم ثلاثاً) من الخصائل. (ويسخط لكم
ثلاثاً) قال النووي(١): قال العلماء: الرضاء والسخط والكراهية من الله تعالى،
المراد بها أمره ونهيه، وثوابه وعقابه، وإرادة الثواب لبعض العباد والعقاب
لبعضهم، اهـ.
قال الزرقاني(٢): إذ الرضاء بالشيء يستلزم الأمر به، والأمر به يستلزم
الرضاء، فهو كناية، وكذا الكلام في السخط، وأتى باللام في الموضعين، ولم
يقل يرضى عنكم بثلاث، ويسخط منكم، رمزاً إلى أن فائدة كل من الأمرين
عائدة إلى عباده، اهـ. (يرضى لكم) تفصيل لما أجمله أولاً، ولمسلم ((فيرضى))
بفاء التفسير (أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً) قال الزرقاني: لأن من أشرك
بعبادته أحداً لم يعبده، فهذه واحدة، وقول النووي: ثنتان متعقب، اهـ.
وفي ((المحلى)): فهذه واحدة خلافاً لقول النووي: هما ثنتان، اهـ. وقال
(١) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٠/١٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٤١٠/٤).
٥٠٩
٥٧ - كتاب الكلام
(٨) باب
(١٨٠١) حديث
وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً .
النووي: اعلم أن الثلاثة المرضية؛ إحداها: أن يعبدوه، الثانية: أن لا يشركوا
به شيئاً، الثالثة: أن يعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا، اهـ.
قلت: واختار الإمام النووي ذلك، لأنه لم تقع في رواية مسلم جملة:
((وأن تناصحوا)) كما تقدم من روايته، فلا تكمل الثلاثة في رواية مسلم بدون
حملهما على ثنتين.
(وأن تعتصموا) أي تتمسكوا (بحبل الله جميعاً) كذا في النسخ المصرية،
وليس في الهندية لفظ: ((جميعاً))، والأوجه إثباته، وهذه الخصلة ثانية في رواية
((الموطأ)» ثالثة في رواية مسلم كما تقدم، وزاد في روايتها: (ولا تفرقوا)) وهو
تأكيد للجملة السابقة .
قال الباجي(١): قال أبو عبيد الهروي: معناه بعهد الله، قال أبو عبيد:
الاعتصام بحبل الله ترك الفرقة، وهو المراد بقول ابن مسعود: عليكم بحبل الله،
فإنه كتابه، قال: والحبل في كلام العرب ينصرف على وجوه، منها العهد،
وهو الأمان، والحبل في غير هذا الموضع المواصلة، اهـ. وفي ((المحلى)):
بحبل الله أي بالقرآن، اهـ.
قال النووي(٢): الاعتصام بحبل الله، فهو التمسك بعهده، وهو اتباع
كتابه العزيز وحدوده والتأدب بآدابه، والحبل يطلق على العهد وعلى الأمان
وعلى الوصلة وعلى السبب، وأصله من استعمال العرب الحبل في هذه
الأمور، هو استمساكهم بالحبال عند شدائد أمورهم، ويوصلون بها المتفرق،
فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور، اهـ.
وقال الزرقاني(٣): اختلف في المراد بحبل الله، فقال ابن مسعود وقتادة
(١) ((المنتقى)) (٣١٥/٧).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٢ / ١١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٤١١/٤).
٥١٠
٥٧ - كتاب الكلام
(٨) باب
(١٨٠١) حديث
وَأَنْ تَنَاصَحُوا
وغيرهما: هو القرآن، ورجح بقوله {وَ ل9: ((إن هذا القرآن هو حبل الله))، وفي
لفظ: ((القرآن حبل الله المتين))، حتى زعم بعضهم أن تفسيره بخلافه غفلة، إذ
لا عطر بعد عروس، وعن قتادة أيضاً وغيره هو عهد الله وأمره، وعن ابن
مسعود أنها الجماعة.
قال ابن عبد البر: هو الظاهر في الحديث، والأشبه بسياقه، وأما القرآن
فمأمور بالاعتصام به في غير ما آية وغير ما حديث، غير أن المراد ههنا
الجماعة على إمام يسمع له ويطاع، لأن الاختلاف والفرقة هلكة والجماعة
نجاة، قال: وهو عندي معنى متداخل متقارب، لأن القرآن يأمر بالألفة وينهى
عن الفرقة، اهـ.
قلت: أخرج السيوطي(١) هذه المعاني المختلفة عن الآثار المختلفة في
قوله عز اسمه: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ﴾(٢) الآية. وما حكاه الزرقاني عن ابن مسعود قال فيه السيوطي: أخرج
الطبراني وغيره عن الشعبي عن ابن مسعود ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ قال:
حبل الله الجماعة، وأخرج ابن جرير وغيره عن ثابت بن فطنة، قال: سمعت
ابن مسعود يخطب وهو يقول: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنهما
حبل الله الذي أمر به، وأخرج هذا المعنى أي الجماعة عن ابن عباس وأنس
وغيرهما .
(وأن تناصحوا) قال الراغب(٣): النصح تحري فعل أو قول فيه صلاح
صاحبه، وهو من قولهم: نصحت له الود أي أخلصته، وناصح العسل خالصه،
(١) انظر: ((الدر المنثور)) (٢٦٩/٢).
(٢) سورة آل عمران: الآية ١٠٣.
(٣) ((مفردات القرآن)) (ص٨٠٨).
٥١١
٥٧ - كتاب الكلام
(٨) باب
(١٨٠١) حديث
مَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَكُمْ. وَيَسْخَطْ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ.
أو من قولهم: نصحت الجلد خِطْتُه، والنِّصَاحُ: الخيط، اهـ. أي بكسر النون.
(من ولآه) بتشديد اللام (الله) تعالى (أمركم) بالنصب على المفعولية، قال
الباجي(١): أي شأنكم وهم الأئمة، فإن مناصحتهم مناصحة جميع المسلمين،
وفي ((المحلى)): من ولّاه أمركم أي جعله الله ولي أمركم وهو الإمام ونوابه،
وأراد بمناصحتهم ترك مخالفتهم والدعاء عليهم والدعاء لهم ونحوها، اهـ.
قال الزرقاني(٢): وهو الإمام ونوابه، وقيل: هم العلماء، فنصيحتهم قبول
ما رووه، وتقليدهم في الأحكام وإحسان الظن بهم، اهـ. وتقدم أن هذه
الخصلة الثالثة في رواية ((الموطأ))، وليست في رواية مسلم.
(ويسخط لكم) وفي رواية لمسلم بدله ((ويكره)) (قيل وقال) قال مالك: هو
الإكثار من الكلام والإرجاف نحو قول الناس: قال فلان، وفعل فلان،
والخوض فيما لا ينبغي، كذا في ((المنتقى)) و((الزرقاني))، ولفظ البخاري في
حديث المغيرة ((کره لكم قيل وقال)).
قال الحافظ(٣): وفي رواية الشعبي ((وكان ينهى عن قيل وقال))، كذا
للأكثر في جميع المواضع بغير تنوين، ووقع في رواية الكشميهني ههنا: ((قيلاً
وقال))، والأول أشهر، قال الجوهري: ((قيل وقال)) اسمان، يقال: كثير القيل
والقال، كذا جزم بأنهما اسمان، وأشار إلى الدليل على ذلك بدخول الألف
واللام عليهما، وقال ابن دقيق العيد: لو كانا اسمين بمعنى واحد كالقول لم
يكن لعطف أحدهما على الآخر فائدة، فأشار إلى ترجيح الأول.
وقال المحب الطبري: في ((قيل وقال)) ثلاثة أوجه: أحدها: أنهما
(١) ((المنتقى)) (٣١٥/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٤١١/٤).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٠٧/١٠).
٥١٢
٥٧ - كتاب الكلام
(٨) باب
(١٨٠١) حديث
مصدران للقول، تقول: قلت قولاً وقيلاً وقالاً، والمراد في الأحاديث الإشارة
إلى كراهة كثرة الكلام، لأنها تؤول إلى الخطأ، قال: وإنما كرره للمبالغة في
الزجر عنه.
ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ليخبر عنها، فيقول: قال
فلان كذا، وقيل كذا، والنهي عنه إما للزجر عن الإكثار منه وإما لشيء
مخصوص منه، وهو ما يكرهه المحكي عنه.
ثالثها: أن ذلك في حكاية اختلاف الناس في أمور الدين، كقوله: قال
فلان كذا، وقال فلان كذا، ومحل كراهة ذلك أن يكثر من ذلك بحيث لا يؤمن
مع الإكثار من الزلل، وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبت، لكن يقلد
من سمعه، ولا يحتاط في ذلك.
قال الحافظ: ويؤيده الحديث الصحيح ((كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل
ما سمع))، وفي ((شرح المشكاة)): قوله: ((قيل وقال)) من قولهم: قيل كذا
وقال كذا، بناؤهما على كونهما فعلين محكيين متضمنين للضمير والإعراب
على إجرائهما مجرى الأسماء خلوين من الضمير، ومنه قوله: إنما الدنيا قيل
وقال، وإدخال حرف التعريف عليهما في قوله ما يعرف القيل والقال
لذلك، اهـ.
وقال النووي(١): أما قوله: ((قيل وقال)) فهو الخوض في أخبار الناس
وحكايات ما لا يعني من أحوالهم، واختلفوا في حقيقة هذين اللفظين على
قولين: أحدهما: أنهما فعلان، فقيل مبنيٌّ لما لم يسم فاعله، وقال فعل ماض،
والثاني: أنهما اسمان مجروران منونان، لأن القيل والقال والقول والقالة كله
بمعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اُللَّهِ قِيلًا﴾، اهـ.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١١/١٢/٦).
٥١٣
٥٧ - كتاب الكلام
(٨) باب
(١٨٠١) حديث
وَإِضَاعَةَ الْمَالِ .
(وإضاعة المال) قال الباجي(١): يحتمل أن يريد بتضييعه ترك تثميره
وحفظه، ويحتمل أن يريد به إنفاقه في غير وجهه من السرف والمعاصي، وقال
مالك: إضاعة المال أن يرزقك الله رزقاً فتنفقه فيما حرم الله عليك، اهـ.
وقال الزرقاني(٢): قال ابن عبد البر: في معناه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه
الحيوان يحسن إليه، ولا يضيعه مالكه فيهلك، وحجته أن عامة الوصية النبوية
الصلاة وما ملكت أيمانكم، والثاني: ترك إصلاحه والنظر فيه وكسبه، والثالث:
إنفاقه في غير حقه من الباطل والسرف، اهـ.
وقال الحافظ في ((الفتح))(٣): إن الأكثر حملوه على الإسراف في
الإنفاق، وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام، والأقوى أنه ما أنفق في غير وجهه
المأذون فيه شرعاً، سواء كانت دينية أو دنيوية فمنع منه، لأن الله تعالى جعل
المال قياماً لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح، إما في حق
مضيعها وإما في حق غيره، ويستثنى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البر لتحصيل
ثواب الآخرة ما لم يفوت حقاً أخروياً أهم منه.
والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثة أوجه: الأول: إنفاقه في الوجوه
المذمومة شرعاً، فلا شك في منعه، الثاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعاً،
فلا شك في كونه مطلوباً بالشرط المذكور، الثالث: إنفاقه في المباحات
بالأصالة كملاذِّ النفس، فهذا ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون على وجهٍ
يليق بحال المنفق وبقدر ماله فليس بسرف، والثاني: ما يليق بحاله عرفاً، وهو
ينقسم أيضاً إلى قسمين:
(١) ((المنتقى)) (٣١٥/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٤١١/٤).
(٣) ((فتح الباري)) (١٠/ ٤٠٧).
٥١٤
٥٧ - كتاب الكلام
(٨) باب
(١٨٠١) حديث
وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ .
أخرجه مسلم في: ٣٠ - كتاب الأقضية، ٥ - باب النهي عن كثرة المسائل من
غير حاجة، حديث ١٠.
أحدهما: ما يكون لدفع مفسدة إما ناجزة أو متوقعة، فهذا ليس بإسراف.
والثاني: ما لا يكون في شيء من ذلك، فالجمهور على أنه إسراف،
وذهب بعض الشافعية إلى أنه ليس بإسراف، لأنه تقوم به مصلحة البدن، وهو
غرض صحيح، فإذا كان في غير معصية فهو مباح، قال ابن دقيق العيد: وظاهر
القرآن يمنع ما قال، قال الحافظ: صرح بالمنع القاضي حسين، وتبعه الغزالي،
وجزم به الرافعي في الكلام على المغارم، وصحح في باب الحجر من الشرح.
وفي ((المحرر)): أنه ليس بتبذير، وتبعه النووي، والذي يترجح أنه ليس
مذموماً لذاته، لكنه يفضي غالباً إلى ارتكاب المحظور كسؤال الناس، وما أدى
إلى المحذور فهو محذور، قال: وقال الباجي: يكره كثرة إنفاقه في مصالح
الدنيا، ولا بأس به إذا وقع نادراً لحادث يحدث كضيف أو عيد أو وليمة،
ومما لا خلاف في كراهة مجاوزة الحد في الإنفاق على البناء زيادة على قدر
الحاجة، ولا سيما إذا أضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة.
وأما إضاعة المال في المعصية، فلا يختص بارتكاب الفواحش، بل
يدخل فيها سوء القيام على الرقيق والبهائم، وقال السبكي الكبير: الضابط في
إضاعة المال أن لا يكون لغرض ديني ولا دنيوي، فإن انتفيا حرم قطعاً، وإن
وجد أحدهما وجوداً له بال، وكان الإنفاق لائقاً بالحال ولا معصية فيه جاز
قطعاً، وبين الرتبتين وسائط كثيرة لا تدخل تحت ضابط، فعلى المفتي أن يرى
فيما تيسر منها رأيه، اهـ.
(وكثرة السؤال) قال الباجي(١): قال مالك: لا أدري أهو ما أنهاكم عنه
(١) ((المنتقى)) (٣١٥/٧).
٥١٥
٥٧ - كتاب الكلام
(٨) باب
(١٨٠١) حديث
من كثرة المسائل؟ فقد كره رسول الله و الهر المسائل، وعابها، أو هو من مسألة
الناس أموالهم، اهـ.
وفي ((الزرقاني))(١): قال ابن عبد البر: معناه عند أكثر العلماء التكثير من
المسائل النوازل والأغلوطات وتشقيق المولودات، وقيل: سؤال المال لعطفه
على إضاعة المال، ثم حكى قول الإمام المذكور، ثم قال: إلا أن الظاهر
كراهة السؤال عن المسائل إذا كان ذلك الإكثار، لا على الحاجة عند نزول
النازلة، وكان أصل هذا أنهم كانوا يسألون عن أشياء ويلحون فيها، فينزل
تحريمها، قال تعالى: ﴿لَا تَسَثَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية، والسؤال اليوم لا يخاف منه
نزول تحريم ولا تحليل، فمن سأل راغباً في العلم باحثاً عن معنى يجب
الوقوف عليه فلا بأس، ومن سأل متعنتاً لم يحل له قليل السؤال ولا كثيره،
انتهى مختصراً.
وترجم البخاري على حديث المغيرة ((باب قوله تعالى: ﴿لَا يَسْلُونَ
النَّاسَ إِلَحَافً﴾)) قال ابن التين: فهم منه البخاري سؤال الناس، ويحتمل أن
يكون المراد السؤال عن المشكلات وعما لا حاجة للسائل بذلك، ولذا
قال ◌َّيقول: ((ذروني ما تركتكم))، قال الحافظ(٢): وحمله على المعنى الأعم أولى
ويستقيم مراد البخاري مع ذلك، اهـ.
قلت: ويؤيده أن البخاري ترجم عليه تراجم مختلفة، منها في كتاب
الإعتصام ((باب ما يكره من كثرة السؤال))(٣) وهذه الترجمة تؤيد المعنى الثاني،
وقال الحافظ(٤) في موضع آخر بعد ذكر القولين السابقين: إن الأولى حمله
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤١١/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٤٢/٣).
(٣) انظر: ((صحيح البخاري)) مع ((فتح الباري)) (٢٦٤/١٣).
(٤) ((فتح الباري)) (١٠/ ٤٠٧).
٥١٦
٥٧ - كتاب الكلام
(٨) باب
(١٨٠٢) حديث
٢١/١٨٠٢ - وحدّثني مالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَج،
على العموم، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد به كثرة السؤال عن أخبار
الناس وأحداث الزمان، أو كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل أحواله، فإن
ذلك مما يكرهه المسؤول غالباً، وقد ثبت النهي عن الأغلوطات، أخرجه أبو
داود، وثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها
عادة أو يندر جداً، وإنما كرهوا ذلك لما فيه من التنطع والقول بالظن إذ لا
يخلو صاحبه عن الخطأ .
وأما ما في حديث اللعان فكره النبي ◌ّ المسائل وعابها، وكذا في
قوله تعالى: ﴿لَا تَشْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ فذاك خاص بزمان
الوحي، اهـ.
وقال النووي(١): أما كثرة السؤال فقيل: المراد التنّع في المسائل
والإكثار عن السؤال عما لا يقع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن
ذلك، وكان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف المنهي عنه، وفي
(الصحيح)): كره رسول الله لو المسائل وعابها، وقيل: المراد سؤال الناس
أموالهم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك.
وقيل: يحتمل المراد كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الناس وما
لا يعني الإنسان، وهذا ضعيف، لأنه قد عرف من النهي عن قيل وقال، وقيل:
يحتمل كثرة السؤال عن إنسان بعينه، فيدخل ذلك في سؤاله عما لا يعنيه،
ويتضمن ذلك حصول الحرج في حق المسؤول، فإنه لا تؤثر أخباره بأحواله،
فإن أخبره شقّ عليه، وإن كذبه في الإخبار أو تكلف التعريض لحقته
المشقة، اهـ.
٢١/١٨٠٢ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج)
(١) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٠/١٢).
٥١٧
٥٧ - كتاب الكلام
(٨) باب
(١٨٠٢) حدیث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: (مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو
الْوَجْهَيْنِ.
عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) رواه الشيخان وغيرهما(١) بطرق عديدة
عنه (أن رسول الله وَّر قال: من شر الناس) وفي ((البخاري)) من رواية أبي صالح
عن أبي هريرة ((تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله))، قال الحافظ (٢):
شرار بصيغة الجمع، وفي رواية ((تجدون شر الناس))، ثم قال بعد ذكر اختلاف
الروايات في هذا اللفظ: وهذه الألفاظ متقاربة، والروايات التي فيها شر الناس
محمولة على التي فيها من شر الناس، ووصفه بكونه شر الناس أو من شر
الناس مبالغة في ذلك، ورواية أشر الناس بزيادة الألف لغة في شر الناس.
ويحتمل أن يكون المراد بالناس من ذكر من الطائفتين المتضادتين
خاصة، فإن كل طائفة منهما مجانبة للأخرى ظاهراً، فلا يتمكن من الاطلاع
على أسرارها إلا بما ذكر من خداعه للفريقين ليطلع على أسرارهم فهو شرهم
كلهم، والأولى حمل الناس على عمومه فهو أبلغ في الذم، وقد وقع في
رواية: ((من شر خلق الله ذو الوجهين))، اهـ.
(ذو الوجهين) قال صاحب ((المحلى)): المراد به من يرى نفسه عند
شخص أنه من جملة محبيه ومخلصيه، ويحدث في غيبته عن مساويه، وقيل:
المعنى من كان مع كل واحد من العدوين كأنه صديقه، ويذم هذا عند ذلك
وذلك عند هذا، وقوله: ((الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ)) يناسب المعنى الأخير، وبه
جزم النووي حيث قال: هو الذي يأتي كل فرقة بما يرضيها فيظهر لها أنه
موافق لها ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق محض وكذب وخداع وتحيّل على
الاطلاع على أسرار الطائفتين، اهـ.
(١) أخرجه أحمد (٤٦٥/٢ - ٥١٧)، والحديث في ((التمهيد)) (١٨ /٢٦١).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٧٤/١٠).
٥١٨
٥٧ - كتاب الكلام
(٨) باب
(١٨٠٢) حدیث
الَّذِي يَأْتِي هُؤْلَاءِ بِوَجْهِ وَهُؤُلَاءِ بِوَجْمٍ)).
أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٢٦ - باب ذم ذي
الوجهين وتحريم فعله، حديث ٩٨. وفي الصحيحين من طريق عراك بن مالك عن
أبي هريرة.
أخرجه البخاريّ في: ٩٣ - كتاب الأحكام، ٢٧ - باب ما يكره من ثناء
السلطان، وإذا خرج قال غير ذلك. ومسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب،
٢٦ - باب ذم ذي الوجهين وتحريم فعله، حديث ٩٩.
(الذي يأتي هؤلاء) أي إلى أحد الفريقين (بوجه وهؤلاء) أي الفريق الآخر
(بوجه) آخر، والمراد الجهتان مثل المذمة والمِدْحة.
قال الباجي(١): وصف بذلك لأنه يأتي هؤلاء بوجه التودد إليهم والثناء
عليهم والرضا عن قولهم وفعلهم، فإذا زال عنهم، وصار مع مخالفيهم لقيهم
بوجه من يكره الأولين ويسيء القول فيهم والذم لفعلهم وقولهم، اهـ.
قال الحافظ(٢): إنما كان ذو الوجهين شَرَّ الناس، لأن حاله حال المنافق
إذ هو متملق بالكذب والباطل مدخل للفساد بين الناس، وقال النووي: صنيعه
هذا نفاق وخداع، قال: فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو
محمود، وقال غيره: الفرق بينهما أن المذموم من يزين لكل طائفة عملها،
ويقبحه عند الأخرى، ويذم كل طائفة عند الأخرى، والمحمود أن يأتي لكل
طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى، وينقل إليه ما
أمكنه من الجميل ويستر القبيح.
ويؤيد هذه التفرقة رواية الإسماعيلي عن ابن نمير بلفظ: ((الذي يأتي
هؤلاء بحديث هؤلاء، وهؤلاء بحديث هؤلاء)) وقال ابن عبد البر: حمله على
(١) ((المنتقى)) (٣١٥/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (١٠ / ٤٧٥).
٥١٩
٥٧ - كتاب الكلام
(٩) باب
(٩) باب ما جاء في عذاب العامة بعمل الخاصة
ظاهره جماعة، وهو أولى، وتأوّله قومٌ على أن المراد به من يرائي بعمله فيرى
الناس خشوعاً واستكانة، ويوهمهم أنه يخشى الله حتى يكرموه وهو في الباطن
بخلافه، قال: وهذا محتمل لو اقتصر في الحديث على صدره، فإنه داخل في
مطلق ذي الوجهين، لكن بقية الحديث ترد هذا التأويل، وهي قوله: ((يأتي
هؤلاء بوجه)).
قال الحافظ: وقد اقتصر في رواية الترمذي على صدر الحديث بلفظ:
((إن من شر الناس عند الله يوم القيامة ذو الوجهين))، اهـ. لكن دلت بقية
الروايات على أن الراوي اختصرها، فإنه عند الترمذي من رواية الأعمش، وقد
ثبت ههنا من رواية الأعمش بتمامه، ورواية ابن نمير التي أشرت إليها، هي
التي تردّ التأويل المذكور صريحاً .
وقد رواه البخاري في ((الأدب المفرد))(١) من وجه آخر عن أبي هريرة
بلفظ: ((لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أميناً)) وأخرج أبو داود(٢) من حديث
عمار بن ياسر: ((من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من
نار)) وفي الباب عن أنس أخرجه ابن عبد البر بهذا اللفظ، وهذا يتناول الذي
حكاه ابن عبد البر عمن ذكره، بخلاف حديث الباب، فإنه فسر بمن يتردد بين
طائفتين من الناس، اهـ.
(٩) ما جاء في عذاب العامة بعمل الخاصة
يعني ما جاء في العذاب الذي يعم الناس كلهم، كالزلازل والطوفان
وغير ذلك، مع أنهم كلهم لم تكن مبتلَى بالمعاصي، بل كان المبتلى بها
جماعة خاصة، وهذا إذا فعل المنكر جهاراً، ولم يغيروه، ولم ينكروا عليه،
كما سيأتي مفصلاً.
(١) (١٣١٦).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٤٤٧٤).
٥٢٠