Indexed OCR Text

Pages 481-500

٥٧ - كتاب الكلام
(٥) باب
(١٧٩٢) حدیث
النسخ على لفظ: ((ألا)) فالصواب في رواية يحيى النهي، ولذا اخترته في
المتن، ويؤيده أيضاً ذهاب الرجل في المرة الرابعة قائلاً ذلك، كما سيأتي،
لأنه أن كلامه استدعاء للإخبار كان حقه أن ينتظر إخباره وَ له، ويؤيده أيضاً ما
سيأتي من قوله: فأسكته رجل، لأن النهي عن الإخبار أقرب إلى الإسكات من
الاستدعاء بالإخبار.
قال ابن عبد البر في ((التجريد))(١): هكذا قال يحيى في هذا الحديث:
((لا تخبرنا)) على لفظ النهي ثلاث مرات، وأعاد الكلام أربع مرات، وتابعه ابن
القاسم على لفظ: ((لا تخبرنا)) على النهي، إلا أن إعادة الكلام عنده ثلاث
مرات، وقال القعنبي فيه: ((ألا تخبرنا)) على لفظ العرض والإغراء والحث،
واللفظ عندهُ معادٌ ثلاث مرات، وكلهم قال: ما بين لحييه وما بين رجليه ثلاث
مرات، اهـ. وهكذا نقل السيوطي والزرقاني كلام ابن عبد البر.
قال الباجي: هكذا رواه يحيى بن يحيى وابن القاسم، وروى القعنبي ((ألا
تخبرنا)) على معنى استدعاء الخبر، قال ابن حبيب: معنى رواية يحيى حتى إذا
أخبرهم بذلك أن يثقل عليهم الاحتراس منها، ورجا إذا سكت أن يوفقوا
للعمل.
قال الباجي (٢): يحتمل عندي أن يريد بذلك أن يمسك عنهم حتى يقولوا
ما يظهر لهم في ذلك، فلعله أن يوجد عندهم صواب هذا، وإسكات الرجل له
عن إعادة كلامه رجاء أن يخبره النبي وَله بصواب ذلك، ويُبَيِّنَ لهم وجهه،
فينتهوا إليه، ويأخذوا به، وخوف أن يمنع من ذلك جواب هذا الرجل الذي
تکرر جوابه، اهـ.
(١) (ص٤٨).
(٢) (المنتقى)) (٣١٢/٧).
٤٨١

٥٧ - كتاب الكلام
(٥) باب
(١٧٩٢) حديث
فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ. ثُمَّ عَادَ رَسُولُ اللهِ وَ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ
الْأُولَىِ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: لَا تُخْبِرْنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَسَكَتَ
رَسُولُ اللهِ وَثِهِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ مِثْلَ ذُلِكَ أَيْضاً. فَقَالَ
الرَّجُلُ: لَا تُخْبِرْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ مِثْلَ ذَلِكَ
أَيْضاً ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ يَقُولُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى
والأوجه عندي أن منع الرجل عن الإخبار خوف أن يتكلموا على التوقي
من اثنين فقط، فهذا من قبيل حديث أنس في قصة معاذ، إذ قال له
رسول الله وَل: ((ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وَله
من قلبه إلا حرّمه اللهُ على النار)) قال: يا رسول الله ألا أخبر به الناس
فيستبشروا، قال: ((إذاً يتكلوا))، كذا في ((المشكاة)) (١) برواية الشيخين، وضرب
عمر - رضي الله عنه - أبا هريرة حتى خرّ لإسته، وقد أرسله رسول الله وَل
بنعليه معروفة .
(فسكت رسول الله وَ له، ثم عاد رسول الله وَلهد) مرة ثانية (فقال) زاد في
النسخ الهندية (ذلك أيضاً) وليس هذا في النسخ المصرية (مثل مقالته الأولى) من
قوله: ((من وقاه الله)) إلى آخره (فقال له الرجل) المذكور مرة ثانية (لا تخبرنا
يا رسول الله) بالنهي على الصواب في رواية (فسكت رسول الله (ص3) مرة ثانية
أيضاً (ثم قال رسول الله وَله) مرة ثالثة (مثل ذلك أيضاً) أي الكلام المذكور
(فقال الرجل) مرة ثالثة أيضاً (لا تخبرنا يا رسول الله، ثم قال رسول الله(وَّة)
مرة رابعة (مثل ذلك أيضاً ثم ذهب الرجل) في المرة الرابعة وهو (يقول مثل
مقالته الأولى) أي لا تخبرنا، هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية من
مقالته ولي أربع مرات، وتقدم في كلام ابن عبد البر اختلاف الرواة في تكرار
هذا اللفظ .
(١) ((مشكاة المصابيح)) (٢٥). في كتاب الإيمان.
٤٨٢

٥٧ - كتاب الكلام
(٥) باب
(١٧٩٢) حدیث
فَأَسْكَتَهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: «مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ
اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ. مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ. مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا
بَيْنَ رِجْلَيْهِ. مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ)).
(فأسكته رجلٌ إلى جنبه) تفويضاً له وَلّ فيما يريد من الإخبار وتركه، كذا
في ((الزرقاني)) (١)، أو رجاء أن يخبرهم النبي ◌ّر على ما تقدم من الباجي (فقال
رسول الله وَ﴾﴾ قال صاحب ((المحلى)): في المرة الرابعة، اهـ.
قلت: وظاهر السياق في المرة الخامسة (من وقاه الله شر اثنين ولج)
بفتحات أي دخل (الجنة) ثم بَيَّنَ الاثنين المذكورين بقوله: (ما بين لحييه) بفتح
اللام وسكون الحاء المهملة وبالتحتانيتين، هما العظمان في جانبي الفم اللذان
ينبت عليهما الأسنان، وبينهما اللسان، قال الباجي: يدخل فيما بين لحييه
الأكل، والشرب، والكلام، والسكوت، اهـ.
قلت: وظاهر تبويب المصنف أن المراد ههنا الكلام، وبه شرحه عامة
الشراح (وما بين رجليه) والمراد به الفرج، قال الباجي: فإن أكثر الذنوب تكون
على هذين، وفي ((المشكاة))(٢) برواية الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعاً
((أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ الأجوفان: الفم والفرج)).
(ما بين لحييه وما بين رجليه، ما بين لحييه وما بين رجليه) هكذا في أكثر
النسخ المصرية بدون واو العطف على قوله: وما بين لحييه، وزادها في النسخ
الهندية في الموضعين، والأوجه بالسياق حذفها، وتقدم في كلام ابن عبد البر أن
الرواة كلهم اتفقوا على ذكر هذه الكلمة ثلاث مرات، ولفظ البخاري برواية سهل
مرفوعاً ((من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)).
قال الحافظ(٣): ما بين لحييه هما العظمان في جانبي الفم، والمراد بما
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٦/٤).
(٢) ((مشكاة المصابيح)) (٤٨٣٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٠٩/١١).
٤٨٣

٥٧ - كتاب الكلام
(٥) باب
(١٧٩٣) حديث
١٢/١٧٩٣ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ وَهُوَ يَجْبِذَ لِسَانَهُ. فَقَالَ لَهُ
عُمَرُ : مَهْ. غَفَرَ اللهُ لَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هُذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ.
بينهما اللسان وبما بين الرجلين الفرج، وقال الداودي: المراد بما بين اللحيين
الفم، قال: فيتناول الأقوال والأكل والشرب وسائر ما يتأتى بالفم من الفعل،
قال: ومن تحفّظ من ذلك أمن من الشر كله، لأنه لم يبق إلا السمع والبصر،
كذا قال، وخفي عليه أنه بقي البطش باليدين.
وإنما محمل الحديث أن النطق باللسان أصل في حصول كل مطلوب، فإذا
لم ينطق به إلا في خير سلم، وقال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلاء
على المرء في الدنيا لسانه وفرجه، فمن وقي شرهما وقي أعظم الشر، اهـ.
١٧٩٣/ ١٢ - (مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم العدوي مولى عمر
- رضي الله عنه - (أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (دخل على أبي بكر
الصديق) في زمان خلافته (وهو) أي الصديق الأكبر - رضي الله عنه - (يجبذ)
بسكون الجيم وكسر الموحدة آخره ذال معجمة، قال صاحب ((المحلى)): هو
لغة في يجذب، وقيل: هو مقلوب منه، اهـ. وهكذا في ((المرقاة))(١) عن
((النهاية))، قال: وفي ((القاموس)): الجبذ الجذب وليس مقلوباً، بل لغةٌ
صحيحةٌ، ووَهِم الجوهري وغيره، اهـ. (لسانه) بيده.
(فقال له عمر) - رضي الله عنه -: (مه) بفتح الميم وسكون الهاء، اسم
فعل، بمعنى اكفف وامتنع، أي اكفف عما تفعل، وسيأتي في رواية فقال: ما
تصنع يا خليفة رسول الله؟ (غفر الله لك) دعاء له على فعله هذا أو على جميع
أفعاله، وقال القاري: دعاء أو إخبار عما سمع في حقه.
(فقال أبو بكر) - رضي الله عنه -: (إن هذا) أي اللسان (أوردني الموارد)
بفتح الميم أي أدخلني المهالك.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٤/٩).
٤٨٤

٥٧ - كتاب الكلام
(٥) باب
(١٧٩٣) حدیث
قال الباجي(١): كان أبو بكر - رضي الله عنه - يجبذ لسانه خالياً بنفسه
من جهة العضو الذي كان يحذر مضرته عسى أن يمنعه ذلك من استدامة ما كان
عليه، وهذا مع فضل أبي بكر - رضي الله عنه - ودينه وورعه، لكن مثل أبي
بكر يتعاهد هذا من نفسه، وقد قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: المؤمن يرى
ذنوبه كأنه جالس تحت جبل يخاف أن يقع عليه، والفاجر يرى ذنوبه كذباب مَرّ
على أنفه، ولذلك كان الصدر الأول إذا وقع أمر يكرهونه، ونجوا أنفسهم
عليه، وأقلعوا عنه بكل ما يمكنهم.
وروي عن أبي سعيد أن رسول الله وَ الر قال: ((إذا أصبح العبد أصبحت
الأعضاء تستعيذ من شر اللسان، وتقول: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت
استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا))، اهـ.
وفي ((المشكاة))(٢) برواية الترمذي عن أبي سعيد الخدري رفعه قال: ((إذا
أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فإنا نحن
بك فإن استقمت)) نحوه، وبرواية البيهقي في ((الشعب)) عن أبي هريرة رفعه «إن
العبد ليزل عن لسانه أشد مما يزل عن قدمه)).
قال القاري(٣): أثر الباب رواه مالك وابن أبي الدنيا والبيهقي، وفي لفظ
البيهقي قال: إن هذا أوردني شرّ الموارد، إن رسول الله و له قال: ((ليس شيء
من الجسد إلا يشكو إلى الله ذرب اللسان على حدته)) كذا نقله ميرك عن
المنذري، وقال العراقي: حديث عمر أنه اطّلع على أبي بكر، وهو يَمُدُّ لسانه،
فقال: ما تصنع يا خليفة رسول الله؟ فقال: إن هذا أوردني الموارد إن
(١) ((المنتقى)) (٣١٢/٧).
(٢) ((مشكاة المصابيح)) (٤٨٣٨) من كتاب الأدب.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٤/٩).
٤٨٥

٥٧ - كتاب الكلام
(٦) باب
(٦) باب ما جاء في مناجاة اثنين دون واحد
رسول الله وَ﴾ قال، فذكر نحوه، رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) وأبو يعلى
في ((مسنده) والدارقطني في ((العلل)) والبيهقي في ((الشعب)) من رواية أسلم مولى
عمر - رضي الله عنه -، وقال الدارقطني: المرفوع وهمٍّ على الدراوردي، قال:
وروي هذا الحديث عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر - رضي الله عنه - ولا
علة له .
قال الغزالي: وفي الآثار روي عن الصديق أنه كان يضع حصاة في فيه
يمنع بها نفسه من الكلام وكان يشير إلى لسانه، ويقول: هذا الذي أوردني
الموارد، اهـ.
(٦) ما جاء في مناجاة اثنين دون واحد
أي ثالث يعني إذا كانوا ثلاثة لا رابع معهم، فيناجي منهم اثنان، ولا
يدخلان الثالث فيهم، أما إذا كانوا أكثر من ثلاثة، ويكون الباقي على النجوى
أكثر من واحد، فلا إشكال فيه، والمناجاة المسارّة، قال عزّ اسمه: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَا تَجَيُمْ فَلَا تَنَتَجَوْ بِلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾(١) الآية.
قلت: وفي أحاديث الباب سبعة أبحاث لطيفة، ذكرتها في ((هامش
الكوكب الدري))(٢) فارجع إليه لو شئت التفصيل، وهي: الأول: في علة
الحكم، الثاني: هل الحكم باق أو كان في أول الإسلام؟ الثالث: هل يختص
الحكم بالسفر أو يعم الحضر أيضاً؟ الرابع: ذكر الاثنين ليس باحتراز،
الخامس: يجوز إذا أذن المنفرد، السادس: إذا دخل الثالث بين الاثنين
المتناجيين، السابع: هل النهي للتحريم أو للتنزيه؟.
(١) سورة المجادلة: الآية ٩.
(٢) ((الكوكب الدري)) (٤٢٠/٣).
٤٨٦

٥٧ - كتاب الكلام
(٦) باب
(١٧٩٤) حديث
١٧٩٤/ ١٣ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ قَالَ: كُنْتُ
أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارٍ خَالِدِ بْنِ عُقْبَةَ الَّتِي بِالسُّوقِ. فَجَاءَ
رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ. وَلَيْسَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي، وَغَيْرُ
الرَّجُلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ. فَدَعَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَجُلاً آخَرَ حَتَّى
كُنَّا أَرْبَعَةً. فَقَالَ لِي وَلِلرَّجُلِ الَّذِي دَعَاهُ: اسْتَأْخِرَا شَيْئاً
١٣/١٧٩٤ - (مالك عن عبد الله بن دينار) مولى ابن عمر - رضي الله
عنهما - (قال: كنت أنا وعبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (عند دار خالد بن
عقبة) بالقاف، ابن أبي معيط القرشي الأموي صحابيٍّ من مسلمة الفتح، قال
الزرقاني(١): زعم ابن الحذّاء أنه لم يشهد جنازةَ الحسن بن علي - رضي الله
عنهما - أمويٌّ غيره، ورُدَّ بما جاء أن سعيد بن العاصي الأموي صلى عليه،
قدمه الحسين لكونه أميراً على المدينة.
وفي ((المحلى)): هو من مسْلمة الفتح، كأخويه الوليد وعمارة، وليس له
رواية، اهـ. وفي ((الإصابة)) (٢): له أثر في حصار عثمان يوم الدار (التي
بالسوق) أي بسوق المدينة المنورة.
(فجاء رجل) لم يسم (يريد أن يناجيه) أي يسار ابن عمر - رضي الله
عنهما - (وليس مع عبد الله أحد) آخر (غيري وغير الرجل الذي يريد أن يناجيه)
أي كنا ثلاثة فقط لا رابع معنا (فدعا عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (رجلاً
آخر) أي رابعاً (حتى كنا) أي صرنا (أربعة فقال) ابن عمر (لي وللرجل) الرابع
(الذي دعاه: استأخرا شيئاً) قليلاً حتى لا تسمعا نجوانا، وكان ذلك معروفاً من
دأبه - رضي الله عنه -.
قال الحافظ(٣): في رواية مالك عن عبد الله بن دينار كان ابن عمر إذا
(١) (شرح الزرقاني)) (٤/ ٤٠٧).
(٢) (٩٥/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (١١/ ٨٣).
٤٨٧

٥٧ - كتاب الكلام
(٦) باب
(١٧٩٤) حديث
فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ)).
أراد أن يُسَارَّ رجلاً وكانوا ثلاثة دعا رابعاً، ثم قال للاثنين: استريحا شيئاً،
فإني سمعت رسول الله وَّر، فذكر الحديث. وفي رواية سفيان في ((جامعه)) عن
ابن دينار نحوه. ولفظه: كان ابن عمر - رضي الله عنه - إذا أراد أن يناجي
رجلاً دعا آخر، ثم يناجي الذي أراد، وله من طريق نافع: إذا أراد أن يناجي
وهم ثلاثة دعا رابعاً، اهـ.
(فإني سمعت رسول الله وَّه) بيان سبب دعوة الرابع (يقول: لا يتناجى)
قال الزرقاني: بألف لفظاً مقصورةٍ ثابتةٍ في الكتابة تحتيةٍ ساقطةٍ في الدرج
لالتقاء الساكنين بلفظ الخبر، ومعناه النهي، اهـ. ذكره الحافظ في حديث نافع
الآتي (اثنان دون واحد) إلى هنا انتهت الرواية في النسخ المصرية، وزاد في
النسخ الهندية بعد ذلك (ويتركاه) إلى قوله: ويشق عليه، فإن هذه العبارة كلها
توجد في النسخ الهندية دون المصرية (فإن ذلك) أي ترك الثالث منفرداً (يحزنه)
بضم التحتية وفتحها أي يوقعه في الحزن، قال النووي: قال أهل اللغة: حزنه
وأحزنه، وقرئ بهما في السبع، اهـ. وسيأتي البسط في سبب الحزن في
الحديث الآتي (ويشق) بفتح التحتية، أي يكون ذلك شاقاً (عليه) لأن الثالث
يظن أنهما يقولان فيه شيئاً.
قال الزرقاني(١): لأنه يوقع الرعب في قلبه، وفيه مخالفة لما توجبه
الصحبة من الألفة والأنس، وتخصيص النهي بصدر الإسلام حين كان
المنافقون يتناجون دون المؤمنين، ورُدَّ بأن النهي لا يثبت بالاحتمال، وبأنه لو
كان كذلك لم يكن للتقييد بالعدد معنى، وخصه عياض بالسفر لأنه مظنة
الخوف، ورَدَّه القرطبيُّ بأنه تحكم، وتخصيص لا دليل عليه، وقال ابن
العربي: الخبر عام، والمعنى والعلة موجود في الحضر والسفر، فيجب أن
يعمَّهما، والنهي للتحريم عند الجمهور، لكن محله عند المالكية إذا خشيا أن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٧/٤).
٤٨٨

٥٧ - كتاب الكلام
(٦) باب
(١٧٩٤) حديث
صاحبهما يظن أن تناجيهما في غدره وإلا كره سفراً وحضراً، وفي معنى
التناجي ما لو تحدثا بلسان لا يفهم، اهـ.
وقال الباجي(١): قال عيسى بن دينار: معناه لا يتسارّا، ويتركا صاحبهما
وحده قريناً للشيطان يظن به أنه يغتابانه أو يتكلمان عنه بشيء، وفعل عبد الله بن
عمر - رضي الله عنهما - مع خادمه وواثق به، يحتمل أن يكون ليقتدي به،
وينقل الحديث عنه، ويحتمل أيضاً أن يحمله على عمومه، وقد روي أن هذا
إنما هو في السفر، وروي أنه كان في بدء الإسلام، فلما فشا الإسلام وأمن
الناس زال هذا الحكم لزوال سببه.
وحمله عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - على عمومه في الحضر بعد
تقرر الإسلام وكثرة أهله، وذلك من حسن الأخلاق، والأدب، وعليه أكثر
الناس، وقد روى ابن القاسم عن مالك في ((المزنية)) أنه قال: لا يتناج ثلاثةٌ
دون واحد، لأنه نهي أن يترك واحد، ولا أرى ذلك، ولو كانوا عشرة أن
يتركوا واحداً؛ لأن المعنى في ترك الجماعة للواحد وفي ترك الاثنين للواحد
سواء، اهـ.
وقال النووي(٢): مذهب ابن عمر - رضي الله عنهما - ومالك وجماهير
العلماء: أن النهي عام في كل الأزمان وفي الحضر والسفر، وقال بعض
العلماء: إن المنهيّ عنه المناجاة في السفر دون الحضر، لأن السفر مَظِنَّة
الخوف، وقال بعضهم: إن هذا الحديث منسوخ، وكان هذا في أول الإسلام،
فلما فشا الإسلام، وأمن الناس سقط النهي، اهـ.
وقال الحافظ(٣): قال النووي: النهي في الحديث للتحريم إذا كان بغير
(١) ((المنتقى)) (٣١٣/٧).
(٢) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٦٧).
(٣) ((فتح الباري)) (٨٤/١١).
٤٨٩

٥٧ - كتاب الكلام
(٦) باب
(١٧٩٥) حديث
١٤/١٧٩٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ
رضاه، وقال في موضع آخر: إلا بإذنه أي صريحاً كان أو غير صريح، والإذن
أخص من الرضا، وأن الرضا قد يعلم بالقرينة، والرضاء أخص من الإذن بوجه
آخر؛ لأن الإذن قد يقع مع الإكراه، وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في ذلك بين
الحضر والسفر، وهو قول الجمهور.
وحكى الخطابي عن أبي عبيد بن حربويه أنه قال: إنه مختص بالسفر في
الموضع الذي لا يأمن فيها الرجل على نفسه، فأما في الحضر وفي العمارة فلا
بأس، وحكى عياض نحوه، ولفظه قيل: إن المراد بهذا الحديث السفر
والمواضع التي لا يأمن فيها الرجل رفيقه أو لا يعرفه أو لا يثق به ويخشى
منه، قال: وقد روي في ذلك أثر، وأشار بذلك إلى ما أخرجه أحمد من طريق
أبي سالم الجيشاني عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أن النبي وَّ قال:
((لا يحلّ لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة أن يتناجى اثنان دون صاحبهما))،
الحديث، وفي سنده ابن لهيعة، وعلى تقدير ثبوته فتقييده بأرض الفلاة يتعلق
بإحدى علتي النهي، اهـ.
١٤/١٧٩٥ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
أخرجه البخاري برواية عبد الله بن يوسف وإسماعيل كليهما عن مالك بهذا
السند (أن رسول الله وَلي قال: إذا كان) تامة بمعنى وجد في جميع النسخ
المصرية والهندية، وفي هامش النسخ الهندية على سبيل النسخة ((كانوا)) (ثلاثة)
بالرفع فاعل كان التامة، ولفظ البخاري: ((إذا كانوا ثلاثة))، قال الحافظ: كذا
للأكثر بنصب ثلاثة على أنه الخبر، ووقع في رواية لمسلم: ((إذا كان ثلاثة))
بالرفع على أن كان تامة، اهـ. وفي بعض النسخ الهندية: ((إذا كانوا ثلاثة))،
قال صاحب ((المحلى)): أي كان المتصاحبون ثلاثة بنصبه على أنه خبر كان،
وروي بالرفع على لغة ((أكلوني البراغيث)) وروي كان مفرداً وثلاثة بالرفع على
أن كان تامة، اهـ.
٤٩٠

٥٧ - كتاب الكلام
(٦) باب
(١٧٩٥) حديث
فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ)).
أخرجه البخاريّ فی: ٧٩ ۔ کتاب الاستئذان، ٤٥ - باب لا يتناجى اثنان دون
الثالث. ومسلم في: ٣٩ - كتاب السلام، ١٥ - باب تحريم مناجاة الاثنين دون
الثالث بغير رضاه، حديث ٣٦.
(فلا يتناجى اثنان) من التفاعل في جميع النسخ المصرية، ومن المفاعلة
بدون الفوقية في النسخ الهندية، قال الحافظ: كذا للأكثر بألف مقصورة ثابتة
في الخط صورة ياء، وتسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين، وهو بلفظ الخبر،
ومعناه النهي، وفي بعض النسخ بجيم فقط بلفظ النهي وبمعناه (دون واحد) قال
الحافظ: زاد أيوب عن نافع: ((فإن ذلك يحزنه))، اهـ.
قلت: في ((هامش الكوكب))(١): سبب الحزن ما يظهر من فعلهما هذا قلة
التفاتهما إليه، وقريب منه ما قالوا: يخالف إكرام المؤمن، وما قال الطحاوي
في ((مشكله)) من سوء الأدب بالثالث، وقيل: سبب الحزن ما يتوهم من فعلهما
سوء رأيهما فيه، وأنه ليس ممن يعتمد عليه، أو خوف الغيلة والفساد بالثالث،
قال الحافظ: أما إذا انتجى اثنان ابتداء، وثم ثالث كان بحيث لا يسمع
كلامهما لو تكلما جهراً، فأتى ليستمع عليهما، فلا يجوز، كما لو لم يكن
حاضراً معهما أصلاً.
وقد أخرج البخاري في ((الأدب المفرد))(٢) من رواية سعيد المقبري قال:
مررت على ابن عمر - رضي الله عنهما - ومعه رجل يتحدّث فقمت إليهما فلطم
صدري، وقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان، فلا تقم معهما حتى تستأذنهما، زاد
أحمد في روايته من وجه آخر عن سعيد وقال: أما سمعت أن النبي بَّ قال:
((إذا تناجى اثنان فلا يدخل معهما غيرهما حتى يستأذنهما))، قال ابن عبد البر:
لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما .
(١) ((الكوكب الدري)) (٤٢٠/٣).
(٢) ح (١١٧١).
٤٩١

٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٦) حديث
(٧) باب ما جاء في الصدق والكذب
١٥/١٧٩٦ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم؛
قال الحافظ(١): ولا ينبغي لداخل القعود عندهما، ولو تباعد عنهما إلا
بإذنهما، لما افتتحا حديثهما سراً، وليس عندهما أحد، ويتأكد ذلك إذا كان
صوت أحدهما جهورياً، لا يتأتى له إخفاء كلامه ممن حضره، وقد يكون
لبعض الناس قوة فهم بحيث إذا سمع بعض الكلام استدل به على باقيه،
فالمحافظة على ترك ما يؤذي المؤمن مطلوبة وإن تفاوتت المراتب، اهـ.
(٧) ما جاء في الصدق والكذب
أي في حسن الأول وقبح الثاني، قال الراغب: أصل الصدق والكذب في
القول، ماضياً كان أو مستقبلاً، وعداً كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا
في الخبر، وقد يكونان في غيره كالاستفهام والطلب، والصدق مطابقة القول
الضمير والخبر عنه، فإن انخرم شرط لم يكن صدقاً، بل إما يكون كذباً أو متردداً
بينهما على اعتبارين، كقول المنافق: محمد رسول الله، فإنه يصح، يقال: صدق
لكون المخبر عنه كذلك، ويصح أن يقال: كذب لمخالفة قوله الضمير، وقد
يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق في الاعتقاد نحو صدق ظني، وفي الفعل
نحو صدق في القتال، ومنه قوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَاً﴾، كذا في ((الفتح)) (٢).
١٥/١٧٩٦ - (مالك عن صفوان بن سليم) بضم السين المهملة مصغراً
المدني تابعي صغير، فالحديث مرسل، قال ابن عبد البر: لا أحفظه مسنداً
بوجه من الوجوه، وقد رواه ابن عيينة عن صفوان عن عطاء بن يسار
مرسلاً، اهـ. قلت: أخرجه محمد في ((موطئه)) (٣) برواية مالك عن صفوان عن
(١) ((فتح الباري)) (٨٤/١١).
(٢) ((فتح الباري)) (١٠/ ٥٠٧).
(٣) ح (٨٩٥).
٤٩٢

٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٦) حديث
أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وَلّهِ: أَكْذِبُ امْرَأَتِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَ خَيْرَ فِي الْكَذِبِ)»
عطاء (أن رجلاً) لم يسم (قال لرسول الله ◌َله: أكذب) بحذف همزة الاستفهام
(امرأتي) أي أقول لها خبراً كاذباً (يا رسول الله؟ فقال رسول الله وَئية: لا خير
في الكذب) أصلاً، بل هو شر كله، قال محمد في (موطئه)) بعد حديث الباب:
وبهذا نأخذ لا خير في الكذب في جد ولا هزل، فإن وسع الكذب في شيء
ففي خصلة واحدة أن ترفع عن نفسك أو عن أخيك مظلمة، فهذا نرجو أن لا
یکون به بأس، اهـ.
وقال الباجي(١): قوله: ((لا خير في الكذب)) يريد كذباً ينافي الشرع،
وأما ما كان لإصلاح، فقد روي فيه حديث ليس إسناده بذاك ((كل الكذب
يكتب على ابن آدم إلا ثلاثاً، كذب الرجل لامرأته ليرضيها، ورجل كذب
ليصلح بين اثنين، ورجل كذب في خديعة حرب)) وهذا الحديث(٢) من رواية
شهر بن حوشب.
وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث، فذهب قوم إلى تجويز الكذب
على الإطلاق في هذه المواضع الثلاث، واحتجوا بقوله تعالى عن إبراهيم عليه
السلام: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ وقوله: ﴿إِنِ سَقِيمُ﴾ وما روي من قوله في
سارة: ((إنها أخته)) وهذا كله جائز، لأنه في الله تعالى، وقال عيسى بن دينار
في ((المزنية)): لا بأس أن يكذب الرجل امرأته في كل ما يستجيز به [هواها] أو
طواعيتها إذا لم يذهب بكذبه شيئاً من مالها، مثل أن يزين لها ما يعطيها .
ولا خلاف أنه من رأى رجلاً مسلماً يقتل ظلماً، ويعرف أنه ينجيه
(١) ((المنتقى)) (٣١٣/٧).
(٢) أخرجه أحمد (٤٦١/٦)، والترمذي في البر (١٩٣٩) باب ما جاء في إصلاح ذات
البين.
٤٩٣

٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٦) حديث
بالكذب من أن يكون في موضع، فيقول: ليس هو فيه، وغير ذلك أنه يجب
عليه الكذب، فكيف لا يجوز له، وقال قوم: لا يجوز شيء من ذلك إلا على
معنى التورية والإلغاز على معنى تعمد الكذب، وقد تأولوا ما حكي عن إبراهيم
- عليه السلام - من ذلك على وجوه الإلغاز، وروي عن عمر - رضي الله عنه -
أنه قال: في المعاريض مندوحةٌ عن الكذب، وروي عن أم كلثوم مرفوعاً:
((ليس الكذّاب الذي يمشي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقوله))، اهـ.
وقال الغزالي: الكذب من قبائح الذنوب، وليس حراماً لعينه، بل لما فيه
من الضرر، ولذلك يؤذن فيه حيث يتعين طريقاً إلى المصلحة، وتعقب بأنه يلزم
أن يكون الكذب إذا لم ينشأ عنه ضرر مباحاً، وليس كذلك، ويمكن الجواب
بأنه يمنع من ذلك حسماً للمادة، فلا يباح منه إلا ما يترتب عليه مصلحة، كذا
في (الفتح)) (١) في ((الأدب)).
وقال في ((الصلح)) (٢) في حديث أم كلثوم مرفوعاً: ((ليس الكذاب الذي
يصلح بين الناس فينمي خيراً): قال العلماء: المراد أنه يخبر بما علمه من
الخير، ويسكت عما علمه من الشر، ولا يكون ذلك كذباً، لأن الكذب الإخبار
بالشيء على خلاف ما هو به، وهذا ساكت، وما زاده مسلم والنسائي في آخر
هذا الحديث ((ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس: إنه كذب إلا في
ثلاث)) فذكرها وهي: الحرب، وحديث الرجل لامرأته، والإصلاح بين الناس
وهذه الزيادة مدرجة بين ذلك مسلم في روايته.
قال الطبري(٣): ذهب طائفة إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، وقالوا:
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٠٨/١٠).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٩٩/٥).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (٣٠٠/٥).
٤٩٤

٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٦) حديث
إن الثلاثة المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرّة
أو ما ليس فيه مصلحة، وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء مطلقاً وحملوا
الكذب ههنا على التورية والتعريض، كمن يقول للظالم: دعوت لك أمس،
وهو يريد قوله: اللَّهم اغفر للمسلمين، ويعد امرأته بعطية شيء، ويريد إن
قدر الله ذلك، وأن يظهر من نفسه قوة.
قال الحافظ: وبالأول جزم الخطابي وغيره، وبالثاني جزم المهلب
والأصيلي وغيرهما، واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل
إنما هو فيما لا يسقط حقاً عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أو لها، وكذا في
الحرب في غير التأمين، واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو
قصد ظالم قتل رجل وهو مختف عنده فله أن ينفي كونه عنده، ويحلف على
ذلك ولا یأثم، اهـ.
وفي ((المحلى)): روى الطبراني في ((الأوسط)): الكذب كله إثم إلا ما نفع
به مسلم عن دين، وقد ضبطوا ما يباح منه، وأحسن ما رأيت في ضبطه ما
ذكره أبو حامد أن كل مقصود محمود إن أمكن التوصل إليه بالكذب فقط، فهو
مباح إن كان ذلك المقصود مباحاً، وواجب إن كان واجباً، فإذا اختفى مظلوم
عن ظالم، وسأل عنه وجب الكذب بإخفائه، ولو كان عنده أو عند غيره وديعة
وسأل ظالم يريد أخذها وجب الكذب بإخفائها، ولو استحلفه لزمه أن
يحلف، اهـ.
وقال القاري في حديث أم كلثوم المذكور سابقاً عن مسلم: وفيه:
وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها أي فيما يتعلق بأمر المعاشرة
وحصول الألفة، قال ابن الملك: كأن يقول: لا أحدٌ أحبُّ إليّ منك، قال
الخطابي: هذه أي الثلاثة المذكورة أمورٌ، قد يضطر الإنسان فيها إلى زيادة
القول ومجاوزة الصدق طلباً للسلامة ودفعاً للضرر، فالكذب في الإصلاح أن
٤٩٥

٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٦) حديث
ينمي من أحدهما إلى صاحبه خيراً وجميلاً وإن لم يسمعه منه، والكذب في
الحرب أن يظهر من نفسه قوة ويتحدث بما يقوي به أصحابه، وكذب الرجل
أهله أن يعدها ويمنيها ويظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه ليستديم بذلك
صحبتها ، اهـ.
وفي ((المشكاة)) برواية الترمذي(١) وأحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: قال
رسول الله : ((لا يحل الكذب إلا في ثلاث: كذب الرجل امرأته ليرضيها،
والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس)).
وقال الحافظ (٢): قال النووي: الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور
الثلاثة، لكن التعريض أولى، وقال ابن العربي: الكذب في الحرب من
المستثنى الجائز بالنص رفقاً بالمسلمين لحاجتهم إليه، وليس للعقل فيه مجال،
ولو كان تحريم الكذب بالعقل لما انقلب حلالاً، اهـ.
قال الحافظ: ويقويه ما أخرجه أحمد وابن حبان من حديث أنس في
قصة الحجاج بن علاط الذي أخرجه النسائي، وصححه الحاكم في استئذانه
النبي ولو أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة،
وأذن له النبي بَّر، وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين وغير ذلك
مما هو مشهور فيه، اهـ.
وقال شيخ مشايخنا الگنگوهي - قدس سره - في ((الكوكب))(٣): الكذب
ههنا أي في حديث الإصلاح بين الناس هو معناه الحقيقي إلا أن العلماء
احتاطوا، فقالوا: المراد به التورية ردعاً للعوام عن الاجتراء عليه، وتسميته
كذباً بحسب ما فهمه المخاطب من كلامك، اهـ.
(١) أخرجه الترمذي في كتاب البر (١٩٣٩).
(٢) ((فتح الباري)) (١٥٩/٦).
(٣) ((الكوكب الدري)) (٣/ ٥٣).
٤٩٦

٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٦) حديث
فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَعِدُهَا وَأَقُولُ لَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ:
((لا جُنَاحَ عَلَيْكَ)).
فإن كان المراد بالكذب في هذه الأحاديث الدالة على الإباحة التورية،
كما قاله جمع من العلماء، فلا إشكال بحديث الباب، وإن كان المراد في هذه
الروايات الكذب الصريح كما قال به الطبري ومن وافقه، فالجمع بينها وبين
رواية الباب بحمل رواية الباب على كذب ينافي الشرع، كما حمله عليه
الباجي، كما تقدم من كلامه، أو على كذب يذهب من مالها شيئاً، كما أشار
إلیه عیسی بن دینار.
قلت: أو يحمل حديث الباب على الأولوية وهذه الروايات على
الإباحة.
(فقال الرجل) المذكور: (يا رسول الله أَعِدُها) بتقدير همزة الاستفهام بزنة
المضارع المتكلم من الوعد (وأقول لها؟) كالتفسير لما قبله، أي أقول لها: أن
أفعل لك كذا وكذا من الحليّ والثياب والأمتعة وغير ذلك (فقال رسول الله وَله:
لا جناح) أي لا حرج (عليك) فإن نوى إن قدرت على ذلك أو إن يسّر الله
تعالى، فلا خفاء في جوازها .
قال الباجي(١): يحتمل أن يريد أعِدُعا وأنا أعتقد الوفاء، فَفَرَّق بين
المستقبل والماضي، وقد قال ابن قتيبة: الكذب إنما هو في الماضي، والخلف
في المستقبل، ويحتمل أن يفرق بينهما بأن الماضي لا يكون إلا كذباً، فأما
المستقبل فقد يمكن تصديق خبره وينصرف مذهبه إلى فعل ما أخبر به، فيكون
بمنزلة من أراد أن يكذب ثم آثر أن يصدق فصدق، اهـ.
قلت: ويشكل عليه ما في ((المشكاة)) برواية أبي داود (٢) والبيهقي في
(١) ((المنتقى)) (٣١٤/٤).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٤٩٩١).
٤٩٧

٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٧) حديث
١٦/١٧٩٧ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ
مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ:
((الشعب)) عن عبد الله بن عامر قال: دعتني أمي يوماً ورسول الله وَلخير قاعد في
بيتنا، فقالت: ها تعال أعطيك، فقال لها رسول الله وسلم: ((ما أردت أن
تعطيه))؟ قالت: أردت أن أعطيه تمراً، فقال رسول الله وَ له: ((أما أنك لو لم
تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة))، فيمكن الجمع بينه وبين حديث الباب بالفرق بين
الزوجة وغيرها، لما في الروايات السابقة من إباحة الكذب لها خاصة.
والأوجه أن يقال: إن المراد في حديث الباب التورية المقدرة بقوله: إن
قدر الله لي ويسّر لي، وينوي الوفاء عند الوعد بالشرط المذكور.
١٦/١٧٩٧ - (مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود) رضي الله عنه (كان
يقول) وصله الشيخان من طريق الأعمش عن شقيق عن ابن مسعود عن
النبي ◌َّر، كذا في ((التنوير)) وتبعه ((الزرقاني))، وقد أخرجه البخاري عن منصور
عن أبي وائل عن عبد الله - رضي الله عنه - عن النبي وَّ قال: ((إن الصدق
يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق، حتى يكون
صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن
الرجل ليكذب، حتى يكتب عند الله كذاباً))، قال الحافظ (١): كذا وقع أول
الحديث من رواية منصور عن أبي وائل، ووقع في أوله من رواية الأعمش عن
أبي وائل عند مسلم وأبي داود والترمذي ((عليكم بالصدق، فإن الصدق)) وفيه:
(وإياكم والكذب فإن الكذب)) إلى آخره، اهـ. وعلم منه أن حديث الأعمش
ليس في البخاري.
ثم قال الحافظ: والموجود في نسخ البخاري ومسلم في بلادنا وغيرها
أنه ليس في متن الحديث إلا ما ذكرناه، قاله عياض، وكذا نقله الحميدي،
(١) ((فتح الباري)) (٥٠٨/١٠).
٤٩٨

٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٧) حديث
عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ. وَالْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ.
ونقل أبو مسعود عن كتاب مسلم زيادة وهي: ((إن شرّ الروايا روايا الكذب،
لأن الكذب لا يصلح منه جِدٌّ ولا هزل، ولا يعدُ الرجلُ صبيه ثم يخلفه))، فذكر
أبو مسعود أن مسلماً روى هذه الزيادة في كتابه، وذكرها أيضاً أبو بكر البرقاني
في هذا الحديث، قال الحميدي: وليست عندنا في كتاب مسلم، اهـ.
(عليكم بالصدق) أي الزموه وداوموا عليه، والباء زائدة، قاله على معنى
الإغراء به، والحض عليه (فإن الصدق يهدي) بفتح أوله من الهداية، وهي
الدلالة الموصلة إلى المطلوب أي الصدق يوصل صاحبه (إلى البر) بكسر
الموحدة أصله التوسع في فعل الخير، وهو اسم جامع للخيرات كلها، ويطلق
على العمل الخالص الدائم، كذا في ((الفتح))، وقال الباجي: يوصل إلى العمل
الخالص من المأثم.
(والبر يهدي) بفتح أوله أي يوصل صاحبه (إلى الجنة) قال ابن بطال:
مصداقه في كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴾﴾ قال الزرقاني(١): قال
ابن العربي: بيّن 18 أن الصدق هو الأصل الذي يهدي إلى البر كله، لأن
الإنسان إذا تحرّاه لم يعص أبداً، لأنه إذا أراد أن يسرق أو يزني أو يؤذي أحداً
خاف أن يقال له: فعلت كذا، فإن سكت جَرَّ الريبة إليه، وإن قال: لا،
كذب، وإن قال: نعم، فسق، وسقطت منزلته، وذهبت حرمته.
زاد في رواية ((الصحيحين)): ((وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق
حتى يكتب عند الله صادقاً))، كذا في ((الزرقاني))، وفي ((المحلى)) بدله ((حتى
يكتب عند الله صديقاً))، وتقدم عن رواية منصور عند البخاري: ((وإن الرجل
ليصدق حتى يكون صديقاً))، قال الحافظ(٢): وفي رواية الأعمش: ((ويتحرى
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٩/٤).
(٢) ((فتح البارى)) (٥٠٨/١٠).
٤٩٩

٥٧ - كتاب الكلام
(٧) باب
(١٧٩٧) حدیث
وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ. فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ. وَالْفُجُورَ يَهْدِي
إِلَى النَّارِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: صَدَقَ وَبَرَّ، وَكَذَبَ وَفَجَرَ.
وصله البخاريّ في: ٧٨ - كتاب الأدب، ٦٩ - باب قول الله تعالى - ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ (9)﴾. ومسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة
والآداب، ٢٩ - باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، حديث ١٠٣ - ١٠٥.
الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً))، قال ابن بطال: المراد أنه يتكرر منه
الصدق حتى يستحق اسم المبالغة في الصدق، اهـ.
(وإياكم والكذب) بالنصب على التحذير، أي احذروه (فإن الكذب يهدي)
بفتح أوله (إلى الفجور) قال الراغب(١): أصل الفجر الشق، فالفجور شق ستر
الديانة، ويطلق على الميل إلى الفساد وعلى الانبعاث في المعاصي، وهو اسم
جامع للشر، كذا في ((الفتح)).
وفي ((الزرقاني)): اسم جامع لكل شر، وقال الباجي: أصل الفجور الميل
عن القصد، قال تعالى: ﴿بَلْ يُرِبِدُ الْإِنسَنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾﴾ قال الحسن البصري:
معناه أن يذهب في فجوره قدماً قدماً، وقال غيره: يقدم الذنب ويؤخر التوبة،
وقيل: معناه يكذب بما أمامه من القيامة والحساب، يقال للكاذب: فاجر
كذاب، وللمكذب بالحق فاجر، اهـ. (والفجور يهدي) بفتح أوله (إلى النار) أي
يوصل إلى ما يكون سبباً لدخول النار (ألا ترى أنه يقال) للرجل: إنه (صدق
وبر) بفتح الموحدة وشد الراء المفتوحة (وكذب وفجر).
قال الباجي(٢): يريد أن البر مما يؤكد به الصدق، ويوصف بهما الفعل
الواحد لفاعل واحد، وكذلك الكذب والفجور لما كان معناهما واحداً، يقال
فيه: كذب وفجر، فيوصف فيه الفعل الواحد، اهـ
(١) ((مفردات القرآن)) (ص٦٢٥).
(٢) ((المنتقى)) (٣٠٤/٧).
٥٠٠