Indexed OCR Text

Pages 241-260

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(١٧٤٠) حديث
لَا تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ تَمَائِلُ أَوْ تَصَاوِيرُ)) شَكَّ إِسْحَاقُ لَا يَدْرِي، أَيَّتَهُمَا
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ.
قال ابن عبد البر: هذا أصح حديث في هذا الباب وأحسنه إسناداً. انتهى.
وبذلك جزم الدميري إذ قال: والملائكة الذين لا يدخلون بيتاً فيه
كلب ولا صورة هم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبرك والاستغفار، أما
الحفظة والموكّلُون بقبض الأرواح، فيدخلون في كل بيت، ولا تفارق
الحفظة بني آدم في حال من الأحوال، لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم
وكتابتها، اهـ.
(لا تدخل بيتاً) أي مكاناً يستقر فيه الشخص، سواء كان بيتاً أو خيمة أو
غيرهما (فيه تماثيل) جمع تمثال (أو تصاوير).
قال الباجي: يحتمل أن يكون ذلك على الشك من الراوي، لأن التماثيل
هي التصاوير، فيشك في اللفظ، ويحتمل أيضاً أن تكون التماثيل ما قام بنفسه
من الصور، والصور واقع على ما قام بنفسه، وعلى ما كان رقماً أو تزويقاً في
غيره، ويحتمل أن تكون أو بمعنى الواو، فيتعلق النهي بهما، اهـ. كذا قال
(١)
الباجي(١) .
وفيه: أن الراوي صرح بالشك في حديث الباب إذ قال: (شك) بصيغة
الماضي في النسخ المصرية، و(يشك)) بالمضارع في الهندية (إسحاق) الراوي
(لا يدري) إسحاق (أيتهما) أي أية اللفظين (قال أبو سعيد) الخدري، قال
الزرقاني: ولولا جزم الراوي بأنه شك لأمكن جعل أو للتنويع، وتفسير التماثيل
بالأصنام، والتصاوير بالحيوان، اهـ.
قال النووي(٢): قال الخطابي: إنما لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو
(١) ((المنتقى)) (٢٨٧/٧).
(٢) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٨٤/١٤).
٢٤١

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(١٧٤٠) حديث
صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور، فأما ما ليس بحرام من كلب
الصيد والزرع والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما، فلا
يمتنع دخول الملائكة بسببه، وأشار القاضي إلى نحو ما قاله الخطابي.
والأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع
لإطلاق الأحاديث، ولأن الجرو الذي كان في بيت النبي ◌َّ تحت السرير كان
له ◌َّ فيه عذر ظاهر، فإنه لم يعلم به، ومع هذا امتنع جبرئيل عليه السلام من
دخول البيت، وعلل بالجرو، فلو كان العذر لا يمنعهم لم يمتنع جبرئيل عليه
السلام، اهـ.
وقال الحافظ(١): ظاهر الحديث العموم في كل كلب؛ لأنه نكرة في
سياق النفي، وذهب الخطابي وطائفة إلى استثناء الكلاب التي أذن في
اتخاذها، وجنح القرطبي إلى ترجيح العموم، وكذا قال النووي، واستدل لذلك
بقصة الجرو، ويحتمل أن يقال: لا يلزم من التسوية بين ما علم به أو لم يعلم
فيما لم يؤمر باتخاذه أن يكون الحكم كذلك فيما أذن في اتخاذه، اهـ.
وقال في موضع آخر: وحديث أبي هريرة في ((السنن))(٢) وصححه
الترمذي وابن حبان، ولفظه («أتاني جبرئيل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن
أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه
تماثيل، وكان في البيت كلب، فَمُرْ برأس التمثال الذي على باب البيت يقطع،
فيصير كهيئة الشجرة، ومُرْ بالستر فليقطع، وليجعل منه وسادتان منبوذتان
تُوطآن، ومُرْ بالكلب فليخرج ففعل رسول الله وَّ))، وفي رواية النسائي(٣): ((إما
أن تُقْطع رؤوسها أو تجعل بسطاً توطأ)).
(١) ((فتح الباري)) (٣٨١/١٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٤١٥٨)، والنسائي (٥٣٨٠) بنحوه.
(٣) ((سنن النسائي)) (٥٣٦٥).
٢٤٢

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(١٧٤٠) حدیث
وفي هذا الحديث ترجيح قول من ذهب إلى أن الصورة التي تمتنع
الملائكة من الدخول التي تكون باقية على هيئتها مرتفعة غير ممتهنة، فأما لو
كانت ممتهنة أو غير ممتهنة، لكنها غيرت عن هيئتها إما بقطعها من نصفها أو
بقطع رأسها فلا امتناع، اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (١): اختلف المحدثون في امتناع ملائكة الرحمة بها
على النقدين، فنفاه عياض، وأثبته النووي، وقال ابن عابدين: قوله: فنفاه
عياض، أي وقال: إن الأحاديث مخصصة، وهو ظاهر كلام علمائنا، فإن
ظاهره ما لا يؤثر كراهةً في الصلاة لا يكره إبقاؤه، اهـ.
قال الحافظ (٢): وقد استشكل كون الملائكة لا تدخل المكان الذي فيه
التصاوير مع قوله تعالى عند ذكر سيلمان عليه السلام: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن
تَحَرِيبَ وَتَمَثِلَ﴾، وقال مجاهد: كانت صوراً من نحاس، أخرجه الطبري،
وقال قتادة: كانت من خشب ومن زجاج، أخرجه عبد الرزاق، والجواب أن
ذلك كان جائزاً في تلك الشريعة، وكانوا يعملون أشكال الأنبياء والصالحين
منهم على هيئتهم في العبادة، ليتعبَّدُوا كعبادتهم، وقد قال أبو العالية: لم يكن
ذلك في شريعتهم حراماً، ثم جاء شرعنا بالنهي عنه، ويحتمل أن يقال: إن
التماثيل كانت على صورة النقوش لغير ذوات الأرواح، وإذا كان اللفظ محتملاً
لم يتعين الحمل على المعنى المشكل.
وقد ثبت في ((الصحيحين)) حديث عائشة في قصة الكنيسة التي كانت
بأرض الحبشة، وما فيها من التصاوير، وأنه وَّ قال: ((كانوا إذا مات فيهم
الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار
(١) انظر: ((رد المحتار)) (٥٠٦/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (١٠/ ٣٨٢).
٢٤٣

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(١٧٤١) حديث
١٧٤١/ ٧ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّصْرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ
الخلق عند الله))، فإن ذلك يشعر بأنه لو كان جائزاً في ذلك الشرع ما أطلق
عليه 8* ذلك، فدل على أن فعل صور للحيوان فعل محدث أحدثه عُبَّادُ
الصور، اهـ.
وبالأول جزم عامة المفسرين، قال صاحب ((الجلالين)): ولم يكن اتخاذ
الصور حراماً في شريعته، وقال أبو السعود: قوله تعالى: ﴿وَتَمَثِيلَ﴾ صور
الملائكة والأنبياء عليهم السلام على ما اعتادوه، فإنها كانت تعمل حينئذ في
المساجد ليراها الناس، ويعبدوا مثل عباداتهم، وحرمة التصاوير شرع
جدید، اهـ.
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن)): قوله: ﴿وَتَمَثِيلَ﴾ يدل على أن عمل
التصاوير كان مباحاً، وهو محظور في شريعة النبي وَلير، اهـ.
١٧٤١/ ٧ - (مالك عن أبي النضر) بالنون والضاد المعجمة المفتوحتين
سالم بن أبي أمية (عن عبيد الله) بضم العين المهملة مصغراً (ابن عبد الله) بفتح
العين مكبراً (ابن عتبة) بضم العين وسكون المثناة الفوقية (ابن مسعود أنه) أي
عبيد الله على ما في جميع النسخ التي بأيدينا من ((موطأ يحيى بن يحيى))، وفي
((موطأ محمد)) برواية مالك عن أبي النضر عن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه
دخل على أبي طلحة الأنصاري، فجعل الداخل إياه.
وتعقب عليه في ((التعليق الممجد))(١)، ولو صح هذا لم يرد عليه الإيراد
الآتي من عدم لقاء عبيد الله أبا طلحة وسهلاً، فإن عبد الله بن عتبة وُلِد في
عهده وَلّ، وتوفي بعد سنة ٧٠هـ، فلقاء سالم إياه ممكن وإن لم أر التصريح
بذلك.
(١) (٤١٩/٣).
٢٤٤

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(١٧٤١) حديث
دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ يَعُودُهُ. قَالَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ سَهْلَ بْنَ
هُنَيْفٍ .
(دخل على أبي طلحة) زيد بن سهل (الأنصاري يعوده) أي يعود عبيد الله
أبا طلحة (قال فوجد) عبيد الله (عنده) أي عند أبي طلحة (سهل بن حنيف)
بضم الحاء مصغراً الأنصاري البدري.
والحديث أخرجه البخاري في ((صحيحه))(١) برواية ابن أبي ذئب عن
الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن أبي طلحة قال:
قال النبي وَله: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تصاوير))، وقال الليث:
حدثني يونس عن ابن شهاب أخبرني عبيد الله سمع ابن عباس، سمعت أبا.
طلحة، سمعت النبي وَل .
قال الحافظ(٢): قوله: قال الليث، فائدة هذا التعليق تصريح الزهري،
ومن فوقه بالتحديث في جميع الإسناد، وأخرجه الإسماعيلي عن يونس، وفيه
التصريح أيضاً، ووقع في رواية الأوزاعي عن الزهري عن عبيد الله عن أبي
طلحة لم يذكر ابن عباس بينهما، ورجح الدارقطني رواية من أثبته، وأخرجه
مالك في ((الموطأ)) عن أبي النضر عن عبيد الله أنه دخل على أبي طلحة، فذكر
قصة وفيها المتن المذكور، وزاد فيه استثناء الرقم في الثوب، فلعل عبيد الله
سمعه من ابن عباس عن أبي طلحة، ثم لقي أبا طلحة لما دخل عليه يعوده
فسمعه منه، ويؤيده زيادة القصة في رواية أبي النضر.
لكن قال ابن عبد البر: الحديث لعبيد الله عن ابن عباس عن أبي طلحة،
فإن عبيد الله لم يدرك أبا طلحة ولا سهل بن حنيف، كذا قال، وكأن مستنده
في ذلك أن سهلاً مات في خلافة علي، وعبيد الله لم يدرك علياً، بل قال علي
(١) ح (٥٩٤٩).
(٢) ((فتح الباري)) (١٠/ ٣٨١).
٢٤٥

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(١٧٤١) حديث
ابن المديني: إنه لم يدرك زيد بن ثابت ولا رآه، وزيد مات بعد سهل بن
حنيف، وروى الحديث المذكور محمد بن إسحاق عن أبي النضر، فذكر القصة
لعثمان بن حنيف لا لسهل بن حنيف، أخرجه الطبراني، وعثمان تأخر بعد
سهل بمدة، وكذلك أبو طلحة، فلا يبعد أن يكون عبيد الله أدركهما، اهــ كذا
حكى عنه الحافظ في ((الفتح)).
وبه جزم ابن عبد البر في ((التجريد))(١) إذ قال: لم يسمع عبيد الله بن
عبد الله من أبي طلحة ولا أدرك سهل بن حنيف، وإنما الحديث لعبيد الله عن
ابن عباس عن أبي طلحة وسهل بن حنيف، وقد ذكرناه في ((التمهيد))(٢)، اهـ.
وهذا كله يخالف ما حكى عنه الزرقاني(٣) إذ قال: قال أي ابن عبد البر:
لم يختلف رواة ((الموطأ)) في إسناد هذا الحديث ومتنه، وزعم بعض العلماء أن
عبيد الله لم يلق أبا طلحة، وما أدري كيف قال ذلك، وهو يروي حديث مالك
هذا، وأظنه لقول بعض أهل السير: مات أبو طلحة سنة ٣٤هـ، وعبيد الله
حينئذ لم يكن ممن يصح له السماع، وهذا ضعيف.
والأصح أن وفاة أبي طلحة بعد الخمسين، لما صح عن أنس سرد أبو
طلحة الصوم بعد النبي ول# أربعين سنة، ومات سهل بن حنيف سنة ٣٨هـ،
فسماع عبيد منهما ممكن، وقد ثبت ههنا صحيحاً، فكيف ينكر، وإن كان سبب
إنكاره رواية ابن أبي ذئب عن الزهري، أي المذكورة في ((البخاري))، فقد
خالفه الأوزاعي، فرواه عن الزهري عن عبيد الله عن أبي طلحة لم يذكر ابن
عباس، وهذا موافق لرواية مالك عن أبي النضر على أنه يجوز أنهما حديثان،
(١) (ص٦٤).
(٢) ((التمهيد)) (١٩٣/٢١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٧/٤).
٢٤٦

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(١٧٤١) حديث
فَدَعَا أَبُو طَلْحَةَ إِنْسَاناً. فَنَزَعَ نَمَطاً مِنْ تَحْتِهِ. فَقَالَ لَهُ سَهْلُ بْنُ
حُنَيِّفٍ: لِمَ تَنْزِعُهُ؟ قَالَ: لِأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ. وَقَدْ قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ نَّ
مَا قَدْ عَلِمْتَ.
لأن أبا النضر استنثى ما كان رقماً في ثوب وجمع سهل بن حنيف مع أبي
طلحة، وليس هذان في حديث ابن شهاب، فهو غير حديث أبي النضر، وإن
كان شيخهما واحداً، وهو عبيد الله، انتهى ملخصاً.
ثم راجعت أصل ((التمهيد)) (١) الذي بأيدي، فوجدت كلامه موافقاً، لما
حكى عنه الزرقاني، ويشكل عليه أن ((التجريد)) تلخيص لـ((التمهيد)) من المصنف
بنفسه، وكلامه يوافق ما حكى عنه الحافظ، وهذا مشكل جداً، اللَّهم إلا أن
يقال: إن نسخ ((التمهيد)) في ذلك مختلفة(٢)، والنسخة التي بأيدي الحافظ
يوافقها ((التجريد)).
(فدعا أبو طلحة إنساناً فنزع) أي أمره بالنزع فنزع الإنسان المذكور (نمطاً)
بفتح النون والميم وطاء مهملة، ضرب من البسط له خمل رقيق (من تحته) أي
تحت أبي طلحة (فقال له سهل بن حنيف: لم) بكسر اللام وفتح الميم
الاستفهامية (تنزعه؟ قال) أبو طلحة: (لأن فيه) أي في النمط (تصاوير، وقد قال
فيها رسول الله (َّ) في التصاوير (ما قد علمت) بفتح التاء، يعني ما قاله
رسول الله ◌َيّ في ذلك معلوم لك، فلفظة ((ما)) موصولة مفعول لقوله: قد قال،
وهو كذلك في جميع النسخ الهندية والمصرية من المتون والشروح إلا
الزرقاني، ففيها زيادة همزة الاستفهام في أول ما قد علمت، فتكون ما نافية،
والمعروف في النسخ الأول.
(١) («التمهيد)) (١٩٢/٢١، ١٩٣).
(٢) قلت: النسخة المطبوعة لـ((التمهيد)) ورد فيها ما نقله الزرقاني عن الحافظ من كلام ابن
عبد البر، وفيها مذكور ما جاء في ((الفتح)) ((والتجريد)) فيمكن الجمع بينهما أن ما حكاه
الزرقاني هو على سبيل الاحتمال، وما جاء في ((التجريد)) هو مذكور بالجزم، والله أعلم.
٢٤٧

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(١٧٤٢) حديث
فَقَالَ سَهْلٌ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إلَّا مَا كَانَ رَقْماً فِي ثَوْبٍ))؟
قَالَ: بَلَىْ. وَلَكِنَّهُ أَظْيَبُ لِنَفْسِي.
لم يختلف رواة الموطأ في إسناد هذا الحديث ومتنه.
٨/١٧٤٢ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ، عَنِ الْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ،
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّةِ؛ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمَّرُقَةً
(فقال سهل: ألم يقل رسول الله رَّ) في النهي عن الصور (إلا ما كان
رقماً) بفتح الراء وسكون القاف أي نقشاً ووشياً (في ثوب؟ قال) أبو طلحة:
(بلى) قد استثناه النبي وَلّر (ولكنه) أي التجنب عن الصور مطلقاً (أطيب لنفسي)
لبعده عن قرب الحرام، قال محمد في ((موطئه)) بعد أثر الباب: وبهذا نأخذ ما
كان فيه من تصاوير من بساط يبسط أو فراش يفرش أو وسادة، فلا بأس
بذلك، إنما يكره من ذلك في الستر وما ينصب نصباً، وهو قول أبي حنيفة
والعامة من فقهائنا، اهـ. وتقدم في أول الباب اختلافهم في ذلك مبسوطاً .
٨/١٧٤٢ (مالك عن نافع) مولى ابن عمر (عن القاسم بن محمد) بن أبي
بكر الصديق - رضي الله عنه - (عن) عمته أم المؤمنين (عائشة) رضي الله عنها
(زوج النبي ◌َّة) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) بطرق، منها طريق مالك وطريق
جويرية عن نافع (أنها اشترت نمرقة) بفتح النون وسكون الميم وضم الراء بعدها
قاف، كذا ضبطه القزاز وغيره، وضبطها ابن السكيت بضم النون أيضاً
وبكسرها وكسر الراء، وقيل في النون: الحركات الثلاث والراء مضمومة
جزماً، والجمع نمارق، وهي الوسائد التي تصف بعضها إلى بعض، وقيل:
النمرقة: الوسادة التي يجلس عليها، كذا في ((الفتح))(١).
وفي ((الزرقاني)): بضم النون والراء وبكسرهما روايتان بينهما ميم ساكنة
وقاف مفتوحة، وحكي تثليث النون: وسادة صغيرة، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٣٨٩/١٠).
٢٤٨

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(١٧٤٢) حديث
فِيهَا تَصَاوِيرُ. فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ ....
(فيها تصاوير) قال الزرقاني(١): أي تماثيل حيوان (فلما رآها رسول الله وَل
قام على الباب فلم يدخل) بالفاء في النسخ المصرية، ((ولم يدخل)) بالواو في
الهندية، والمعنى واحد، أي لم يدخل الحجرة الشريفة، زاد في رواية
للبخاري: ((وجعل يتغير وجهه))، وترجم البخاري في ((صحيحه)) على هذا
الحديث ((باب من لم يدخل بيتاً فيه صورة)).
قال الموفق (٢): أما دخول منزل فيه صورة فليس بمحرم، وإنما أبيح ترك
الدعوة لأجله عقوبة للداعي بإسقاط حرمته لإيجاده المنكر في داره، ولا يجب
على من رآه في منزل الداعي الخروج في ظاهر كلام أحمد، وهذا مذهب
مالك، فإنه كان يكرهها تنزهاً، ولا رآها محرمة، وقال أكثر أصحاب الشافعي:
إذا كانت الصور على الستور أو ما ليس بموطوء لم يجز له الدخول؛ لأن
الملائكة لا تدخله، ولأنه لو لم يكن محرماً لما جاز ترك الدعوة الواجبة عن
أجله .
ولنا، ما روي أن النبي ◌َّر دخل الكعبة فرأى فيها صورة إبراهيم
وإسماعيل يستقسمان، الحديث، رواه أبو داود، وفي شروط عمر
- رضي الله عنه - على أهل الذمة: أن يوسعوا أبواب كنائسهم وبيعهم،
ليدخلها المسلمون للمبيت بها، وهذا اتفاق منهم على دخولها، وفيها
الصور، ولأن دخول الكنائس غير محرم، فكذلك المنازل التي فيها
الصور، وكون الملائكة لا تدخله لا يوجب تحريم دخوله علينا، كما لو
كان فيه كلب، وإنما أبيح ترك الدعوة من أجله عقوبة لفاعله وزجراً له
عن فعله، اهـ.
(١) (٣٦٧/٤).
(٢) ((المغني)) (٢٠٢/١٠).
٢٤٩

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(١٧٤٢) حديث
فَعَرَفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ. وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُوبُ إِلَى اللهِ.
وَإِلَى رَسُولِهِ. فَمَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ: ((فَمَا بَالُ هُذِهِ
النُّمْرُقَةِ؟)) قَالَتْ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ تَقْعُدُ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدُهَا .
(فعرفت) أي عائشة - رضي الله عنها - (في وجهه الكراهية) قال
الزرقاني(١): بكسر الهاء وخفة الياء، وفي رواية بفتح الهاء وإسقاط الياء
(وقالت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله) كذا في النسخ المصرية وفي
الهندية بحذف ((إلى)) الثانية.
قال الحافظ(٢): يستفاد منه جواز التوبة من الذنوب كلها إجمالاً، وإن لم
يستحضر التائب خصوص الذنب الذي حصلت به مؤاخذته، اهـ.
قال القاري(٣): في إعادة ((إلى)) دلالة على استقلال الرجوع إلى كل
منهما، قال الطيبي: فيه أدب حسن من الصديقة - رضي الله عنها - وعن أبيها
حيث قدمت التوبة على اطلاعها على الذنب، ومن ثم قالت: (فماذا أذنبت؟)
أي ما اطلعت بعد على ذنب (فقال رسول الله وَلير: ما بال هذه النمرقة؟) أي ما
شأنها؟ وفي رواية جويرية ((ما هذه النمرقة؟)) (قالت) عائشة: (اشتريتها تقعد
عليها وتوسدها) بحذف إحدى التائين للتخفيف، أي تتوسدها .
وقال صاحب ((المحلى)): من التوسيد، وفي بعض النسخ من التوسد،
وعلى هذا فإحدى التاءين محذوفة، اهـ. وبالأول فقط ضبطه الحافظ إذ قال:
بفتح أوله وتشديد السين المهملة أصله تتوسدها، اهـ. أي تقعد عليها تارة
وتجعلها وسادة مرة أخرى، قال صاحب ((المحلى)): جملة مستأنفة لبيان سبب
الشراء، قال القاري: كأنها - رضي الله عنها - غفلت عن أن كراهته وَ لَه لأجل
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٧/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٨٩/١٠).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢٨/٨).
٢٥٠

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(١٧٤٢) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِلّهِ: ((إِنَّ أَصْحَابَ هُذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ))
التصاوير، بل ظنت أن الكراهة لمجرد فرشها زينة للبيت بها فقالت ما
قالت، اهـ.
(فقال رسول الله وَله: إن أصحاب هذه الصور) بضم الصاد وفتح الواو
جمع صورة، هكذا السياق في أكثر النسخ المصرية، وهو الأوجه لرواية
البخاري عن مالك بهذا السياق، وفي نسخة الزرقاني ((إن أصحاب الصورة))
بالإفراد، وفي النسخ الهندية ((إن أهل هذه الصورة))، قال القاري: هو يشمل
من يعملها ومن يستعملها، لكن يؤيد الأول قوله: ((أحيوا)) إلخ (يعذبون) ببناء
المجهول (يوم القيامة) أشد العذاب (يقال لهم: أحيوا) بهمزة قطع مفتوحة وضم
الياء (ما خلقتم) أي ما صوّرتم.
قال الحافظ(١): أمر تعجيز، ويستفاد منه صفة تعذيب المصور، وهو أن
يكلف نفخ الروح في الصورة التي صورها، وهو لا يقدر على ذلك فيستمر
تعذيبه .
وفي ((الصحيحين)) عن ابن عباس: ((من صور صورة في الدنيا كلف يوم
القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ)). قال الحافظ(٢): وفي رواية ((فإن الله
يعذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ أبداً)) واستعمال ((حتى)) ههنا نظير
استعماله في قوله تعالى: ﴿حَ يَلِجَ اُلْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. قال الكرماني:
ظاهره أنه من تكليف ما لا يطاق، وليس كذلك، وإنما القصد طول تعذيبه
وإظهار عجزه ومبالغة في توبيخه، وقوله: ((ليس بنافخ)) أي لا يمكنه ذلك،
فيكون معذباً دائماً .
(١) ((فتح الباري)) (٣٨٤/١٠).
(٢) (٣٩٤/١٠).
٢٥١

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تُدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ)).
أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٤٠ - باب التجارة فيما يكره لبسه
للرجل والنساء. ومسلم في: ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٢٦ - باب لا تدخل
الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة، حديث ٩٦.
(٤) باب ما جاء في أكل الضب
وقد استشكل هذا الوعيد في حق المسلم، فإن وعيد القاتل عمداً ينقطع
عند أهل السنة مع ورود تخليده بحمل التخليد على مدة مديدة، وهذا الوعيد
أشد منه؛ لأنه مغيا بما لا يمكن، وهو نفخ الروح، والجواب أنه يتعين تأويل
الحديث على أن المراد به الزجر الشديد بالوعيد بعقاب الكافر، ليكون أبلغ في
الارتداع، وظاهره غير مراد، وهذا في حق العاصي، وأما من فعله مستحلاً فلا
إشكال فيه، اهـ.
(ثم قال) وَّل: (إن البيت الذي فيه الصور) وفي النسخ الهندية ((هذه
الصور))، وهو بضم الصاد وفتح الواو جمع صورة، والمراد الصور الحيوانية،
لما تقدم من الإجماع على أنه لا بأس بالشجر وغيرها مما لا روح فيها (لا
تدخله الملائكة) أي ملائكة الرحمة على الراجح، وقيل بالعموم حتى الحفظة
كما تقدم.
قال الحافظ(١): الجملة الثانية هي المطابقة لامتناعه 8ور من الدخول،
وإنما قدم الجملة الأولى عليها اهتماماً بالزجر عن اتخاذ الصور، لأن الوعيد
إذا حصل لصانعها فهو حاصل لمستعملها؛ لأنها لا تصنع إلا لتستعمل،
فالصانع متسبب والمستعمل مباشر، فيكون أولى بالوعيد، اهـ.
(٤) ما جاء في أكل الضب
بفتح الضاد المعجمة، وشد الموحدة، حيوان بري كبير القد. قال
(١) ((فتح الباري)) (٣٨٩/١٠).
٢٥٢

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
صاحب ((المحيط الأعظم)): يقال لها في الفارسية: سوسمار، وفي الهندية:
كوه، وفي اليونانية: أنوفوطانس، حيوان أصغر من الهرة، لونه بين السواد
والصفرة، ذنبه يكون صغيراً جداً، يكثر وجوده في ديار العرب.
قال الدميري(١): حيوان بري معروف يشبه الورل، لا يشرب الماء ويعيش
سبعمائة سنة فصاعداً. ويقال: إنه يبول في كل أربعين يوماً قطرة، ولا تسقط له
سن، يقال: إن أسنانه قطعة واحدة ليس مفرقة، وللضب ذكران، وللأنثى
فرجان، كالورل والحرذون، وهو يتلون ألواناً بحر الشمس، كما تتلون
الحرباء، بينه وبين العقارب مودة، فلذلك يؤويها في جحره لتلسع المتحرش به
إذا أدخل يده لأخذه، وفي طبعه النسيان وعدم الهداية، وبه يضرب المثل في
الحيرة، ومن طبعه، أنه يرجع في قيئه كالكلب ويأكل رجيعه.
قال الحافظ(٢): هو دويبة تشبه الجرذون(٣) لكنه أكبر من الجرذون،
ويكنى أباحسل بمهملتين مكسورة ثم ساكنة، ويسمى الأنثى ضبة، وبه سميت
القبيلة، ويقال: إن لأصل ذكر الضب فرعين، ولذا يقال له ذكران، يقال: إن
أكل لحمه يذهب العطش، ومن الأمثال ((لا أفعل كذا حتى يرد الضب))، يقوله
من أراد أن لا يفعل الشيء؛ لأن الضبّ لا يرد، بل يكتفي بالنسيم وبرد
الهواء، ولا يخرج من جحره في الشتاء، اهـ.
وحكى الدميري وغيره الإجماع على إباحته، ولا يصح نقل الإجماع،
قال الحافظ بعد ذكر الروايات الدالة على الإباحة سيأتي بعضها في ((الموطأ)»
وأخرج بعضها البخاري: حكى عياض عن قوم تحريمه، وعن الحنفية كراهته،
(١) ((حياة الحيوان)) (١٠٧/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٦٣).
(٣) كذا في الأصل والصواب الحرذون، قال الدميري: بكسر الحاء وبالذال المعجمة دُوَيْبَةٌ
شبيهة بالضبِّ، وقيل: هو ذكر الضبِّ؛ لأن له ذكرين مثله، أهــ (ش)).
٢٥٣

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
وأنكر ذلك النووي، وقال: لا أظنه يصح عن أحد، فإن صح فهو محجوج
بالنصوص وبإجماع من قبله، قال الحافظ: قد نقله ابن المنذر عن علي، فأي
إجماع يكون مع مخالفته، ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم.
وقال الطحاوي في ((معاني الآثار)): كره قوم أكل الضب، منهم أبو حنيفة
وأبو يوسف ومحمد، قال: واحتجّ محمد بحديث عائشة أن النبي ◌ّلّ أُهدي له
ضبُّ، فلم يأكله، فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة - رضي الله عنها - أن
تعطيه، فقال لها رسول الله وَله: ((أتعطينه ما لا تأكلين؟)) قال الطحاوي: ما في
هذا دليل على الكراهة لاحتمال أن لا تكون عافته، فأراد النبي وَل ◌ّ أن لا يكون
ما يتقرب به إلى الله إلا من خير الطعام، كما نهى أن يتصدق بالتمر الرديء.
قال الحافظ(١): وقد جاء عن النبي ◌َل أنه نهى عن الضب، أخرجه أبو
داود بسند حسن، فإنه من رواية ابن عياش عن ضمضم عن شريح عن أبي
راشد عن عبد الرحمن بن شبل، وحديث ابن عياش عن الشاميين قويٌّ،
وهؤلاء شاميون ثقات، ولا يغترُّ بقول الخطابي: ليس إسناده بذاك، وقول ابن
حزم: فيه ضعفاء ومجهولون، وقول البيهقي: تفرد به ابن عيّاش وليس بحجة،
وقول ابن الجوزي: لا يصح، ففي كل ذلك تساهل لا يخفى، فإن رواية ابن
عياش عن الشاميين قوية عند البخاري، وقد صحح الترمذي بعضها .
وقد أخرج أبو داود من حديث عبد الرحمن بن حسنة، نزلنا أرضاً كثيرة
الضباب، الحديث، وفيه أنهم طبخوا منها، فقال النبي وَّر: ((إن أمة من بني
إسرائيل مسخت دوابّ في الأرض، فأخشى أن تكون هذه فأكفئوها)) أخرجه
أحمد وصححه ابن حبان والطحاوي، وسنده على شرط الشيخين إلا الضحاك
فلم يخرجا له.
(١) ((فتح الباري)) (٦٦٥/٩).
٢٥٤

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
والأحاديث الماضية وإن دلت على الحل تصريحاً وتلويحاً ونصاً وتقريراً،
فالجمع بينها وبين هذا حمل النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون
مما مسخ، وحينئذ أمر بإكفاء القدور، ثم توقف فلم يأمر به، ولم ينه عنه،
وحمل الإذن فيه على ثاني الحال، لما علم أن الممسوخ لا نسل له، ثم بعد
ذلك كان يستقذره، فلا يأكله، ولا يحرمه، وأكل على مائدته، فدل على
الإباحة، وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذّره، وتحمل أحاديث الإباحة
على من لا يتقذره، اهـ.
وقال الشيخ في ((البذل))(١): وتوجيه الجمع هذا بعيد غاية البعد، بل
الوجه أن رسول الله واليوم أباحه أولاً، ولكن ترك أكله تقذراً، واعتذر بأنه لم
يكن في أرض قومي فأجدني أعافه، ثم تردد فيه باحتمال كونها من
الممسوخات، فلم يأمر فيه بشيء ولم ينه عنه، فكان في حكم الإباحة الأصلية
ثم بعد ذلك نهى عنه، فصار حراماً، وهذا الوجه أولى؛ لأن فيه تغليب الحظر
على الإباحة، اهـ.
وأفاد شيخ مشايخنا الكنكوهي في ((الكوكب الدري(٢) على جامع
الترمذي)) قوله: ((لا آكله ولا أحرمه)) للكراهية الطبعية، ولعدم نزول الحكم
بعد، ثم حرمه النبي 183 بعد ذلك، كما رواه أبو داود في ((سننه)) وأحمد في
((مسنده)) .
وفيه دلالة على أن الأصل في الأشياء الإباحة، حيث لم يحرمه لعدم
نزول تحريمه، وكان ترك أكله لعدم اعتياده لفقده بمكة، وإن كان يمكن أن
يكون أحاديث التحريم قبل هذه ثم نسخت، وعلى هذا فمعنى قوله: ((ولا
(١) ((بذل المجهود)) (١٢١/١٦).
(٢) (٨/٣).
٢٥٥

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
(١٧٤٣) حدیث
٩/١٧٤٣ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ
رَسُولُ اللهِ وَّهَ بَيْتَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ فَإِذَا ضِبَابٌ فِيهَا بِيْضٌ.
وَمَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. فَقَالَ ((مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هُذَا؟))
أحرمه)) لأن الله تعالى أحله، لكن الاحتياط لعدم العلم بالتاريخ فيما ذهبنا إليه،
لأن الترجيح عند اجتماع المحرم والمبيح للمحرم، اهـ.
٩/١٧٤٣ - (مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
صعصعة) الأنصاري المازني (عن سليمان بن يسار) بتحتية فسين مهملة أحد
الفقهاء المشهورين (أنه قال) مرسلاً (دخل رسول الله وَ ليل بيت) أم المؤمنين
(ميمونة بنت الحارث) الهلالية، قال ابن عبد البر: رواه بكير بن الأشج عن
سليمان بن يسار عن ميمونة، كذا في ((التنوير))(١).
(فإذا) للمفاجأة، يعني جاء بعد الدخول سريعاً طعام فيه (ضباب) بكسر
الضاد المعجمة وتخفيف الموحدة جمع ضب (فيها بيض) بكسر الموحدة جمع
بيضة أي فيها بيض الطائر (ومعه) وَلّ (عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد)
رضي الله عنهم، وفي رواية للبخاري: وهي خالته وخالة ابن عباس، قال
الحافظ: اسم أم خالد لبابة الصغرى، واسم أم ابن عباس لبابة الكبرى، وتكنى
أم الفضل، وهما أختا ميمونة، والثلاث بنات الحارث بن حزن الهلالي
(فقال) وَّ لميمونة - رضي الله عنها - (من أين) بكسر الميم من أي موضع
حصل (لكم هذا؟).
قال الباجي(٢): ليعلم هل هذا من جهة الهدية أو من جهة الصدقة أو مما
قد صار له ملكاً أو لمن يكون من جهته، أو هو معرض للبيع بعد، أو لغير
ذلك؟ اهـ.
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص ٦٩٥).
-
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٨/٧).
٢٥٦

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
(١٧٤٣) حديث
فَقَالَتْ: أَهْدَتْهُ لِي أُخْتِي هُزَيْلَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ،
وترجم البخاري على حديث ابن عباس الآتي بعد ذلك ((باب ما كان
النبي ﴿ ﴿ لا يأكل حتى يسمى له فيعلم ما هو))، قال ابن التين: إنما كان
يسأل؛ لأن العرب كانت لا تعاف شيئاً من المآكل لقلتها عندهم، وكان هو مَّه
قد يعاف بعض الشيء، فلذلك كان يسأل.
قال الحافظ(١): ويحتمل أن يكون سبب السؤال أنه * ما كان يكثر
السكون في البادية، فلم يكن له خبرة بكثير من الحيوانات، أو لأن الشرع ورد
بتحريم بعض الحيوانات، وكانوا لا يحرمون منها شيئاً، وربما أتوا به مشوياً أو
مطبوخاً فلا يتميز عن غيره إلا بالسؤال عنه، اهـ.
(فقالت) ميمونة: (أهدته لي أختي هزيلة) بضم الهاء وفتح الزاي المعجمة
فتحتية فلام (بنت الحارث) الهلالية صحابية تكنى أم حفيد بضم الحاء المهملة
وفتح الفاء، وفي رواية يونس عن الزهري عند البخاري في الأطعمة(٢): قدمت
به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد، وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن
عباس(٣): أن أم حفيد بنت الحارث خالة ابن عباس أهدت إلى النبي وَلّ سمناً
وأقطاً وأضباً.
قال الحافظ(٤): وفي رواية ابن جبير عند الطحاوي ((جاءت أم حفيدة
بضب وقنفذ)) وذكر القنفذ فيه غريب، وقيل في اسمها هزيلة، وهي رواية
((الموطأ)» هذه، فإن كان محفوظاً فلعل لها اسمين أو اسم ولقب، وحكى بعض
شُرَّاح ((العمدة)) في اسمها حميدة بميم، وفي كنيتها أم حميد بميم بغير هاء،
(١) ((فتح الباري)) (٩/ ٥٣٤).
(٢) أخرجه البخاري (٥٣٩١).
(٣) أخرجه البخاري (٢٥٧٥، ٥٣٨٩، ٥٤٠٢، ٧٣٥٨).
(٤) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٦٤).
٢٥٧

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
(١٧٤٣) حديث
فَقَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ((كُلَا)) فَقَالَا: أَوَلَا تَأْكُلُ
أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: ((إِنِّي تَحْضُرُنِي
وفي رواية بهاء وفاء، لكن براء بدل الدال وبعين مهملة بدل الحاء بغير هاء
وكلها تصحيفات، اهـ.
قلت: ظاهر هذا الكلام أنه جعل لفظ ((الموطأ)) مرجوحاً إذ ذكره بلفظ إن
كان محفوظاً، ولم يذكر في ((الإصابة)) إلا هذا ولم يذكر فيها حفيدة، وقال في
كنى ((الإصابة)»(١): أم حفيد بفاء مصغرة، بنت الحارث الهلالية أخت أم الفضل
والدة ابن عباس، اسمها هزيلة مصغرة، تقدم ذكرها في الهاء، وهي التي
أهدت الضباء(٢) لرسول الله وَالر، اهـ.
وقال في الأسماء: هزيلة بنت الحارث بن حرب الهلالية أخت ميمونة أم
المؤمنين، قيل: هي أم الحفيد الآتية في الكنى، قاله أبو عمر، وكانت نكحت
في الأعراب، وهي التي أهدت الضباب، روى حديثها سليمان بن يسار وغيره،
أخرجه مالك في ((الموطأ))، وأصل الحديث في ((الصحيحين)) عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس، قال: أهدت خالتي أم حفيد بنت الحارث إلى النبي
سمنا وأقطاً وضباباً، الحديث، وأخرجه أبو داود وغيره من رواية عمر بن
حرملة عن ابن عباس، ووقع في مسند ابن أبي عمر المدني من هذا الوجه بلفظ
أم عتيق، والمعروف أم حفيد(٣)، اهـ.
(فقال) وَ لّر (لعبد الله بن عباس وخالد بن الوليد: كلا) بضم الكاف
وتخفيف اللام بصيغة التثنية من أمر الأكل (فقالا) بصيغة التثنية في جميع الهندية
وأكثر المصرية وهو أوضح مما في نسخة الزرقاني بالإفراد (أو لا تأكل) بفتح
الهمزة الاستفهامية والواو العاطفة (أنت يا رسول الله فقال) ومثل: (إني تحضرني)
(١) (٢٢٣/٨).
(٢) كذا في الأصل، والصواب: الضباب، اهــ ((ش)).
(٣) انظر: ((التمهيد)) (٢٣٦/١٩).
٢٥٨

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
(١٧٤٣) حديث
مِنَ اللهِ حَاضِرَةٌ)) قَالَتْ مَيْمُونَةُ: أَنَسْقِيكَ يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ لَبَنِ عِنْدَنَا؟
فَقَالَ: (نَعَمْ)) فَلَمَّا شَرِبَ قَالَ: ((مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هُذَا))
بالفوقية في أوله في أكثر النسخ (من الله حاضرة) قال صاحب ((المحلى)): أي
من الملائكة الذين يناجيهم، اهـ.
وفي ((الفتح))(١): قال المازري: يعني الملائكة، وكأن للحم الضب
ريحا، فترك أكله لأجل ريحه، كما ترك أكل الثوم مع كونه حلالاً، اهـ.
قال ابن العربي: يحتمل أن يكون مع الضباب رائحة كريهة، فيكون من
باب أكل البصل والثوم، وإما أن يريد أن الملك ينزل عليه بالوحي، ولا يصلح
لمن كان في هذه المرتبة ارتكاب المشتبهات، وقال ابن عبد البر: معناه إن
صحت هذه اللفظة؛ لأنها لا توجد في غير هذا الحديث ما ظهر في حديث ابن
عباس وخالد بن الوليد أنه قال: لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، اهـ. كذا
في ((التنوير))(٢).
وسيأتي في الحديث الآتي في سبب تركه ((أنه لم يكن بأرض قومي
فأجدني أعافه)) وهو لفظ حديث البخاري، قال الحافظ: وورد لذلك سبب
آخر، أخرجه مالك من مرسل سليمان بن يسار، فذكر حديث الباب، ثم قال:
وهذا إن صح يمكن ضمه إلى الأول، ويكون لتركه الأكل من الضب
سببان، اهـ. وكأنه أشار بذلك إلى ترجيح السبب الذي ورد في ((البخاري))،
وإليه ميل ابن عبد البر، كما يظهر من كلامه.
(قالت ميمونة: أنسقيك) بهمزة الاستفهام (يا رسول الله من لبن) موجود
(عندنا؟ فقال) بَّر: (نعم، فلما شرب) اللبن (قال) وَلّ: (من أين) حصل (لكم
هذا) اللبن، قدم السؤال بقوله: من أين لكم في الضب؛ لأن هدية الضباب لم
(١) (فتح الباري)) (٦٦٤/٩).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٦٩٥).
٢٥٩

٥٥ - كتاب الاستئذان
(٤) باب
(١٧٤٣) حديث
فَقَالَتْ: أَهْدَتْهُ لِي أُخْتِي هُزَيْلَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: «أَرَأَيْتِكِ
جَارِيَتَكِ الَّتِي كُنْتِ اسْتَأُمَرْتِيْنِي فِي عِتْقِهَا. أَعْطِيهَا أُخْتَكِ. وَصِلِي بِهَا
رَحِمَكِ تَرْعَى عَلَيْهَا. فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكِ)).
تكن معتادة معروفة، بخلاف اللبن، فإن هديته كانت معتادة معروفة، طالما تأتي
هديتها في بيوته وَله، وسأل عنه بعد الشرب لأجل الجزاء، كما يدل عليه
الكلام الآتي، (فقالت) ميمونة: (أهدته لي أختي هزيلة) المذكورة، وكانت
- رضي الله عنها - أهدت عدة أشياء، ذكر منها الضب والأقط والسمن في
رواية سعيد بن جبير في ((البخاري)).
(فقال رسول الله وَله) مخاطباً لميمونة - رضي الله عنها -: (أرأيتكِ) بكسر
التاء والكاف أي أخبريني عن رأيك في شأن (جاريتك) وكانت سوداء، كما
عند النسائي، قال الحافظ: لم أقف على اسمها، كذا في ((الزرقاني)).
قلت: ذكره الحافظ في حديث عتق ميمونة - رضي الله عنها - جاريتها
الآتي قريباً، فإن كانت القصتان واحدة فذاك، وإلا فهي وقعة أخرى، كما يظهر
من اختلاف السياقين في القصتين (التي كنت استأمرتني) كذا في أكثر النسخ
بدون الياء للتخفيف. وفي بعض النسخ المصرية ((استأمرتيني)) بالياء على
الأصل، قال الزرقاني: وفي نسخة ((سألتيني)) (في عتقها) قبل ذلك (أعطيها)
بفتح الهمزة بصيغة الأمر أي هل ترى أن تعطيها (أختك) هزيلة المذكورة
(وصِلِي) بكسر الصاد واللام المخففة (بها رحمك) بكسر الكاف (ترعى) الجارية
(عليها) أي على أختك، وفي ((المحلى)): ترعى أختك عليها أي مواشيها (فإنه
خير لك) من عتقها .
قال الباجي(١): يحتمل أنه يريد بذلك المكافأة على ما بدت به من
هديتها، وأن ذلك من مكارم الأخلاق، لمن ورد عليه من أهله زائراً حتى قدم
(١) ((المنتقى)) (٢٨٨/٧).
٢٦٠