Indexed OCR Text
Pages 221-240
٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
(١٧٣٧) حدیث
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي مُوسى: أَمَا إِنِّي لَمْ أَنَّهِمْكَ. وَلَكِنْ
خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَه .
أبو مسعود هكذا بالشك، وفي رواية لمسلم من طريق طلحة بن يحيى عن أبي
بردة في هذه القصة، فلما أن جاء بالعشي، قال: يا أبا موسى! ما تقول؟ أقد
وجدت؟ أي بينة قال: نعم أبي بن كعب، قال: عدل، قال: يا أبا الطفيل،
- وفي لفظ له: يا أبا المنذر - ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله وَليل يقول
ذلك يا ابن الخطاب، فلا تكونَنَّ عذاباً على أصحاب رسول الله وَ ظله. قال:
سبحان الله أنا سمعت شيئاً فأحببت أن أتثبت، هكذا وقع في هذا الطريق،
وطلحة بن يحيى فيه ضعف، ورواية الأكثرين أولى أن تكون محفوظة.
ويمكن الجمع بأن أبيّ بن كعب جاء بعد أن شهد أبو سعيد - كذا في
((الفتح)) (١) وهذا أصرح دليل على أن ما تقدم من لفظ أبو عبيد من تحريف
الناسخ - وبهذا جمع الباجي(٢) بين الروايتين إذ قال: يحتمل أن يكون أبيٍّ
أرسل معه أبا سعيد ثم لقيه بعد وقت فأخبره أيضاً بذلك، اهـ.
قال الزرقاني(٣): وفيه دليل على ما كان عليه الصحابة من القوة في
دين الله وقول الحق والرجوع إليه وقبوله، فإن أبيا أنكر على عمر - رضي الله
عنه - تهديد أبي موسى وخاطبه مع أنه الخليفة بيا ابن الخطاب، أو يا عمر،
لأن المقام مقام إنكار، اهـ. وقلت: وقال أيضاً: لا تكن عذاباً على أصحاب
رسول الله
(فقال عمر) رضي الله عنه (لأبي موسى) الأشعري: (أما) بتخفيف الميم
حرف تنبيه (إني لم أتهمك) في الرواية إذ طلبت منك البينة (ولكن خشيت أن
يتقول) بشد الواو أي يكذب (الناس على رسول الله وَلَه).
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٨/١١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٥/٧).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٥/٤).
٢٢١
٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
(١٧٣٧) حديث
قال الحافظ(١) وفي رواية عبيد بن حنين التي أشرت إليها آنفاً: فقال عمر
- رضي الله عنه - لأبي موسى: والله إن كنت لأميناً على حديث رسول الله وَله
ولكن أحببت أن أستثبت، ونحوه في رواية أبي بردة حين قال أبي بن كعب
لعمر: لا تكن عذاباً على أصحاب رسول الله وَلّ، فقال: سبحان الله إنما
سمعت شيئاً، فأحببت أن أتثبت، قال ابن بطال: فيؤخذ منه التثبت في خبر
الواحد، لما يجوز عليه من السهو وغيره، وقد قبل عمر - رضي الله عنه - خبر
العدل الواحد بمفرده في توريث المرأة من دية زوجها، وأخذ الجزية من
المجوس إلى غير ذلك، لكنه كان يستثبت إذا وقع ما يقتضي ذلك.
٠
وقال ابن عبد البر(٢): يحتمل أن يكون حضر عنده من قرب عهده
بالإسلام، فخشي أن أحدهم يختلق الحديث عن رسول الله و 8* عند الرغبة
والرهبة طلباً للمخرج مما يدخل فيه، فأراد أن يعلمهم أن من فعل شيئاً من
ذلك ينكر عليه حتى يأتي بالمخرج.
وادعى بعضهم أن عمر - رضي الله عنه - لم يعرف أبا موسى، قال ابن
عبد البر: وهو قول خرج بغير رؤية من قائله ولا تدبر، فإن منزلة أبي موسى
عند عمر - رضي الله عنه - مشهورة، وقال ابن العربي: اختلف في طلب عمر
- رضي الله عنه - منه البينة على عشرة أقوال، قال الحافظ: وغالبها متداخل،
ولا تزيد على ما قدمته، اهـ.
قال الحافظ: وقد استشكل ابن العربي إنكار عمر - رضي الله عنه - على
أبي موسى حديثه المذكور، مع كونه وقع له مثل ذلك مع النبي ◌َّر، وذلك في
حديث ابن عباس الطويل في هجر النبي 18َّ نساءه في المشربة، فإن فيه أن
(١) ((فتح الباري)) (٣٠/١١).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٢٠١/٣).
٢٢٢
٥٥ - كتاب الاستئذان
(١) باب
(١٧٣٧) حديث
عمر رضي الله عنه استأذن مرة بعد مرة، فلما لم يؤذن له في الثالثة رجع، حتى
جاءه الإذن، وذلك بين في سياق البخاري، قال: والجواب عن ذلك أنه لم
يقض فيه بعلمه أو لعله نسي ما كان وقع له، ويؤيده قوله: شغلني الصفق
بالأسواق.
قال الحافظ: والصورة التي وقعت لعمر - رضي الله عنه - ليست مطابقة
لما رواه أبو موسى، بل استأذن في كل مرة فلم يؤذن له فرجع، فلما رجع في
الثالثة استدعى، فأذن له، ولفظ البخاري الذي أحال عليه ظاهرٌ فيما قلته وليس
فیه ما ادعاه، اهـ.
وفي ((المحلى)): قال النووي: لا حجة فيه لمن لا يحتج بخبر الواحد،
فإن قول عمر ليس فيه رد الخبر الواحد، ولكن خاف عمر - رضي الله عنه -
مسارعة الناس إلى التقول على النبي وَلّر ما لم يقله، فأراد سداً للباب لا شكاً
في رواية أبي موسى، فإنه - رضي الله عنه - أجلُّ من أن يظن به أن يحدث
عنه وَّ ما لم يقله، ومما يدل على ذلك أنه طلب منه إخبار رجل آخر حتى
يعمل بالحديث، ومعلوم أن خبر الاثنين، بل الثلاثة فما فوقها، ما لم يبلغ إلى
حد التواتر فهو أخبار آحاد، اهـ.
وقال الحافظ(١): وتعلق بقصة عمر - رضي الله عنه - من زعم أنه كان لا
يقبل خبر الواحد، ولا حجة فيه؛ لأنه قبل خبر أبي سعيد المطابق لحديث أبي
موسى، ولا يخرج بذلك عن كونه خبر واحد، واستدل به من ادّعى أن خبر
الواحد بمفرده لا يقبل، حتى ينضمّ إليه غيره كالشهادة، قال ابن بطال: وهو
خطأ من قائله، وجهلٌ بمذهب عمر، فقد جاء في بعض طرقه أن عمر - رضي الله
عنه - قال لأبي موسى: إني لم أتّهمك ولكن أردت أن لا يتجرأ الناس على
الحديث عن رسول الله ◌َالچ .
(١) ((فتح الباري)) (٣٠/١١).
٢٢٣
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٢) باب
(٢) باب التشميت في العطاس
قلت: وتقدم قريباً وتقدم أيضاً من ((الفتح)) أن عمر - رضي الله عنه - قبل
خبر العدل الواحد بمفرده في توريث المرأة من دية زوجها، وأخذ الجزية من
المجوس إلى غير ذلك، قال الباجي(١): ليس في الحديث ما يدل على أنه لا
يقبل خبر الواحد؛ لأنه لو اعتقد ذلك لم يتوعّد أبا موسى الأشعري إذا لم يجد
من يشهد له، بل كان يردّ قوله خاصة كالشاهد الواحد؛ لأن عمر - رضي الله
عنه - لم يعلّل ذلك بأنه مفرد، وإنما علّله بأنه يخاف التقوّل على رسول الله وَّر،
وهذا يقتضي قبول خبر الواحد، وإلا فلم يكن يخاف ذلك من خبر الواحد؛
لأنه مردود، اهـ.
(٢) التشميت في العطاس
بضم العين المهملة من العطسة، وقد عطس يعطس بضم الطاء وكسرها،
كذا في ((مختار الصحاح)). وقال الحافظ(٢): عطس بفتح الطاء في الماضي
وبكسرها وضمها في المضارع، اهـ. والتشميت بالشين المعجمة والمهملة لغتان
معروفتان، قال الخليل وأبو عبيد وغيرهما: يقال بالمعجمة وبالمهملة، وقال
ابن الأنباري: كل داع بالخير مشمت بالمعجمة والمهملة، والعرب تجعل الشين
والسين في اللفظ الواحد بمعنى، قال الحافظ: وهذا ليس بمطرد، بل هو في
موضع معدودة، جمعها شيخنا مجد الدين الشيرازي في جزء لطيف، قال أبو
عبيد: التشميت بالمعجمة أعلى وأكثر، قال عياض: هو كذلك للأكثر من أهل
العربية وفي الرواية. وقال ثعلب: الاختيار أنه بالمهملة؛ لأنه مأخوذ من
السمت، وهو القصد والطريق القويم، وأشار ابن دقيق العيد إلى ترجيحه،
وقال القزاز: التشميت التبريك، والعرب تقول شَمّته، إذا دعا له بالبركة،
وشمّت عليه إذا برَّك عليه، إلى آخر ما بسطه الحافظ.
(١) ((المنتقى)) (٢٨٥/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (١٠/ ٦٠١).
٢٢٤
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٢) باب
وفي ((الزرقاني))(١): قال ثعلب: معناه بالمعجمة، أبعد الله عنك الشماتة
وجنبك ما يشمت به عليك، وبالمهملة جعلك الله على سمت حسن، قاله ابن
عبد البر، وقال غيره: بمعجمة من الشوامت، وهي القوائم، هذا هو الأشهر
الذي عليه الأكثر، وروي بمهملة من السمت، وهو قصد الشيء وصفته أي
أدع الله له بأن يرد شوامته، أي قوائمه أو سمته على حاله؛ لأن العطاس يحل
مرابط البدن ويفصل معاقده، فمعنى رحمك الله : أعطاك رحمة ترجع بها إلى
حالك الأولى، ويرجع بها كل عضو إلى سمته، اهـ.
قال الحافظ (٢): قد ثبت الأمر بالتشميت في حديث البراء عند البخاري،
قال ابن دقيق العيد: ظاهر الأمر الوجوب، ويؤيده قوله وقليل في حديث أبي
هريرة عند البخاري: ((فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته))، وفي حديث أبي
هريرة عند المسلم: ((حق المسلم على المسلم سِتُّ))، وذكر فيها: ((إذا عطس
فحمد الله فشمته))، وللبخاري من وجه آخر عن أبي هريرة ((خمسٌ تجب للمسلم
على المسلم)) فذكر منها التشميت، وقد أخذ بظاهرها ابن مزين من المالكية،
وقال به جمهور أهل الظاهر.
وقال ابن أبي جمرة: قال جماعة من علمائنا: إنه فرض عين، وقوّاه ابن
القيم في حواشي السنن، فقال: جاء بلفظ الوجوب الصريح، ويلفظ ((حق))
الدال عليه، وبلفظ ((على)) الظاهر فيه، وبلفظ الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول
الصحابي: أمرنا رسول الله وَله، ولا ريب أن الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء
كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء، وذهب آخرون إلى أنه فرض كفاية، إذا قام به
البعض تسقط عن الباقين، ورجحه أبو بكر بن العربي وأبو الوليد بن رشد،
وقال به الحنفية وجمهور الحنابلة.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٥/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٦٠٣/١٠).
٢٢٥
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٢) باب
وذهب عبد الوهاب وجماعة من المالكية إلى أنه مستحب، ويجزئ
الواحد عن الجماعة، وهو قول الشافعية، والراجح من حيث الدليل القول
الثاني، والأحاديث الصحيحة الدالة على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية،
ففرض الكفاية يخاطب به الجمع على الأصح بفعل البعض، اهـ.
وقال الباجي(١): اختلف العلماء في التشميت، هل هو واجب أو مندوب
إليه؟ وظاهر مذهب مالك أنه واجب على الكفاية، كردِّ السلام، وقال القاضي
أبو محمد: هو مندوب إليه كابتداء السلام، وجه الأول أمره وَلّ، وظاهره
الوجوب، اهـ. ولم يذكر وجه الثاني، وسيأتي في ذيل الحديث اختلاف
المالكية في أن التشميت على كل واحد أو يجزئ الواحد عن الجماعة.
وفي ((المحلى)): قال النووي في ((الأذكار)): قال أصحابنا: التشميت سنةٌ
على الكفاية لو قال بعضهم أجزأ عنهم، لكن الأفضل أن يقول كل واحد
منهم، واختلف أصحاب مالك، فقال القاضي عبد الوهاب: سنة كفاية، وقال
ابن مزين: يلزم كل واحد منهم، واختاره أبو بكر بن العربي، والصحيح من
مذهب الحنفية أنها تجب على الكفاية، وفي رواية يستحب، وفي ((سفر
السعادة)): ظاهر الأخبار الصحيحة الافتراض عيناً، اهـ.
قال ابن عابدين: وفي ((تبيين المحارم)): تشميت العاطس فرض على
الكفاية عند الأكثرين، وعند الشافعي سنة، وعند بعض الظاهرية فرض عين، اهـ.
قال الحافظ(٢): وقد خص من عموم الأمر بتشميت العاطس جماعة.
الأول: من لم يحمد الله، كما ورد في الروايات، منها ما في مسلم من
حديث أبي موسى بلفظ: ((إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، وإن لم
(١) ((المنتقى)) (٢٨٦/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٦٠٤/١٠).
٢٢٦
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٢) باب
يحمد الله فلا تشمتوه)) وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب لا يشمت العاطس
إذا لم يحمد الله)) وذكر فيه حديث أنس في تشميته وقّي لمن حمد دون من لم
یحمد .
الثاني: الكافر، فقد أخرج أبو داود، وصححه الحاكم من حديث أبي
موسى الأشعري، قال: كانت اليهود يتعاطسون عند النبي وَل# رجاء أن يقول:
يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، قال ابن دقيق العيد: إذا
نظرنا إلى قول من قال من أهل اللغة: إن التشميت الدعاء بالخير دخل الكفار
في عموم الأمر بالتشميت، وإذا نظرنا إلى من خص التشميت بالرحمة لم
يدخلوا، قال الحافظ: هذا البحث أنشأه من حيث اللغة، وأما من حيث
الشرع، فحديث أبي موسى المذكور دالٌّ على أنهم يدخلون في مطلق الأمر
بالتشميت، لكن لهم تشميت مخصوص، وهو الدعاء لهم بالهداية، بخلاف
تشميت المسلمين، فإنهم أهل للدعاء بالرحمة.
الثالث: المزكوم، وسيأتي في ((الموطأ)» قريباً.
الرابع: من يكره التشميت، قال ابن دقيق العيد: ذهب بعض أهل العلم
إلى أن من عرف من حاله أنه يكره التشميت أنه لا يشمت إجلالاً للتشميت أن
يؤهل له من يكرهه، فإن قيل: كيف يترك السنة لذلك؟ قلنا: هي سنة لمن
أحبها، فأما من كرهها ورغب عنها فلا، قال: ويطرد ذلك في السلام
والعيادة، قال ابن دقيق العيد: والذي عندي أنه لا يمتنع من ذلك إلا من خاف
منه ضرراً، فأما غيره فيشمت امتثالاً للأمر، ومناقضة للمتكبر في مراده، وكسراً
لسورته في ذلك، وهو أولى من إجلال التشميت، قال الحافظ: ويؤيده أن لفظ
التشميت دعاء بالرحمة، فهو يناسب المسلم كائناً من كان.
الخامس: قال ابن دقيق العيد: ويستثنى أيضاً من عطس والإمام يخطب،
فإنه يتعارض الأمر بالتشميت، والأمر بالإنصات لمن سمع الخطيب، والراجح
٢٢٧
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٢) باب
(١٧٣٨) حديث
٤/١٧٣٨ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ.
الإنصات لإمكان تدارك التشميت بعد فراغ الخطيب، ولا سيما إن قيل بتحريم
الكلام والإمام يخطب.
السادس: ممن يمكن أن يستثنى من كان عند عطاسه في حالة يمتنع عليه
فيها ذكر الله، كما إذا كان على الخلاء أو في الجماع فيؤخر ثم يحمد الله
فيشمت، انتهى مختصراً بتغيير.
٤/١٧٣٨ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم
الأنصاري المدني (عن أبيه) أبي بكر اسمه وكنيته واحد (أن رسول الله وَ ل قال)
قال الحافظ في ((الفتح))(١): هذا مرسل جيد، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر
عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال: فشمته ثلاثاً، فما كان بعد ذلك، فهو
زكام، اهـ.
(إن عطس) أحد بفتح الطاء (فشمته) بصيغة الأمر من التشميت بالمعجمة
أو المهملة لغتان معروفتان، والأكثر على الأول، كما تقدم، قال الباجي(٢):
إن هذا الحق إنما يثبت لمن حمد الله، قال مالك في ((العتبية)): إذا لم يحمد الله
أو لا يسمعه فلا يشمته حتى يسمعه، إلا أن يكون في حلقة كبيرة، فإذا رأيت
الذين يلونه يشمتونه فشمته، يريد لأنه يعتقد أن من قرب منه لا يشمته إلا بعد
أن حمد الله، اهـ. وتقدم قريباً أن البخاري ترجم بذلك في ((صحيحه)).
قال الباجي: ومن عطس في الصلاة فلا يحمد الله، إلا في نفسه، وقال
سحنون: ولا في نفسه، وهذا عندي أنه لا يشمت؛ لأنه بصلاته مشغول عن
الذكر، وإذا عطس رجل، وحمد الله بحضرة جماعة، فقد قال القاضي أبو
(١) ((فتح الباري)) (٦٠٤/١٠).
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٥/٧).
٢٢٨
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٢) باب
(١٧٣٨) حديث
ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ. ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ. ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَقُلْ: إِنَّكَ
مَضْنُوٌ)).
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: لَا أَدْرِي. أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ؟
مرسل. ولأبي داود عن أبي هريرة بمعناه في: ٤٠ - كتاب الأدب، ٩٢ -
باب كم مرة يشمت العاطس.
محمد: يجزئ في ذلك الواحد، كرد السلام، وقال ابن مزين في ((المختصر)):
إنه بخلاف رد السلام، يريد أنه يلزم كل واحد من الجماعة التشميت.
وجه الأول ما احتجّ به أنه كرد السلام، ووجه الثاني ما روي عن أبي
هريرة مرفوعاً: ((إذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته))،
ومن جهة المعنى أن السلام إظهار شعيرة الإسلام، فإذا أظهر أحدهم، وأقره
الباقون على ذلك، فهو إظهار من جميعهم له وتأنيس لمن سلم عليه،
والتشميت إنما هو دعاء، وقضاء الحق وجب له على الجماعة، فعلى كل واحد
منهم أن يقضيه، اهـ.
(ثم إن عطس) ثانياً (فشمته) مرة ثانية (ثم إن عطس) ثالثاً (فشمته) كذلك
(ثم إن عطس) رابعاً (فقل: إنك مضنوك) بضاد معجمة، أي مزكوم، والضناك
بضم الضاد المعجمة: الزكام، يقال: أضنكه الله وأزكمه، قال ابن الأثير:
القياس مضنك ومزكم، لكنه جاء على ضنك وزكم، قاله الزرقاني، وفي
(المنتقى)): قال عيسى بن دينار: المضنوك، هو المزكوم، وقد ورد تفسيره في
الحديث بذلك، اهـ.
(قال عبد الله بن أبي بكر) الراوي المذكور: (لا أدري) هل ذكر شيخي
قوله {84* فقل: إنك مضنوك (أبعد الثالثة أو الرابعة) كذا في النسخ المصرية،
وفي الهندية بدلها بعد الثلاثة أو الأربعة، والمؤدى واحد.
وبسط الحافظ في الروايات المختلفة في أن القول المذكور بعد الثلاثة أو
٢٢٩
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٢) باب
(١٧٣٨) حديث
قبلها، وقال(١): ظاهر الأمر بالتشميت يشمل من عطس واحدة أو أكثر، لكن
أخرج البخاري في ((الأدب المفرد))(٢) من طريق ابن عجلان عن سعيد المقبري
عن أبي هريرة، قال: يشمته واحدة وثنتين وثلاثاً، وما كان بعد ذلك فهو
زكام، هكذا أخرجه موقوفاً من رواية سفيان بن عيينة عنه، وأخرجه أبو داود
من رواية يحيى القطان عن ابن عجلان كذلك، ولفظه ((شمت أخاك))، وأخرجه
من رواية الليث عن ابن عجلان، وقال فيه: لا أعلمه إلا رفعه إلى النبي
قال أبو داود، رفعه موسى بن قيس عن ابن عجلان أيضاً.
قال النووي في ((الأذكار)): إذا تكرر العطاس متتابعاً، فالسنة أن يشمته
لكل مرة إلى أن يبلغ ثلاث مرات، وروينا في ((صحيح مسلم)) وأبي داود
والترمذي عن سلمة بن الأكوع: أنه سمع النبي وَ لّ وعطس عنده رجل، فقال
له: ((يرحمك الله))، ثم عطس أخرى، فقال له رسول الله وَ له: ((الرجل مزكوم))،
هذا لفظ رواية مسلم، ثم قال بعد ذكر لفظ أبي داود والترمذي وغيرهما: أكثر
الروايات المذكورة ليس فيها تعرض للثالثة، ورجح الترمذي رواية من قال في
الثالثة على رواية من قال في الثانية، قال الحافظ: هذا اختلاف شديد في لفظ
هذا الحديث، لكن الأكثر على ترك ذكر التشميت بعد الأولى.
وقد أخرج أبو يعلى وابن السني من وجه آخر عن أبي هريرة النهي عن
التشميت بعد ثلاث، ولفظه: ((إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، فإن زاد على
ثلاث فهو مزكوم، ولا يشمته بعد ثلاث)) ثم ذكر الكلام على صحته وضعفه.
ثم قال: قال النووي: أما الذي رويناه في ((سنن أبي داود)) والترمذي عن
عبيد بن رفاعة الصحابي، قال: قال رسول الله وَ لقول: ((يشمت العاطس ثلاثة،
فإن زاد فإن شئت فشمته، وإن شئت فلا)).
(١) ((فتح الباري)) (٦٠٤/١٠).
(٢) ح (٩٤٢).
٢٣٠
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٢) باب
(١٧٣٨) حدیث
ثم قال الحافظ(١) بعد ذكر الاختلاف في صحة الحديث وضعفه: قال
ابن عبد البر: دل حديث عبيد بن رفاعة على أنه يشمت ثلاثاً، ويقال: إنه
مزكوم بعد ذلك، وهي زيادة يجب قبولها، فالعمل بها أولى، ثم حكى النووي
عن ابن العربي أن العلماء اختلفوا هل يقول لمن تتابع عطاسه: أنت مزكوم في
الثانية أو الثالثة أو الرابعة؟ على أقوال؛ والصحيح في الثالثة.
قال: ومعناه أنك لست ممن يشمت بعدها؛ لأن الذي بك مرض، وليس
العطاس المحمود الناشئ عن خفة البدن، فإن قيل: فإن كان مرضاً فينبغي أن
يشمت بطريق الأولى؛ لأنه أحوج إلى الدعاء من غيره، قلنا: نعم، لكن يدعى
له بدعاء يلائمه لا بدعاء المشروع للعاطس، بل من جنس دعاء المسلم للمسلم
بالعافية .
وذكر ابن دقيق العيد عن بعض الشافعية أنه قال: يكرر التشميت إذا تكرر
العطاس إلا أن يعرف أنه مزكوم، فيدعو له بالشفاء، وعند هذا يسقط الأمر
بالتشميت عند العلم بالزكام، لأن التعليل به يقتضي أن لا يشمت من علم أن
به زكاماً أصلاً، وتعقبه بأن المذكور هو العلة دون التعليل، وليس المعلل هو
مطلق الترك، ليعم الحكم عليه بعموم علته، بل المعلل هو الترك بعد التكرير،
انتهى مختصراً.
وتعقب القاري في ((المرقاة))(٢) قول النووي إذ قال في قوله {وَ له: ((فما
زاد أي على ثلاث، فإن شئت فشمته وإن شئت فلا)): صرح بالتخيير، فقول
النووي: يستحب أن يدعى له لكن غير دعائه للعاطس وقع في غير محله، إذ
حاصل الحديث أن التشميت واجب أو سنة مؤكدة على الخلاف في ثلاث
(١) ((فتح الباري)) (٦٠٦/١٠).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٠٠/٩).
٢٣١
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٢) باب
(١٧٣٩) حدیث
٥/١٧٣٩ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنُ عُمَرَ
كَانَ إِذَا عَطَسَ، فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ قَالُّ: يَرْحَمُنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ،
وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ.
مرات، وما زاد فهو مخير بين السكوت وهو رخصة، وبين التشميت وهو
مستحب، اهـ.
وقال ابن عابدين(١): وإذا تكرر العطاس قالوا: يشمته ثلاثاً ثم يسكت،
قال قاضيخان: فإن عطس أكثر من ثلاث يحمد الله تعالى في كل مرة، ومن
كان بحضرته يشمته في كل مرة فحسن أيضاً، اهـ.
٥/١٧٣٩ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (كان إذا
عطس) بصيغة الماضي المعروف (فقيل له) أي شمته أحد بقوله: (يرحمك الله
قال) ابن عمر - رضي الله عنهما - في جوابه: (يرحمنا الله وإياكم ويغفر الله لنا
ولكم) قال الباجي(٢): قوله: إن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كان إذا
عطس، يريد فحمد الله واستغنى عن ذكره لعلم السامع به، فقيل له: يرحمك الله،
قال: يرحمنا الله وإياكم، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي وَ لّر، فإذا قيل له:
يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم، والأمران جائزان.
وروى ابن مسعود عن النبي وَ لّ، قال: ((إذا عطس أحدكم فليحمد الله
وليقل له من عنده: يرحمك الله، وليرد عليه بيغفر الله لنا ولكم)) قال مالك: لا
بأس أن يقول العاطس لمن يشمته بيهديكم الله ويصلح بالكم، وإن شاء قال:
يغفر الله لنا ولكم، وهو مذهب الشافعي، ومنع أبو حنيفة أن يقول: يهديكم الله
ويصلح بالكم.
وقال النخعي: إن الخوارج كانت تقوله ولا يستغفرون للناس، وروي عن
(١) ((رد المحتار)) (٦٨٤/٩).
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٦/٧).
٢٣٢
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٢) باب
(١٧٣٩) حديث
أصحاب أبي حنيفة منع ذلك؛ لأن النبي وَلو كان يقوله لليهود، وقال القاضي
أبو محمد: إنما استحسناه على قولنا: يغفر الله لنا ولكم؛ لأن الهداية أفضل
من المغفرة، اهـ.
وفي ((المرقاة))(١): قال النووي: اتفقوا على أنه يستحب للعاطس أن يقول
عقب عطاسه: الحمد لله، فلو زاد ((رب العالمين)) كان أحسن، فلو قال:
الحمد لله على كل حال، كان أفضل، قال القاري: روى ابن أبي شيبة في
((مصنفه)) عن علي موقوفاً: ((من قال عند كل عطسة: الحمد لله رب العالمين
على كل حال ما كان، لم يجد وجع ضرس ولا أذن أبداً))، قال العسقلاني:
هذا موقوف ورجاله ثقات، ومثله لا يقال من قبل الرأي.
قال النووي: ويستحب للسامع أن يقول له: يرحمك الله أو يرحمكم الله
أو رحمك الله، وللعاطس: يهديكم الله ويصلح بالكم أو يغفر الله لنا ولكم،
قال القاري: أو يغفر الله لي ولكم، كما جاء في أحاديث بَيَّنَها الجزري في
((الحصن))، اهـ.
وأخرج البخاري في ((صحيحه)) (٢) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن
النبي وَليّ قال: ((إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه:
يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم)).
قال الحافظ(٣): مقتضاه أنه لا يشرع ذلك إلا لمن شمت، وهو واضح،
وأن هذا اللفظ هو جواب التشميت، وهذا مختلف فيه، قال ابن بطال: ذهب
الجمهور إلى هذا، وذهب الكوفيون إلى أنه يقول: يغفر الله لنا ولكم، وأخرجه
الطبري عن ابن مسعود وابن عمر - رضي الله عنهم - وغيرهما .
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٩٨/٩).
(٢) ح (٦٢٢٤).
(٣) (فتح الباري)) (٦٠٩/١٠).
٢٣٣
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٢) باب
(١٧٣٩) حديث
قال الحافظ: وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) والطبراني من حديث
ابن مسعود، وفيه: ((وليقل: يغفر الله لنا ولكم))، ووافق حديث أبي هريرة في
ذلك حديث عائشة عند أحمد وأبي يعلى، وحديث أبي مالك الأشعري عند
الطبراني، وحديث علي عنده أيضاً، وحديث ابن عمر عند البزار.
قال ابن بطال: ذهب مالك والشافعي إلى أنه يتخير بين اللفظين، وقال
أبو الوليد بن رشد: الثاني أولى؛ لأن المكلف يحتاج إلى طلب المغفرة،
والجمع بينهما أحسن إلا للذميّ، وذكر أن الذين منعوا من جواب التشميت
بقول: ((يهديكم الله ويصلح بالكم))، احتجوا بأنه تشميت اليهود، كما في أبي
داود من حديث أبي موسى قال: كانت اليهود تعاطس عند النبي و 8* رجاء أن
يقول لها: يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. قال: ولا
حجة فيه إذ لا تضاد بين خبر أبي موسى وخبر أبي هريرة؛ لأن حديث أبي
هريرة في جواب التشميت، وحديث أبي موسى في التشميت نفسه.
وأما ما أخرجه البيهقي في ((الشعب)) عن ابن عمر - رضي الله عنهما -
قال: اجتمع اليهود والمسلمون فعطس النبي وَل﴿ فشمّته الفريقان جميعاً، فقال
للمسلمين: ((يغفر الله لكم ويرحمنا وإياكم))، وقال لليهود: ((يهديكم الله ويصلح
بالكم))، فقال: تفرد به عبد الله بن عبد العزيز بن أبي روّاد، وهو ضعيف،
واحتجَّ بعضهم بأن الجواب المذكور مذهب الخوارج؛ لأنهم لا يرون
الاستغفار للمسلمين، وهذا منقول عن إبراهيم النخعي، وكل هذا لا حجة فيه
بعد ثبوت الخبر بالأمر به، قال البخاري بعد تخريجه في ((الأدب المفرد)»: هذا
أثبت ما يروى في هذا الباب، وقال الطبري: هو من أثبت الأخبار، وقال
البيهقي: هو أصح شيء ورد في هذا الباب.
وقد أخذ به الطحاوي من الحنفية، واحتج له بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّيُم
◌ِشَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ قال: والذي يجيب بقوله: غفر الله لنا ولكم، لا يزيد
٢٣٤
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٢) باب
(١٧٣٩) حديث
المشمت على معنى قوله: يرحمك الله؛ لأن المغفرة ستر الذنب، والرحمة ترك
المعاقبة عليه، بخلاف دعائه له بالهداية والإصلاح، فإن معناه أن يكون سالماً
من مواقعة الذنب صالح الحال فهو فوق الأول، فيكون أولى، واختار ابن أبي
جمرة أن يجمع المجيب بين اللفظين، فيكون أجمع للخير، ويخرج من
الخلاف، ورجحه ابن دقيق العيد، اهـ.
قلت: أخرج الطحاوي في ((شرح الآثار))(١) حديث سالم بن عبيد في
قصة عطاس رجل عند النبي وَلّره، وفيه قوله وَّ: ((إذا عطس أحدكم، فليقل:
الحمد لله رب العالمين أو على كل حال، وليردوا عليه يرحمك الله، ولترد
عليهم يغفر الله لكم)) قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: هكذا ينبغي
أن يقول العاطس، ويقال له على ما في هذا الحديث، هكذا مذهب أبي حنيفة
وأبي يوسف ومحمد، وخالفهم آخرون، فقالوا: بل يقول العاطس بعد أن
يشمت: يهديكم الله ويصلح بالكم، واحتجوا في ذلك، فذكر حديث عبد الله بن
جعفر وعائشة وغيرهما من الأحاديث المذكورة في كلام الحافظ.
ثم قال: قال أهل المقالة الأولى: إنما كان قول النبي ◌َّ: ((يهديكم الله
ويصلح بالكم))، لأن الذين كانوا بحضرته يهود، واحتج على ذلك بحديث أبي
موسى الأشعري الذي تقدم من رواية أبي داود، وقال: ليس يختلفون هم
ومخالفوهم في ما يقول المشمت للعاطس، وإنما اختلافهم فيما يقول العاطس
بعد التشميت، وليس في حديث أبي موسى من هذا شيء، وقال في آخره: هذا
القول أي الثاني أحب إلينا مما خالفه.
قال الزرقاني(٢): واعترض بأن الدعاء بالهداية للمسلم تحصيل الحاصل،
(١) ((شرح معاني الآثار)) (٣٧٤/٢)، وانظر: ((شرح مشكل الآثار)) (١٧٦/١٠، ١٧٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٥/٤).
٢٣٥
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(٣) باب ما جاء في الصور والتماثيل
وهو محال، ومنع بأنه ليس المراد الدعاء بالهداية للإيمان المتلبس به، بل
معرفة تفصيل أجزائه وإعانته على أعماله، وكل مؤمن يحتاج ذلك في كل طرفة
عين، ومن ثم أمره الله سبحانه وتعالى أن يسأل الهداية في كل ركعة من الصلاة
﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ ﴾﴾، اهـ
(٣) ما جاء في الصور والتماثيل
(ما جاء في الصور) بضم الصاد وفتح الواو، جمع صورة، وهي ما يصنع
على مثل الحيوان (والتماثيل) أي التصاوير جمع تمثال، وهو الصورة مما يشبه
صورة الحيوان التام التصور ولم تقطع رأسه، أو عام في كل الصور، كذا في
((الزرقاني)).
قال الراغب(١): وأصل المثول: الانتصاب، والممثل: المصور على مثال
غيره، يقال: مَثُلَ الشيء: انتصب، ومنه قوله وَّهِ: ((من أحب أن يَمْثُلَ له
الرجال فليتبوأ مقعده من النار))(٢) والتمثال: الشيء المصور، وتمثل كذا:
تصوَّر، قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِنًا﴾(٣).
وفي ((الجمل)) (٤): التماثيل جمع تمثال، وهو الشيء المصنوع شبهاً بخلق
من خلق الله، وأصلها من مثلت الشيء بالشيء شَبَّهته به، وفي ((السمين)):
التمثال: الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق الآدمي
وغيره من الحيوانات، اهـ. وحكى ابن عابدين عن ((المغرب)): الصورة عام في
ذي الروح وغيره، والتمثال خاص بمثال ذي الروح، اهـ.
(١) ((مفردات القرآن)) (ص٧٥٨).
(٢) أخرجه أبو داود برقم (٥٢٢٩)، وأحمد فى ((مسنده)) (١٩١/٤).
(٣) سورة مريم: الآية ١٧.
(٤) (١٣٩/٥).
٢٣٦
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
قال النووي(١): قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان
حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد
المذكور في الأحاديث، سواء صنعه لما يُمتهن أو لغيره، فصنعه حرام بكل
حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء كان في ثوب أو بساط أو
درهم أو دينار أو إناء أو حائط أو غيرها، وأما تصوير صورة الشجر ورحال
الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام، هذا حكم نفس
التصوير، وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان، فإن كان معلقاً على حائط أو
ثوباً ملبوساً أو عمامة، ونحو ذلك مما لا يُعدُّ ممتهناً، فهو حرام، وإن كان في
بساط يداس، ومخدّاة ووسادة ونحوها مما يمتهن، فليس بحرام، ولكن هل
يمنع دخول ملائكة الرحمة؟ فيه كلام نذكره قريباً إن شاء الله تعالى، ولا فرق
في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له.
هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من
الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة
وغيرهم، وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالتي ليس
لها ظل، وهذا مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكر النبي ولو الصورة فيه لا
يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل
صورة، وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي
فيه ودخول البيت الذي فيه، سواء كان رقماً في ثوب أو غير رقم، وسواء
كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن عملاً بظاهر
الأحاديث، لا سيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم، وسيأتي قريباً، وهذا
مذهب قويٌّ.
وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقماً في ثوب، سواء امتُهن أم لا ،
(١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٤/ ٨٠).
٢٣٧
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
وسواء خلق في حائط أم لا، وكرهوا ما كان له ظل أو كان مصوراً في
الحيطان وشبهها، سواء كان رقماً أو غيره، واحتجوا بقوله {قّ في بعض
الأحاديث: ((إلا ما كان رقماً في ثوب)) وهذا مذهب القاسم بن محمد،
وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره، قال القاضي: إلا ما ورد في
اللعب بالبنات لصغار البنات، لكن كره مالك شري الرجل ذلك لابنته، وادّعى
بعضهم أن إباحة اللعب لهن منسوخ بهذه الأحاديث، اهـ.
وفي ((الزرقاني))(١): قال ابن العربي: حاصل ما في الصور أنها إن كانت
ذات أجسام حرم إجماعاً، وإن كانت رقماً فأربعة أقوال: الجواز مطلقاً لظاهر
حديث سهل بن حنيف الآتي، والمنع مطلقاً حتى الرقم، والتفصيل فإن كانت
ثابتة الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس وتفرقت الأجزاء جاز، وهذا
هو الأصح، والرابع: إن كان مما يمتهن جاز، وإن كان معلقاً فلا، اهـ.
قال الزرقاني: وهذا الإجماع محله في غير لعب البنات، وكذا رجح ابن
عبد البر القول الثالث، وقال: إنه أعدل المذاهب وعليه أكثر العلماء، ومن
حمل عليه الآثار لم تتعارض، وهذا أولى ما اعتقد فيه، اهـ. وظاهر كلام
الإمام محمد الآتي بعد الحديث الأول أنه رجح القول الرابع، وبه جمع بين
الروايات.
وفي ((الدر المختار))(٢): ولا يكره لو كانت تحت قدميه أو محل جلوسه؛
لأنها مُهانة أو كانت صغيرة لا تتبين تفاصيل أعضائها للناظر قائماً، وهي على
الأرض، أو كانت مقطوعة الرأس أو الوجه أو ممحوة عضو لا تعيش بدونه أو
لغير ذي روح، وخبر جبرئيل عليه السلام مخصوص بغير مُهانة، كما بسطه ابن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٧/٤).
(٢) انظر: ((رد المحتار)) (٥٠٣/٢).
٢٣٨
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(١٧٤٠) حدیث
٦/١٧٤٠ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
طَلْحَةَ؛ أَنَّ رَافِعَ بْنَ إِسْحَاق مَوْلَى الشِّفَاءِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ نَعُودُهُ.
الكمال، اهـ. وقال في آخره: وهذا كله في اقتناء الصورة، أما فعل التصوير
فهو غير جائز مطلقاً؛ لأنه مضاهاةٌ لخلق الله، اهـ.
٦/١٧٤٠ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد الخزرجي
(أن رافع بن إسحاق) المدني (مولى الشفاء) بكسر الشين المعجمة يمد ويقصر،
وكان مالك يقول تارة: مولى لآل الشفاء، كما تقدم في ((باب النهي عن
استقبال القبلة عند الغائط)). قال صاحب ((المحلى)): اسمها ليلى، والشفاء لقب
غلب عليها (أخبره) أي إسحاق (أنه قال) رافع: (دخلت أنا) وأبوك (وعبد الله بن
أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري والد إسحاق المذكور، ولد على عهد
النبي ◌ُ ﴾ بعد غزوة حنين، وفي ((المحلی)): كانت أمه حاملاً به يوم حنين.
وفي ((الصحيح)): أن أمه أم سليم لما ولدته قالت: يا أنس اذهب به إلى
النبي ◌ّ﴾ فليحنكه، فكان أول شيء دخل جوفه ريقه بَلّ وحَنَّكه بتمرة، فجعل
يتلمظ، فقال ◌َله: ((حب الأنصار التمر))، قال ابن سعد: ثقة جليل الحديث،
روى عن أبيه وأخيه لأمه أنس، وعنه ابناه إسحق وعبد الله وابن ابنه يحيى بن
إسحاق وغيرهم، قال أبو نعيم: استشهد بفارس، وقال غيره مات بالمدينة سنة
٨٤ هـ، كذا في ((الزرقاني)) (١) وفي ((التقريب)): مات بالمدينة سنة ٨٤هـ، وقيل:
استشهد بفارس.
(على أبي سعيد الخدري) الصحابي الشهير (نعوده) بالنون في أوله، قال
صاحب ((المحلى)): استئناف لبيان سبب الدخول أو جملة حالية، اهـ. أي نعود
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٦/٤).
٢٣٩
٥٥ - كتاب الاستئذان
(٣) باب
(١٧٤٠) حديث
فَقَالَ لَنَا أَبُو سَعِيدٍ: أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَنَّ الْمَلَائِكَةَ
أبا سعيد من مرض به (فقال لنا أبو سعيد: أخبرنا رسول الله (وَ لَه أن الملائكة)(١)
قال الزرقاني: قيل: هو عام في كل ملك، وقيل: المراد ملائكة الوحي، قاله
أبو عمر، اهـ. وقال الحافظ(٢): ظاهره العموم، وقيل: يستثنى من ذلك
الحفظة، فإنهم لا يفارقون الشخص في كل حالة، وبذلك جزم ابن وضاح
والخطابي وآخرون، لكن قال القرطبي: كذا قال بعض علمائنا، والظاهر
العموم، والمخصص يعني الدال على كون الحفظة لا يمتنعون من الدخول ليس
نصاً.
قال الحافظ: ويؤيده أنه من الجائز أن يطلعهم الله تعالى على عمل
العبد، ويسمعهم قوله وهم بباب الدار التي هو فيها مثلاً، ويقابل القول
بالتعميم القول بتخصيص الملائكة بملائكة الوحي، وهو قول من ادّعى أن ذلك
كان من خصائص النبي ◌َّ﴾، وهو شاٌ.
وقال في موضع آخر: أغرب ابن حبان فادّعى أن هذا الحكم خاصٌّ
بالنبي وَلقر، قال: وهو نظير الحديث الآخر: ((لا تصحب الملائكة رفقة فيها
جرس)) قال: فإنه محمول على رفقة فيها رسول الله وَل﴿، إذ محال أن يخرج
الحاج والمعتمر لقصد بيت الله على رواحل لا تصحبها الملائكة وهم وفد الله.
قال الحافظ: وهو تأويل بعيد جداً لم أره لغيره، ويزيل شبهته أن كونهم وفد الله
لا يمنع أن يؤاخذوا بما يرتكبونه من خطيئة، اهـ.
وقال النووي: هم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار، وأما
الحفظة فيدخلون في كل بيت، ولا يفارقون بني آدم في كل حال، فإنهم
مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها، اهـ.
(١) الحديث في ((التمهيد)) (٣٠٠/١)، ومن طريق مالك أخرجه أحمد (٩٠/٣)، والترمذي
في الأدب (٢٨٠٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٨١/١٠).
٢٤٠
٠