Indexed OCR Text
Pages 41-60
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حديث
(٣) باب ما جاء في صبغ الشعر
٨/١٧١٠ - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعيدٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدَ الرَّحْمُنِ؛
أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَالَ: وَكَانَ جَلِيساً لَهُمْ.
وَكَانَ أَبْيَضَ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ. قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ
حَمَّرَهُمَا. قَال فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: هُذَا أَحْسَنُ. فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي عَائِشَةَ،
زَوْجَ النَّبِيِّ وََّ، أَرْسَلَتْ إِلَيَّ الْبَارِحَةَ جَارِيَتَهَا نُخَيْلَةَ.
(٣) ما جاء في صبغ الشعر
الصبغ بفتح الصاد المهملة مصدر صبغت، وفي ((مختار الصحاح)):
الصبغ والصبغة ما يصبغ به، وصبغ الثوب من باب نصر وقطع، اهـ. والمراد
لهُهنا الخضاب.
٨/١٧١٠ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: أخبرني
محمد بن إبراهيم) بن الحارث (التيمي) القرشي (عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن) بن عوف (أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث) بالغين
المعجمة والمثلثة (قال) أبو سلمة: (وكان) ابن الأسود (جليساً لهم) أي لأبي
سلمة وأصحابه (وكان) ابن الأسود (أبيض اللحية والرأس) من أجل الشيب،
وكان لا يخضب (قال) أبو سلمة: (فغدا) ابن الأسود (عليهم ذات يوم) أي
يوماً، ولفظ ذات مقحم (وقد حَمَّرها) قال صاحب ((المحلى)): بتشديد الميم أي
صبغها أحمر.
(قال) أبو سلمة (فقال له القوم) الجلساء معه (هذا أحسن) من البياض
الذي كان قبل ذلك (فقال) ابن الأسود: (إن أمي) وأم المؤمنين (عائشة زوج
النبي وَلّ أرسلت) بسكون التاء (إليّ) بشد الياء (البارحة) الليلة الماضية (جاريتها
نُخَيلة) بالنون والخاء المعجمة كجهينة مولاة عائشة ((قاموس)) كذا في
((المحلی)).
٤١
٥٢ - كتاب الشّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حدیث
فَأَقْسَمَتْ عَلَيَّ لَأَصْبِغَنَّ. وَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ كَانَ يَصْبُغُ.
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِي صَبْغ الشَّعَرِ بِالسَّوَادِ: لَمْ
أَسْمَعْ فِي ذُلِكَ شَيْئاً مَعْلُوماً. وَغْيرُ ذُلِكَ مِنَ الصَّبْغِ أَحَبُّ إِلَيَّ.
وقال الزرقاني(١): بضم النون وفتح الخاء المعجمة عند يحيى، مهملة
عند غيره وإسكان التحتية، اهـ.
(فأقسمت) بسكون التاء أي عائشة (علي) بشد الياء (لأصبغن) بضم الباء
وكسرها كما في ((الزرقاني)) وبنون التأكيد المشددة (وأخبرتني) أي أمي عائشة
بواسطة الجارية (أن أبا بكر الصديق) رضي الله عنه (كان يصبغ) قال الزرقاني: بضم
الموحدة وحكي كسرها وفتحها، وخضاب أبي بكر - رضي الله عنه - معروف في
الروايات، قال صاحب ((المحلی)): وصح عنه - رضي الله عنه - أنه کان یخضب
بالحِنَّاء والكتم، وعمر - رضي الله عنه - بالحناء وحده، قال ابن حجر: الكتم نبت
باليمن يخرج الصبغَ أسودَ، وتميل إلى الحمرة، وصبغ الحناء أحمر، فالصبغ بهما
يخرج من السواد والحمرة، وقيل: الصبغ بهما تجعل الشعر أسود، فيشبه أن يكون
المعنى أنه يصبغ بكل منهما منفرداً، ولعل الواو في قوله: والكتم بمعنى أو، اهـ.
قال الباجي(٢): أخبرته أن أبا بكر - رضي الله عنه - كان يصبغ، وهذا
يدل على أنه وَلّر لم يخضب، ولو خضب كان تعلقها بفعله أبين، وأوضح من
تعلقها بفعل أبيها، وإنما ذكرت له عائشة في ذلك أفضل ما علمته، وندبته إلى
اتباعه، اهـ. وسيأتي ذلك قريباً في كلام الإمام - رضي الله عنه -.
(قال مالك في صبغ الشعر بالسواد: لم أسمع في ذلك) أي في السواد
(شيئاً معلوماً) أي ثابتاً (وغير ذلك من الصبغ) أي غير السواد كالحمرة والصفرة
(أحبُّ إليّ) قال الباجي(٣): وروى عنه أشهب في ((العتبية)): ما علمت أن فيه
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٩/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٧٠/٧).
(٣) ((المنتقى)) (٢٧٠/٧).
٤٢
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حديث
النهي، وغير ذلك من الصبغ أحبُّ إلي، يريد أنه صبغٌ لم يستعمله النبي ◌َّ،
وقد روي عن النبي ◌َّل أنه قال في أبي قحافة: ((غيِّروه وجَنِّبُوه السوادَ))،
والحديث ليس بثابت، رواه ليث بن أبي سليم، وقد خضب بالسواد من
الصحابة عقبة بن عامر والحسن والحسين، وخضب به محمد بن علي بن أبي
طالب وجماعة من التابعين، والأول أكثر، اهـ.
وفي ((المحلى)): يكره عند مالك صبغ الشعر بالسواد من غير تحريم،
ولابأس به بالحناء والكتم، كذا في ((الرسالة))، وقال الحافظ: في السواد عن
أحمد كالشافعية روايتان؛ المشهورة يكره وقيل: يحرم، ويتأكد المنع لمن دلّس
به، اهـ.
وفي ((المغني)) (١): قيل لأبي عبد الله: يكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي
والله، وقد قال وَلَّ في أبي قحافة: ((جَنِّبُوهُ السَّوَاد))(٢) وروى أبو داود(٣) عن
ابن عباس: ((يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا
يريحون رائحة الجنة))، ورخص فيه إسحاق للمرأة تتزّين به لزوجها، اهـ.
وقال النووي: يحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل: يكره تنزيهاً
والمختار التحريم لقوله {وَير في مسلم: ((اجتنبوا السواد)) وهذا مذهبنا، اهـ.
وفي ((المحلى)): وعند أحمد يكره كراهة تحريم كما في ((الغنية)) وهو
مذهب أبي حنيفة، وفي ((مطالب المؤمنين)) عن ((المحيط)): أما الخضاب
بالسواد، فمن فعله من الغزاة لأجل الهيبة في أعين الكفار يجوز، ويكره للرجل
لزينة نفسه وحب النساء له عند أكثر المشايخ، ومنهم من جَوَّزه بلا كراهة، اهـ.
(١) (١٢٥/١).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٦٣/٣).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٤٢١٢).
٤٣
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حديث
وفي ((الدر المختار))(١): يكره بالسواد، وقيل: لا، قال ابن عابدين:
قوله: يكره أي لغير الحرب، قال في ((الذخيرة)): أما الخضاب بالسواد للغزو
ليكون أهيب في عين العدو، فهو محمود بالاتفاق، وإن ليُزَيِّنَ نفسَه للنساء
فمكروه، وعليه عامة المشايخ، وبعضهم جوّزه بلا كراهة، اهـ.
وفي ((المحلى)) عن ابن عباس قال: كما أحبّ أن يتزّين لي النساء تُحِبُّ
هي أن أتزيّن لها، وعن أبي يوسف في رواية: إن فعل أحد لأجل التزيين
لامرأته، فلا بأس. قال المحب الطبري: وقد رخص فيه إسحاق، وقد سئل
محمد بن علي عن الوسمة؟ فقال: هي خضابنا أهل البيت، وكان يخضب
بالسواد عثمان وسعد بن أبي وقاص، وعدّ جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين
ممن كانوا يخضبون بالسواد.
ثم قال: ومن كرهه تحريماً احتج بما في (مسلم)) عن جابر في قصة أبي
قحافة من قوله وقّلي: ((اجتنبوا السواد))، وروى أبو داود (٢) والنسائي عن ابن
عباس مرفوعاً: ((يكون في آخر الزمان أقوام يخضبون بهذا السواد كحواصل
الحمام لا يريحون رائحة الجنة)).
وأخطأ ابن الجوزي كما قاله الحافظ حيث أورده في ((الموضوعات))
وقال: إنه لا يصح، ففيه عبد الكريم، وهو ابن أبي المخارق، فإن عبد الكريم
هذا هو ابن مالك الخدري(٣)، وهو ثقة مخرج له في ((الصحيحين))، ولو سُلِّم
أنه ابن أبي المخارق، فقد روى عنه مالك، وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده،
(١) انظر: ((رد المحتار)) (٦٩٦/٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٦٢/٤)، في باب ما جاء في خضاب السواد في كتاب الترجل
(٤٢١٢)، والنسائي في المجتبى (١١٩/٨) في كتاب الزينة.
(٣) كذا في الأصل ((الخدري)) وهو تحريف من الناسخ، والصواب الجزري، كما في ((تنزيه
الشريعة)) (٢٧٥/٢)، و((القول المسدد)) (ص٤٨).
٤٤
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حديث
وقال الذهبي: هو ابن أبي المخارق، والحديث صحيح، وقال ابن الجوزي:
ويحتمل على تقدير صحته أن يكون المعنى لا يجدون رائحة الجنة بفعل صدر
عنهم، أو اعتقاد، كما قال في الخوارج: سيماهم التحليقُ، وما حلق الشعر
بحرام، كذا في ((تنزيه الشريعة)) (١) لابن العراقي.
وقد حمل النهي بعض من أباح الخضاب بالسواد على ما إذا غرّ به
امرأة، قال أيوب: عن ابن سيرين لا أعلم بخضاب السواد بأساً إلا أن يَغُرَّ به
امرأة، ويشهد لذلك من المرفوع ما رواه البيهقي(٢) عن عائشة مرفوعاً: ((إذا
خطب أحدكم المرأة وهو يخضب بالسواد فلْيُعلمها أنه يخضب ولا يغرّ بها))
ولكن فيه عيسى بن ميمون، وهو ضعيف، واعتذر ابن أبي عاصم عن حديث
((اجتنبوا السواد)) بأنه في حق من صار شيب رأسه مستبشعاً، ولا يظن ذلك في
حق كل واحد.
قال الحافظ(٣): وما قاله وإن كان خلاف قول أئمتنا، لكن يشهد له ما
أخرجه هو عن ابن شهاب: كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه جديداً، فلما
نغض الوجه والأسنان تركناه، واستدل من قال بالإباحة بحديث ((كان أبو بكر
- رضي الله عنه - يخضب بالحنّاء والكتم))، ويحصل منهما السواد، وبحديث:
((إن أحسن ما غيّرتم به الشيب الحناء والكتم))، رواه الترمذي عن أبي ذر،
ورواه محمد في ((آثاره)) من طريق الإمام أبي حنيفة، وبما رواه ابن ماجه عن
صهيب الخير قال: قال النبي وَلّ: ((إن أحسن ما خضبتم به لهذا السواد أرغب
لنسائكم فيكم، وأهيب لكم في صدور عدوكم)).
(١) (٢٧٥/٢).
(٢) انظر: ((كنز العمال)) (٤٤٥٢٩).
(٣) «فتح الباري)) (٣٥٥/١٠).
٤٥
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حديث
لكن ذكر سيّدنا الشيخُ عبد القادر الجيلي في ((غُنْية الطالبين)): الأخبار
التي وردت في الرخصة في السواد فمحمولٌ لأجل الحرب، وذكر الزوجة فيه
تبعاً لا قصداً، فالأحوط الترك، انتهى ما في ((المحلى)).
وتكلم في (هامش ابن ماجه)) على حديثه وضعفه، وقال: مذهب
الجمهور المنع، وقال الحافظ: وأخرج مسلم من حديث أنس قال: اختضب
أبو بكر - رضي الله عنه - بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحنا بحتاً، أي
صرفاً، وهذا يُشْعر بأن أبا بكر - رضي الله عنه - كان يجمع بينهما دائماً،
والكتم نباتٌ باليمن يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، وصبغ الحناء أحمر،
فالصبغ بهما معاً يخرج بين السواد والحمرة، اهـ.
وقال الشيخ ابن القيم في ((الهدي))(١): الكتم نبتٌ ينبت بالسهول، ورقه
قريب من ورق الزيتون إلى آخر ما بسط في تحقيقه، ثم قال: فإن قيل: ثبت
في ((صحيح مسلم) النهي عن الخضاب بالسواد في شأن أبي قحافة، والكتم
يُسوّد الشعر؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن النهي عن التسويد البحث،
فأما إذا أضيف إلى الحناء شيء آخر كالكتم ونحوه فلا بأس به، فإن الكتم
والحِنَّاء يجعل الشعر بين الأحمر والأسود، بخلاف الوسمة فإنها تجعله أسود
فاحماً، وهذا أصح الجوابين.
والثاني: أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضابُ التدليس، فأما إذا لم
يتضمن تدليساً، ولا خِداعاً، فقد صحَّ عن الحسن والحسين - رضي الله عنهما -
أنهما كانا يخضبان بالسواد. ثم ذكر جماعة من الصحابة والتابعين ممن كانوا
یخضبون به .
وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): إن المأذون في الصبغ مقَيَّد بغير السواد لما
(١) ((زاد المعاد)) (٣٣٦/٤).
(٢) (٤٩٩/٦).
٤٦
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حديث
.
أخرجه مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه - ((غَيِّرُوه وجَنِّبُوه السواد))(١)
ولأبي داود، وصححه ابن حبان من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((يكون قوم في
آخر الزمان يخضبون كحواصل الحمام»، الحديث وإسناده قويّ، إلا أنه اختلف
في رفعه ووقفه، وعلى تقدير ترجيح وقفه، فمثله لا يقال بالرأي، فحكمه
الرفع، ولذا اختار النووي كراهة التحريم، وعن الحليمي: أن الكرهة خاصة
بالرجال دون النساء، فيجوز ذلك للمرأة لأجل زوجها، وقال مالك: الحناء
والكتم واسع، والصبغ بغير السواد أحبُّ إلي، ويُستثنى من ذلك المجاهد
اتفاقاً، اهـ.
وقال في موضع آخر: رخّص طائفة من السلف في السواد، واختاره ابن
أبي عاصم في ((كتاب الخضاب)) له، وأجاب عن حديث ابن عباس («يكون قوم
يخضبون بالسواد لا يجدون رائحة الجنة)) بأنه لا دلالة فيه على الكراهة، بل فيه
الإخبار عن قوم هذه صفتهم، وعن حديث جابر: ((جَنُِّوه السوادَ)) بأنه في حق
من صار شيب رأسه مستبشعاً ولا يَطْرِدُ ذلك في حق كل أحد.
قال الحافظ(٢): وما قاله خلاف ما يتبادر من سياق الحديثين، نعم يشهد
له ما أخرجه هو عن ابن شهاب: «كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه جديداً،
فلما نغض الوجه والأسنان تركناه)) وأخرج الطبراني وابن أبي عاصم من حديث
أبي الدرداء رفعه ((من خضب بالسواد سوّد الله وجهه يوم القيامة)) وسنده لين،
ومنهم من فَرَّق بين الرجل والمرأة، فأجاز لها دونه، واختاره الحليمي،
واستنبط ابن أبي عاصم من قوله: ((جنّبوه السواد)) أن الخضاب بالسواد كان
عادتهم، وذكر ابن الكلبي أول من اختضب بالسواد من العرب عبد المطلب،
وأما مطلقاً ففرعون، اهـ.
(١) تقدم تخريجه في (ص٤٣).
(٢) (فتح الباري)) (٣٥٥/١٠).
٤٧
٥٢ - كتاب الشّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حديث
قَالَ: وَتَرْكُ الصَّبْغِ كُلِّهِ وَاسِعٌ إِنْ شَاءَ اللهُ. لَيْسَ عَلَى النَّاسِ
فِيهِ ضِيقٌ.
(قال) مالك: (وترك الصبغ كله) تأكيد للصبغ، أي ترك الخضاب مطلقاً
(واسع إن شاء الله وليس على الناس فيه) أي في ترك الخضاب (ضيق) قال
الزرقاني(١): خلافاً لمن قال: الصبغ بغير السواد سُنّة، اهـ.
وقال الباجي(٢): يريد أن الصبغ ليس بأمر لازم، وقد ترك الصبغ جماعة
من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وعلي - رضي الله عنهما - قال الباجي:
وذلك عندي يصرف إلى وجهين: أحدهما: أن يكون أمراً معتاداً ببلد الإنسان
فيسوغ له ذلك، فإن الخروج عن الأمر المعتاد يشهر ويستقبح، والثاني: أن من
الناس من يجمل شيبه، فيكون ذلك أليق به من الصبغ، ومن الناس من لا
يجمل شيبه ويستشنع منظره، فكان الصبغ أجمل به، اهـ.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (٣): ونقل عن أحمد أنه يجب، وعنه يجب ولو
مرة، وعنه لا أحبّ لأحد ترك الخضب ويتشبه بأهل الكتاب، اهـ.
قلت: لكن حكى الموفق(٤) عنه الاستحباب فقط، فقال: ويستحب
خضاب الشعر بغير سواد، قال أحمد: إني لأرى الشيخ المخضوب فأفرح
به، اهـ.
وقال النووي(٥): مذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة
أو حمرة، ويحرم بالسواد على الأصح، وقال القاضي: اختلف السلف من
(١) ((المنتقى)) (٢٧٠/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٩/٤).
(٣) «فتح الباري)) (٣٥٥/١٠).
(٤) انظر: ((المغني)) (١٢٥/١).
(٥) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (٨٠/١٤).
٤٨
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حديث
الصحابة والتابعين في الخضاب، فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل، ورووا
حديثاً عن النبي ◌َ في النهي عن تغيير الشيب، ولأنه رَّر لم يغير شيبه، وروي
هذا عن عمر وعلي وأبي وآخرين.
وقال آخرون: الخضاب أفضل، وخضب جماعة من الصحابة والتابعين،
وقال الطبراني: الصواب أن الآثار المروية عن النبي وَل بتغيير الشيب وبالنهي
عنها كلها صحيحة، وليس فيها تناقض، بل الأمر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي
قحافة، والنهي لمن له شمط فقط، واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب
اختلاف أحوالهم في ذلك، مع أن الأمر والنهي في ذلك ليسا على الوجوب
بالإجماع، ولذا لم ينكر بعضهم على بعض خلافه في ذلك، ولا يجوز أن يقال
في ذلك ناسخ ومنسوخ.
قال القاضي وقال غيره: هو على حالين؛ فمن كان في موضع عادة أهله
الصبغ أو تركه، فخروجه عن العادة شهرة ومكروه، والثاني: أنه يختلف ذلك
باختلاف نظافة الشيب، فمن كان شيبه نقية أحسن منها مصبوغة، فالترك أولى،
ومن كان شيبه يستشنع، فالصبغ أولى، قال النووي: هذا ما نقله القاضي،
والأصح الأوفق للسنة عندنا ما قدمناه عن مذهبنا، اهـ.
وقال الحافظ(١) في حديث البخاري عن أبي هريرة رفعه ((أن اليهود
والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)): ولأحمد بسند حسن عن أبي أمامة قال:
خرج رسول الله (* على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: ((يا معشر
الأنصار حمّروا وصفّروا، وخالفوا أهل الكتاب)) وأخرج الطبراني في ((الأوسط))
نحوه من حديث أنس، وفي ((الكبير)) من حديث عتبة بن عبد ((كان رسول الله وَل
يأمر بتغيير الشعر مخالفة للأعاجم))، وقد تمسك به من أجاز الخضاب
بالسواد، وقد تقدمت مسألة استثناء الخضاب بالسواد.
(١) ((فتح الباري)) (٣٥٤/١٠).
٤٩
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حديث
وقوله: ((فخالفوهم)) وفي رواية مسلم ((فخالفوا عليهم واصبغوا)) وللنسائي
من حديث ابن عمر رفعه ((غيروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود)) رجاله ثقات، لكن
اختلف فيه على هشام، كما بينه النسائي، وأخرجه الطبراني من حديث عائشة،
وزاد ((والنصارى)).
واختلف في الخضب وتركه، فخضب أبو بكر وعمر وغيرهما، كما
تقدم، وترك الخضاب علي وأبي بن كعب وسلمة بن الأكوع وأنس وجماعة
- رضي الله عنهم -.
وجمع الطبري بأن من صبغ منهم كان اللائق به كمن يستشنع شيبه،
ومن ترك كان اللائق به كمن لا يستشنع شيبه، وعلى ذلك حمل قصة أبي
قحافة - رضي الله عنه -، حيث قال ◌َ﴿ لما رأى رأسه كالثغامة بياضاً:
((غَيِّروه))، والثغامة بضم المثلثة وتخفيف المعجمة، نبات شديد البياض، قال:
فمن كان مثل أبي قحافة استحب له الخضاب، ومن كان بخلافه فلا يستحب
في حقه، ولكن الخضاب مطلقاً أولى، لأن فيه امتثال الأمر في مخالفة أهل
الكتاب، وفيه صيانة للشعر عن تعلق الغبار وغيره، إلا أن كان من عادة أهل
البلد تركه، والذي ينفرد بدونهم بذلك يصير في مقام الشهرة فالترك في حقه
أولى.
ونقل الطبري بعد أن أورد حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه
بلفظ ((من شاب شيبة فهي له نور إلى أن ينتفها أو يخضبها)). وحديث ابن
مسعود ((إن النبي ( 8* كان يكره خصالاً))، فذكر منها تغيير الشيب، إذ بعضهم
ذهب إلى أن هذه الكراهة نسخت بحديث الباب، ثم ذكر الجمع، وقال:
دعوى النسخ لا دليل عليها، قال الحافظ: وجنح إلى النسخ الطحاوي،
وحديث عمرو بن شعيب المشار إليه أخرجه الترمذي وحسنه، ولم أر في شيء
من طرقه الاستثناء المذكور، اهـ.
٥٠
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حدیث
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: فِي هُذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنْ
رَسُولَ اللهِ لَّهَ لَمْ يَصْبُغْ. وَلَوْ صَبَغَ رَسُولُ اللهِ وَ لَأَرْسَلَتْ بِذَلِكَ
عَائِشَةُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْأَسْوَدِ.
وفي ((الدر المختار)) (١): يستحب للرجل خضاب شعره ولحيته، ولو في
غير حرب، في الأصح.
(قال مالك: وفي هذا الحديث) أي حديث ابن الأسود المذكور (بيان)
واضح ودليل على (أن رسول الله (وَلّ لم يصبغ) ولذا استدلت عائشة - رضي الله
عنها - على اختيار الخضاب بفعل أبيها أبي بكر - رضي الله عنه - (ولو صبغ)
أي اختضب (رسول الله وَله لأرسلت) للاحتجاج (بذلك) أي بفعله وَالخير (عائشة)
رضي الله عنها بواسطة نُخَيْلَةٍ (٢) (إلى عبد الرحمن بن الأسود) لأن فعله وَّ كان
أولى في الاستدلال بفعل الصديق الأكبر - رضي الله عنه -.
قال الباجي(٣): وهذا يدل على أن النبي وَلّ لم يخضب، ولو خضب
كان تعلُّقَها بفعله أبين، وأوضح من تعلقها بفعل أبيها، وإنما ذكرت عائشة
- رضي الله عنها - في ذلك أفضل ما علمته وندبته إلى اتباعه، وقد قال مالك
- رضي الله عنه - في غير ((الموطأ)): لم يصبغ رسول الله وَل ولا عمر بن
الخطاب ولا علي ولا أبيّ ابن كعب - رضي الله عنهم -، وقال عثمان بن
موهب: رأيت شعر النبي ◌َّ، أخرجته إلي أم سلمة مخضوباً بالحناء والكتم،
وقيل لمحمد بن علي: أكان علي - رضي الله عنه - يخضب؟ قال: قد خضب
من هو خير منه، رسول الله ◌َالچ .
(١) انظر: ((رد المحتار)) (٦٩٦/٩).
(٢) نُخَيْلَةُ: بالخاء المنقوطة يرويه يحيى، وكذلك رواه ابن القاسم وطائفةٌ من رُواة
((الموطأ))، ورواه ابن بُكير ومطرف: نحيلة، بالحاء غير المنقوطة، والله أعلم،
((الاستذكار)) (٨١/٢٧ - ٨٢).
(٣) ((المنتقى)) (٢٧٠/٧).
٥١
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حديث
فيحتمل - والله أعلم - أن يريد بهذه الآثار أنه كان يجعل من ذلك في
شعره بما يُحَسِّنُه ويُلَيّنْهُ دون أن يكون شعره يحتاج إلى ذلك لبياض، ومعنى
الآثار التي نفت الخضاب أنه لم يكن شعره أبيض يغيره الخضاب، فلم يكن
يجعل من ذلك ما يجعله على وجه الخضاب الذي يغير البياض، وقال
عبد الله بن همام: قلت لأبي الدرداء: أكان رسول الله مل* يخضب؟ فقال: يا
ابن أخي ما بلغ منه الشيب بالخضب، ولكنه كان منه لههنا شعرات بيض، وكان
يغسلها بالحناء والسدر، اهـ.
وأخرج البخاري في ((صحيحه)) عن سلام عن عثمان بن عبد الله بن
موهب، قال: دخلت على أم سلمة، فأخرجت إلينا شعراً من شعر النبي وقلقه
مخضوباً، قال الحافظ(١): زاد يونس بالحناء والكتم، وكذا لابن أبي خيثمة،
وكذا لأحمد عن عفان وعبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن سلام، وله من
طريق آخر ((شعراً أحمر مخضوباً بالحناء والكتم))، وللإسماعيلي من طريق آخر
عن عثمان المذكور ((كان مع أم سلمة من شعر لحية النبي وَلقر فيه أثر الحناء
والكتم)).
قال الإسماعيلي: ليس فيه بيان أن النبي و 18 هو الذي خضب، بل يحتمل
أن يكون احمرّ بعده لما خالطه من طيب فيه صفرة، فغلبت به الصفرة، قال:
فإن كان كذلك، وإلا فحديث أنس ((أن النبي (وَّر لم يخضب)) أصح، كما في
((البخاري)) عن ربيعة عن أنس في صفته وَ لي ليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة
بيضاء، قال ربيعة: فرأيت شعراً من شعره، فإذا هو أحمر، فسألت؟ فقيل:
احمَرَّ من الطيب.
قال الحافظ(٢): لم أعرف المجيب المسؤول إلا أن في رواية أن عمر بن
(١) ((فتح الباري)) (٣٥٣/١٠).
(٢) (فتح الباري)» (٦/ ٥٧١).
٥٢
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حديث
عبد العزيز قال لأنس: هل خضب رسول الله وَلقر، فإني رأيت شعراً من شعره
قد لون؟ فقال: إنما هذا الذي لون من الطيب الذي كان يُطَيَّبُ به شعرُ
رسول الله و ◌َ﴾، فهو الذي غَيَّر لونه، فيحتمل أن يكون ربيعة سأل أنساً عن ذلك
فأجابه، ووقع في ((رجال مالك)) للدارقطني، وهو في ((غرائب مالك)) له عن
أبي هريرة قال: ((لما مات النبي وَلّ خضب من كان عنده شيء من شعره،
ليكون أبقى لها)) قال الحافظ: فإن ثبت هذا استقام إنكار أنس، ويقبل ما أثبته
سواه التأويل.
وقال في موضع آخر (١): وكثير من الشعور التي تفصل عن الجسد إذا
طال العهد يزول سوادها إلى الحمرة، قال: وما جنح إليه الإسماعيلي من
الترجيح خلاف ما جمع به الطبري.
وحاصله أن من جزم أنه خضب، كما في ظاهر حديث أم سلمة، وكان
في حديث ابن عمر أنه وُ له خضب بالصفرة، حكى ما شاهده، وكان ذلك في
بعض الأحيان، ومن نفى ذلك كأنس فهو محمول على الأكثر الأغلب من
حاله.
وقد أخرج مسلم وأحمد والترمذي والنسائي من حديث جابر بن سمرة
قال: ((ما كان في رأس النبي وَله ولحيته من الشيب إلا شعرات، كان إذا دهن
واراهُنَّ الدهنُ»، فيحتمل أن يكون الذين أثبتوا الخضاب شاهدوا الشعر
الأبيض،، ثم لما واراهُنَّ الدهنُ ظنوا أنه خضبه، اهـ.
وفي ((شرح الشمائل))(٢) في حديث حميد عن أنس قال: ((رأيت شعر
رسول الله وَ ليه مخضوباً)): قال ميرك: إن ما ثبت عن أنس - رضي الله عنه - في
(١): (٣٥٤/١٠) .
(٢) (١٠/ ١٠١).
٥٣
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٣) باب
(١٧١٠) حديث
((الصحيحين)) وغيرهما من طرق كثيرة أن النبي وَليّ لم يخضب ولم يبلغ شيبه
إلى الخضاب، ولم يرو عنه ذلك إلا في هذا الخبر، فأما أن يحكم بشذوذه،
فإن رواية حميد، وإن كان ثقة فهو مدلس، ومع هذا فقد خالف فيه من هو
أوثق منه، كابن سيرين وثابت وقتادة، وأحاديثهم عن أنس في نفي الخضاب
ثابتة في ((الصحيحين)) وغيرهما، وهو واحد، وهم جماعة.
وقد روي عن أبي هريرة قال: ((لما مات النبي ◌َّل خضب من كان عنده
شيء من شعره، ليكون أبقى له))، فيحمل على أن شعراته المطهرة التي كانت
عند أبي طلحة زوج أم أنس أو عند أمه أم سليم، وخضبها أبو طلحة، أو أم
سليم كانت موجودةً عند أنس، فرآها ابن عقيل.
وما أخرجه الحاكم(١) وابن سعد عن عائشة قالت: ((ما شانه الله ببيضاء))،
فمحمول على أن تلك الشعرات البيض لم تُغَيّر شيئاً من حسنه وَّر، هذا، وقد
أنكر أحمد إنكار أنس أنه خضب، وذكر حديث ابن عمر أنه خضب، ووافق
مالك أنساً في إنكار الخضاب، وتأوّل ما ورد في ذلك.
قال النووي: المختار أنه وَ ﴿ خضب في وقت، لِما دل عليه حديث ابن
عمر في ((الصحيحين)) ولا يمكن تركه ولا تأويله، وتَرَكَه في معظم الأوقات،
فأخبر كلٌّ بما رآى وهو صادق، اهـ.
وقال المناوي(٢) بعدما ذكر روايات خضابه وَالر: وهذه أدلة الشافعية
المخالفين لمالك، في ذهابهم إلى أن الخضاب بغير سوادٍ سنّةٌ، ولا يعارض
ذلك ما ورد أنه وسجل﴿ لم يغير شيبه لتأويله جمعاً بين الأخبار، بأنه - عليه السلام -
صبغ في وقت، وترك في معظم الأوقات، قال الشارح: وهذا التأويل
(١) ((المستدرك)) (٦٠٨/٢).
(٢) ((شرح الشمائل)) (٩٨/١).
٥٤
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٤) باب
(١٧١١) حديث
(٤) باب ما يؤمر به من التعوذ
٩/١٧١١ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ:
بَلَغَنِي
كالمتعين، قال المناوي: وللمخالف أن يقول: تركه في معظم الأوقات وفعله
على الندرة، فيه شعورٌ بأنه وَ ل﴿ إنما فعله أحياناً بياناً للجواز، فقصاراه الإباحة،
فدلالته على السنية من أين؟ اهـ.
قلت: ومال الإمام الترمذي(١) إلى عدم خضابه وَّلغيره، إذ قال بعد ما أخرج
حديث أبي رمثة: ((ورأيت الشيب أحمر)): قال أبو عيسى: هذا أحسن شيء
روي في هذا الباب وأفسره؛ لأن الروايات الصحيحة أنه ◌ّي لم يبلغ
الشيب، اهـ.
قال صاحب ((المحلى)): وبالجملة المعتمد عند مالك، وأكثر المحدثين
عدم الخضاب، وهو الثابت عند علمائنا الحنفية خلافاً لأحمد وجماعة، اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (٢): الأصح أنه وَ لّ لم يفعله، قال ابن عابدين: لأنه
لم يحتج إليه؛ لأنه يَّليل توفي ولم يبلغ شيبه عشرين شعرة في رأسه ولحيته، بل
كان سبع عشرة، كما في ((البخاري)) وغيره، اهـ.
(٤) ما يؤمر به من التعوذ عند النوم وغيره
(ما يؤمر) ببناء المجهول (به) الرجل (من التعوذ) زاد في النسخ الهندية
بعد ذلك (عند النوم وغيره) وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية، والتعوذ
تفعّل من العوذ، قال الراغب: العوذ الالتجاء إلى الغير والتعلق به، ويقال:
عاذ فلان بفلان، اهـ.
٩/١٧١١ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: بلغني) قال
(١) أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) (٤٤).
(٢) انظر: ((رد المحتار)) (٦٩٦/٩).
٥٥
٥٢ - كتاب الشّعَر
(٤) باب
(١٧١١) حديث
السيوطي في ((التنوير))(١): أخرجه ابن عبد البر من طريق سفيان بن عيينة عن
أيوب بن موسى عن محمد بن يحيى بن حبان أن خالد بن الوليد، فذكره، وهو
مرسل، ومن طريق ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مسنداً،
لكن قال: الوليد بن الوليد وهو أخو خالد بن الوليد، اهـ. وقال في
((التجريد))(٢): هذا حديث مشهور مسند، وغير مسند، قد ذكر في كتاب
((التمهيد))(٣)، اهـ.
قلت: حديث محمد بن يحيى بن حبان أن خالد بن الوليد، الحديث
أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة))(٤) برواية أيوب بن موسى عنه، وأخرجه
أيضاً برواية شعبة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن الوليد بن
الوليد أنه قال: يا رسول الله، الحديث، وفي آخره: ((فإنه لا يضرك وبالحريّ
أن لا يقربك)»، وكذا أخرج حديث عمرو بن شعيب مسنداً أيضاً، لكن بلفظ:
قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّل﴾ فشكا إليه أنه يفزع في منامه، الحديث.
وفي ((المحلى)): وللنسائي كان خالد يفزع في منامه، فذكر ذلك
للنبي وَلَّ، فقال: إذا اضطجعت قُلْ ((بسم الله))، والطبراني في ((أوسطه))(٥) عن
أبي أمامة قال: حدّث خالد رسول الله وَّر عن أهاويل يراها في الليل،
فقال ◌َله: ((ألا أعلمك))، الحديث، اهـ.
وقال السيوطي في ((الدر)) (٦) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود،
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص ٦٨٤).
(٢) (ص٢٣٥).
(٣) الحديث في ((التمهيد)) (١٠٩/٥٤).
(٤) ح (٧٣٨) وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٣٦٤).
(٥) ذكره الهيثمي (١٧٦/١٠) وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه الحكم بن عبد الله
الديلمي، وهو متروك.
(٦) ((الدر المنثور)) (١٠٦/٦).
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٤) باب
(١٧١١) حديث
والترمذي(١) وحسنه، والنسائي والبيهقي في ((الأسماء والصفات))، عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده قال: ((كان رسول الله وَلَّ يُعَلِّمنا كلماتٍ نقولهن عند
النوم من الفزع: بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة)) الحديث، وأخرج أحمد عن
خالد بن الوليد أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة، قال: ((إذا أخذت
مضجعك، فقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشرِّ عباده ومن
همزات الشياطين وأن يَحْضُرُوْنَ، فإنه لا يضرك، وبالحري أن لا يضرك))، اهـ.
وأخرج أحمد في ((مسنده)) بسنده إلى شعبة عن يحيى بن سعيد عن
محمد بن يحيى بن حبان عن الوليد بن الوليد أنه قال: يا رسول الله إني أجد
وحشة، قال: ((إذا أخذت مضاجعك))، الحديث، وهكذا أخرجه مكرراً في
موضع آخر.
وقال الحافظ في ((الإصابة))(٢) في ترجمة الوليد بن الوليد: أخرج له
أحمد في ((مسنده)) حديثاً من رواية محمد بن يحيى بن حبان عنه، فذكره ثم
قال: وهو منقطع؛ لأن محمد بن يحيى لم يدركه، وقد أخرجه أبو داود من
رواية ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: كان الوليد بن
الوليد يفزع في منامه، فذكر ذلك للنبي ◌ّر، فذكر الحديث، اهـ.
وقال الحافظ في ((الفتح))(٣) بعد ذكر حديث مالك هذا بالبلاغ: أخرجه
النسائي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: كان خالد بن الوليد
يفزع في منامه، فذكر نحوه، وزاد في أوله: ((إذا اضطجعت، فقل: بسم الله))،
فذكره، وأصله عند أبي داود، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، اهـ.
(١) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب (٩١) ح(٣٥٢٣).
(٢) (٣٣٢/٦).
(٣) ((فتح الباري)) (١٢/ ٣٧٢).
٥٧
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٤) باب
(١٧١١) حدیث
أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ وََّ: إِنِّي أُرَوَّعُ فِي مَنَامِي، فَقَالَ
لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلَه: ((قُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ.
(أن خالد بن الوليد) سيف الله، وتقدم أن الروايات اختلفت في كون
القصة له أو لأخيه الوليد، ولا مانع من الجمع (قال لرسول الله وَلَ: إني أَرَوَّعُ)
ببناء المجهول من الترويع على ما أعرب عليه في النسخ المصرية من قولهم:
رَوَّعَه ترويعاً، والأوجه عندي من المجرد من قولهم: لا تَرُعْ، أي لا تخَفْ،
والروع الفزع، أي يحصل لي فزع (في منامي فقال له رسول الله وَله: قل)
بصيغة الأمر، فما في بعض النسخ الهندية بلفظ ((قال)) تحريف من الناسخ،
وزاد في بعض الروايات: ((إذا أخذت مضجعك))، كما تقدم.
(أعوذ بكلمات الله التامة) قال النووي: قيل: معناه الكاملات التي لا
يدخل فيها نقص ولا عيب، وقيل: النافعة الشافية، وقيل: المراد بها ههنا
القرآن، اهـ.
زاد في ((المحلى)): قال المظهر: الكلمات التامة أسماؤه وصفاته؛ لأنه
كل واحد منها تامة لا نقص فيها؛ لأنها قديمة، والنقصان إنما يكون في
المحدثات، اهـ.
وزاد الزرقاني(١): وقيل: جميع ما أنزله على أنبيائه؛ لأن الجمع
المضاف إلى المعارف يعم، اهـ. قال الباجي(٢): وصفها بالتمام على الإطلاق
يحتمل أن يريد به أنه لا يدخلها نقص، وإن كان كلمات غيره يدخلها النقص،
ويحتمل أن يريد بذلك الفاضلة، يقال: فلان تام وكامل أي فاضل، ويحتمل
أن يريد به الثابت حكمها، قال تعالى ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾، اهـ.
وفي ((المحلى)): قال الخطابي: كان الإمام أحمد يستدل به على أن
كلام الله غير مخلوق؛ لأنه ◌َ ﴾ لا يستعيذ بمخلوق، اهـ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٠/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٣٧١/٧).
٥٨
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٤) باب
(١٧١١) حديث
مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وأَنْ
يَحْضُرُونِ)).
(من غضبه) قال القاضي أبو بكر: غضب الباري تعالى إرادة عقوبة من
غضب عليه، وقوله وَالر: (وعقابه) راجع إلى معنى واحد، كذا في ((المنتقى))،
وفي ((المرقاة)): من غضبه أي آثاره، وعقابه أي عذابه وحجابه، اهـ. (وشر
عباده) بالموحدة، جمع عبد في جميع النسخ المصرية والهندية، قال الزرقاني:
شر مخلوقاته إنساً وجناً وغيرهما، اهـ. وفي ((المرقاة)): شر عباده من الظلم
والمعصية وغيرهما، اهـ.
وبنى الباجي ((شرحه)) على لفظ عذابه إذ قال: يحتمل أن يريد به أن شر
عذابه ما كان في الآخرة على وجه الانتقام والغضب، وما كان في الدنيا من
الأمراض والآلام على سبيل التكفير لا يوصف بذلك، ويحتمل أن يريد أن
عذابه كله مما يوصف بالشر، وأن ما كان في الدنيا من الأمراض وغيرها مما
يكفر به الخطايا لا يوصف بأنه عذاب، اهـ. والمعروف في روايات هذه القصة
كلها هو ما في المتن.
(ومن همزات الشياطين) قال صاحب ((المحلى)): بضم الهاء وفتح الميم،
جمع همزة، من الهمز، وهو النخس والغمز، اهـ. كذا قال، ولعله تحريف من
الناسخ، فإن المعروف في التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبٍّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ
الشَّيَاطِينِ ﴾﴾ فتح الهاء، قال صاحب ((الجلالين)): أي نزغاتهم بما
یوسوسون.
قال صاحب ((الجمل)): لو قال: وساوسهم لكان أوضح، وفي
((المختار)): همزات الشياطين خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان، اهـ. قال
القاري: أي خطراتهم ووساوسهم وإلقائهم الفتنة والعقائد الفاسدة في القلب،
وهو تخصيص بعد تعميم، اهـ.
(وأن يحضرون) عطف على همزات، وفي التنزيل: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ
٥٩
٥٢ - كتاب الشَّعَر
(٤) باب
(١٧١٢) حديث
١٠/١٧١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛
٠٠٠٠
يعني بإعادة كل من العامل والنداء مبالغة وزيادة اعتناء بهذه
٩٨
يَعْضُرُونِ
الاستعاذة، كذا في ((الجمل))، وذلك لأنهم لا يحضرون أحداً إلا بسوء، قال
القاري(١): أي من أن يحضروني في صلاتي وقراءتي ودعوتي وموتي، اهـ.
وفي ((المحلى)): يحضرون بكسر النون أصله يحضرونني، حذفت النون
الأولى علامة للنصب والياء تخفيفاً وبقي نون الوقاية، أي من أن يحضرونني.
زاد الطبراني عن عائشة قالت: فلم ألبث إلا ليالي، حتى جاء خالد، فقال: يا
رسول الله بأبي أنت وأمي، والذي بعثك بالحق ما أتممت كلماتي التي علمتني
ثلاثاً، حتى أذهب الله عني ما كنت أجد، ما أبالي لو دخلت على أسد في
خيسه، اهـ. وفي ((مختار الصحاح)) الخيس بالكسر موضع الأسد.
والحديث أخرجه في ((المشكاة)) (٢) برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده أن رسول الله وَ ل قال: ((إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله
التامات)) الحديث، وفي آخره: كان عبد الله بن عمرو يُعَلِّمُها من بلغ من ولده،
ومن لم يبلغ منهم كتبها في صك، ثم علقها في عنقه، رواه أبو داود والترمذي
وهذا لفظه، وذكر القاري لفظ الطبراني بطوله.
١٠/١٧١٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، هكذا في جميع
النسخ المصرية بزيادة يحيى بن سعيد، وليس هذا في النسخ الهندية، بل جعل
فيها الحديث من مرسلات الإمام مالك، والصواب الأول، فإن صاحب
((التجريد)) ذكره في باب مرسلات يحيى ثم قال: وهذا الحديث قد رواه قوم
عن يحيى بن سعيد مسنداً على ما قد ذكرناه في ((التمهيد))(٣)، اهـ.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٦/٥).
(٢) ((مشكاة المصابيح)) مع شرحه ((المرقاة)) (٢٣٥/٥).
(٣) (١٠٩/٢٤).
٦٠