Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥١ - كتاب العين
(٦) باب
(١٦٩٩) حديث
١٥/١٦٩٩ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ؛ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ، إِذَا أَتِيَتْ بِالْمَرْأَةِ
وَقَدْ حُمَّتْ تَدْعُو لَهَا، أَخَذَتِ الْمَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا.
أحشائه ورم، استحمّ بماءٍ بارد، أو سبح فيه، لانْتَفَعَ بذلك، ونحن نأمر بذلك
بلا توقف، اهـ.
وقال النووي(١): قد اعترض من في قلبه مرضٌ، فقال: إن استعمال
المحموم الماء البارد مخاطرة قريب من الهلاك؛ لأنه يجمع المسام، ويحقن
البخار، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون سبباً للتلف، فالمعترض
يقول على النبي 18 ما لم يقل، فإنه ول# لم يقل أكثر من قوله: ((أبردوها
بالماء»، ولم يبين صفته وحالته، والأطباء يسلمون أن الحمى الصفراوية يبرد
صاحبها بسقي الماء البارد الشديد البرودة، ويسقونه الثلج، ويغسلون أطرافه
بالماء البارد، فلا يبعد أن النبي ◌ّ ﴾ أراد هذا النوع من الحمى، اهـ.
١٥/١٦٩٩ - (مالك عن هشام بن عروة عن) زوجته وبنت عمه (فاطمة
بنت المنذر أن) جدتها (أسماء بنت أبي بكر الصديق) أخرجه البخاري برواية
القعنبي عن مالك (كانت إذا أتيت) بضم الهمزة ببناء المجهول (بالمرأة وقد
حمت) بضم الحاء وفتح الميم المشددة ببناء المجهول (تدعو لها) قال صاحب
((المحلى)): جملة مستأنفة لبيان سبب الإتيان أي إذا أتيت بها كي تدعو أسماء
لها، ويحتمل أن يكون حالاً مقدرة أي مريدة دعاء أسماء لها، اهـ.
قال الباجي(٢): فيه دليل على أن ذلك كان يتكرر منها تبركاً من الناس
بها، ورغبة في دعائها، فكانت تضيف إلى ذلك ما سيأتي من صب الماء
(أخذت) أسماء (الماء فصبته بينها) أي بين المحمومة (وبين جيبها) بفتح الجيم
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)» (٣٣٢/٤)، و((شرح صحيح مسلم) للنووي (١٩٥/١٤/٧).
(٢) (المنتقى)) (٢٦٢/٧).
٥٤١
٥١ - كتاب العين
(٦) باب
(١٧٠٠) حديث
وَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُبْرِدَهَا بِالْمَاءِ.
أخرجه البخاريّ في: ٧٦ - كتاب الطب، ٢٨ - باب الحمى من فيح جهنم.
ومسلم في: ٣٩ - كتاب السلام، ٢٦ - باب لكل داء دواء، حديث ٨٢.
١٦/١٧٠٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِیهِ؛
وسكون التحتية بعدها موحدة، هو ما يكون مفرجاً من الثوب، كالكم والطوق،
وفي رواية عبدة عن هشام عند مسلم ((فتصبه في جيبها))، كذا في ((الفتح))(١).
قال الباجي: تصب بين المحمومة وجيبها تبريداً لها. قال عيسى بن
دينار: تأخذ الماء فتصبه فيما بين طوقها وجسدها، حتى يصل الماء إلى
جسدها، ترجو بذلك بركة قول النبي وَله: ((فأبردوها بالماء))، ويحتمل أن يكون
ذلك من حُمَّى كانت متكررة بالمدينة ذلك الوقت، شديدة الحر، اهـ.
(وقالت) في بيان سبب فعلها هذه (إن رسول الله وَلير كان يأمرنا) بضمير
المفعول في النسخ المصرية، وبحذفه في الهندية (أن نبردها) بفتح النون وسكون
الموحدة، وضم الراء، وفي رواية بضم النون وكسر الراء المشددة من التبريد
(بالماء).
قال الحافظ: زاد عبدة في روايته: ((وقال: إنها من فيح جهنم))، اهـ.
وسيأتي الكلام عليه في الحديث الآتي، قال صاحب ((المحلى)): فيه بيان كيفية
التبريد المطلق في الحديث الآتي، والصحابة لا سيما أسماء أخت عائشة التي
كانت ممن تلزم بيته 18 أعلم بمراده وَّر من غيرها، وقد تبين أن المراد
استعمال الماء على وجه مخصوص لا اغتسال جميع البدن. وحينئدٍ فلم يبق
الإشكال.
١٦/١٧٠٠ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) مرسلاً عند جميع رواة
(١) ((فتح الباري)) (١٧٤/١٠).
٥٤٢
٥١ - كتاب العين
(٦) باب
(١٧٠٠) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَيِّ قَالَ: ((إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ
((الموطأ)) إلا معن بن عيسى، فرواه في ((الموطأ))(١) عن هشام عن أبيه عن
عائشة، وليست روايته بشاذة، لأنه تابعه ابن وهب، وهو معلوم الاتصال عند
أصحاب هشام، رواه البخاري(٢) من طريق يحيى القطان ومسلم من عدة طرق
عن هشام عن أبيه عن عائشة، كذا في ((الزرقاني)) (٣) (أن رسول الله وَ لَل قال: إن
الحمى من فيح جهنم) بفتح الفاء وسكون التحتية وحاء مهملة، وفي حديث
رافع بن خديج في البخاري ((من فوح)) بالواو بدل الياء، وفي رواية الشيخين
عنه ((من فور)) بالراء بدل الحاء، والثلاثة بمعنى، وهو سطوح حَرِّها، ووهجه،
كذا في ((الزرقاني)) و((الفتح)).
قال الشيخ ابن القيم(٤): ((فيح جهنم) هو شدة لهبها وانتشارها، وفيه
وجهان: أحدهما: أن ذلك أنموذج ورقيقة اشتُقت من جهنم، ليستدل بها العبادُ
عليها، ويعتبروا بها، ثم إن الله تبارك وتعالى قدَّر ظهورها بأسباب تقتضيها،
كما أن الروح والفرح والسرور واللذة من نعيم الجنة، وأظهرها الله تعالى في
هذا الدار عِبرة ودلالة، وقدَّر ظهورها بأسباب توجبها، والثاني: أن يكون
المراد التشبيه، فشبه شدة الحمى ولهبها بفوح جهنم، وتنبيهاً للنفوس على شدة
عذاب النار، وأن هذه الحرارة العظيمة شبيهة بفيحها، وهو ما يصيب من قرب
منها من حرها، اهـ.
قال الحافظ: والأول أولى، ويؤيده قول ابن عمر في آخر هذا الحديث
عند البخاري: قال نافع: وكان عبد الله يقول: ((اكشف عنا الرجز))، وفي
(١) والحديث في ((التمهيد)) (٢٩٢/٢٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الحمى من فيح جهنم (٥٧٢٥)، ومسلم في كتاب
السلام، باب لكل داء دواء (٨١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٣١/٤).
(٤) ((زاد المعاد)) (٢٦/٤).
٥٤٣
٥١ - كتاب العين
(٦) باب
(١٧٠٠) حديث
فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ)).
وحدّثني مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَله
قَالَ: ((الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَظْفِئُوهَا بِالْمَاءِ)).
أخرجه البخاريّ في: ٧٦ - كتاب الطب، ٢٨ - باب الحمى من فيح جهنم.
ومسلم في: ٣٩ - كتاب السلام، ٢٦ - باب لكل داء دواء، حديث ٧٩.
((الزرقاني)): قال الطيبي: ((من)) ليست بيانية حتى تكون تشبيهاً، فهي إما ابتدائية
أي الحُمَّى نشأت وحصلت من فيح جهنم، أو تبعيضية أي بعضٌ منها، ويدل
على هذا التأويل ما في ((الصحيح)): ((اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب
أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين نَفَسٌ في الشتاء، ونَفَسٌ في الصيف»، فكما
أن حرارة الصيف أثر من فيحها كذلك الحمى، اهـ.
(فأبردوها) قال ابن القيم: روي بوجهين بقطع الهمزة المفتوحة، رباعي،
من أبرد الشيء: إذا صيرها بارداً، مثل أسخنه: إذا صيّره سخناً، والثاني:
بهمزة الوصل مضمومة، من برد الشيء يبردُه، وهو أفصح لغة واستعمالاً،
والرباعي لغة رديئة، اهـ. وقال الحافظ(١): المشهور في ضبطها بهمزة وصل،
والراء مضمومة، وحكي كسرها يقال: بردت الحُمّى أبردها برداً، بوزن قتلتُها
أَقْتُلُها قتلاً أي أسكنتُ حرارتها، وحكى عياض رواية بهمزة قطع مفتوحة وكسر
الراء، وقال الجوهري: إنها لغة رديئة، اهـ. وتعقب قول من قال: إنها رديئة
بعد ثبوتها رواية (بالماء) البارد، كما في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه، شربا
وغسل أطراف؛ لأن الماء البارد رطب ينساغ لسهولته، فيصل للطافته إلى أماكن
العلة من غير حاجة إلى معاونة الطبيعة، كذا في ((الزرقاني)).
قال ابن القيم: فيه قولان؛ أحدهما: أنه كل ماء وهو الصحيح، والثاني:
أنه ماء زمزم، واحتجّ أصحاب هذا القول بما رواه البخاري(٢) عن أبي جمرة
(١) ((فتح الباري)) (١٧٥/١٠).
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٦١).
٥٤٤
٥١ - كتاب العين
(٦) باب
(١٧٠٠) حديث
كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحُمّى، فقال: أبردها عنك بماء
زمزم، فإن رسول الله وَل قال: ((إن الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء، أو
قال: بماء زمزم))، وراوي هذا قد شك فيه، ولو جزم به لكان أمراً لأهل مكة
إذ هو متيسر عندهم، ولغيرهم بما عندهم من الماء، اهـ.
قال الحافظ(١): كذا في رواية البخاري، وتعلق به من قال: إن ذكر ماء
زمزم ليس قيداً لشك راويه فيه، وممن ذهب إلى ذلك ابن القيم وتُعقّب بأنه
وقع في رواية أحمد، ((فأبردوها بماء زمزم ولم يشك، وكذا أخرجه النسائي
وابن حبان والحاكم، وترجم له ابن حبان بعد إيراده حديث ابن عمر، فقال:
ذكر الخبر المفسر للماء المجمل في الحديث الذي قبله، وهو إن شدَّة الحُمَّى
تبرُدُ بماء زمزم دون غيره من الماء، وساق حديث ابن عباس، وتعقب على
تقدير - إن - لا شك فيه بأن الخطاب لأهل مكة خاصةً، لتيسر ماء زمزم
عندهم، كما خص الخطاب بأصل الأمر بأهل البلاد الحارة، اهـ.
ثم قال الشيخ ابن القيم (٢): ثم اختلف من قال: إن الماء على عمومه،
هل المراد به الصدقة بالماء أو استعماله؟ على قولين. والصحيح أنه استعماله،
وأظن أن الذي قال: المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في
الحمّى، ولم يفهم وجهه مع أن لقوله وجهاً حسناً، وهو أن الجزاء من جنس
العمل، فكما أحمد لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد أخمد الله لهيب
الحمى عنه جزاء وفاقاً، ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد
به فاستعماله، وقد ذكر أبو نعيم وغيره من حديث أنس يرفعه: ((إذا حُمّ
أحدُكم، فليرُشَّ عليه الماءَ الباردَ ثلاث ليالٍ من السحر))(٣).
(١) ((فتح الباري)) (١٧٦/١٠).
(٢) ((زاد المعاد)) (٢٧/٤).
(٣) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٠٠/٤).
٥٤٥
٥١ - كتاب العين
(٦) باب
(١٧٠٠) حديث
قال الحافظ(٢): اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث بأن
اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك، قال الخطابي: غلط بعض من
ينسب إلى العلم فانغمس في الماء لما أصابته الحُمَّى، فاحتنقت الحرارة في
باطن بدنه، فأصابته صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من العلة قال قولاً سيئاً لا
يحسن ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث.
والجواب أن هذا الاعتراض صدر عن صدرٍ مرتابٍ في صدق الخبر،
فيقال له أولاً: من أين حملت الأمر على الاغتسال؟ وليس في الحديث
الصحيح بيان الكيفية، فضلاً عن اختصاصها بالغسل. وإنما في الحديث
الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء، فإن اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل
محموم في الماء أو صبّه إياه على جميع بدنه يضره، فليس هو المراد، وإنما
قصد * استعمال الماء على وجه ينفع، فليبحث عن ذلك الوجه، ليحصل
الانتفاع به، وهو كما وقع في أمره العائن بالاغتسال، وقد ظهر من الحديث
الآخر أنه لم يرد مطلق الاغتسال، وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة.
وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى ما صنعته أسماء بنت الصديق
- رضي الله عنها - فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها. والصحابي ولا
سيما مثل أسماء التي هي ممن كان يلازم بيت النبي وَ لو أعلم بالمراد من
غيرها، ولعل هذا هو السِرُّ في إيراد البخاري حديث أسماء بعد حديث ابن
عمر بلفظ: ((الحُمّى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء)) وهذا من بديع ترتيبه، وقال
المازري: لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجاً إلى التفصيل حتى إن
المريض يكون الشيء دواءه في ساعة، ثم يصير داءً له في الساعة التي تليها
لعارض يعرض له، ومثل ذلك كثير.
(١) ((فتح الباري)) (١٧٦/١٠).
٥٤٦
٥١ - كتاب العين
(٦) باب
(١٧٠٠) حديث
فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة ما لم يلزم منه وجود
الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال، والأطباء مجمعون على أن المرض
الواحد يختلف علاجه باختلاف السنِّ والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير
المألوف وقوة الطباع.
وعلى تقدير أن يرد التصريح بالاغتسال في جميع الجسد، فيجاب بأنه
يحتمل أن يكون أراد به أنه يقع بعد إقلاع الحُمَّى، وهو بعيدٌ، ويحتمل أن
يكون بعدد مخصوص في وقت مخصوص، فيكون من الخواص التي اطّلع
عليها ◌َّ بالوحي، ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب، وقد أخرج
الترمذي(١) من حديث ثوبان مرفوعاً: ((إذا أصاب أحدكم الحمى - وهي قطعة
من النار - فليطفئها عنه بالماء، يستنقع في نهر جار، ويستقبل جريته وليقل:
بسم الله اللَّهم اشفِ عبدَكُ وصَدِّقْ رسولَك بعد صلاة الصبح قبل طلوع
الشمس، ولينغمس فيه ثلث غمسات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمس، وإلا
فسبع، وإلا فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعاً بإذن الله))، قال الترمذي: غريب.
قال الحافظ (٢): وفي سنده سعيد بن زرعة مختلف فيه، قال: ويحتمل أن
يكون لبعض الحميات دون بعض، في بعض الأماكن دون بعض، لبعض
الأشخاص دون بعض، وهذا أوجه، فإن خطابه وَ ل﴿ل قد يكون عاماً، وهو
الأوجه، وقد يكون خاصاً كما قال: ((ولكن شَرِّقوا أو غَرِّبوا)) فإنه خاص لأهل
المدينة، ومن على سمتها، كما تقدم في كتاب الطهارة، فكذلك هذا يحتمل أن
يكون مخصوصاً بأهل الحجاز، وما والاهم، كما تقدم قريباً.
قالوا: وقد تكرر في الحديث استعماله ويّلول الماء البارد في علته، كما
(١) أخرجه الترمذي (٢٠٨٥).
(٢) ((فتح الباري)) (١٧٦/١٠).
٥٤٧
٥١ - كتاب العين
(٦) باب
(١٧٠٠) حديث
قال: ((صُبُّوا عليّ من سبع قِرَبٍ لم تُحلل أوكيتُهن))، وقال سمرة: ((كان
رسول الله وَلّ إذا حُمَّ، دعا بقِربة من ماء، فأفرغها على قرنه فاغتسل)) أخرجه
البزار وصححه الحاكم، ولكن في سنده راوٍ ضعيف، وقال أنس: ((إذا حُمّ
أحدكم فليشن عليه من الماء البارد من السحر ثلاث ليال))، أخرجه الطحاوي
والطبراني في ((الأوسط)) وصححه الحاكم، وسنده قويٌّ، وله شاهد من حديث
أم خالد بنت سعيد، أخرجه الحسن بن سفيان في ((مسنده)) وأبو نعيم في الطب
من طريقه، وقال عبد الرحمن بن المرقع رفعه: ((الحمّى رائد الموت، وهي
سجن الله في الأرض فَبرِّدُوا لها الماء في الشنان، وصُبُّوه عليكم فيما بين
الأذانين، المغرب والعشاء قال: ففعلوا فذهب عنهم))، أخرجه الطبراني، وهذه
الأحاديث كلها ترد التأويل الذي نقله الخطابي عن ابن الأنباري أنه قال:
المراد بقوله: ((فأبردوها)) الصدقة به، اهـ.
ثم قال الشيخ ابن القيم(١): وفي ((السنن)) من حديث أبي هريرة قال:
ذُكرَت الحُمَّى عندَ رسول الله وَّه فسبها رجل، فقال رسول الله وَلَه: ((لا تسبّها
فإنّها تَنْفي الذُّنُوب كما تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الحَديد))(٢)، لما كانت الحمى يتبعها
حمية عن الأغذية الرديئة، وتناول الأغذية والأدوية النافعة، وفي ذلك إعانة
على تنقية البدن، وتصفيته من مواده الرديئة، وتفعل فيه كما تفعل النار في
الحديد في نفي خبثه، وتصفيته جوهره، كانت أشبه الأشياء بنار الكير التي
تُصَفِّي جوهر الحديد، وهذا القدر هو المعلوم عند أطباء الأبدان.
وأما تصفيتها القلب من وسخه ودرنه، فأمر يعلمه أطباءُ القلوب،
ويجدونه كما أخبرهم به نبيهم ◌َّ، ولكن مرض القلب إذا صار مأيوساً من
برئه، لم ينفع فيه هذ العلاج، فالحمى تنفع البدن والقلب، وما كان بهذه
(١) ((زاد المعاد)) (٢٨/٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٦٩).
٥٤٨
٥١ - كتاب العين
(٧) باب
(٧) باب عيادة المريض والطيرة
المثابة فسَبُّه ظلم وعُدوان، وذكرت مرة وأنا محمومٌ قول بعض الشعر يسبُّها:
تَبّأَ لها مِنْ زَائرٍ ومُودِّع
زَارَت مُكَفِّرَةُ الذُّنُوبِ وَوَدَّعَتْ
ماذا تريدُ؟ فقلتُ: أن لا تَرْجِعِي
قالَتْ: وقد عَزَمَتْ عَلَى تَرْحَالِها
فقلتُ: تَبّاً له إذ سبّ ما نهى رسول الله وَّهِ عن سَبِّه، وقال:
أهلاً بها من زائرٍ وُمَودِّع
زَارَتْ مُكَفِّرَةُ الذنوب لِصَبِّها
ماذا تُريدُ؟ فقلت: أن لا تُقْلِعي
قالتْ وقَدْ عَزَمَتْ على تَرْحَالها
ولكان أولى به، ولأقلعت عنه، فأقلعت عني سريعاً، قد روي في أثر لا
أعرف حاله ((حُمَّى يَوْمٍ كَفَّارَةُ سَنَةٍ)) وفيه قولان.
أحدهما: أن الحُمّى تدخل في كل الأعضاء والمفاصل، وعدتها ثلاثمائة
وستون مَفْصِلاً، فتكفر عنه - بعدد كل مفصل - ذنوبَ يوم.
والثاني: أنها تؤثر في البدن تأثيراً لا يزول بالكلية إلى سنة، كما قيل في
قوله وثيقة: ((من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوماً))(١): إن أثر الخمر
يبقى في جوف العبد وعروقه أربعين يوماً، قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: ما
من مرض يصيبني أحَبُّ إليّ من الحُمَّى، لأنها تدخل في كل عضو مني،
وإن الله تبارك وتعالى يعطي كلَّ عضو حظّه من الأجر، اهـ.
(٧) عيادة المريض
أصل العيادة عوادة، قلبت الواو ياء لكسرةِ ما قبلها، يقال: عُدْتُ
المريض، أعوده عيادةً إذا زرتَه وسألته، كذا في ((الزرقاني)»(٢) وترجم البخاري
في (صحيحه)) ((باب وجوب عيادة المريض))، وذكر فيه حديث أبي موسى
(١) أخرجه أحمد (٦٧٧٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٢/٤).
٥٤٩
٥١ - كتاب العين
(٧) باب
الأشعري(١) رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَ له: («أطعموا الجائع وعُودوا
المريض، وفُكّوا العاني))، وحديث البراء بن عازب(٢) رضي الله عنه ((قال:
أمرنا رسول الله (قليل بسبع ونهانا عن سبع))، الحديث، وفيه: («أمرنا أن نتبع
الجنائز، ونعود المريض)).
قال الحافظ(٣): كذا جزم بالوجوب على ظاهر الأمر بالعيادة، وفي
حديث أبي هريرة في الجنائز ((حق المسلم على المسلم خمسٌ)) فذكرمنها عيادة
المريض، وفي رواية مسلم ((خمس تجب للمسلم على المسلم)) فذكرها منها،
قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية (٤) كإطعام
الجائع، وفك الأسير.
ويحتمل أن يكون للندب للحث على التواصل والألفة، وجزم الداودي
بالأول، فقال: هي فرض يحمله بعضُ الناس عن بعض، وقال الجمهور: هي
في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض، وعن
الطبري تتأكد في حق من ترجى بركته، وتُسن فيمن يراعى حاله، وتباح فيما
عدا ذلك، وفي الكافر خلاف.
ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب، يعني على الأعيان، واستدلّ
بعموم الأحاديث على مشروعية العيادة في كل مريض، لكن استثنى بعضهم
الأرمد لكون عائده قد يرى مالا يراه هو، وهذا الأمر خارجيٍّ قد يأتي مثله في
بقية الأمراض کالمغُمَى عليه.
(١) ح (٥٦٤٩).
(٢) ح (٥٦٥٠).
(فتح الباري)) (١١٢/١٠).
(٣)
(٤) قال ابن العربي: التمريض فرض على الكفاية لا بد أن يقوم به بعض الخلق عن بعض،
فالقريب ثم الصاحب ثم الجار ثم سائر الناس، ((القبس)) (١١٣٣/٣).
٥٥٠
٥١ - كتاب العين
(٧) باب
وقد جاءه في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم قال: ((عادني
رسول الله (َّر من وجع كان بعيني)) أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم،
وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) وسياقه أتم، وأما ما أخرجه البيهقي
والطبراني مرفوعاً (ثلاثة ليس لهم عيادة: العين، والدمل، والضرس)) فصحّح
البيهقي أنه موقوف على يحيى بن كثير.
ويؤخذ من إطلاق الحديث أيضاً عدم التقييد بزمان من ابتداء مرضه، وهو
قول الجمهور، وجزم الغزالي في ((الإحياء)) بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاث، واستند
إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس ((كان النبي ◌َ ◌ّ لا يعود مريضاً إلا بعد
ثلاث))، وهذا حديث ضعيف جداً، تفرد به مسلمة بن علي، وهو متروك،
وجدت له شاهداً من حديث أبي هريرة عند الطبراني في ((الأوسط))، وفيه راوٍ
متروك أيضاً، وفي إطلاق الحديث أيضاً أن العيادة لا تتقيد بوقتٍ دون وقت،
لكن جرت العادة بها في طرفي النهار.
وترجم البخاري في ((الأدب المفرد))(١) و((العيادة في الليل))، وساق عن
خالد بن الربيع لما ثقل حذيفة أتوه في جوف الليل أو عند الصبح، فقال: أيّ
ساعة هذه؟ فأخبروه، فقال: أعوذ بالله من صباح النار، الحديث، ونقل الأثر
عن أحمد أنه قيل له بعد ارتفاع النهار في الصيف: تعود فلاناً؟ قال: ليس هذا
وقت عيادة، ونقل ابن الصلاح عن الفراوي أن العيادة تستحب في الشتاء ليلاً،
وفي الصيف نهاراً، وهو غريب، ومن آدابها أن لا يطيل الجلوس حتى يضجر
المريض أو يشق على أهله، فإن اقتضت ذلك ضرورة فلا بأس به، اهـ.
قال الموفق(٢): يستحب عيادةُ المريض لحديث البراء وغيره، وإذا دخل
(١) (ص٢١٥).
(٢) ((المغني)) (٣٦١/٣).
٥٥١
٥١ - كتاب العين
(٧) باب
على مريض دعا له، ورَقَاه، قال ثابتُ لأنس: يا أبا حمزة اشْتَكَيْتُ قال أنس: أفلا
أَرْقِيك برُقيةِ رسول الله وَلَ؟ الحديث(١): وروى أبو سعيد قال: ((أتى جبريلُ
النبيَّ وَّه فقال: يا محمد اشْتَكَيتَ؟ قال: نعم، قال: بسم الله أرقيك من كل شيء
يؤذيك، من شَرِّ كل نَفْس، وعينٍ حاسدةٍ، الله يَشْفِيك))، قال أبو زرعة: كلا هذين
الحديثين صحيح، ورُوي أن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((إذا دخلتم على المريض فَنَفِّسُوا له في
الأجل، فإنه لا يَرُدُّ من قضاءِ الله شيئاً، وإنَّهُ يُطيِّبُ نفسَ المريضِ))، رواه ابن
ماجه(٢). ويُرَغِّبُه في التوبة والوصية؛ لما روي عن ابن عمر مرفوعاً: ((ما حق امرئ
مسلم يبيت ليلتين، وله شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده))، متفق عليه، اهـ.
وفي (الدر المختار))(٣): جاز عيادة الذمي بالإجماع، وفي عيادة
المجوسي قولان، وجاز عيادة فاسق على الأصح؛ لأنه مسلم، والعيادة من
حقوق المسلمين، قال ابن عابدين: قوله: جاز عيادة فاسق، وهذا غير حكم
المخالطة، ذكر صاحب ((الملتقط)) يكره للمشهور المقتدى به الاختلاط برجل
من أهل الباطل والشر إلا بقدر الضرورة؛ لأنه يعظم أمره بين الناس، ومن
العيادة المكروهة إذا علم أنك تثقل على المريض فلا تَعُدْه، فقد قيل: مجالسة
الثقيل حُمَّى الروح، ولا تهول على المريض، ولا تحرك رأسك، ولا تقله ما
علمت أنك على هذه الحالة الشديدة، بل هَوِّن عليه المرض، وطَيِّبْ قلبَه، وقل
له: أراك في خير بتأويل، واذكر له ما يزيد رجاءه في رحمته تعالى مشوباً
بشيء من التخويف، ولا تضع يدك على رأسه فربما يؤذيه إلا إذا طلبه، ولا
تقل له: أوص، فإنه من أعمال الجهال، ويتشاءم الناس في زماننا من العيادة
يوم الأربعاء فينبغي تركها، إذا يحصل للمريض بذلك ضرر، اهـ.
(١) أخرجه البخاري ح (٥٧٤٢)، من كتاب الطب، وأبو داود (٣٨٩٠)، والترمذي (٩٧٣).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (١/ ٤٦٢).
(٣) انظر: ((رد المحتار على الدر المختار)) (٦٣٩/٩).
٥٥٢
٥١ - كتاب العين
(٧) باب
والطيرة
قال الحافظ(١): بكسر المهملة وفتح التحتانية، وقد تسكن، هي التشاؤم
بالشين المعجمة، وهو مصدر تطير مثل تحير حيرة، قال بعض أهل اللغة: لم
يجئ من المصادر هكذا غير هاتين، وتعقب بأنه سمع طيبة.
وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية أنهم كانوا يعتمدون على الطير، فإذا
خرج أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يمنة تيمَّن به، واستمرّ، وإن رآه طار
يسرة تشاءم به، ورجع، وربما كان أحدهم يُهيِّجُ الطير ليطير فيعتمدها، فجاء
الشرع بالنهي عن ذلك، وكان أكثرهم يتطيرون ويعتمدون على ذلك، ويصح
معهم غالباً لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين.
وأخرج ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أنس رفعه: ((لا طيرة،
والطيرة على من تطيّر))، وأخرج أبو داود والترمذي وصححه هو وابن حبان عن
ابن مسعود رفعه: ((الطيرة شرك، ومَا مِنَّا إلا تطيّر، ولكن الله يذهبه بالتوكل))،
وقوله: ((مَا منَّا إلا)) من كلام ابن مسعود أدرجه في الخبر، وقد بينه سليمان
شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي (٢) عن البخاري عنه.
وإنما جعل ذلك شركاً لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعاً أو يدفع ضراً،
فكأنهم أشركوه مع الله تبارك وتعالى، وقوله: ((لكن الله يذهبه بالتوكل)) إشارة
إلى أن من وقع له ذلك فسَلم لله، ولم يعبأ بذلك، أنه لا يؤاخذ بما عرض له
من ذلك، اهـ.
قلت: ولعل المصنف جمعهما في باب واحد؛ لأن العيادة قد تؤدي إلى
الطيرة؛ مثلاً يعود الرجل المريض، ثم مرض العائد بذلك المرض اتفاقاً،
(١) ((فتح الباري)) (٢١٢/١٠).
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٦١/٤) ح (١٦١٤).
٥٥٣
٥١ - كتاب العين
(٧) باب
(١٧٠١) حديث
١٧/١٧٠١ - حدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ قَالَ: ((إِذَا عَادَ الرَّجُلُ الْمَرِيضَ خَاضَ
الرَّحْمَةَ.
فيتوَّهم أنه أصابه مرضه لوصوله إليه للعيادة، وقد يعكس، فإن المريض قد
يتطيّر بالعيادة، كما تقدم في كلام ابن عابدين من عيادة يوم الأربعاء، وقد
يتطير بشيء من كلام العائد، مثل أمره بالوصية ونحو ذلك، فذكر المصنف في
الباب الأمرين معاً ترغيب العيادة، والنهي عن الطيرة.
١٧/١٧٠١ - (مالك أنه بلغه عن جابر بن عبد الله) قال السيوطي في
((التنوير))(١): وصله قاسم بن أصبغ من طريق عبد الحميد بن جعفر عن أمه عن
عمر بن الحكم عن جابر، اهـ. وقال الزرقاني(٢): أخرجه قاسم بن أصبغ
والإمام أحمد برجال الصحيح، اهـ. وفي ((التجريد))(٣): هذا حديث محفوظ
عن النبي ◌ُّ من حديث جابر، كما قال مالك، ويحفظ أيضاً من حديث أنس،
ومن حديث عمرو بن حزم وغيرهم، وحديث عمرو بن حزم كحديث جابر
سواء، اهـ.
(أن رسول الله وَّ قال: إذا عاد الرجل المريض خاض الرحمة) كذا في
جميع النسخ المصرية، المتون والشروح، بدون ذكر حرف الظرف قبل الرحمة،
وكذا في ((التجريد))، فيكون الرحمة منصوباً على الظرفية، وفي جميع النسخ
الهندية بلفظ: ((خاض في الرحمة)) بزيادة لفظ ((في))، قال الزرقاني: شَبَّهَ الرحمة
بالماء، إما في الطهارة، وإما في الشيوع والشمول، ونسب إليها ما هو منسوب
إلى المشبه به من الخوض، قال الباجي(٤): يريد - والله أعلم - عظم أجر
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص ٦٨٠).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٢/٤).
(٣) ص ٢٤٨٠
(٤) ((المنتقى)) (٢٦٣/٧).
٥٥٤
٥١ - كتاب العين
(٧) باب
(١٧٠١) حدیث
حَتَّى إِذَا قَعَدَ عِنْدَهُ قَرَّتْ فِيهِ)). أَوْ نَحْوَ هُذَا.
العيادة (حتى إذا قعد) العائد (عنده) أي عند المريض (قرَّت) بشد الراء وسكون
التاء أي ثبتت الرحمة (فيه) أي في العائد.
قال صاحب ((المحلى)): أي استقرّت الرحمة وثبتت في العائد، أراد
بذلك أن شروعه في الرواح للعيادة يكون في عبادة، فيذر الله عليه فضله
وإحسانه ما دام في الطريق، فإذا وصله إليه، وجلس عنده صب الله عليه
الرحمة صباً، أي يعطيه عطاء كثيراً فوق ما أفاضه عليه في سلوكه إليه
بأضعاف، اهـ.
وقال الباجي: يريد - والله أعلم - أنه إذا ثبت له من رحمة الله، وهي
ثوابه الجزيل، وتجاوزه عن الذنوب، ويتعلق به ما ثبت للخائض في الماء،
فإذا قعد عنده تعلق به منها ما يتعلق بالمستقر الثابت، وذلك أكثر مما يتعلق
بالخائض في الماء، وقوله: قرت فيه أو نحو هذا، إن كان هذا اللفظ فإنه
يحتمل أن يريد به قرت له، كما يقول: فيه رفق بكذا، وفيه طلاقة، أي له رفق
وله طلاقة، ويحتمل أن يكون من المقلوب، فيكون المعنى قَرَّ فيها أي ثبت
فيما غمره منها، اهـ.
(أو نحو هذا) شك من الراوي، ولفظ رواية أحمد (١) عن جابر قال وَل :
((من عاد مريضاً لم يزل يخوض في الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس اغتمس
فيها)). وله أيضاً من حديث أبي أمامة: ((عائد المريض يخوض الرحمة، فإذا
جلس عنده غمسته الرحمة، ومن تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على
وجهه أو على يده، فيسأله كيف هو؟))، كذا في ((الزرقاني))(٢).
قال الحافظ(٣): أخرج البخاري في ((الأدب المفرد)) من طريق عمر بن
(١) ((مسند أحمد)) (٣٠٤/٣) والحديث في ((التمهيد)) (٢٧٤/٢٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٢/٤).
(٣) ((فتح الباري)) (١٠/ ١١٣).
٥٥٥
٥١ - كتاب العين
(٧) باب
(١٧٠٢) حديث
١٨/١٧٠٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ؛
الحكم عن جابر، رفعه: ((من عاد مريضاً خاض في الرحمة، حتى إذا قعد
استقر فيها)). وأخرجه أحمد والبزار، وصححه ابن حبان والحاكم من هذا
الوجه. وألفاظهم فيه مختلفة، ولأحمد نحوه من حديث كعب بن مالك بسند
حسن، اهـ.
١٨/١٧٠٢ - (مالك أنَّه بلغه عن بكير) بضم الموحدة مصغراً (ابن
عبد الله بن الأشج) بالشين المعجمة والجيم المشددة (عن ابن عطية) قال ابن
عبد البر في ((التجريد))(١): هكذا رواه يحيى وتابعه قوم، ورواه القعنبي عن
مالك أنه بلغه عن بكير عن ابن عطية عن أبي هريرة، فزاد في الإسناد عن أبي
هريرة، وتابعه جماعة من أصحاب مالك، منهم، عبد الله بن يوسف، وأبو
المصعب، ويحيى بن بكير، والحديث محفوظ لأبي هريرة عن النبي وحَّ من
وجوه كثيرة صحاح من حديث ابن شهاب وغيره، اهـ.
وقال الحافظ في ((التعجيل))(٢)، ورقم عليه لمالك: أبو عطية الأشجعي
عن أبي هريرة رضي الله عنه بحديث ((لا عدوى)). وعنه بكير بن عبد الله بن
الأشج، كذا وقع في رواية يحيى بن بكير في ((الموطأ)) أي بلفظ الكنية. وقال
القعنبي، وأبو مصعب، ويحيى بن يحيى مثله، لكن قالوا: عن ابن عطية، ولم
يذكر يحيى بن يحيى عن أبي هريرة. قال أبو عمر(٣): قيل: هو أبو عطية
عبد الله بن عطية، وهذا يصحح جميع الأقوال المذكورة، ثم قال أبو عمر:
قيل: هو مجهول، لكن الحديث محفوظ لأبي هريرة من وجوه.
(١) (ص٢٤٣).
(٢) ((تعجيل المنفعة)) (ص٥٠٥).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧/ ٥٣).
٥٥٦
٥١ - كتاب العين
(٧) باب
(١٧٠٢) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((لَ عَدْوَىُ
قال الحافظ: وقد وافق يحيى بن بكير في ذكره بالكنية بشير بن عمر
الزهراني، لكنه خالفه في صحابيته (١). قال الدارقطني في ((اختلاف الموطآت)):
حدثنا ابن صاعد في ((مسند أبي برزة الأسلمي)) ثنا أبو هشام الرفاعي ثنا
بشر(٢) بن عمر عن مالك به، قال الحافظ: والوهم فيه من أبي هشام في قوله:
أبي برزة، إنما هو عن أبي هريرة، وفي السند اختلاف آخر عن مالك: ليس
هذا محل ذكره، اهـ. كذا في نسختنا من ((التعجيل)).
وقال الزرقاني(٣): وقد وافق ابن بكير في ذكره بأداة الكنية بشر بن عمر
الزهراني عن مالك، لكنه خالفه في صحابيه، فقال: عن أبي برزة أخرجه
الدارقطني في ((اختلاف الموطآت))، لكنه وهم من أبي هاشم الرفاعي راويه عن
أبي بشر، وإنما هو عن أبي هريرة، اهـ.
(أن رسول الله وَّر قال) أخرج البخاري في ((صحيحه)) (٤) عن سعيد بن
ميناء، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَل: ((لا عدوى ولا طيرة
ولا هامة ولا صفر، وفرّ من المجذوم كما تفر من الأسد)).
وبسط الحافظ(٥) في الروايات الواردة في الباب، ثم قال: والحاصل من
ذلك ستة أشياء: العدوى، والطيرة، والهامة، والصفر، والغول، والنوء، وبسط
الكلام على هؤلاء بمواضع من كتابه.
(لا عدوى) بالعين المهملة والواو المفتوحتين، بينهما دال مهملة ساكنة،
(١) كذا في الأصل والصواب في صحابيه، اهـ. ((ش)).
(٢) واختلف أهل النقل في ذكره بلفظ بشير بالياء، وبشر بدونها، اهـ. (ش)).
(٣)
((شرح الزرقاني)» (٣٣٣/٤).
(٤) ح (٥٧٠٧).
(٥) انظر: ((فتح الباري)) (١٥٩/١٠).
٥٥٧
٥١ - كتاب العين
(٧) باب
(١٧٠٢) حديث
أي لا سراية للمرض عن صاحبه إلى غيره، نفياً لما كانت الجاهلية تعتقد في
بعض الأدواء أنها تعدي بنفسها، وهو خبر أريد به النهي، كذا في
((القسطلاني))(١).
قال صاحب ((المحلى)): أي لا مجاوزة لعلة ولا سراية لها من صاحبها
إلى غيره، وذلك عند الأطباء في سبع علل: الجذام، والجرب، والجدري،
والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائية. وفي الحديث تأويلان فالأكثر
على أن المراد منه نفي ذلك، وإبطاله، واختاره الحافظ، وقيل: لم يرد
إيطالها، بل أراد بذلك أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، كما يعتقده أصحاب
الطبيعة من أن العلل المعدية مؤثرة لا محالة، لكن الله تعالى جعل مخالطة
المريض للصحيح سبباً لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف، وبهذا جمع ابن الصلاح
وغيره، بينه وبين قوله {َّل١٤: ((فر من المجذوم كما تفرُّ من الأسد)) رواه
البخاري.
واختاره الزين العراقي في ((ألفيته)) وقال في ((شرحها)): ((لا عدوى)) نفي
لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تعدي بطبعها، وقوله: ((فِرّ
من المجذوم)) بيان لما يخلقه الله تعالى من الأسباب عند المخالطة للمريض،
وقد يتخلف عن السبب، وهذا مذهب أهل السنّة كما أن النار لا تحرق
بطبعها، ولا ماء رَوِيَ بطبعه، وإنما هي أسباب عادية.
وقد يجمع بينهما على التأويل الأول، بأن نفي العدوى باقٍ على عمومه
والأمر بالفرار سدّاً للذريعة، لئلا يتفق للذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله
ابتداء، لا بالعدوى، فيظن أن ذلك بسبب مخالطة، فيعتقد صحة العدوى، فيقع
في الحرج. قال التوربشتي: التأويل الثاني أولى؛ لأن الأول يفضي إلى تعطيل
الأسباب، والأصول الطبيعية، ولم يرد الشرع بتعطيلها، بل بإثباتها .
(١) ((إرشاد الساري)) (١٢/ ٥٠٣).
٥٥٨
٥١ - كتاب العين
(٧) باب
(١٧٠٢) حديث
ويدل على صحة ذلك قوله ◌َّير للمجذوم الذي أخذ بيده، فوضعه معه في
القصعة: ((كُل ثقةً بالله وتَوَكَّلْ عليه))، ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين
إلا من هذا الوجه، فبين بالأول التوقي من أسباب التلف، وبالثاني التوكل
على الله في متاركة الأسباب، اهـ.
قال القسطلاني(١): قوله ◌َّل: ((فر من المجذوم)) استشكل مع السابق أي
قوله: ((لا عدوى))، وأكله ◌َير مع المجذوم. وأجيب بأن المراد بنفي العدوى
أن شيئاً لا يعدي بطبعه نفياً؛ لما كانت الجاهلية تعتقده، وأكل مع المجذوم
ليبين أن الله تعالى هو الذي يُمْرِضُ ويشفي، ونهاهم عن الدنو من المجذوم،
ليبين أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تُفْضِي إلى مُسبباتها،
وعلى هذا جرى أكثر الشافعية.
وقيل: إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوصٌ من عموم نفي
العدوى، فيكون المعنى لا عدوى إلا من الجذام والبرص والجرب مثلاً، قاله
القاضي أبو بكر الباقلاني. وقيل: الأمر بالفرار ليس من باب العدوى، بل
لأمر طبيعي، وهو انتقال الداء من جسد إلى جسد بواسطة الملامسة وشمِّ
الرائحة، فليس على طريق العدوى، بل بتأثير الرائحة؛ لأنها تسقم من واظب
اشتمامها، قاله ابن قتيبة، وهو قريب.
وقيل: المراد بالفرار رعاية خاطر المجذوم؛ لأنه إذا رأى الصحيح
عظمت مصيبته، واشتدّ أسفه على ما ابتلي به، ونسي سائر ما أنعم الله عليه،
فيكون سبباً لمحنة أخيه المسلم. وقيل: لا عدوى أصلاً، والأمر بالفرار سدّاً
للذريعة لئلا يحدث للمخالط شيء، فيظن أنه بسبب المخالطة، فيثبت العدوى
المنفي، فأمر وَله بالتجنب شفقة على أمته، اهـ.
(١) ((إرشاد الساري)) (١٢ /٥٠٤).
٥٥٩
٥١ - كتاب العين
(٧) باب
(١٧٠٢) حديث
قال الحافظ في ((الفتح)) (١): قوله: ((فر من المجذوم كما تفر من الأسد)).
لم أقف عليه من حديث أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ومن وجه آخر عند أبي
نعيم، لكنه معلولٌ. وأخرج ابن خزيمة في ((كتاب التوكل)) له شاهداً. ثم قال
بعد ذكر الروايات: قال عياض: اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدم
عن جابر ((إن النبي ◌ّ أكل مع مجذوم)). قال: فذهب عمر - رضي الله عنه -
وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ. وممن
قال بذلك عيسى بن دينار من المالكية.
قال: والصحيح الذي عليه الأكثر، ويتعين المصير إليه أن لا نسخ، بل
يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الآمر باجتنابه على الاستحباب، والأكل
معه على بيان الجواز، هكذا اقتصر القاضي ومن تبعه على حكاية هذين
القولين. وحكى غيره قولاً ثالثاً، وهو الترجيح، وقد سلكه فريقان:
أحدهما: سلك ترجيح الأخبار الدالة على نفي العدوى وتزييف الأخبار
الدالة على عكس ذلك، مثل حديث الباب فأعَلُّوه بالشذوذ، وبأن عائشة -
رضي الله عنها - أنكرت ذلك، فأخرج الطبري عنها: ((إن امرأة سألتها عنه؟
فقالت: ما قال ذلك رسول الله وَ له، ولكنه قال: لا عدوى، وقال: من أعدى
الأول؟ قالت: وكان لي مولى به هذا الداء، فكان يأكل في صِحافي، ويشرب
في أقداحي، وينام على فراشي)). وبأن الروايات الدالة في نفي العدوى كثيرة
شهيرة. والجواب عن ذلك أن طريق الترجيح لا يُصار إليها إلا مع تعذر
الجمع، وهو ممکن، فهو أولی.
والفريق الثاني: سلكوا في الترجيح عكس هذا. فردّوا حديث: ((لا
عدوى)) بأن أبا هريرة رجع عنه، إما لشكّه فيه، وإما لثبوت عكسه عنده. فقد
(١) ((فتح الباري)) (١٥٩/١٠).
٥٦٠