Indexed OCR Text
Pages 481-500
٥٠ - كتاب صفة النبي (وَلعمال (١٣) باب (١٦٨٤) حديث . للحديث والعدول به عن عمومه بنظره واجتهاده؛ لأنه لا خلاف أنه لا(١) يجوز أن يجعل في عنقه الخطام وغيره مما يشدّ به الرحل، وُيزيّنُ ذلك بما شاء، ومعنى قول مالك رحمه الله أنه نهى عن ذلك؛ لأن صاحبها يظن أن تلك القلائد تمنع أن تصيب الإبل العين أو ترد القدر. وقد ذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يعلق على الصحيح من بني آدم والبهائم شيء من العلائق خوف نزول العين، وإن جَوَّزوا تعليق ذلك على السقيم رجاء البرء، والصحيح من قول العلماء جواز ذلك في الوجهين، وهو قول مالك والفقهاء، وقد يجوز للإنسان أن يفصد أو يحتجم خوف التأذي بالدم، كذلك يجوز له ذلك قبل العين وبعدها إذا كان فيه حِرز أودعاء، وقد قال عيسى بن دينار في ((المزنية)): لا بأس أن يعلق الرجل على فرسه للجمال القلادة الملونة فيها خرز، وإنما كره الوتر وما اتخذ للعين، وقد قال مالك: ما سمعت بكراهية في القلادة إلا في الوتر، اهـ. ولا يذهب عليك أن الإمام - رضي الله عنه - ذكر في الترجمة الجرس، وليس في الحديث نصاً، وأشار الباجي كما تقدم في أول الباب أنه داخل في عموم القلائد إذ لا يعلق إلا بالقلائد، وتقدم في كلام الحافظ في تفسير الخطابي، قال الزرقاني(٢): قيل: المراد بالوتر الجرس، فإنهم كانوا يعلقون الأجراس فيها، حكاه الخطابي. ويدل عليه ترجمة الإمام بالجرس، وكذا رواية عثمان بن عمر عن مالك بلفظ: وتر ولا جرس، فبان أنه أشار بالترجمة إلى بعض طرقه، اهـ. قال الحافظ(٣): وروى مسلم من حديث العلاء عن أبي هريرة رفعه: (١) كذا في الأصل، والصواب عندي أن لفظ ((لا)) غلط من الناسخ، اهـ. ((ش)). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣١٩/٤). (٣) ((فتح الباري)) (١٤٢/٦). ٤٨١ ٥٠ - كتاب صفة النبي رَليقول (١٣) باب (١٦٨٤) حديث ((الجرس مزمار الشيطان))، وهو دالٌ على أن الكراهية فيه لصوته؛ لأن فيها شبهاً بصوت الناقوس، وشكله، قال النووي وغيره: الجمهور على أن النهي للكراهية، وأنها كراهية تنزيه، وقيل: للتحريم، وقيل: يمنع منه قبل الحاجة، ويجوز إذا وقعت الحاجة، وعن مالك تختص الكراهة من القلائد بالوتر، ويجوز بغيرها إذا لم يقصد دفع العين، هذا كله في تعليق التمائم وغيرها مما لیس فيه قرآن ونحوه. فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه، فإنه إنما يجعل للتبرك به والتعوذ بأسمائه، وكذلك لا نهي عما يعلق لأجل الزينة ما لم يبلغ الخيلاء أو السرف. واختلفوا في تعليق الجرس أيضاً، ثالثها: يجوز بقدر الحاجة، ومنهم من أجاز الصغير(١) منها دون الكبير، وأغرب ابن حبان فزعم أن الملائكة لا تصحب الرفقة التي يكون فيها الجرس إذا كان رسول الله وَ لا فيها، اهـ. (١) كما تقدم في أول الباب من قول أهل الشام لسالم اهـ. ((ش)). ٤٨٢ ٥١ - كتاب العين (١) باب بسم الله الرحمن الرحيم ٥١ - كتاب العين (١) باب الوضوء من العين (١) الوضوء من العين قال الحافظ (١) تحت ترجمة البخاري ((باب العين حق)): أي الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، وهو من جملة ما تحقق كونه، قال المازري: أخذ الجمهور بظاهر الحديث أي الذي أخرجه البخاري(٢) من حديث أبي هريرة رفعه: ((العين حق))، وأنكره طوائف المبتدعة لغير معنى؛ لأن كل شيء ليس محالاً في نفسه، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل، فهو من متجاوزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى، وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة، وأخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه ((العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا))، ففيها تأكيد وتنبيه على سرعة نفوذها وتأثيره في الذات . وأما أمر العائن بالاغتسال عند طلب المعيون منه، ففيه إشارة إلى أن الاغتسال لذلك كان معلوماً عندهم، فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم، وأدنى ما في ذلك رفع الوهم الحاصل في ذلك، وظاهر الأمر الوجوب، وحكى المازري فيه خلافاً وصحح الوجوب وقال: متى خشي الهلاك وكان اغتسال العاين مما جرت العادة بالشفاء به، فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يجبر ببذل الطعام للمضطر، وهذا أولى. (١) ((فتح الباري)) (٢٠٣/١٠). (٢) ((صحيح البخاري)) (٥٧٤٠). ٤٨٣ ٥١ - كتاب العين (١) باب وقال أيضاً في موضع آخر (١): تقول: عنت الرجل أصبته بعينك فهو معين ومعيون، ورجل عائن، ومعيان، وعيون، والعين نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع، يحصل للمنظور منه ضرر. وقد وقع عند أحمد من حديث أبي هريرة رفعه ((العين حق ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم))، وقد أشكل ذلك على بعض الناس فقال: كيف تعمل العين من بُعْد؟ والجواب أن طبائع الناس قد تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون، وقد نقل عن بعض من كان معياناً أنه قال: إذا رأيت شيئاً يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني، ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد، ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء، فيرمد، أشار إلى ذلك ابن بطال إلى آخر ما بسطه الحافظ في إثبات تأثيره، والجواب عن مخالفيه . قال الزرقاني(٢): الإصابة بها شيء ثابت الوجود مقضي به في الوضع الإلهي، لا شبهة في تأثيره في النفوس والأموال. قال القرطبي: هذا قول عامة الأمة، ومذهب أهل السنة، وأنكره قوم مبتدعة، وهم محجوجون بما يشاهد منه في الوجود، فكم من رجل أدخلته العين في القبر لكن بمشيئة الله تعالى، ولا يلتفت إلى معرض عن الشرع والعقل يتمسك باستبعاد لا أصل له، فإنا نشاهد من خواص الأحجار وتأثير السحر ما يقضي منه العجب، اهـ. قال القاري: قد أطنب في إثباته الإمام فخر الدين الرازي في تفسير سورة عند قوله تعالى: ﴿يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ﴾(٣) الآية، وقال (١) ((فتح الباري)) (٢٠٠/١٠). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٠/٤). (٣) سورة يوسف: الآية ٦٧. ٤٨٤ ٥١ - كتاب العين (١) باب (١٦٨٥) حديث ١/١٦٨٥ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أَمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: اغْتَسَلَ أَبِي، سَهْلُ بْنُ ◌ُنیفٍ، القاري(١): العين نظر بالاستحسان مشوبٌ بالحسد، وقيل: إنما يعمل ذلك من سمٍّ يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون، ونظير ذلك أن الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسده، وضد هذا العين نظر العارفين الواصلين إلى مرتبة الرافعين من البين حجاب العين، فهو من حيث التأثير الأكبر يجعل الكافر مؤمناً والفاسق صالحاً والكلب إنساناً، اهـ ١/١٦٨٥ - (مالك عن محمد بن أبي أمامة بن سهل) بفتح المهملة وسكون الهاء، فما في النسخ الهندية بلفظ التصغير ابن سهيل، تحريف من الناسخ، فإن القصة معروفة لسهل بن حنيف الصحابي الشهير (ابن حنيف) بضم الحاء المهملة مصغراً، قال في ((التقريب)) ورقم عليه لأبي داود والنسائي وابن ماجه: ثقة، من السادسة، وقال صاحب ((التجريد))(٢): له هذا الحديث الواحد، يعني في ((الموطأ))، وذكر الحافظ في ((التهذيب)) له ثلاثة أحاديث عند أصحاب السنن غير هذا. (أنه سمع أباه) أي أبا أمامة، واسمه أسعد (يقول) أبو أمامة: (اغتسل أبي سهل) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية بدون التصغير، وهذا أيضاً دليل على أن في أول السند تحريفاً من الناسخ الهندي (ابن حنيف) بن واهب الأنصاري الأوسي، صحابي من أهل بدر، قال القاري(٣): شهد المشاهد كلها، وثبت مع النبي ◌َّ﴿ يوم أحد، استخلفه علي - رضي الله عنه - على المدينة، ثم ولآه فارس، مات بالكوفة سنة ٣٨هـ، اهـ. (١) (مرقاة المفاتيح)) (٣٦٤/٨). (٢) (ص١٦١). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٤/٨). ٤٨٥ ٥١ - كتاب العين (١) باب (١٦٨٥) حديث بِالْخَرَّارِ. فَنَزِعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ. وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ. قَالَ وَكَانَ سَهْلٌ رَجُلاً أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمٍ وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ. قال الحافظ: استعمله علي - رضي الله عنه - على البصرة، ومات في خلافته، كذا في ((التقريب))، قال الزرقاني(١): ظاهره الإرسال، لكنه محمول على أن أبا أمامة سمع ذلك من أبيه، ففي بعض طرقه عن أبي أمامة حدثني أبي أنه اغتسل، اهـ. قال الحافظ: أخرج أحمد والنسائي، وصححه ابن حبان من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل أن أباه حدثه ((أن النبي وقّ خرج وساروا معه)) الحديث، سيأتي بتمامه قريباً. (بالخَرَّار) بفتح الخاء المعجمة والرائين الأولى مشددة: موضع قرب الجحفة، قاله ابن الأثير وغيره، وقال ابن عبد البر: موضع بالمدينة، وقيل: من أوديتها، ويؤيد الأول أن في بعض طرق الحديث ((حتى إذا كان بشعب الخرار من الجحفة))، كذا في ((الزرقاني)). (فنزع جبة) بضم الجيم وتشديد الموحدة قال صاحب ((المحلى)): هي ثوبان بينهما قطن إلا أن يكون من صوف، فقد يكون واحد غير محشو، (كانت عليه)، أي تجرد عن الثياب للاغتسال، ولا نص في أنه تجرد عن الإزار أيضاً، كما سيأتي في كلام الباجي في الحديث الآتي (وعامر بن ربيعة) العَنْزي الصحابي البدري، صاحب الهجرتين (ينظر) إلى سهل (قال) أبو أمامة: (وكان سهل رجلاً أبيض) جداً (حسن الجلد) بالإضافة (قال: فقال له عامر بن ربيعة: ما) نافية (رأيت كاليوم) أي ما رأيت جميلاً مثل الذي رأيت اليوم (ولا جلدَ عذراء) أي البكر. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢١/٤). ٤٨٦ ٥١ - کتاب العین (١) باب (١٦٨٥) حديث قَالَ: فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ. وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ. فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ فَأُخْبِرَ: أَنَّ سَهْلاً وُعِكَ. وَأَنَّهُ غَيُرُ رَائِحِ مَعَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ وَلِّ. فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ قال صاحب ((المحلى)): والعذر بالضم الحجاب الذي في فرجها، ثم هو معطوف على مقدر، وهو مفعول رأيت، أي ما رأيت جلد غير عذراء كجلد رأيت اليوم، ولا جلد عذراء، قاله الطيبي، ثم قال: فعلى هذا كاليوم صفة، وإذا قدر المعطوف عليه مؤخراً كان حالاً، كذا في ((المحلى)). قال القاري(١): وأوضح منه كلام ابن الملك، أن الكاف مفعول مطلق، أي ما رأيت في وقت ما جلد عذراء، أو ما رأيت جلد رجل في اللطافة، ولا جلد عذراء في البياض والنعومة مثل رؤيتي اليوم. أي مثل الجلد الذي رأيته اليوم. ويحتمل أن يكون المعنى: ما رأيت يوماً كهذا اليوم، ولا جلد عذراء كهذا الجلد، وهو أقرب مأخذاً وأبعد تكلفاً، اهـ. (قال) الراوي: (فوعك) ببناء المجهول أي حُمَّ (سهل مكانه) أي على الفور (واشتد) أي قوي (وعكه) وسيأتي في الحديث الآتي ((فلبط)) (فأتي) ببناء المجهول (رسول الله وَ ﴾ (فأخبر) ببناء المجهول أيضاً، أي أتاه وَ لّل آتٍ، فأخبره بذلك الأمر وهو (أن سهلاً وعك وأنّه غير رائح) أي لا يمكن له أن يروح (معك يا رسول الله) لعدم استطاعته بشدة الوعك (فأتاه) أي سهلاً (رسول الله ◌َّي فأخبره سهل بالذي كان من شأن عامر بن ربيعة) أي بنظره إليه، وقوله ما قال (فقال رسول الله (وَ ل*) وفي الطريق الآتي فدعا عامراً فتغيظ عليه (علام) قال صاحب ((المحلى)): أصله على ما، فخفف، أي لأي شيء، وقال الزرقاني: علام بمعنى لِمَ، وفيه معنى الإنكار (يقتل أحدكم أخاه) في الدين. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٥/٨). ٤٨٧ ٥١ - كتاب العين (١) باب (١٦٨٥) حديث أَلَّا بَرَّكْتَ. إِنَّ الْعَيْنَ حَقُّ. تَوَضَّأُ لَهُ)) قال القاري: فيه دلالة على أن للعائن اختياراً ما في الإصابة أو في دفعها، ويدل على الثاني قوله: ((ألا بَرّكت))، قال الحافظ: في الحديث دليل أن العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب، ومن الرجل الصالح، وأن الذي يعجبه الشيء ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ویکون ذلك رقية منه، اهـ. (ألا) بفتح الهمزة وتشديد اللام، بمعنى هلا، وبها جاء في بعض طرقه، كذا في ((الزرقاني))(١)، قال القاري(٢): ألا بتشديد اللام للتنديم، وفي (المحلّى)): للتحضيض (بركت) بفتح الموحدة وتشديد الراء، أي هلا قلت: بارك الله فيك، حتى لا يؤثر فيه العين، زاد في النسخ الهندية (عليه) وليس هذا في النسخ المصرية. قال الباجي(٣): العائن إذا برك أي قال: بارك الله فيك، بطل المعنى الذي يخاف من العين، ولم يكن له تأثير. قال الزرقاني: وقال ابن عبد البر: يقول: تبارك الله أحسن الخالفين، اللَّهم بارك فيه، فيجب على كل من أعجبه شيء أن يبارك، فإذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة. وروى ابن السني عن سعيد بن حكيم. قال: كان وَليقول إذا خاف أن يصيب شيئاً بعينه قال: «اللَّهم بارك فيه ولا تضره))، وأخرج البزار وابن السني عن أنس رفعه: ((من رأى شيئاً فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره))، اهـ. (إن العين حق) تقدم في أول الباب الكلام عليه (توضأ له) وسيأتي بيان (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢١/٤). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٦/٨). (٣) ((المنتقى)) (٢٥٦/٧). ٤٨٨ ٥١ - كتاب العين (١) باب (١٦٨٥) حديث فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ. فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. الوضوء في الحديث الآتي، قال الزرقاني: هذا الوضوء المذكور في الطريق الثاني المعبر عنه باغتسل ليس على صفة غسل الأعضاء في الوضوء كما يأتي بيانه. قال المازري المالكي: الصحيح عندنا أن الأمر للوجوب، فيجبر العائن على الوضوء. وقيل: لا، كذا في ((المحلى)). وتقدم في أول الباب ما قال الحافظ: إن ظاهر الأمر الوجوب، والوجوب حكاه الزرقاني عن ابن عبد البر كما سيأتي في الحديث الآتي. (فتوضأ له عامر) على الصفة الآتية في الحديث الآتي. ثم صب الماء على سهل (فراح سهل مع رسول الله وَّة) على الفور (ليس به بأس) أي ليس معه أثر الوعك الذي كان به، كناية عن سرعة برئه. قال القرطبي: لو أتلف العائن شيئاً ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة، وهو في ذلك كالساحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفراً. وأما عندنا فيقتل، قتل بسحره أم لا؛ لأنه كالزنديق. وقال النووي: لا يقتل العائن ولا دية ولا كفارة؛ لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس، وبعض الأحوال مما لا انضباط، فكيف. ولم يقع منه فعل أصلاً، وإنما غايته حسد وتمنٍ لزوال النعمة، وأيضاً فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه في إزالة الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين . قال الحافظ(١): لا يُعَكّر عليه إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه في معناه، والفرق بينهما عسير، كذا في ((الزرقاني))(٢). (١) ((فتح الباري)) (٢٠٥/١٠). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢١/٤). ٤٨٩ ٥١ - كتاب العين (١) باب (١٦٨٦) حديث ٢/١٦٨٦ - وحدّثني مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أَمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَة سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ. فَقَالَ: مَا رَأَيتُ كَالْيَوْمٍ وَلَا جِلْدَ مُخبَّأَةٍ. ٢/١٦٨٦ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف) المذكور في الحديث السابق (أنه قال: رأى عامر بن ربيعة) المذكور سابقاً (سهل بن حنيف) قال الزرقاني: ظاهره الإرسال لكنه سمع من والده، ففي رواية ابن أبي شيبة عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي أمامة عن أبيه أن عامراً مر به وهو (يغتسل) ولأحمد والنسائي، وصححه ابن حبان من وجه آخر عن الزهري عن أبي أمامة أن أباه حدثه أن النبي وَّ خرج، وساروا معه نحواً ما حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف، وكان أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر. قال الباجي(١): ليس في الحديث ما يدل على أن سهلاً دخل ماء للغسل، ولعله إنما كان يغتسل بما يغترفه بيديه، ويصبه عليه، ولا فيه ما يدل على أنه اغتسل بغير إزار؛ لأن حسن جلده يظهر بكشف معظم جسده مع بقاء إزاره عليه، ودخول الماء بغير إزار حيث لا يكون أحد ينظر إليه مباح عند العلماء إلا ما روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه منع عن ذلك؛ لأن للماء سكاناً، واحتجّ النسائي في جواز ذلك بقصة موسى - عليه السلام - حين اغتسل بغير إزار، وهرب الحجر بثيابه، فقال: ثوبي حجر، ثوبي حجر، اهـ. (فقال) ((والله)) كما في ((المشكاة)) عن ((شرح السنة))، (ما رأيت كاليوم ولا جلد مُخبأة) بضم الميم والخاء المعجمة والموحدة المشددة المفتوحتين، فهمزة من التخبئة، وهو الستر، وهي الجارية التي في خدرها المكنونة، التي لا تراها العيون، قال القاري: هي التي لم تتزوج بعد؛ لأن صيانتها أبلغ ممن قد (١) ((المنتقى)) (٢٥٧/٧). ٤٩٠ ٥١ - كتاب العين (١) باب (١٦٨٦) حديث فَلُبِطَ سَهْلٌ. فَأَتِيَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ. هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ. وَاللهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. فَقَالَ: ((هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ تزوجت، وجلدها أنعم، قال الزرقاني: ومر في الرواية السابقة ((ولا جلد عذراء))، فكأنه جمع بين اللفظين، فقال: عذراء مخبأة، فاقتصر كلُّ راوٍ على ما سمعه منه أو أحدهما بالمعنى، لكن لا شك أن مخبأة أخص، اهـ. (فلبط) بضم اللام وكسر الموحدة المخففة آخره طاء (بسهل مكانه) أي صرع، وسقط على الأرض يقال: لبط بالرجل فهو ملبوط به، وفي ((القاموس)): لبط به - بالضم ـ: سقط من قيام وصرع، كذا في ((المحلى)). قال الباجي: قال حبيب عن مالك: معناه وعك، أي فوقع صريعاً كالمريض المثبت المثقل، وهو معنى قوله: ((وعك))، غير أن لفظ ((لبط)) عند العرب بمعنى صرع. وسقط على الأرض من خبل أو سكر أو إعياء أو غير ذلك على معنى المبالغة في حماه أنها بلغت به حداً، اهـ قال الزرقاني(١): وقال ابن وهب: لُبِطَ وعك، وكأنه فسره بالرواية السابقة جمعاً بينهما لاتحاد القصة، ولا يتعين لجواز أن سقوطه من شدة وعكه، وهذا أولى إبقاء للفظين على حقيقتهما، زاد ابن أبي ذئب عن الزهري حتى ما يعقل لشدة الوجع (فأتي) ببناء المجهول (رسول الله ◌َ ا ﴾ فقيل) له: (يا رسول الله ﴿ هل لك) رقية (في سهل بن حنيف) أو في مداواته، أو هل لك دواء في شأنه، أو دائه؟، كذا في ((المرقاة))(٢). (والله ما يرفع رأسه) من شدة الوعك (فقال) وَالر: (هل تتهمون) بتشديد الفوقية أي هل تظنون (له) كذا في النسخ المصرية باللام، وفي الهندية ((به)) (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢١/٤). (٢) (٣٦٦/٨). ٤٩١ ٥١ - كتاب العين (١) باب (١٦٨٦) حديث أَحَداً)) قَالُوا: نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ و ◌َلَه عَامِراً، فَتَغَيَّظَ عَلَيهِ. وَقَالَ: ((عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ أَلَّا بَرَّكْتَ. اغْتَسِلْ لَهُ)) فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ بالموحدة (أحداً) في إصابة العين، قال الباجي(١): يريد أن يكون أحد أصابه بالعين، ولعله كان بلغه ذلك، فأراد أن يتحققه (قالوا: نتهم عامر بن ربيعة) وكأنهم لما قالوا ذلك ذهب و # إلى سهل لتثبت الخبر منه كما في الحديث السابق، فأتاه رسول الله وَ ﴿ فأخبره سهل، ولم يذكر في السابق أنه قال: هل تتهمون أحداً، ففي كل من الطريقين اختصار، كذا في ((الزرقاني)). زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (قال: فدعا رسول الله وَ الر عامراً) أي فجاءه، قال الباجي: فأقرّ له، وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية غير نسختي الزرقاني والباجي، والظاهر سقوط من الناسخ (فَتَغيّظ عليه) أي غضب من الغيظ. وفي ((المشكاة)) عن ((شرح السنة)): فتغلّظ عليه أي كلّمه بكلام غليظ . (وقال: علام) أي: لِم، كما تقدم (يقتل أحدكم أخاه) بالعين، ولا يبرك إذا أعجبه (ألا) بمعنى هَلَّا (برّكت) أي دعوت بالبركة، كما في الحديث السابق (اغتسل له) قال الرزقاني(٢): أي وجوباً؛ لأن الأمر حقيقة الوجوب، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينفعه ولا يضره لاسيما إذا كان بسببه، وكان هو الجاني عليه، فواجب على العائن الغسل عنه، قاله ابن عبد البر، اهـ. وتقدم في الحديث السابق ما قاله المازري وغيره. (فغسل عامر وجهه ويديه) قال الزرقاني: وفي رواية بدل هذا، وظاهر كفيه (ومرفيقه) قال الباجي: قال عيسى بن دينار: إنما يغسل يديه ومرفقيه، ولا (١) ((المنتقى)) (٢٥٦/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢١/٤). ٤٩٢ ٥١ - كتاب العين (١) باب (١٦٨٦) حديث وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَظْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فِي قَدَحِ، ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ، فَرَاحَ سَهْلٌ يغسل ما بين اليد والمرفق، اهـ. قلت: ويؤيده ما سيأتي عن الزهري في صفة غسله، ويشكل عليه ما سيأتي في كلام الحافظ من رواية ابن ماجه، ويغسل يديه إلى المرفقين، قال الزرقاني: زاد في رواية: وغسل صدره (وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره). في ((شرح السنة)): اختلفوا في غسل داخلة الإزار، فذهب بعضهم إلى المذاكير وبعضهم إلى الأفخاذ والورك، وقال أبو عبيد: إنما أراد بداخلة إزاره طرف إزاره الذي يلي جسده مما يلي الجانب الأيمن، فهو الذي يغسل، قال: ولا أعلمه إلا جاء مفسراً في بعض الحديث هكذا، كذا في ((المرقاة))(١). قال الباجي: داخلة إزاره هو الطرف المتدلي الذي يفضي من مئزره إلى جلده، كأنه إنما يمر بالطرف الأيمن على الأيسر حتى يشدّه بذلك الطرف المتدلي الذي يكون من داخل، قال يحيى: عن ابن نافع لا يغسل موضع الحجزة من داخل الإزار، وإنما يغسل الطرف المتدلي، اهـ. وفي ((المحلى)): داخلة الإزار هو طرف الإزار الذي يلي جسد المؤزر، وقيل: موضعه من الجسد، وقيل: الورك، وقيل: المذاكير، كنى بالداخلة عنها، وقال النووي: الجمهور على أنها الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن، اهـ. وفي ((الزرقاني)): قال المازري: ظن بعضهم أنه كناية عن الفرج، والجمهور على أنه الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن، اهـ. (في قدح) أي اغتسل في قدح ليجتمع فيه الماء المستعمل (ثم صب) ببناء المجهول أي هذا الماء الذي في القدح (عليه)، أي على سهل قال الزرقاني: زاد في رواية، قال: وحسبته قال: وأمر فحسا منه حسوات (فراح) أي مشى (سهل (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٦/٨). ٤٩٣ ٥١ - كتاب العين (١) باب (١٦٨٦) حديث مَعَ النَّاسِ، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. أخرجه ابن ماجه في: ٣١ - كتاب الطب، ٣٢ - باب العين. مع الناس) قال الطيبي: كناية عن سرعة برئه (ليس به بأس) أي لم يبق معه شيء من أثر المرض. قال الحافظ في ((الفتح))(١): ليس في حديث ابن عباس، أي الذي أخرجه مسلم، وفيه الأمر بالاغتسال، صفة الاغتسال، وقد وقعت في حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائي وصححه ابن حبان من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل أن أباه حدثه، فذكر الحديث، وفيه: ثم قال: اغتسل له، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم يصب الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره، ثم يكفأ القدح، ففعل به ذلك، فراح سهل مع الناس، هذا لفظ أحمد (٢) من رواية أبي أويس عن الزهري، ولفظ النسائي(٣) من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري بهذا السند: أنه يصب صبة على وجهه بيده اليمنى، وكذلك سائر أعضائه صبة صبة في القدح. وقال في آخره: ثم يكفأ القدح وراءه على الأرض. ووقع في رواية ابن ماجه من طريق ابن عيينة عن الزهري، وفيه: فأمر عامر أن يتوضأ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره، وأمر أن يصب عليه، قال معمر عن الزهري: وأمره أن يكفأ الإناء من خلفه، اهـ. وقال الزرقاني(٤): قال الزهري: هذا من العلم يغتسل العائن في قدح من ماء يدخل يده فيه، فيمضمض، ويمجّه في القدح، ويغسل وجهه فيه، ثم يصب (١) ((فتح الباري)) (٢٠٤/١٠). (٢) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٤٨٦/٣). (٣) أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٠٩). (٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٢/٤). ٤٩٤ ٥١ - كتاب العين (١) باب (١٦٨٦) حديث بيده اليسرى على كفه اليمنى، ثم بالمينى على كفه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب بها على مرفق يده اليمنى، ثم بيده اليمنى على مرفق يده الیسری، ثم يغسل قدمه اليمنى، ثم قدمه اليسرى، ثم يدخل يده اليمنى فيغسل الركبيتن، ثم يأخذ داخلة إزاره، فيصب على رأسه صبة واحدة، ولا يضع القدح حتى يفرغ، هكذا رواه ابن أبي شيبة عن الزهري، وهو أحسن ما فسر به، لأن الزهري راوي الحديث، وزاد ابن حبيب في قول الزهري هذا: يصب من خلفه صبة واحدة يجري على جسده، ولا يوضع القدح في الأرض، ويغسل أطرافه المذكورة كلها، وداخلة الإزار في القدح. قاله في ((التمهيد))(١). وزاد في ((الإكمال)): أن الزهري أخبر أنه أدرك العلماء يصفونه، واستحسنه علماؤنا، ومضى به العمل، قال: وجاء عن ابن شهاب من رواية عقيل مثله إلا أن فيه الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة، وفيه في غسل القدمين أنه لا يغسل جميعهما، وإنما قال: ثم يفعل مثل ذلك في طرف قدمه اليمنى من عند وصول أصابعه واليسرى كذلك، وهو أقرب لقول الحديث: وأطراف رجليه، اهـ. وهكذا حكى الباجي (٢) عن الزهري في صفة الاغتسال، فقال: وروي عن الزهري أنه قال: الغسل الذي أدركنا علماءنا يصفونه، أن يؤتى العائن بقدح فيه ماء، فيمسك مرتفعاً من الأرض فيدخل فيه كفه، فذكر مثل ما ذكره الزرقاني عنه، إلا أنه قال في غسل القدمين: ثم يدخل يده اليسرى، فيصب بها على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب بها على قدمه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب بها على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب بها على ركبته اليسرى كذلك في قدح، ثم يدخل داخلة إزاره في القدح، ولا يوضع القدح في الأرض، فيصب على رأس المعين من خلفه صبة واحدة، (١) (٣٣٥/٦). (٢) ((المنتقى)) (٢٥٦/٧). ٤٩٥ ٥١ - كتاب العين (١) باب (١٦٨٦) حديث وقيل: يغترف ويصب عليه، ثم يكفأ القدح على ظهر الأرض وراءه، اهـ. وفي ((المحلى)): قال عياض: إن غسل العائن وجهه صبة واحدة بيده اليمنى، وكذلك سائر الأعضاء، إنما هو صبة صبة على ذلك العضو في القدح، ليس على نهج الوضوء، وكذلك داخلة الإزار، إنما هو غمسه في القدح، ثم يقوم الذي في يده القدح، فيصبه على رأس المعين من ورائه على جميع جسده بكماله، ثم يكفأ القدح وراءه على ظهر الأرض، وقيل: يستغفل بذلك عند صبِّه عليه، هذه رواية ابن أبي ذئب عن الزهري، اهـ. قال الحافظ في ((الفتح))(١): ((تنبيهات)) الأول: اقتصر النووى في ((الأذكار)) على قوله: الاستغسال أن يقال للعائن: اغسل داخلة إزارك مما يلي الجلد، فإذا فعل صبّه على المنظور إليه، وهذا يوهم الاقتصار على ذلك، وهو عجيب، ولاسيما، وقد نقل في ((شرح مسلم)) كلام عياض بطوله. الثاني: قال المازري: هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، وليس في قوة العقل الاطلاع على أسرار جميع المعلومات، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه، وقال ابن العربي: إن توقف فيه متشرع قلنا له: قل: الله ورسوله أعلم، وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة، أو متفلسف، فالرد عليه أظهر؛ لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله الخواص. وقال ابن القيم(٢): هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سخِر منها، ولا من شكّ فيها أو فعلها مجرباً غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٠٤/١٠). (٢) انظر: ((زاد المعاد)) (١٥٧/٤). ٤٩٦ ٥١ - كتاب العين (٢) باب (٢) باب الرقية من العين خواص لا يعرف الأطباء عللها، بل هي عندهم خارجة عن القياس، وإنما تفعل بالخاصية، فما الذي تنكره جهلتهم من الخواص الشرعية، هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سم الحية، يؤخذ من لحمها، وهذا علاج النفس الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان، فيسكن، فكأن أثر تلك العين كشعلة نار وقعت على جسده، ففي الاغتسال إطفاء تلك الشعلة . ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها، ولا شيء أرقُّ من المغابن، فكان في غسلها إبطالٌ لعملها، ولا سيما أن للأرواح الشيطانية في تلك المواضع اختصاصاً، وفيه أيضاً وصول أثر الغسل إلى القلب من أرقٌّ المواضع وأسرعها نفاذاً، فتطفىء تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء اهـ. (٣) الرقية من العين قال الحافظ(١): الرقية بسكون القاف يقال: رقى بالفتح في الماضي يرقي بالكسر في المستقبل، ورقيت فلاناً بكسر القاف أرقيه، واسترقى: طلب الرقية، وهو بمعنى التعويذ بالذال المعجمة، أي رقية من يصاب بالعين، وقد أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه، أو صفاته، وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله تعالى، واختلفوا في كونها شرطاً، والراجح أنه لا بد من اعتبار الشروط المذكورة. ففي ((صحيح مسلم))(٢) من حديث عوف بن مالك قال: كنا نرقي في (١) ((فتح الباري)) (١٩٥/١٠). (٢) ((صحيح مسلم)) (٢٢٠٠)، وأخرجه أيضاً أبو داود (٣٨٨٦). ٤٩٧ ٥١ - كتاب العين (٢) باب الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى ذلك؟ فقال: ((اعرضوا عليّ رُقاكم، لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك))، وله من حديث جابر ((نهى رسول الله وَليقول عن الرُّقي، فجاء آل عمرو بن حزم، فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، قال: فعرضوا عليه، فقال: ما أرى باساً، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه))، وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقي يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطاً، والشرط الآخر لا بد منه، وقال قوم: لا تجوز الرقية إلا من العين واللدغة، لحديث عمران بن حصين عند البخاري ((لا رقية إلا من عين أو و حُمَةٍ)) . ٠ وأجيب بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية، فيلتحق بالعين جواز رقية من به خبل أو مسُّ، ونحو ذلك، لاشتراكهما في كونها تنشأ عن أحوال شيطانية من إنسيّ أو جنيّ، ويلتحق بالسُّمِّ كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السُمِّية. وقد وقع عند أبي داود في حديث أنس مثل حديث عمران بن حصين، وزاد ((أو دم))، وفي ((مسلم) (١) من حديث أنس، قال: ((رخص رسول الله وَاخيه في الرقي من العين والحمة والنملة))، وفي حديث آخر: ((والأذن))، ولأبي داود(٢) من حديث الشفاء أن النبي وَ ل* قال لها: ((ألا تعلمين هذه - يعني حفصة - رقية النملة))، والنملة قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد، وقيل: المراد بالحصر معنى الأفضل أي لا رقية أنفع، كما قيل: ((لا سيف إلا (١) ((صحيح مسلم)) (٢١٩٦)، وأخرجه أيضاً الترمذي (٢٠٥٦)، وابن ماجه (٣٥١٦)، والنسائي في الكبرى (٧٥٤١). (٢) ((سنن أبي داود)) (٣٨٨٧). ٤٩٨ ٥١ - كتاب العين (٢) باب ذو الفقار)) وقال قوم: المنهيُّ عنه من الرقي ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما .. وفيه نظر، وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قرنت فيه التمائم بالرقي، فأخرجه أبو داود(١) وصححه الحاكم عن ابن مسعود رفعه ((أن الرقى والتمائم والتولة شرك))، والتمائم جمع تميمة، وهي خرز أو قلادة تعلق في الرأس، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات، والتولة شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرْب من السحر، وإنما كان ذلك من الشرك؛ لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله تعالی وبكلامه. فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه، كما في ((البخاري)) (٢) من حديث عائشة ((أنه وال# كان إذا أوى إلى فراشه ينفث بالمعوذات، ويمسح بهما وجهه)) الحديث. وفيه أيضاً عن ابن عباس ((أنه وَلور كان يعوذ الحسن والحسين بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة))، الحديث، وصحح الترمذي(٣) من حديث خولة بنت حكيم مرفوعاً ((من نزل منزلاً، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يتحول)). وعند أبي داود(٤) والنسائي بسند صحيح عن رجل عن أسلم قال: لدغت الليلة فلم أنم، فقال له النبي وَلير: ((لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك))، والأحاديث في هذا المعنى موجودة. (١) ((سنن أبي داود)) (٩/٤) من كتاب الطب (٣٨٨٣). (٢) ((صحيح البخاري)) (٥٧٤٨). (٣) ((سنن الترمذي)) (٣٤٣٧). (٤) ((سنن أبي داود)) (٣٨٩٨). ٤٩٩ ٥١ - كتاب العين (٢) باب لكن يحتمل أن يقال: إن الرقي أخص من التعوذ، وإلا فالخلاف في الرقي مشهور، ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله، والالتجاء إليه في كل ما وقع وما يتوقع، وقال ابن التين: الرقي بالمعوذات وغيرها من أسماء الله هو الطب الروحاني، إذا كان على لسان الأبرار حصل الشفاء بإذن الله تعالی. فلما عز هذا النوع فزع الناس إلى الطب الجسماني، وتلك الرقي المنهيّ عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعى تسخير الجن له، فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين، والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم، ويقال: إن الحية لعداوتها للإنسان بالطبع تصادف الشياطين لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذا اللديغ إذا رقي بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان، فلذلك كره من الرقي ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة، وباللسان العربي الذي يعرف معناه، ليكون بريئاً من الشرك، وعلى كراهة الرقي بغير كتاب الله علماء الأمة. وقال القرطبي: الرقي ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية، مما لا يعقل معناه، فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى الشرك، الثاني: ما كان بكلام الله وبأسمائه، فيجوز، فإن كان مأثوراً فيستحب، الثالث: ما كان بأسماء غير الله تعالى من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش، فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله تعالى والتبرك بأسمائه، فيكون تركه أولى إلا أن يتضمن تعظيم المرقى به، فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله تعالى. وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية؟ فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله، وما يعرف من ذكر الله، اهـ. ٥٠٠