Indexed OCR Text
Pages 361-380
٥٠ - كتاب صفة النبي وَل (١٠) باب (١٦٦٦) حديث لَا يَفْتَحُ غَلَقاً. وَلَا يَخُلُّ وِكَاءً. وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً. محظور في انتشار الصنفين إذ هما حقيقة واحدة يختلفان بالصفات، قاله الكرماني، اهـ. (لا يفتح غلقاً) كذا في جميع النسخ، وهو بفتح الغين واللام وفي رواية عطاء ((فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً)) (ولا يحل) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة (وكاء) بكسر الواو ماربط به السقاء (ولا يكشف إناء) غُِّ أو أُقْلِبَ، قال الحافظ: قال ابن دقيق العيد: قوله: فإن الشيطان لا يفتح، إشارة إلى أن الأمر بالإغلاق لمصلحة إبعاد الشيطان عن الاختلاط بالإنسان، وخصه بالتعليل تنبيهاً على ما يخفى مما لا يطلع عليه إلا من جانب النبوة. ووقع في رواية عطاء من طريق ابن جريج في كل من الأوامر المذكورة ((واذكر اسم الله)). وقد حمله ابن بطال على عمومه وأشار إلى استشكاله، فقال: أخبر وَالد أن الشيطان لم يعط قوة على شيء من ذلك، وإن كان أعطي ما هو أعظم منه، وهو ولوجه في الأماكن التي لا يقدر الآدمي أن يلج فيها، قال الحافظ (١): والزيادة التي أشرت إليها ترفع الإشكال، وهو أن ذكر اسم الله يحول بينه وبين فعل هذه الأشياء، ومقتضاه أنه يتمكن من كل ذلك إذا لم يذكر اسم الله. ويؤيده ما أخرجه مسلم والأربعة عن جابر رفعه ((إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم، ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم))، وقد تردد ابن دقيق العيد في ذلك، فقال: يحتمل أن يؤخذ قوله: ((فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً)) على عمومه، ويحتمل أن يخص بما ذكر اسم الله عليه، ويحتمل أن يكون المنع الأمر يتعلق بجسمه، ويحتمل أن يكون لمانع من الله بأمر خارج عن جسمه، قال: والحديث يدل على دخولِ الشيطان الخارج، فأما الشيطان الذي (١) ((فتح الباري)) (٨٧/١١). ٣٦١ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَالمول (١٠) باب (١٦٦٦) حديث وَإِنَّ الْقُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى النَّاسِ بَيْتَهُمْ)). أخرجه مسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة، ١٢ - باب الأمر بتغطية الإناء، حديث ٩٦. كان داخلاً فلا يدل الخبر على خروجه، قال: فيكون ذلك لتخفيف المفسدة لا رفعها . ويحتمل أن تكون التسمية عند الإغلاق تقتضي طرد من في البيت من الشياطين، وعلى هذا فينبغي أن تكون التسمية من ابتداء الإغلاق إلى تمامه، اهـ. (وإن الفويسقة) بتصغير التحقير للفاسقة، والمراد الفأرة، وتقدم في كتاب الحج وجه تسميتها بالفاسقة (تضرم)(١) بضم المثناة الفوقية وسكون الضاد المعجمة وكسر الراء المهملة، أي توقد (على الناس) وفي رواية للبيهقي على أهل البيت (بيتهم) بالإفراد، في النسخ المصرية، ((وبيوتهم)) بالجمع في النسخ الهندية، وفي رواية عطاء عن جابر «فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة، فأحرقت أهل البيت))، قال الحافظ: أخرج أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: جاءت فأرة، فجرت الفتيلة فألقتها بين يدي رسول الله وقليل على الخمرة التي كان قاعداً عليها، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم، فقال النبي وّل9: ((إذا نمتم فأطفئوا سراجكم، فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فیحرقكم)). وفي هذا الحديث بيان سبب الأمر أيضاً، وبيان الحامل للفويسقة، وهي الفأرة على جر الفتيلة، وهو الشيطان فيستعين، وهو عدو الإنسان عليه بعدو آخر، وهي النار، أعاذنا الله بكرمه من كيد الأعداء إنه رؤف رحيم، قال ابن دقيق العيد: إذا كانت العلة في إطفاء السراج الحذر من جر الفويسقة الفتيلة، (١) انظر: الحديث وشرحه في ((التمهيد)) (١٧٣/١٢). ٣٦٢ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ (١٠) باب (١٦٦٧) حديث ١٦٦٧/ ٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْكَعْبِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ قَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِّ فمقتضاه أن السراج إذا كان على هيئة لا تصل إليها الفأرة لا يمنع إيقاده كما لو كان على منارة من نحاس أملس لا يمكن الفأرة الصعود إليه، أو يكون مكانه بعيداً عن موضع يمكنها أن تثب منه إلى السراج. قال: وأما ما ورد من الأمر بإطفاء النار مطلقاً، كما في حديثي ابن عمر وأبي موسى، وهو أعم من نار السراج، فقد يتطرق منه مفسدة أخرى، غير جر الفتيلة كسقوط شيء من السراج على بعض متاع البيت، وكسقوط المنارة، فينثر السراج إلى شيء من المتاع، فيحتاج إلى الاستيثاق من ذلك، فإذا استوثق بحيث يؤمن معه الإحراق، فيزول الحكم بزوال علته، وقد صرح النووي بذلك في القنديل مثلاً لأنه يؤمن معه الضرر الذي لا يؤمن مثله في السراج، اهـ. ٢٢/١٦٦٧ - (مالك عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان (المقبري) بضم الموحدة وفتحها (عن أبي شريح) بضم الشين المعجمة آخره حاء مهملة مصغراً الخزاعي ثم (الكعبي) نسبة إلى كعب بن عمرو، بطن من خزاعة، اسمه خويلد بن عمرو على الأشهر، وقيل غير ذلك، أسلم قبل الفتح، وكان معه لواء خزاعة يوم الفتح، توفي بالمدينة سنة ٦٨هـ. (أن رسول الله بَر قال) وفي رواية البخاري(١) عن الليث عن سعد عن أبي شريح: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي وَ لّ فقال: (من كان يؤمن بالله) إيماناً كاملاً، واليوم الآخر، قال الحافظ: المراد به الإيمان الكامل وخصه بالله (واليوم الآخر) إشارة إلى المبدأ والمعاد أي من آمن بالله الذي خلقه وآمن بأنه سيجازيه بعمله، فليفعل الخصال المذكورات. (١) أخرجه البخاري في الأدب (٦١٣٦) باب إكرام الضيف وخدمته، وأبو داود في الأطعمة (٣٧٤٨) باب ما جاء في الضيافة. ٣٦٣ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلقر (١٠) باب (١٦٦٧) حديث فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَضْمُتْ، وقال في موضع آخر: قال الطوفي: ظاهر الحديث انتفاء الإيمان عمن خالف ذلك، وليس مراداً، بل أريد به المبالغة كما يقول القائل: إن كنت ابني فأطعني تهيجاً له على الطاعة، لا أنه بانتفاء طاعته ينتفي أنه ابنه، اهـ. قال الزرقاني(١): وعبر بالمضارع ههنا وفيما بعده قصداً إلى استمرار الإيمان وتجدده بتجدد أمثاله، وهذا من خطاب التهيج كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ يعني أن ذلك من صفة المؤمن، وأن خلافه لا يليق بمن يؤمن بالله، ولو قيل: لا يحل لأحد لم يحصل هذا الغرض، اهـ. (فليقل خيراً) أي يتكلم بما يثاب عليه (أو ليصمت) بضم الميم أي يسكت عن الشر، وقد ضبطه غير واحد بضم الميم، وكأنه الرواية المشهورة، قال الطوفي: سمعناه بكسرها، وهو القياس، كذا في ((الزرقاني)). قال الحافظ (٢): هو بضم الميم، ويجوز كسرها، وهو من جوامع الكلم؛ لأن القول كله إما خير أو شر، وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال، فرضها، وندبها، فإذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شر، أو يؤول إليه، فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت، وأخرج الطبراني والبيهقي في ((الزهد)) من حديث أبي أمامة نحو حديث الباب بلفظ: ((فليقل خيراً ليغنم، أو ليسكت عن شر لیسلم)، اهـ. قال الباجي(٣): يريد أن هذا حكم من يؤمن بالله، وعلم أنه يجازى في الآخرة، ومما يلزمه أن يقول خيراً يؤجر عليه، أو يصمت عن شر يعاتب عليه، (١) (شرح الزرقاني)) (٣٠٢/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٤٤٦/١٠). (٣) ((المنتقى)) (٢١٢/٧). ٣٦٤ ٥٠ - كتاب صفة النبي 45* (١٠) باب (١٦٦٧) حديث وأما الصمت عن الخير، وذكر الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فليس بمأمور به، بل هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي كراهة، وإنما معناه أن يقول خيراً أو يسكت عن شر، ويحتمل أن يكون أو بمعنى الواو، فيكون المعنى يقول خيراً ويسكت عن شر، اهـ. قال الحافظ(١): وفي معنى الأمر بالصمت عدة أحاديث: منها في كتاب الإيمان)) للبخاري من حديث أبي موسى وعبد الله بن عمرو بن العاص: ((المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه))، وللطبراني عن ابن مسعود: قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ فذكر فيها ((أن يسلم المسلمون من لسانك)»، ولأحمد وصححه ابن حبان من حديث البراء رفعه في ذكر أنواع البر: «فإن لم تطق ذلك، فكف لسانك إلا من خير))، وللترمذي من حديث ابن عمر ((من صمت نجا))، وله من حديثه «كثرة الكلام بغير ذكر الله تُقسي القلب))، وله من حديث سفيان الثقفي ((قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تخاف عليّ؟ قال: هذا، وأشار إلى لسانه)). وللطبراني مثله من حديث الحارث بن هشام، وللترمذي من حديث عقبة بن عامر: «قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك)) وغير ذلك من الروايات في الباب. قال الزرقاني: قال القرطبي: أفاد حديث الباب أن قول الخير أفضل من الصمت لتقديمه عليه، وإنما أمر بالصمت عند عدم قول الخير، وقد أكثر الناس في تفصيل آفات الكلام، وهي أكثر من أن تدخل تحت حصر، وقد استقرأ المحاسبون لأنفسهم آفات اللسان، فزادت على العشرين، وأرشد هم إلى ذلك جملة، فقال: ((وهل يكُبُّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم))، (١) ((فتح الباري)) (٤٤٦/١٠). ٣٦٥ ٥٠ - كتاب صفة النبي (١٠) باب (١٦٦٧) حديث وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ. اهـ. قلت: وبسط الغزالي في ((الإحياء)) في آفات اللسان. (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر) أي يوم القيامة، وصف به لتأخره عن أيام الدنيا، ولأنه أخَّر الحساب إليه، أو لأنه لا ليل بعده، كذا في الزرقاني (فليكرم جاره) وفي رواية جبير عن أبي شريح عند مسلم («فليحسن إلى جاره)) ومآلهما واحد. قال الزرقاني(١): وفي رواية الشيخين من حديث أبي هريرة: ((فلا يؤذ جاره))، وقد أوصى الله عز وجل بالإحسان إليه في القرآن يعني في قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الآية. وقال ◌َله: ((ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه))، قال القرطبي: فمن كان مع هذا التأكيد الشديد مضرّاً لجاره، كاشفاً لعوراته، حريصاً على إنزال البوائق به، كان ذلك منه دليلاً على فساد اعتقاد، ونفاق. قال الحافظ(٢): واسم الجار يشمل: المسلم، والكافر، والعابد، والفاسق، والصديق، والعدو، والغريب، والبلدي، والنافع، والضار، والقريب، والأجنبي، والأقرب داراً، والأبعد، وله مراتب، بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها، ثم أكثرها، وهلم جراً إلى الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى، فيعطى كل حقه بحسب حاله. وقد تتعارض صفتان، فترجح أو تساوى، وقد حمله عبد الله بن عمرو أحد من روى الحديث على العموم، فأمر لما ذبحت له شاة أن يهدي منها لجاره اليهودي، أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) والترمذي وحسنه، وقد (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٣/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٤٤١/١٠). ٣٦٦ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ (١٠) باب (١٦٦٧) حديث وردت الإشارة إلى ما ذكرته في حديث مرفوع أخرجه الطبراني في حديث جابر، رفعه: ((الجيران ثلاثٌ: جارٌ له حق، وهو المشرك له الجوار، وجارٌ له حقان، وهو المسلم له حق الجوار، وحق الإسلام، وجارٌ له ثلاثة حقوق، وهو مسلم، له رحم، له حق الجوار والإسلام والرحم، ». والأمر بالإكرام يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية، وقد يكون مندوباً، وقد ورد تفسير الإكرام والإحسان للجار، وترك أذاه في عدة أحاديث، أخرجها الطبراني في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأبو الشيخ في كتاب ((التوبيخ)) من حديث معاذ بن جبل، قالوا: يا رسول الله ما حق الجار على الجار؟ قال: ((إن استقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عُدْتَه، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقر عدت إليه، وإن أصابه خير هنئته، وإن أصابته مصيبة عَزَّيتَه، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بريح قِدْرِك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، وإن لم تفعل فأدخلها سراً، ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده))، وألفاظهم متقاربة، والسياق أكثر لعمرو بن شعيب وفي حديث بهز بن حكيم: ((وإن أعوز سترته)) وأسانيدهم واهية، لكن اختلاف مخارجها يشعر بأن للحديث أصلاً، انتهى بزيادة من ((الفتح))(١). وذكر الزرقاني(٢) روايات هؤلاء مفصلة، وقال: قال ابن أبي جمرة: إكرام الجار من كمال الإيمان، والذي يشتمل جميع وجوه الإكرام إرادة الخير له، وموعظته بالحسنى، والدعاء له بالهداية، وترك الإضرار على اختلاف (١) انظر: ((فتح الباري)) (٤٤٦/١٠). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٤/٤). ٣٦٧ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َل قوله (١٠) باب (١٦٦٧) حديث وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمَ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ. أنواعه، إلا في موضع يجب الإضرار بالقول، أو الفعل، والذي يخص الصالح جميع ما تقدم، وغير الصالح كفه عما يرتكبه بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه، وإظهار محاسنه، والترغيب فيه برفق، والفاسق بما يليق به برفق، فإن أفاد وإلا هجره قاصداً تأدیبه مع إعلامه بالسبب، اهـ. واستنبط بالحديث إكرام الكاتبين الكرام، فإنهما أيضاً مجاوران للرجل، قال الزرقاني(١): إذا أمر بإكرام الجار مع الحائل بين الإنسان وبينه، فينبغي أن يرعى حق الحافظَيْن اللذين ليس بينه وبينهما جدار ولا حائل، فلا يؤذيهما بأنواع المخالفات في مرور الساعات، فقد ورد أنهما يَسُرَّان بالحسنات، ويحزنان بالسيئات، فينبغي إكرامهما ورعاية جانبهما بالإكثار من العمل الصالح والمواظبة على تجنب المعاصي، فهما أولى بالإكرام من كثير من الجيران، اهـ. (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) بطلاقة الوجه والإطعام والإتحاف، قال الباجي(٢): هذا من آداب الإسلام وشرائعه، والضيافة من سنن المرسلين، وأول من ضيَّفَ إبراهيم - عليه السلام -، وهي واجبة عند الليث بن سعد يوماً وليلةً، وخالفه في ذلك جميع الفقهاء على الإطلاق، ويدل على ذلك أنه وَّ وصف ذلك بالكرامة، فقال: ((فليكرم ضيفه)) ولم يقل: ((فليقضه حقه، والإكرام ليس بواجب. وقد يتعين وجوبها في مواضع للمجتاز الذي ليس عنده ما يبلغه، ويخاف الهلاك إن لم يضف، وتكون واجبة على أهل الذمة العامرين لأرض العنوة إن شرط ذلك عليهم، وقد روى عقبة بن عامر قلنا: يا رسول الله إنك تبعثنا، فنمر (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٤/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٢/٧). ٣٦٨ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَال (١٠) باب (١٦٦٧) حديث بقوم لا يقروننا، فقال رسول الله وَل18: ((إن أمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي))، فيحتمل أن يكون هذا في أول الإسلام لمن كان يجتاز غازياً على أهل عهد ممن لم يكن يقدر على استصحاب الزاد إلى رأس مغزاته، ويحتمل أن يكون ذلك بعد فتح خيبر وغيرها من بلاد العنوة، وإن كان شرط ذلك على أهلها . وأما أهل الحضر، فقال مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة، وقال سحنون: الضيافة على أهل القرى، وأما أهل الحضر فإن المسافر وجد فيه منزلاً، وهو الفندق، وأراد بذلك أنه لا يتعين على أهل الحضر تعينه على أهل القرى لمعانٍ: أحدها: أن ذلك يتكرر على أهل الحضر، فلو التزموا الضيافة لما خلوا منها، وأهل القرى يندر ذلك عندهم، فلا تلحقهم المشقة، والثاني : أن المسافر يجد في الحضر من المسكن والطعام، وغير ذلك، فلا تلحقه المشقة بدون الضيافة. وأما في القرى الصغار فلا يجد ما يحتاج إليه، فهو كالمضطر إلى من يضيفه، وحكم القرى الكبار التي توجد فيها الفنادق والمطاعم للشراب ويكثر ترداد الناس عليها حكم الحضر، وهذا فيمن لا يعرفه الإنسان، وأما من يعرفه معرفة مودة أو بينه وبينه قرابة، أو بينهما معنى يقتضي المواصلة، فحكمه في الحضر وغيره سواء، اهـ. قال القاري(١): الضيافة من محاسن الشريعة ومكارم الأخلاق، وأوجبها الليث ليلةً واحدة، لحديث عقبة، وعامة الفقهاء إلى أنّها من مكارم الأخلاق، وحجتهم قوله وَلقر: ((جائزته يوم وليلة))، والجائزة العطية والمنحة، فذلك لا يكون إلا مع الاختيار، وقوله: ((فليكرم)) يدل على هذا أيضاً، إذ لا يستعمل (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠١/٨). ٣٦٩ ٥٠ - كتاب صفة النبي (١٠) باب (١٦٦٧) حديث مثله في الواجب، وتأوّلوا الأحاديث بأنها كانت في أول الإسلام، واختلف أنها على الحاضر والبادي أم على البادي فقط؟ فذهب الشافعي ومن تبعه إلى أنها عليهما، وقال مالك ومن وافقه: إنما ذلك على أهل البادية؛ لأن المسافر يجد في الحضر المنازل وما يشترى في الأسواق، اهـ. وقال النووي(١): قد أجمع المسلمون على الضيافة، وأنها من متأكدات الإسلام، ثم قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والجمهور: هي سنة ليست بواجبة، وقال الليث وأحمد: هي واجبة يوماً وليلة، قال أحمد: هي واجبة على أهل البادية والقرى دون أهل المدن، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على الاستحباب، وتأكد حق الضيف كحديث ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم))، أي متأكد الاستحباب، وتأوّلها الخطابي وغيره على المضطر، اهـ. وصرح في ((المغني)) بالوجوب، وقال: قال أحمد: له أن يطالبهم بحقه ولا يأخذ شيئاً إلا بعلم أهله، وعنه رواية أخرى، له أن يأخذ ما يكفيه بغير إذنهم . قلت: وحديث عقبة أخرجه البخاري وغيره، وفي الباب روايات عديدة تدل على وجوب الضيافة مطلقاً، قال الحافظ(٢) في حديث عقبة: ظاهره أن قرى الضيف واجب، وأن المنزول عليه لو امتنع من الضيافة أخذت منه قهراً، وقال به الليث مطلقاً، وخصه أحمد بأهل البوادي دون القرى، وقال الجمهور: الضيافة سنة مؤكدة، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة: أحدها: حمله على المضطرين . (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٣٠/١٢/١١). (٢) ((فتح الباري)) (١٠٨/٥). ٣٧٠ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلية- (١٠) باب (١٦٦٧) حديث ثم اختلفوا: هل يلزم المضطر العوض أم لا؟ وأشار الترمذي إلى أنه محمول على من طلب الشراء محتاجاً، فامتنع صاحب الطعام، فله أن يأخذ منه كرهاً، قال: وروي ذلك في بعض الحديث مفسراً. ثانيها: أن ذلك كان في أول الإسلام، وكانت المواساة واجبة، فلما فتحت الفتوح نسخ ذلك، ويدل على نسخه حديث أبي شريح هذا، فإن الجائزة تفضل لا واجبة، وهذا ضعيف لاحتمال أن يراد بالتفضل يوم وليلة، لا أصل الضيافة، وفي حديث المقدام بن معديكرب مرفوعاً ((أيما رجل ضاف قوماً فأصبح الضيف محروماً، فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله)) أخرجه أبو داود(١)، وهو محمول على ما لم يظفر منه بشيء. ثالثها: أنه مخصوص بالعمال المبعوثين لقبض الصدقات من جهة الإمام، فكان على المبعوث إليهم إنزالهم في مقابلة عملهم الذي يتولونه، لأنه لا قيام لهم بذلك، حكاه الخطابي، وقال: وكان هذا في ذلك الزمان إذ لم يكن للمسلمين بيت مال، وأما اليوم فأرزاق العمال من بيت المال، قال: وإلى نحو هذا ذهب أبو يوسف في الضيافة على أهل نجران خاصة، قال: ويدل له قوله: (إنك بعثتنا)) وتعقب بأن في رواية الترمذي، ((إنا نمرُّ بقوم))، الحديث. رابعها: أنه خاص بأهل الذمة، وقد شرط ذلك عمر - رضي الله عنه - حين ضرب الجزية على نصارى الشام ضيافة من نزل بهم، وتعقب بأنه تخصيص يحتاج إلى دليل خاص، ولا حجة لذلك فيما صنعه عمر - رضي الله عنه - لأنه متأخر عن زمان سؤال عقبة، أشار إلى ذلك النووي. خامسها: تأويل المأخوذ، فحكى المازري عن أبي الحسن من المالكية أن المراد: أن لكم أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم، وتذكروا للناس عيبهم)) (١) ((سنن أبي داود)) (٣٧٥١) ٣٧١ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَالعقل (١٠) باب (١٦٦٧) حديث جَائِزَتُهُ وتعقبه المازري بأن الأخذ من العرض، وذكر العيب ندب في الشرع إلى تركه، لا إلى فعله، وأقوى الأجوبة الأول، انتهى ما في ((الفتح))(١). قال العيني(٢)، وذكر هذه الأجوبة أيضاً مختصراً: وقال الجمهور: الضيافة سنة وليست بواجبة، وقد كانت واجبة فنسخ وجوبها، قاله الطحاوي، واستدل على ذلك بحديث المقداد بن الأسود، قال: ((جئت أنا وصاحبٌ لي حتى كادت تذهب أسماعنا وأبصارنا من الجوع، فجعلنا نتعرض للناس فلم يضفنا أحد))، وفي رواية مسلم: ((فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ◌َر فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي وَلّر، فانطلق بنا إلى أهله))، الحديث بطوله، قال الطحاوي: أفلا يرى أصحاب رسول الله وَاليوم لم يضيفوهم، ولم يعنفهم رسول الله ير على ذلك، فدل ذلك على نسخ ما كان أوجب على الناس من الضيافة. ثم أخرج من حديث عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده أنه سمع النبي وَ﴾: ((لا يأخذ أحدكم مال أخيه لاعباً ولا جاداً)) أخرجه أبو داود (٣) والترمذي أيضاً، اهـ. قلت: أجاب النووي عن قوله: ((ليس أحد يقبلنا)) أنه محمول على أن الذين عرضوا أنفسهم عليهم كانوا مقلِين ليس عندهم شيء يواسون به، اهـ. (جائزته) بالجيم والزاي المعجمتين بالرفع، على المشهور، فقوله: يوم وليلة خبره، وقيل بالنصب، قال الحافظ: روي جائزته بالرفع على الابتداء، وهو واضح، وبالنصب على بدل الاشتمال، أي يكرمه جائزته يوماً وليلة، اهـ. ((فتح الباري)) (١٠٨/٥). (١). (٢) ((عمدة القاري)) (٢١٤/٩). (٣) ((سنن أبي داود)) (٥٠٠٣). ٣٧٢ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َل (١٠) باب (١٦٦٧) حديث يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وقال الزرقاني(١): روي بالرفع، وبالنصب على أنه مفعول ثان ليكرم، لأنه في معنى يعطي، أو بنزع الخافض، أي بجائزته، وهي يوم وليلة، أو بدل اشتمال، وفي رواية الليث: ((فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة))، اهـ. (يوم وليلة) بالرفع في جميع النسخ، وكذا في الروايات، لكن ذكره صاحب ((المحلى)) بلفظ (يوماً وليلة)). وقال: قال أبو عمر: الصواب ((يوم وليلة))، كما هو لابن وضاح، وهو المطابق لسائر الأصول، اهـ. ويظهر منه أنه منصوب في ((الموطأ)) فعلى الرفع خبر لقوله: ((جائزته)) على أنه مرفوع بالابتداء، قال صاحب ((المحلى)): إنها جملة مستأنفة بيان للأولى، كأنه قيل: كيف يكرمه؟ فأجيب: جائزته كذا، ولا بد من تقدير مضاف على تقدير الرفع، أي زمان جائزته يوم وليلة، كذا قال الطيبي، اهـ. وأما على نصب جائزته يكون يوم وليلة خبر مبتدأ محذوف، كما يشير إليه رواية الليث، وأما نصب يوماً وليلة، فهو على الظرفية، واختلفوا في معنى الحديث على أقوال: الأول: وهو المعروف عند عامة العلماء أن الجائزة العطية والتحفة، قال صاحب ((المحلى)): وفي ((النهاية)): الجائزة من أجازه بكذا، إذا أتحفه وألطفه، وفي ((القاموس)): الجائزة: العطية والتحفة، اهـ. وأخرج أبو داود عن أشهب سئل مالك عن قوله وَ لير: ((جائزته يوم وليلة)) قال: يكرمه ويتحفه ويحفظه يوماً وليلة، وثلاثة أيام ضيافة، قال الحافظ: قال الخطابي: معناه إذا نزل به الضيف أن يتحفه، ويزيده في البر على ما بحضرته يوماً وليلة، وفي اليومين الأخيرين يقدم له ما يحضره، فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقه، فما زاد عليها يكون صدقة. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٤/٤). ٣٧٣ ٥٠ - كتاب صفة النبي وال قتل (١٠) باب (١٦٦٧) حديث وقال النووي(١): قال العلماء: معناه الاهتمام به في اليوم والليلة، وإتحافه بما يمكن من بر وإلطاف، وأما في اليوم الثاني والثالث فيطعمه ما تيسر، ولا يزيد على عادته، وأما ما كان بعد الثالثة فهو صدقة، قلت: وبه فسره غير واحد من شراح الحديث، وهو المعروف. الثاني: ما في ((المحلى)) قد يفسر بأنه يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة، ويسمى الجيزة أيضاً، وهو قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل. وفي ((شرح السنة)): قد صح عن عبد الحميد عن أبي شريح مرفوعاً: ((الضيافة ثلاثة أيام، ويعطي ما يجوز به مسافة يوم وليلة))، كذا ذكره الطيبي، اهـ. وقال الحافظ(٢): اختلفوا هل الثلاث غير الأول أو يعد منها؟ فقال أبو عبيد: يتكلف له في اليوم الأول، وفي الثاني، والثالث يقدم له ما حضر، ولا يزيده على عادته، ثم يعطيه ما يجزيه مسافة يوم وليلة، وتسمى الجيزة، وهي قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل، وقد وقع في رواية عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري عن أبي شريح عند أحمد ومسلم بلفظ ((الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة))، وهذا يدل على المغايرة. ويؤيده ما قال أبو عبيد، وأجاب الطيبي بأنها جملة مستأنفة بيان للجملة الأولى، كأنه قيل: كيف يكرمه؟ قال: جائزته، ولا بد من تقدير مضاف، أي زمان جائزته أي بره وإلطافه يوم وليلة، فهذه الرواية محمولة على اليوم الأول، ورواية عبد الحميد على اليوم الآخر، فينبغي أن يحمل على هذا عملاً بالروایتین، اهـ. (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٣١/١٢/١١). (٢) ((فتح الباري)) (١٠/ ٥٣٣). ٣٧٤ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلعمل (١٠) باب (١٦٦٧) حديث وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. فَمَا كَانَ بَعْدَ ذُلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ . يعني يحمل على ما تقدم في كلام أبي عبيد من الإتحاف في اليوم الأول على تفسير مالك والطيبي وغيرهما، والجيزة في اليوم الآخر على رواية عبد الحميد، فيكون فيه عملاً على الروايتين معاً . والثالث: ما قال الحافظ(١): ويحتمل أن يكون المراد لقوله: جائزته، بياناً لحالة أخرى، وهي أن المسافر تارة يقيم عند من ينزل عليه، فهذا لا يزاد على الثلاث بتفاصيلها، وتارة لا يقيم، فهذا يعطي ما يجوز به قدر كفايته يوماً وليلة، ولعل هذا أعدل الوجه، اهـ. والرابع: ما ظهر لهذا العبد الضعيف من مجموع هذين القولين، أن النازل إن نزل بأحد قاصداً إياه، وجاءه زائراً له، فحقه أن يقيم ثلاثة أيام، وما زاد فهو صدقة، وإن كان قصده لموضع آخر، ونزل ههنا لكونه في الطريق مجتازاً به، فحقه أن يقيم يوماً وليلة للفرق بين القاصد وغيره، وهذا المعنى قريب من المعنى الثالث الذي قال الحافظ: هو أعدل الوجه. (والضيافة) كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية ((ضيافته)) بالإضافة (ثلاثة أيام) واختلفوا في أن الثلاث غير اليوم الأول أو يُعَدَّ الأول منهما، وهذا مبنيٌّ على الاختلاف في معنى الجائزة كما تقدم قريباً، ومال أبو عبيد إلى الأول والخطابي إلى الثاني، وبه جزم أحمد كما في ((المغني))، إذ قال: ولم يرد يوماً وليلة سوى الثلاثة لأنه يصير أربعة، اهـ. (فما كان بعد ذلك) الذي كان على المضيف (فهو صدقة) على الضيف، وفي التعبير بالصدقة تنفير عنه، لأن كثيراً من الناس، لا سيما الأغنياء يأنفون غالباً من أكل الصدقة، وكان ابن عمر - رضي الله عنه - إذا قدم مكة نزل على أصهاره، فيأتيه طعامه من عند دار خالد بن أسيد، فيأكل من طعامهم ثلاثة (١) ((فتح الباري)) (١٠/ ٥٣٣). ٣٧٥ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَاليهود (١٠) باب (١٦٦٧) حديث وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ)). أخرجه البخاريّ في: ٧٨ - كتاب الأدب، ٣١ - باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره. ومسلم في: ٣١ - كتاب اللقطة، ٣ - باب الضيافة ونحوها، حديث ١٤. أيام، ثم قال: ((احبسوا عنا صدقتكم))، ويقول لنافع: ((أنفق من عندك الآن)) أخرجه أبو عمر في ((التمهيد))، كذا في ((الزرقاني))(١). (ولا يحل له) أي للضيف (أن يثوي) بفتح التحتية وسكون المثلثة وكسر الواو، من الثواء بالمد والتخفيف: الإقامة بمكان معين (عنده حتى يحرجه) بضم التحتية وسكون الحاء المهملة وكسر الراء آخره جيم، أي يوقعه في الحرج، وهو الضيق، قال الباجي: يريد يضيق عليه، ويثقله من الحرج، وهو الضيق، ويحتمل أن يريد به حتى يؤثمه، وهو أن يضر به مقامه عنده، حتى يقول قولاً، أو يفعل فعلاً يأثم به، اهـ. ولفظ حديث مسلم(٢) عن عبد الحميد عن المقبري: ((ولا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه قالوا: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال: يقيم عنده، ولا شيء له يقريه به))، قال النووي: معناه لا يحل له أن يقيم عنده بعد الثلاث حتى يوقعه في الإثم؛ لأنه قد يغتابه لطول مقامه، أو يعرض له بما يؤذيه، أو يظن به ما لا يجوز. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ اُلََّنِّ إِذَّرْ﴾، وهذا كله محمول على ما إذا قام بعد الثلاث من غير استدعاء من المضيف، أما إذا استدعاه وطلب زيادة إقامته، أو علم أو ظن أنه لا يكره إقامته، فلا بأس بالزيادة؛ لأن النهي إنما كان لكونه يؤثمه، وقد زال هذا المعنى، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٤/٤) و((التمهيد)) (٣٥/٢١). (٢) ((صحيح مسلم)) (١٧٢٦). ٣٧٦ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ (١٠) باب (١٦٦٨) حديث ٢٣/١٦٦٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ قَالَ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمَّشِي بِطَرِيقٍ إِذ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِثْراً. فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ، وَخَرَجَ. فَإِذَا كَلْبٌ ٢٣/١٦٦٨ - (مالك عن سمي) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية (مولى أبي بكر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (عن أبي صالح السمّان) اسمه ذكوان (عن أبي هريرة) أخرجه البخاري بمواضع في ((صحيحه)) منها في ((باب سقي الماء)) (١) برواية عبد الله بن يوسف عن مالك (أن رسول الله ( 8ر قال: بينما) بالميم في جميع نسخ ((الموطأ))، وفي الرواية المذكورة للبخاري بدون الميم، بلفظ ((بينا)). قال العيني: أصله بين، أشبعت فتحة النون، فصار بينا، ويضاف إلى جملة، وهي ههنا ((رجل يمشي))، وفي رواية ((بينما))، وكلاهما في الحكم سواء، اهـ. (رجل) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (يمشي بطريق) وفي ((كتاب المظالم)) للبخاري ((بينما رجل بطريق))، وللدار قطني في ((الموطآت)) من طريق روح عن مالك ((يمشي بفلاة))، وله من طريق ابن وهب عن مالك ((يمشي بطريق مكة))، كذا في ((الفتح))(٢). (إذ اشتد) وفي رواية البخاري المذكور ((فاشتدّ)) (عليه العطش) كذا في جميع النسخ ، وكذا في البخاري، قال العيني: كذا في رواية الأكثرين، وكذا في ((الموطأ))، ووقع في رواية المستملي ((العطاش))، وهو داء يصيب الإنسان، فيشرب فلا يروى، قال ابن التين: الصواب العطف (فوجد بئراً) في الطريق، وترجم عليه البخاري في المظالم ((باب الآبار التي على الطريق إذا لم يتأذ بها». (فنزل فيها) أي في البئر (فشرب) منها (وخرج) من البئر (فإذا كلب) وفي (١) أخرجه البخاري في المساقاة (٢٣٦٣). (٢) ((فتح الباري)) (٤١/٥). ٣٧٧ ٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلو (١٠) باب (١٦٦٨) حدیث يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هُذَا الْكَلْبَ رواية ((فإذا هو بكلب)) (يلهث) قال صاحب ((المحلى)): بفتح الهاء وبالمثلثة، ويقال في ماضيه فتح الهاء وكسرها، والاسم اللهث واللهاث بضم اللام أي يخرج لسانه من شدة العطش، اهـ. وقال الزرقاني(١): أي يرتفع نفسه بين أضلاعه، أو يخرج لسانه من العطش، وقال الحافظ: اللهث بفتح الهاء: ارتفاع النفس من الإعياء، وقال ابن التين: لهث الكلب أخرج لسانه من العطش، وكذلك الطائر، ولهث الرجل إذا أعيا، ويقال: إذا بحث بيديه ورجليه، اهـ. وقال الباجي(٢): قال الله عز وجلّ: ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾(٣) الآية، واللهث: شدة تواتر النفس من التعب أو غيره، ويحتمل - والله أعلم - أن يكون هذا الكلب المذكور في الحديث هو الكلب المختص بهذا الاسم، وهو الأظهر، لأنه أكثر الحيوان لهثاً، ولذلك يلهث من غير سبب، وسائر الحيوان لا يلهث إلا لسبب، اهـ. (يأكل الثرى) بفتح المثلثة، والقصر: التراب الندي، قال الحافظ(٤): أي يكدم بفمه الأرض النديّة، وهي إما صفة، وإما حال، وليس بمفعول ثان الرأى، اهـ. كذا قال، وقال الزرقاني: ويجوز أن يأكل خبرٌ ثانٍ، اهـ. (من العطش) ((من)) أجلية أي بسبب العطش. (فقال الرجل) المذكور: (لقد بلغ هذا الكلب) بالرفع والنصب، كما في ((الزرقاني))، والأوجه عندي الثاني، قال الباجي: ذكره للسبب الموجب لإشفاقه (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٥/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٤/٧). (٣) سورة الأعراف: الآية ١٧٦. (٤) ((فتح الباري)) (٤١/٥). ٣٧٨ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَل (١٠) باب (١٦٦٨) حديث مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي. فَنَزَلَ الْبِثْرَ فَمَلَأَ خُقَّهُ. ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ. فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ عليه ورحمته له (من العطش) الشديد (مثل الذي بلغ مني) وفي رواية بلغ بي. قال الزرقاني: ضبطه الحافظ وغيره بالنصب، نعت لمصدر محذوف، أي بلغ مبلغاً مثل الذي بلغ مني، قال في ((المصابيح)): ولا يتعين لجواز أن المحذوف مفعول به، أي عطشاً وضبطه الحافظ الدمياطي وغيره بالرفع على أنه فاعل لبلغ، فهما روايتان، اهـ. وعلى رفعه يكون الكلب منصوباً، زاد ابن حبان من وجه آخر عن أبي صالح ((فرحمه)). (فنزل البئر) مرة أخرى (فملأ خفه) ماء، وفي رواية ابن حبان ((فنزع أحد خفيه)) (ثم أمسكه) أي أحد خفيه الذي فيه الماء (بفيه) وإنما احتاج إلى ذلك؛ لأنه كان يعالج بيديه ليصعد من البئر، وهو يشعر أن الصعود منها كان عسيراً (حتى رقي) بفتح الراء وكسر القاف كصعد وزناً ومعنىً، ومقتضى كلام ابن التين: أن الرواية بفتح القاف، فإنه قال: كذا وقع، وصوابه (رقي)) على وزن علم، ومعناه صعد، وأما رقى بفتح القاف، فمن الرقية، وليس هذا موضعه، وقال عياض في ((المشارق)): هي لغة طيٍّ، يفتحون العين فيما كان من الأفعال معتلّ العين، كذا في ((الفتح و((الزرقاني)). (فسقى الكلب) زاد عبد الله بن دينار عن أبي صالح حتى ((أرواه))، كما في ((الصحيحين))، أي جعله رياً (فشكر الله له) أي أثنى عليه أو قبل عمله، أو جازاه بفعله، وعلى الأخير، فالفاء في قوله: ((فغفر له)) تفسيرية، أو من عطف الخاص على العام، وقال القرطبي: معنى قوله: فشكر الله له، أي أظهر ما جازاه به عند ملائكته، كذا في ((الفتح)) (١). قال الباجي(٢): يحتمل أن يريد بذلك الثناء بفعله، ويحتمل أن يريد به (١) ((فتح الباري)) (٤١/٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٤/٧). ٣٧٩ ٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ (١٠) باب (١٦٦٨) حديث فَغَفَرَ لَهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِم لَأَجْراً؟ فَقَالَ: ((فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَظْبَةٍ أَجْرٌ)). أخرجه البخاريّ في: ٤٢ - كتاب الشرب والمساقاة، ٩ - باب فضل سقي الماء. ومسلم في: ٣٩ - كتاب السلام، ٤١ - باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، حديث ١٥٣. الجزاء له بالغفران، وقد تسمي العرب الجزاء شكراً (فغفر له) وفي رواية عبد الله بن دينار بدله، فأدخله الجنة، وكذا في رواية ابن حبان (قالوا) أي الصحابة، وسُمَِّ من هؤلاء السائلين سراقة بن مالك بن جعشم، رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان، كذا في ((الفتح)). وقال العيني(١): رواه ابن ماجه(٢) بسنده إلى سراقة، قال: سألت النبي وَل عن الضالة من الإبل تغشى حياضي، قد لطتُها لإبلي، فهل لي من أجر إن سقيتها؟ فقال: نعم، في كل ذات كبد حَرَّى(٣) أجرٌ (يا رسول الله وإن لنا) معطوف على شيء محذوف تقديره الأمر كما ذكرت، و((إن لنا)) كذا في ((الفتح)) ((والعيني)) وغيرهما (في البهائم) جمع بهيمة أي في سقيها (لأجراً) وثواباً (فقال رسول الله وَّر: في كل كبد) كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية ((في كل ذات كبد)). قال العيني: يجوز فيه ثلاثة أوجه: فتح الكاف وكسر الموحدة، وفتح الكاف وسكون الموحدة للتخفيف، كما قالوا في الفخذ فخذ، وكسر الكاف وسكون الموحدة، قال أبو حاتم: الكبد يذكر ويؤنث (رطبة) صفة لكبد، قال الحافظ: والمراد رطوبة الحياة، أو لأن الرطوبة لازمة للحياة، فهو كناية عنها (أجر). (١) ((عمدة القاري)) (٧٥/٩). (٢) ((سنن ابن ماجه)) (٣٦٨٦) باب فضل صدقة الماء. (٣) حرّى: قال في ((النهاية)): الحرَّى: فَعْلَىُ من الحرِّ، وهي تأنيث حرَّان، وهما للمبالغة، يريد أنها لشدة حرها قد عطشت ويبست من العطش، والمعنى: أن في سقي كل ذي كبد حرَّى أجراً، وقيل: أراد بالكبد الحرّى: حياة صاحبها؛ لأنه إنما تكون كبده حرّى إذا کان فيه حیاةٌ، يعنى: في سقي كل ذي روح من الحيوان. ٣٨٠