Indexed OCR Text

Pages 341-360

٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٠) باب
(١٦٦٤) حديث
الأحوال، فكان أحياناً يجوع إذا لم يواصل ليتأسّى به أصحابه، ولا سيما من
لم يجد شيئاً .
ولمسلم من حديث أنس: ((جئت رسول الله صل فوجدته جالساً مع
أصحابه يحدثهم، وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه، فقال: من
الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة، فأخبرته فدخل على أم سليم، فقال: هل من
شيء))، الحديث، فكأنه لما أخبره جاء فسمع صوته، ورآه، ولأحمد عن أنس:
((أن أبا طلحة رآه ﴿ ﴿ طاوياً))، ولمسلم عن أنس قال: ((رأى أبو طلحة
رسول الله ﴿ مضطجعاً ينقلب ظهراً لبطن))، ولأبي نعيم عن أنس: ((جاء أبو
طلحة إلى أم سليم فقال: أعندكِ شيء؟ فإني مررت على رسول الله وَله وهو
يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء، وقد ربط على بطنه حجراً من الجوع)»، اهـ.
قلت: ويؤيد ذلك ما في ((المشكاة)) (١) من حديث الشيخين عن جابر،
قال: ((إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاء النبي ◌ّ فقالوا:
هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر،
ولبثنا ثلاثة أيام، لا نذوق ذواقاً))، فذكر القصة بطولها، وفيها قوله الى: ((يا
أهل الخندق: إن جابراً صنع سوراً (٢) فَحَيَّ هلَّا بكم))، الحديث.
قال الباجي(٣): هذا يقتضي أن الأنبياء عليهم السلام قد تبتلى بالجوع
والألم ليعظم ثوابهم، وترفع درجاتهم بما زوي عنهم الدنيا ولحقهم فيها من
الجوع والشدة، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَّقْصٍ مِّنَ
اَلْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِ﴾ (٤) الآية، واستدلال أبي طلحة على ما بالنبي مَُّ من
(١) ((مشكاة المصابيح)) (٥٨٧٧) باب في المعجزات.
(٢) أي طعاماً.
(٣) ((المنتقى)) (٢٣٩/٧).
(٤) سورة البقرة: الآية ١٥٥.
٣٤١

٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٠) باب
(١٦٦٤) حديث
فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصاً مِنْ شَعِيرِ، ..
الجوع بضعف صوته يدل على صبره، وأنه لم يخبر بما يجده من ذلك أحداً،
وإن كان قد بلغ منه الجهد ما ضعف به صوته، اهـ.
(فهل) استفهامية (من عندك) بزيادة من في أوله في النسخ المصرية دون
الهندية (شيء) يأكله رسول الله وَالته .
قال الباجي(١): هذا يدل على قلة ما عند أبي طلحة من ذلك، ولو كان
عنده كثير لا احتاج أن يسألها هل عندها شيء أم لا؟ هذا على أنه كان أكثر
الأنصار مالاً ونخلاً، وهذا يقتضي أنها كانت سنة شدة، اهـ.
قلت: ويؤيد ذلك ما في ((الفتح)) (٢): عن أبي يعلى من طريق محمد بن
سيرين عن أنس ((أن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله وَ ل# طعام فذهب،
فأجر نفسه بصاع من شعير بعمل بقية يومه ذلك، ثم جاء به))، الحديث (فقالت)
أم سليم: (نعم فأخرجت أقراصاً من شعير) جمع قرص، بضم القاف وسكون
الراء، قطعة عجين مقطوع منه، قاله الزرقاني(٣).
وفي ((المحلى)): جمع قرص وهو الخبز من الشعير، قال الحافظ: وفي
رواية ابن سيرين عن أنس عند أحمد، قال: ((عمدت أم سليم إلى نصف مد من
شعير، فطحنته))، وعند البخاري من هذا الوجه ومن غيره عن أنس: ((أن أمه أم
سليم عمدت إلى مد من شعير جرشته، ثم عملته))، وفي رواية عبد الرحمن بن
أبي ليلى عن أنس عند أحمد ومسلم: ((أتى أبو طلحة بمد من شعير، فأمر به،
فصنع طعاماً)).
ولا منافاة بين ذلك لاحتمال أن تكون القصة تعددت، وأن بعض الرواة
(١) ((المنتقى)) (٢٣٩/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٨٨/٦).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٢٩٧).
٣٤٢

٥٠ - كتاب صفة النبي وَال
(١٠) باب
(١٦٦٤) حديث
ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَاراً لَهَا. فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ. ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي.
وَرَدَّتْنِي
حفظ ما لم يحفظ الآخر، ويمكن الجمع بأن يكون الشعير في الأصل كان
صاعاً، فأفردت بعضه لعيالهم وبعضه للنبي ◌ّ، ويدل على التعدد ما بين
العصيدة والخبز المفتت الملتوت بالسمن من المغايرة، وقد وقع لأم سليم في
شيء صنعته للنبي 18ّ لما تزوج زينب بنت جحش قريب من هذه القصة من
تكثير الطعام وإدخال عشرة عشرة، كما في الوليمة من ((كتاب النكاح))
للبخاري، ووقع عند أحمد في رواية ابن سيرين عن أنس ((عمدت أم سليم إلى
نصف مد من شعير فطحنته، ثم عمدت إلى عُكَّةٍ فيها شيء من سمن، فاتخذت
منه خطيفة))، الحديث، والخطيفة هي العصيدة، وزناً ومعنى، اهـ.
قال الزرقاني: أما اختلاف الروايات في أنه أقراص أو كِسَرٌ من خبز،
فيجمع بأنها كانت أقراصاً مكسرة، وقوله: ((اعجنيه وأصلحيه)) يحمل على تليينه
بنحو ماء أو سمن ليسهل تناوله، كأنه كان يابساً كما هو شأن الكسر غالباً (ثم
أخذت) أم سليم (خماراً لها) بكسر الخاء المعجمة (فلفَّتْ) بتشديد الفاء الثانية
(الخبز ببعضه) أي ببعض الخمار (ثم دسَّتْه) بتشديد السين المهملة، أي أدخلته
بقوة، دسّه يدسّه دساً إذا أدخله في الشيء بقوة وقهر، كذا في ((المحلى)) (تحت
يدي) بكسر الدال أي إبطي (وردّتني) بتشديد الدال على ما ضبطه الزرقاني،
وتخفيفها على ما ضبطه صاحب ((المحلى))، والصواب الأول، قال صاحب
((مختار الصحاح)): الرداء الذي يلبس، وتردّى وارتدى لبس الرداء، وردّاه غيره
تردية، اهـ.
وفي ((المجمع)): دسَّته تحت ثوبي وردتني بعضه من التردية أي جعلته
رداء لي، والرداء بكسر الراء ما يستر أعالي البدن فقط، اهـ.
وفي رواية عبد الله بن يوسف عن مالك عند البخاري ((ثم دسته تحت
يدي ولائتني ببعضه)) بثاء مثلثة أي لَفَّتني، قال صاحب ((المحلى)): لاثتني أي
رأسي، اهـ.
٣٤٣

٥٠ - كتاب صفة النبي وَليق
(١٠) باب
(١٦٦٤) حديث
بِبَعْضِهِ. ثُمَّ أَرْسَلَْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ. فَوَجَدْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ جَالِساً فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ. فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟)) قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ:
(لِلطَّعَامِ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهْ لِمَنْ مَعَهُ: ((قُومُوا)) ...
قلت: الظاهر لف بدني لرواية رَدَّتْني (ببعضه) أي بعض الخمار (ثم
أرسلتني) بالخبز (إلى رسول الله وَ ل﴿ قال) أنس: (فذهبت به) أي بالخبز إليه وَاله
(فوجدت رسول الله وَّ﴿ جالساً في المسجد) أي في الموضع الذي أُعِدَّ للصلاة
عند غزوة الخندق (ومعه) وَ الر (الناس) أي نفر من الصحابة.
(فقمت عليهم) ساكتا (فقال رسول الله ◌َله: آرسلك) بهمزة ممدودة
للاستفهام على ما ضبطه الزرقاني(١)، وبهمزتين المقصورتين في النسخ الهندية،
فالأولى استفهامية، وبهمزة واحدة مقصورة في بعض النسخ المصرية، فيكون
همزة الاستفهام محذوفة (أبو طلحة قال) أنس: (فقلت: نعم، قال: للطعام)
باللام في جميع النسخ المصرية، وعليه بنى الزرقاني ((شرحه)) إذ قال: أي
لأجله، وفي النسخ الهندية ((بطعام)) بالموحدة، وكذا في ((البخاري)) براية
عبد الله بن يوسف عن مالك (فقلت: نعم، فقال رسول الله وَّل لمن معه) وهم
كانوا سبعين أو ثمانين كما في آخر الحديث.
(قوموا) إلى بيت أبي طلحة، قال الحافظ(٢): ظاهره أن النبي وَلّ فهم أن
أبا طلحة استدعاه إلى منزله، فلذلك قال لمن عنده: قوموا، وأول الكلام
يقتضي أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس، فيجمع بأنهما أرادا بإرسال
الخبز مع أنس أن يأخذه النبي ◌َّ، فيأكله، فلما وصل أنس، ورأى كثرة الناس
حوله ول# استحيى، وظهر له أن يدعو النبي وَل ليقوم معه وحده إلى المنزل،
(١) ((شرح الزقاني)) (٤/ ٢٩٧).
(٢) (فتح الباري)) (٥٨٩/٦).
٣٤٤

٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٠) باب
(١٦٦٤) حديث
فيحصل مقصودهم من إطعامه، ويحتمل أن يكون ذلك عن رأي من أرسله،
عهد إليه إذا رأى كثرة الناس أن يستدعي النبي وَ ل﴿ وحده خشية أن لا يكفيهم
ذلك الشيء، وقد عرفوا إيثار النبي وَّر، وأنه لا يأكل وحده.
قال الحافظ: وقد وجدت أن أكثر الروايات تقتضي أن أبا طلحة استدعى
النبي ◌َّ﴾ في هذه الواقعة، ففي رواية سعد عن أنس: ((بعثني أبو طلحة إلى
النبي ◌َ﴿ الأدعُوَه، وقد جعل له طعاماً))، وفي رواية ابن أبي ليلى عن أنس:
((أمر أبو طلحة أم سليم أن تصنع للنبي وَّ لنفسه خاصة، ثم أرسلتني إليه))،
وفي رواية يعقوب عن أنس: ((فدخل أبو طلحة على أمي، فقال: هل من
شيء؟ فقالت: نعم، عندي كِسَرٌ من خبز، فإن جاءنا رسول الله وَال وحده
أشبعناه، وإن جاء أحد معه قَلَّ عنهم)) وجميع ذلك عند مسلم.
وفي رواية مبارك بن فضالة عن بكر وثابت عن أنس عند أحمد: ((أن أبا
طلحة قال: اعجنيه وأصلحيه، عسى أن ندعو رسول الله (چ فيأكل عندنا،
ففعلت، فقالت: أدع رسول الله ( س98))، وفي رواية يعقوب عن أنس عند أبي
نعيم، وأصله عند مسلم: ((فقال لي أبو طلحة: يا أنس اذهب، فقم قريباً من
رسول الله وَلّ، فإذا قام، فدعه حتى يتفرق أصحابه، ثم اتبعه حتى إذا قام على
عتبة بابه، فقل له: إن أبي يدعوك))، وفي رواية عمرو عن أنس عند أبي يعلى
قال لي أبو طلحة: ((اذهب فادع رسول الله (وَلآت)).
وعند البخاري في ((الأطعمة)) من رواية ابن سيرين عن أنس: ((ثم بعثني
إلى رسول الله ﴿ ﴿، فأتيته، وهو في أصحابه، فدعوته))، وعند أحمد من رواية
النضر عن أنس: ((قالت لي أم سليم: اذهب إلى رسول الله وَل﴿، فقل له: إن
رأيت أن تَغَدَّى عندنا فافعل))، وفي رواية عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن
أنس عند البغوي: ((فقال أبو طلحة: اذهب يا بُنيّ إلى النبي ◌َّ فادعه، قال:
فجئته فقلت له: إن أبي يدعوك))، وفي رواية محمد بن كعب: ((فقال: يا بني
اذهب إلى رسول الله ◌َ﴿ فادع، ولا تدع معه غيره ولا تفضحني))، اهـ.
٣٤٥

٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٠) باب
(١٦٦٤) حديث
قَالَ فَانْطَلَقَ. وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ ....
وكذا حكى الزرقاني(١) كلام الحافظ، وعزا رواية محمد بن كعب إلى
أبي نعيم.
ثم قال: قاله الحافظ، ولم يتنزل للجمع بين هذه الروايات العشر، وبين
مقتضى أول حديث الباب لسهولته، وهو أنه أرسله يدعوه وحده، وأرسل معه
الخبز أيضاً، فإن جاء قدموه له، وإن شق عليه المجيء لمحاصرة الأحزاب
أعطاه الخبز سراً، اهـ.
ولم يرتض القاري في ((المرقاة)) (٢) عن أول كلام الحافظ، بل مال إلى
أنه سي فعل ذلك عمداً إظهاراً لمعجزة تكثير الطعام، وأتى بيت أبي طلحة
ليحصل بهم بركة عظيمة بحسن نيتهم، اهـ.
(قال) أنس: (فانطلق) مَ ر هو ومن معه، وفي رواية محمد بن كعب:
((فقال للقوم: انطلقوا فانطلقوا وهم ثمانون رجلاً))، كذا في ((الفتح)) (وانطلقت
بين أيديهم) وفي رواية يعقوب عن أنس المذكورة: ((فلما قلت له: إن أبي
يدعوك، قال لأصحابه: تعالوا، ثم أخذ بيدي فشدّها، ثم أقبل بأصحابه حتى
إذا دنوا أرسل يدي، فدخلت وأنا حزين لكثرة من جاء معه)) (حتى جئت أبا
طلحة فأخبرته) بمجيئهم جماعة، وفي رواية النضر بن أنس عن أبيه: ((فدخلت
على أم سليم وأنا مندهش))، وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى: ((أن أبا
طلحة قال: يا أنس فضحتنا))، وللطبراني في ((الأوسط)): ((فجعل يرميني
بالحجارة))، كذا في ((الفتح)).
قال الباجي(٣): لما رأى رسول الله وَلخير قيام أنس عليهم على تلك
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٨/٤).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٥/١١).
(٣) ((المنتقى)) (٢٣٩/٧).
٣٤٦

٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٠) باب
(١٦٦٤) حديث
الحال، توهم ما أتى به فسأل عنه تحققاً له، فلما أخبره به، قال لمن معه من
الناس: قوموا، وإن كان قد علم أن ما يحمله أنس تحت يده من الخبز لا
يكفي العدد اليسير منهم مع المجاعة وشدة الحال، فكيف بأن يفصل عن
جميعهم، ولا يمكن أن ينتقل عن المعلوم المعتاد في ذلك إلا بوحي يعلم به
أنه سيكفي ذلك اليسير جميعهم، ولو جرى فيه على المعهود، وقسمه بينهم لما
أصاب كل واحد منهم إلا قدر يسير، لا يكاد ينتفع به إلا المنفعة اليسيرة التي
لا تذهب جوعاً، ولا ترتجع قوَّةً، وقد روى هذا الحديث عمرو بن يحيى عن
أبيه عن أنس قال أبو طلحة: ((يا رسول الله إنما كان شيء يسير، قال: نعلمه،
فإن الله سیجعل فيه بركة)).
وإنما ساغ لرسول الله و ﴿ أن يحمل القوم إلى طعام أبي طلحة، وإن كان
لم يأذن له في ذلك، وقد دعاه أبو شعيب خامس خمسة لطعام، فتبعهم رجل،
فقال النبي ◌ّيقول: ((إن هذا تبعنا، فإن شئت أذنت له، وإن شئت تركته))، وقال
بعض الناس: إن النبي ◌َّيّ فعل ذلك في قصة أبي طلحة لما علم من أبي طلحة
أنه يسرّه ذلك، وهذا وإن كان محتملاً، فغيره أظهر منه؛ لأنه إن كان علم أن
أبا طلحة يسرّه أن يحمل إليه سبعين أو ثمانين، فقد كان أبو شعيب من أهل
الدين والفضل، وكان يعلم منه أنه يسرّه زيادة واحد، كما فعل إذ أذن له، لكنه
جرى في ذلك على ما سَنَّه لأمته بعده، لما كانت حاله تشاركهم فيها .
وأما قصة أبي طلحة فتحتمل وجهين: أحدهما: أن البركة في الطعام لم
تكن من قبل أبي طلحة، وإنما كانت من عند الله تبارك وتعالى، وإنما
أجرى اللَّهُ تعالى على يد رسول الله وسلّ البركة، فكان أحق الناس بها، وما
كان لأبي طلحة فيها إلا أن يختص بذلك بمنزله لما كان سببها، وهذه بركة
خصّ بها، يعلم أن كل مؤمن يرغب فيها ويحرص عليها، وقد دعا أهل
خندق، وهم ألف في رواية سعيد بن جبير عن جابر إلى صاع شعير وبُهْمَةٍ
صنعها جابر.
٣٤٧

٥٠ - كتاب صفة النبي ولقد
(١٠) باب
(١٦٦٤) حديث
فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمِ. قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِالنَّاسِ.
وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نُظَعِمُهُمْ. فَقَالَتِ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
وقال له: تعال أنت ونفر معك، وأعْلَمه بقدر ما صنع، ولم يستأذن في
ذلك جابراً، لما كان الذي يكفي أهل الخندق ليس من عند جابر، وإنما هي
بركة تفضل الله بها على رسول الله وَ الر، وخص بها منزل جابر، لما كان سببها
من عنده .
ويحتمل أن تكون قصة أبي طلحة أن الأقراص التي دعا إليها رسول الله
المؤمنين، قد كانت أهديت له، وملكها بالقبول، فإنما دعا النبي وَل ◌ّ أصحابه
إلى طعام قد ملكه لا يحتاج فيه إلى إذن أبي طلحة، على أنه قد روى سفيان بن
أبي ربيعة عن أنس بن مالك: أن أم سليم جَشَّتْ مدين من شعير، وجعلت منه
قطيفة، وعصرت عليه عُكَّةً، ثم بعثتني إلى النبي ◌َِّ، فدعوته، قال: ومن
معي، فجئت، فقلت: إنه يقول: ومن معي، فخرج أبو طلحة، فقال: يا
رسول الله إنما هو شيء صنعته أم سليم، اهـ.
وترجم في ((صحيح مسلم)) ((باب ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه
صاحب الطعام، واستحباب إذن صاحب الطعام للتابع))(١)، وذكر فيه حديث
أبي شعيب، ثم ترجم ((باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك
ويتحققه تحققاً تاماً))(٢)، وذكر فيه حديث أبي طلحة وجابر وغيرهما (فقال أبو
طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله (وَ ل # بالناس) الثمانين (وليس عندنا من
الطعام ما نطعمهم) بضم النون أي قدر ما يكفيهم، أشفق أبو طلحة من قلة
طعامه، مع كثرة الناس، وكان يشق عليهم أن يقِلَّ طعامهم عند الأضياف
(فقالت أم سليم: الله ورسوله أعلم) كأنها عرفت أنه سير فعل ذلك عمداً، ليظهر
(١) ((الصحيح لمسلم مع شرح النووي)) (٢٠٨/١٣/٧).
(٢) (٢١٠/١٣/٧).
٣٤٨

٥٠ - كتاب صفة النبي وَل
(١٠) باب
(١٦٦٤) حديث
قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ، حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ وَ. فَأَقْبَلَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
((هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْم. مَا عِنْدَكِ؟))
الكرامة في تكثير الطعام، ودل ذلك على فطنة أم سليم ورجحان عقلها كذا في
((الفتح) (١).
(قال) أنس: (فانطلق أبو طلحة) من البيت (حتى لقي رسول الله وَليا) وفي
رواية مبارك بن فضالة: ((فاستقبله أبو طلحة، فقال: يا رسول الله ما عندنا إلا
قرص عملته أم سليم))، وفي رواية سعد بن سعيد: ((فقال أبو طلحة: إنما
صنعت لك شيئاً))، وفي رواية عمرو بن عبد الله: فقال أبو طلحة: إنما هو
قرص، فقال: إن الله سيبارك فيه))، ونحوه في رواية عمرو بن يحيى المازني،
وفي رواية يعقوب: ((فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما أرسلت أنساً يدعوك
وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى، فقال: ادخل، فإن الله سيبارك فيما
عندك))، كذا في ((الفتح)).
(فأقبل رسول الله وي ليه وأبو طلحة معه حتى دخلا) المنزل، وقعد الذين معه
من الصحابة خارج المنزل، قال الحافظ: ظاهره أنه * * دخل منزل أبي طلحة
وحده، وصرح بذلك في رواية ابن أبي ليلى بلفظ: ((فلما انتهى رسول الله وَاخيه
إلى الباب، فقال لهم: اقعدوا، ودخل)) (فقال رسول الله وَلاير: هلمي) بإثبات
الياء في جميع النسخ على لغة أهل نجد، فإنهم يصرفونها، كما في ((المحلى))،
قال الزرقاني: بالياء على لغة تميم، وفي رواية هلم بدون الياء، قال الحافظ:
هي لغة حجازية ((هَلُمَّ)) عندهم لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع، ومنه قوله تعالى:
﴿وَالْقَيِلِينَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنًا﴾، قال صاحب ((المحلى)): يقال: إنها مركبة من هاء
التنبيه، ولُمَّ، بضم اللام وتشديد الميم، أي احضري (يا أم سليم ما عندك)
(١) ((فتح الباري)) (٥٩٠/٦).
٣٤٩

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َله
(١٠) باب
(١٦٦٤) حديث
فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ. فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ وَ لهَ فَفُتَّ. وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ
سُلَيْمِ عُكَّةً لَهَا، فَآدَمَتْهُ.
قال الباجي(١): يحتمل أن يريد به الأقراص التي دعا بها أنس، ويحتمل
أن يريد ما عندها من إدام تأدمه به إلا أن قول أنس: ((فأتت بذلك الخبز))
ظاهره أن السؤال كان عنه (فأتت) أم سليم (بذلك الخبز) الذي كان أرسلته مع
أنس، فلعل أنساً لما أخبرها الخبر أخذته منه، أو كان مع أنس، لكنه وَل
خاطبها، لتعمل فيها ما يأمر به وَله .
(فأمر به) أي بالخبز (رسول الله وَل ففت) بضم الفاء وشد المثناة الفوقية،
أي كسر، قال القاري: بصيغة المجهول الماضي، أي جعل فتيتاً أي قطعاً
صغاراً، قال شارح: أو هو أمر مخاطب، ولعل تقديره فأمر به، وقال: ففت،
اهـ. والظاهر الأول، قال الباجي: يحتمل أمر به وَلهل يقصد بذلك بركة الثريد
وأنه أبرك من غيره، اهـ.
(وعصرت عليه أم سليم عكة لها) بضم العين المهملة وتشديد الكاف:
إناء من جلد مستدير يجعل فيه السمن غالباً والعسل (فآدمته) بمد الهمزة في
النسخ الهندية وبعض المصرية، وفي بعضها بقصر الهمزة أي جعلت ما خرج
من العكة إداماً له.
وقال النووي(٢): أدمته بالمد والقصر لغتان: أدمته آدمته جعلت فيه إداماً،
ولأحمد عن أنس: ((فقال ◌َله: هل من سمن؟ فقال أبو طلحة: قد كان في
العكة شيء، فجاء بها فجعلا يعصرانها حتى خرج))، فيحتمل أنها عصرتها لما
أتت بها، ثم أخذها منها وعصرها استفراغاً لما بقي فيها، أو أنهما ابتدآ
عصرها، ثم حاولت بعد عصرهما إخراج شيء منها، فلا مخالفة بينه وبين
(١) ((المنتقى)) (٢٤٠/٧).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢١٩/١٣/٧).
٣٥٠

٥٠ - كتاب صفة النبي وَل
(١٠) باب
(١٦٦٤) حديث
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ لِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ. ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ
بِالدُّخُولِ))
قوله: ((عصرت أم سليم))، أو اقتصر ههنا على أنها التي عصرت لابتدائها
بالعصر، وساعدها زوجها، قاله الزرقاني(١).
(ثم قال رسول الله وَليقول ما شاء الله أن يقول) ولمسلم من رواية سعد عن أنس:
((فمسحها ودعا فيها بالبركة))، ولأحمد عن النضر بن أنس عن أبيه: ((فجئت بها))
أي بالعكة ((ففتح رباطها، ثم قال: بسم الله اللَّهم أعظم فيها البركة))، قال الحافظ:
وعرف بهذا المراد بقوله: ((وقال فيها ما شاء الله أن يقول))، وفي رواية مبارك بن
فضالة: ((فقال: هل من سمن؟ فقال أبو طلحة: قد كان في العكة سمنٌ. فجاء بها
فجعلا يعصرانها حتى خرج، ثم مسح رسول الله وَّلربه سبابته، ثم مسح القرص
فانتفخ، وقال: ((بسم الله))، فلم يزل يصنع ذلك، والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص
في الجفنة يَتَمَيَّعُ))، اهـ. قال صاحب ((المحلى)): أي يسيل، وفي ((مختار
الصحاح)): ماع السمن جرى على وجه الأرض، ويتميع مثله، اهـ.
(ثم قال) رسول الله وَله: (ائذن لعشرة بالدخول) وليس في النسخ الهندية
لفظ ((بالدخول))، قال النووي: إنما أذن لعشرة عشرة ليكون أرفق بهم، فإن
القصعة التي فت فيها الخبز لا يتحلق عليها أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقهم،
لبعدها عنهم، زاد القاري(٢): وقيل: وإنما لم يأذن للكل مرة واحدة؛ لأن
الجمع الكثير إذا نظروا إلى طعام قليل يزداد حرصهم إلى الأكل، ويظنون أن
ذلك الطعام لا يشبعهم، والحرص يمحق البركة، ويمكن أن يكون بناء على أن
الجمع الكثير إذا أبصروا الطعام القليل لآثر بعضُهم بعضاً على أنفسهم،
واستحيوا من الأكل الكثير، واستقلّوا في أكلهم، ولم يحصل لهم مرادهم من
القوة في الشجاعة، وقيل: لضيق المنزل، اهـ.
.٠
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٩/٤).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٦/١١).
٣٥١

٥٠ - كتاب صفة النبي وليد
(١٠) باب
(١٦٦٤) حديث
فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا. ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ))
فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكُلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا. ثُمَّ قَالَ ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ))
فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأكَلُوا حَتَّى شَبِعُوْا، ثُمَّ خَرَجُوْا. ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ))
فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأْكَلوا حَتَّى شَبِعُوْا، ثُمَّ خَرَجُوْا. ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ))
حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا .
قال الحافظ: سئلت في مجلس الإملاء عن حكمة تبعيضهم، فقلت:
يحتمل أنه عرف قلة الطعام، وأنه في صحفة واحدة فلا يتصور أن يتحلقها ذلك
العدد الكثير، فقيل: لم لا أدخل الكل وينظر من لم يسعه التحلق، وكان أبلغ
في اشتراك الجميع في الاطلاع على المعجزة بخلاف التبعيض، فإنه يطرقه
احتمال تكرر وضع الطعام لصغر الصحفة، فقلت: يحتمل أن ذلك لضيق
البيت، كذا في ((الزرقاني)).
(فأذن لهم) أي للعشرة فدخلوا (فأكلوا حتى شبعوا) قال الحافظ(١): وفي
رواية مبارك بن فضالة: «فوضع يده وسط القرص، وقال: كلوا وبسم الله،
فأكلوا من حوالي القصعة حتى شبعوا)) وفي رواية بكر بن عبد الله: ((فقال لهم:
كلوا من بين أصابعي»، اهـ. (ثم خرجوا) بعد الفراغ (ثم قال) وَلقول: (ائذن
لعشرة) ثانية (فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا)، وفي رواية عبد الرحمن بن
أبي ليلى: ((ثم قال لهم: قوموا وليدخل عشرة مكانكم)) (ثم قال: ائذن لعشرة)
ثالثة (فأذن لهم) فدخلوا (فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة)
رابعة (فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة) خامسة،
هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية بذكر العشرة الخامسة نصاً، وليس في
نسخة الزرقاني ذكر العشرة الخامسة، فلعله سقط من الكاتب، فما زال يدخلهم
عشرة عشرة (حتى أكل القوم كلهم وشبعوا).
(١) ((فتح الباري)) (٦/ ٥٩٠).
٣٥٢
.

٥٠ - كتاب صفة النبي (وَلـ
(١٠) باب
(١٦٦٤) حديث
وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلاً، أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلاً .
أخرجه البخاريّ في: ٧٠ - كتاب الأطعمة، ٦ - باب من أكل حتى شبع.
ومسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة، ٢٠ - باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق
برضاه، حديث ١٤٢.
قال الحافظ(١): وفي رواية يعقوب عند مسلم ((أدخل علي ثمانية، فما
زال حتى دخل عليه ثمانون رجلاً، ثم دعاني ودعا أمي وأبا طلحة، فأكلنا حتى
شبعنا))، وهذا يدل على تعدد القصة، فإن أكثر الروايات فيها أنه أدخلهم عشرة
عشرة سوى هذه، فقال: إنهم أدخلهم ثمانية ثمانية، اهـ. قال الزرقاني: هذا
أيضاً يدل على تعدد القصة، (والقوم سبعون رجلاً أو ثمانون رجلاً) بالشك في
((الموطأ))، هكذا بالشك في البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك.
وفي رواية مسلم وأحمد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أنس ((حتى
فعل ذلك بثمانين رجلاً)) بالجزم، وزاد (ثم أكل وَله وأهل البيت وتركوا سؤراً))
أي فضلاً، وفي رواية لأحمد «كانوا نيفاً وثمانين، ثم قال: وأفضل لأهل
البيت ما يشبعهم))، ولا منافاة لاحتمال أنه ألغى الكسر، وفي رواية لمسلم
((وأفضل ما بلغوا جيرانهم))، وفي أخرى له: ((وفضلت فضلة، فأهدينا
لجيراننا))، ولأبي نعيم ((حتى أهدت أم سليم لجيرانها))، وفي رواية للبخاري
عن ابن سيرين عن أنس ((أن أمه عمدت إلى مد شعير جَشَّته، وجعلت منه
خطيفة))(٢)، الحديث.
وفيه ((وقال: أدخل عليّ عشرة عشرة حتى عدَّ أربعين، ثم أكل ثم قام،
فجعلت أنظر هل نقص منها شيء))، ولأحمد ((حتى أكل منها أربعون رجلاً
وبقيت كما هي))، قال الحافظ: وهذا أيضاً يدل على تعدد القصة، وأن القصة
التي رواها ابن سيرين غير القصة التي رواها غيره.
(١) ((فتح الباري)) (٥٩٠/٦).
(٢) الخطيفة: لبنٌ يُزرُّ عليه دقيقٌ ويُطبخ فيُلسقُ ويُختطف بالملاعق.
٣٥٣

٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ
(١٠) باب
(١٦٦٥) حديث
٢٠/١٦٦٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَل﴿ قَالَ: ((طَعَامُ الاثْنَيْنِ
كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ
قال الزرقاني(١): حاصله أنه تعدد مرتين، مرة سألها فوجد الخبز، ففعل
ما ذكر في حديث الباب، وكانوا ثمانين، وأدخلهم عشرة عشرة، ومرة لم
يسألها، بل آجر نفسه بصاع وأتى به إليها، وقال: اعجنيه وأصلحيه، فجعلته
عصيدة، ودعاه، فجاء ومعه أربعون، وأدخلهم ثمانية ثمانية، وبهذا تتضح
الروايات.
لكن يُعَكِّرُ عليه أن رواية يعقوب التي قال فيها: «أدخِلْهم ثمانية ثمانية)»
ففيها أنهم ثمانون إلا أن تكون شاذة، والمحفوظ رواية ابن سيرين أنهم
أربعون، لكن فيها أدخل عشرة عشرة، اهـ.
وتعقبه القاري في ((المرقاة))(٢) وقال: القضية متحدة، والجمع بأن الجمع
الأول كانوا أربعين، ثم لحقهم أربعون أخرى ممن كانوا وراءهم، أو وقع
منه ◌َ ﴾ دعاؤهم، اهـ.
قلت: والظاهر التعدد، ولا فاقة إلى التأويل البعيد في الروايات الكثيرة،
فإن مثل هذه المعجزات كانت كثيرة الوقوع منه وي ليه، فلو حملت الروايات على
الأكثر من مرتين أيضاً فلا بعد فيه.
٢٠/١٦٦٥ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج)
عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه - وهكذا أخرجه البخاري
برواية عبد الله بن يوسف وإسماعيل عن مالك بسنده ومتنه (أن رسول الله وَ ل
قال: طعام الاثنين) المشبع لهما (كافي الثلاثة) لقوتهم (وطعام الثلاثة) المشبع
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٩/٤).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٦/١١).
٣٥٤

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َّ -
(١٠) باب
(١٦٦٥) حديث
كَافِي الأَرْبَعَةِ)).
أخرجه البخاريّ في: ٧٠ - كتاب الأطعمة، ١١ - باب طعام الواحد يكفي
الاثنين. ومسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة، ٣٣ - باب فضيلة المواساة في الطعام
القليل، حديث ١٧٨.
لهم (كافي الأربعة) بالطريق الأولى، وفي مسلم عن عائشة مرفوعاً ((طعام
الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي
الثمانية))، وفي ابن ماجه من حديث عمر - رضي الله عنه - ((طعام الواحد يكفي
الاثنين، وأن طعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة))، الحديث.
قال المهلب: المراد بهذه الأحاديث الحض على المكارم والتقنع
بالكفاية، يعني وليس المراد الحصر في مقدار الكفاية، وإنما المراد المواساة،
وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما ورابع أيضاً بحسب ما يحضر، ووقع
في قصة أضياف أبي بكر، فقال النبي ◌َّر: ((من كان عنده طعام اثنين فليذهب
بثالث))، الحديث، وعند الطبراني من حديث ابن عمر - رضي الله عنه - ما
يرشد إلى العلة في ذلك، وأوله ((كلوا جميعاً ولا تفرقوا، فإن طعام الواحد
يكفي الاثنین))، الحديث.
فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثر
ازدادت البركة، وأشار الترمذي إلى حديث ابن عمر، وعند البزار من حديث
سمرة نحوه، وزاد في آخره ((ويد الله على الجماعة))، كذا في ((الفتح))(١).
زاد الزرقاني(٢): وقيل: معناه أن الله يضع من بركته فيه ما يضع لنبيه،
فيزيد حتى يكفيهم، قال ابن العربي: وهذا إذا صحت نيتهم، وانطلقت ألسنتهم
به، فإن قالوا: لا يكفينا، قيل لهم: البلاء موكل بالمنطق، وقال العز بن سلام
في ((الأمالي)): إن أريد الإخبار عن الواقع، فمشكل.
(١) ((فتح الباري)) (٣٩٢/٩).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٠/٤).
٣٥٥

٥٠ - كتاب صفة النبي ملعقة
(١٠) باب
(١٦٦٦) حديث
٢١/١٦٦٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((أَغْلِقُوا الْبَابَ.
وإن كان له معنى آخر فما هو؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: أنه خبر
بمعنى الأمر، أي أطعموا طعام الاثنين الثلاث، والثاني: أنه للتنبيه على أن
ذلك يقوت الثلاث، وأخبرنا بذلك لئلا نجزع، وروى العسكري في ((المواعظ))
عن عمر - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((كلوا ولا تفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي
الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، كلوا جميعاً، ولا تفرقوا، فإن
البركة في الجماعة))، فيؤخذ من هذا أن الشرط الاجتماع.
ومعنى الحديث أن طعام الاثنين إذا كانوا مفترقين كافي الثلاثة إذا أكلوا
مجتمعين، وفي الحديث إشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصل معها البركة،
فتعم الحاضرين، وأنه لا ينبغي للمرء أن يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه،
فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء، اهـ.
قال الباجي(١): قال عيسى بن دينار في ((المزنية)): معنى الحديث أنه إذا
اجتمعت الأيدي، وكانت المواساة، عظمت البركة، وقد هم عمر - رضي الله
عنه - في سنة مجاعة أن يجعل مع أهل كل بيت مثلهم، وقال: إن الرجل لن
يهلك علی نصف قوته، اهـ.
٢١/١٦٦٦ - (مالك عن أبي الزبير المكي) محمد بن مسلم (عن جابر بن
عبد الله أن رسول الله وَلو قال: أغلقوا) بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة
(الباب) قال ابن دقيق العيد: في الأمر بإغلاق الأبواب من المصالح الدينية
والدنيوية: حراسة الأنفس والأموال من أهل العبث والفساد، ولا سيما
الشيطان، فإن قوله: ((فإن الشيطان لا يفتح)) إشارة إلى أن الأمر بالإغلاق
لمصلحة إبعاد الشيطان كما يأتي، ولفظ البخاري برواية عطاء عن جابر
(١) ((المنتقى)) (٢٤١/٧).
٣٥٦

٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٠) باب
(١٦٦٦) حديث
وَأَوْكُوا السِّقَاءَ .
مرفوعاً: ((أطفئوا المصابيح بالليل إذا رقدتم، وأغلقوا الأبواب))، الحديث،
إشارة إلى أن الأمر بذلك في الليل، ولذا ترجم عليه البخاري ((باب غلق
الأبواب بالليل))، وفي أخرى له ((إذا كان جنح الليل أو أمسيتم، فكفوا
صبيانكم، وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله)).
وقال الباجي: ويحتمل أن يريد - والله أعلم - إذا نمتم بالليل كما من
حديث جابر المذكور: أمر بإطفاء المصابيح عند الرقاد بليل، وعطف على ذلك
غلق الأبواب وغيرها، فالظاهر منه ذلك، ويحتمل أن يريد سائر الأوقات على
ما يريد الناس حفظه من الأموال والطعام وغير ذلك، فإنه أحرز لما يراد
حفظه، اهـ.
(وأوكوا) بفتح الهمزة وسكون الواو وضم الكاف بلا همز، شدّوا،
واربطوا (السقاء) بكسر السين القربة أي شدوا رأسها بالوكاء، وفي رواية عطاء
عند البخاري ((وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله)). قال الباجي(١): وروى
القعقاع بن حكيم عن جابر هذا الحديث، وفيه ((أن في السنة ليلة ينزل فيه
وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل به من
ذلك الوباء))، قال الليث: والأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون الأول، اهـ.
قلت: حديث القعقاع أخرجه مسلم من طريق هاشم بن القاسم عن الليث
بلفظ «فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء
ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء)»، ثم روى برواية نصر بن علي ثنى
أبي نا الليث بهذا الإسناد مثله غير أنه قال: فإن في السنة يوماً ينزل فيه وباء،
وزاد في آخر الحديث، قال الليث: فالأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون
الأول، قال النووي: قوله: يتقون أي يتوقعونه ويخافونه، وكانون غير
(١) ((المنتقى)) (٣٤١/٧)، وانظر: ((التمهيد)) (١٨٠/١٢) و((الاستذكار)) (٢٩٩/٢٦).
٣٥٧

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َ *1-
(١٠) باب
(١٦٦٦) حديث
وَأَكْفِؤُا
مصروف، لأنه علم أعجمي، وهو الشهر المعروف، وأما قوله في رواية يوماً،
وفي أخرى ليلة، فلا منافاة بينهما، إذ ليس في أحدهما نفي الآخر، فهما
ثابتان، اهـ.
قلت: وكانون من شهور السنين الرومية، وهي تساوي السنين الإنكليزية
المتعارفة بديارنا، وأول اليوم من كانون الأول يكون أول يوم من ديسمبر كما
في ((تقويم العام)) لأبي الحسن محي الدين، قال النووي(١): قال أبو حميد
الساعدي، وهو راوي هذا الحديث: إنما أمر بالأسقية توكى ليلاً، وبالأبواب
أن تغلق ليلاً، هذا الذي قاله أبو حميد من تخصيصها بالليل، ليس في اللفظ
ما يدل عليه، والمختار عند الأكثرين من الأصوليين، وهو مذهب الشافعي
وغيره أن تفسير الصحابي إذا كان خلاف ظاهر اللفظ ليس بحجة، ولا يلزم
غيره من المجتهدين موافقته على تفسيره.
وأما إذا لم يكن في ظاهر الحديث ما يخالفه بأن كان مجملاً، فيرجع
إلى تأويله، ويجب الحمل عليه؛ لأنه إذا كان مجملاً لا يحلّ حمله على شيء
إلا بتوفيق، وكذا لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي عند الشافعي،
والأكثرين، والأمر بتغطية الإناء عام، فلا يقبل تخصيصه بمذهب الراوي بل
یتمسك بالعموم، اهـ.
قلت: وفيه أن التقييد بالليل في غلق الأبواب تقدم قريباً، ولذا ترجم
عليه البخاري مقيداً بالليل كما تقدم.
(واكفوا) كذا في النسخ الهندية، وفي جميع النسخ المصرية ((أكفئوا))
بزيادة الهمزة بعد الفاء، قال عياض: بقطع الهمزة وكسر الفاء رباعيٌّ، وبوصلها
وضم الفاء ثلاثي، وهما صحيحان، أي اقلبوه، ولا تتركوه للعق الشيطان،
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٣/٧/ ١٨٣).
٣٥٨

٥٠ - كتاب صفة النبي
(١٠) باب
(١٦٦٦) حديث
الْإِنَاءَ، أَوْ خَمِّرُوا الْإِنَاءَ. وَأَطْفِئُوا الْمِصْبَاحَ.
ولحس الهوام، وذوات الأقذار، كما في ((الزرقاني))(١) (الإناء) أي إناء الطعام
والشراب (أو خمروا) بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم المشددة أي غطوا
(الإناء) قال الباجي(٢): يحتمل أن يكون شكاً من الراوي، والأظهر أنه لفظ
النبيِ وَّه ومعناه أكفئوه إن كان فارغاً، أو خَمِّرُوْه إن كان فيه شيء، فإن ذلك
يمنع الشيطان أن يتناول شيئاً مما في المملوء، أو يتبع شيئاً مما في الفارغ من
بقية أو رائحة، اهـ.
قال الزرقاني(٣): ويؤيده أن في بعض طرقه عند البخاري عن جابر
((وخمِّروا الطعام والشراب))، وفي الصحيح أيضاً عن جابر ((وخمِّروا آنيتكم
واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها بعود)» (وأطفئوا) بفتح الهمزة وسكون
الطاء المهملة فكسر الفاء ثم همزة مضمومة (المصباح) أي السراج، قال
صاحب ((المحلى)): إذا لم تضطروا إليه لنحو تربية طعام أو غير ذلك.
وترجم البخاري في ((صحيحه)) على هذا الحديث ((باب لا تترك النار في
البيت عند النوم))، وأورد فيه حديث أبي موسى مرفوعاً أيضاً بلفظ ((إن هذه
النار عدو لكم، فإن نمتم فأطفئوها عنكم))، قال الحافظ(٤): قيده بالنوم
لحصول الغفلة به غالباً، ويستنبط منه أنه متى وجدت الغفلة حصل النهي، وقال
ابن العربي: معنى كون النار عدواً لنا أنها تنافي أبداننا وأموالنا منافاةَ العدو،
وإن كانت لنا بها منفعة، لكن لا تحصل إلا بواسطة، فأطلق أنها عدو لنا
لوجود معنى العداوة.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠١/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٤١/٧).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٠١/٤).
(٤) ((فتح الباري)) (٨٥/١١).
٣٥٩

٥٠ - كتاب صفة النبي وَل
(١٠) باب
(١٦٦٦) حديث
فَإِنَّ الشَّيْطَانَ
قال القرطبي: إن الواحد إذا بات ببيتٍ ليس فيه غيره، وفيه نار، فعليه أن
يطفئها قبل نومه، أو يفعل بها ما يؤمن معه الاحتراق، وكذا إن كان في البيت
جماعة فيتعين على بعضهم، وأحقهم بذلك آخرهم نوماً، فمن فرط في ذلك
كان للسنة مخالفاً، ولأدائها تاركاً، اهـ.
قال القرطبي: الأمر والنهي في هذا الحديث للإرشاد، وقد يكون
للندب، كذا في ((الفتح))، وفي ((المحلى)): قال القرطبي: جميع أوامر هذا
الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة، ويحتمل أن يكون للندب، لا سيما في
حق من يفعل ذلك بنية امتثال الأمر، اهـ.
قال الحافظ: وجزم النووي بأنه للإرشاد لكونه لمصلحة دنيوية، وتعقب
بأنه يفضي إلى مصلحة دينية، وهي حفظ النفس المحرم قتلها، والمال المحرم
تبذيره، وقال ابن دقيق العيد: هذه الأوامر لم يحملها الأكثر على الوجوب،
ويلزم أهل الظاهر حملُها عليه، قال: وهذا لا يختص بالظاهري، بل الحمل
على الظاهر إلا لمعارض ظاهر يقول به أهل القياس، وإن كان أهل الظاهر
أولى بالالتزام لكونهم لا يلتفتون إلى المفهومات والمناسبات.
وهذه الأوامر تتنوع بحسب مقاصدها، فمنها: ما يحمل على الندب،
وهو التسمية على كل حال، ومنها: ما يحمل على الندب والإرشاد معاً،
كإغلاق الأبواب من أجل التعليل، بأن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، لأن
الاحتراز من مخالفة الشيطان مندوب إليه، وأن تحته مصالح دنيوية كالحراسة،
وكذا إيكاء السقاء، وتخمير الإناء، اهـ.
(فإن الشيطان) قال الحافظ: اللام فيه للجنس إذ ليس المراد فرداً بعينه،
قال الزرقاني(١): وفي رواية عن عطاء ((فإن الجنَّ)) لا تضادَّ بينهما، إذ لا
(١) (شرح الزرقاني)) (٣٠١/٤).
٣٦٠