Indexed OCR Text

Pages 241-260

(٣) باب
٥٠ - كتاب صفة النبي
وقال الشيخ في ((البذل)) (١) في قوله وَله: ((عشر من الفطرة)): أي عشر
خصال من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم، فكأنا فطرنا عليها، كذا نقل
عن أكثر العلماء أو السنة الإبراهيمية - عليه الصلاة والسلام -، أو ما فطرت
عليه الطبائع السليمة من الأخلاق الحميدة، وركب في عقولهم استحسانها،
وهذا أظهر، أو المراد من الفطرة الدين، كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، أي دين الله الذي اختاره لأول مفطور من البشر، وهذه
الأفعال من توابع الدين، بحذف المضاف، اهـ.
وقال الزبيدي في ((شرح الإحياء)): اختلف في المراد بالفطرة في هذه
الأحاديث، فقيل: السنة، حكاه الخطابي عن أكثر العلماء، ويدل عليه رواية
أبي عوانة في ((المستخرج)) في حديث عائشة: ((عشر من السنة)) أي بدل ((عشر
من الفطرة))، والمراد بالسنة الطريقة، أي ذلك من سنن الأنبياء وطريقتهم، لأن
بعضها واجب، ومن لا يرى وجوب شيء منها يحملها على السنة التي تقابل
الواجب .
وقال صاحب ((المفهم)) في مناسبة تسمية هذه الخصال بالفطرة: إن في
هذه الخصال محافظة على حسن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاء على
أصل الخلقة التي خلق الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها يُشَوِّهُ
الإنسانَ ويُقَبِّحُهُ، فيخرج مما يقتضيه الفطرة الأولى، اهـ
وبسط الحافظ في ((الفتح))(٢) في معنى الفطرة، وقال: يتعلق بهذه
الخصال، أي المذكورة في أحاديث الفطرة مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع،
منها تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلاً، والاحتياط للطهارتين،
(١) (١٢٩/١).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٣٩/١٠).
٢٤١

٥٠ - كتاب صفة النبي (ص)*
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
٣/١٦٤٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ
الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ:
والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة
شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان، وامتثال أمر
الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
صُوَرَكُمْ﴾، لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك.
وكأنه قيل: قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على
ما يستمر به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة، وعلى التألف
المطلوب؛ لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس
إليه، فَيُقْبَلُ قوله ويُحمد رأيه، والعكس بالعكس، اهـ.
٣/١٦٤٨ - (مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه) أبي سعيد
كيسان، هكذا في جميع النسخ المصرية بواسطة عن أبيه، وكذا في ((التجريد))،
وكذا في بعض النسخ الهندية، وفي أكثرها بدون الواسطة، عن سعيد عن أبي
هريرة، وهكذا في النسائي بدون الواسطة، فإنه أخرجه أولاً مرفوعاً من رواية
عبد الرحمن عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً، ثم قال: وقفه مالك
فرواه عنه عن المقبري عن أبي هريرة موقوفاً، ولا ضير في ذلك، فإن سعيداً
وأباه كليهما يرويان عن أبي هريرة.
(عن أبي هريرة قال) موقوفاً لجميع رواة ((الموطأ))، قال ابن عبد البر: هو
الصحيح عن مالك، ورواه بشر بن عمر عن مالك بهذا السند ورفعه، أخرجه
ابن الجارود، وقاسم بن أصبغ، وكذا رفعه حميد بن أبي الجهم العدوي عن
مالك بإسناده، أخرجه ابن عبد البر، وهو في ((الصحيحين)) من طريق الزهري
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي (وَلّر، كذا في ((الزرقاني))(١)،
(١) (شرح الزرقاني)) (٢٨٤/٤) انظر: ((التمهيد)) (١٣٩/٢٣).
٢٤٢

٥٠ - كتاب صفة النبي (وَلـ
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه بثلاثة مواضع، في ((قص الشارب))(١)،
برواية سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب، وفي ((باب تقليم الأظفار))(٢)،
و(باب الختان بعد ما كبر))(٣)، برواية إبراهيم عن الزهري عن سعيد.
وبسط الحافظ في الاختلاف في ألفاظ رفع هذا الحديث، إذ رواه
البخاري عن أبي هريرة رواية ((الفطرة خمس))، الحديث، وقال أيضاً: وقع في
رواية محمد بن أبي حفصة عن الزهري زيادة أبي سلمة مع سعيد بن المسيب
في السند أخرجه أبو الشيخ، اهـ.
(خمس) صفة موصوف محذوف، أي خصال خمس، ثم فسرها، أو على
الإضافة أي خمس خصال، أو الجملة خبر مبتدأ محذوف، أي الذي شرع لكم
خمس (من الفطرة) بكسر فسكون، ولفظ البخاري في ((باب قص الشارب)):
((الفطرة خمس أو خمس من الفطرة)).
قال الحافظ (٤) بعد ما ذكر الاختلاف في من روى بالشك، ومن روى
بالجزم: قال ابن دقيق العيد: دلالة ((من)) على التبعيض فيه أظهر من دلالة هذه
الرواية، أي الفطرة خمس على الحصر، وقد ثبت في أحاديث أخرى زيادة
على ذلك، فدل على أن الحصر ليس بمراد فيها، واختلف في النكتة في الإتيان
بهذه الصيغة، فقيل: برفع الدلالة، وأن مفهوم العدد ليس بحجة، وقيل: بل
كان أعلم أولاً بالخمس، ثم أعلم بالزيادة، وقيل: بل الاختلاف في ذلك
بحسب المقام، فذكر في كل موضع اللائق بالمخاطبين، وقيل: أريد بالحصر
(١) (باب قص الشارب)) من كتاب اللباس، حديث (٥٨٨٩).
(٢) ح (٥٨٩١).
(٣) ح (٦٢٩٧).
(٤) ((فتح الباري)) (٣٣٦/١٠).
٢٤٣

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
المبالغة لتأكيد أمر الخمس المذكورة كما حمل عليه ((الدين النصيحة))، ((والحج
عرفة)) ونحو ذلك.
ويدل على التأكيد ما أخرجه الترمذي والنسائي عن زيد بن أرقم مرفوعاً:
((من لم يأخذ شاربه فليس منا))، وسنده قويٌّ، وأخرج أحمد نحوه، وزاد فيه:
((حلق العانة وتقليم الأظفار))، وسيأتي في الكلام على الختان دليلٌ من قال
بو جوبه .
وذكر ابن العربي أن خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلة، فإن أراد خصوص
ما ورد بلفظ الفطرة، فليس كذلك، وإن أراد أعم من ذلك، فلا ينحصر في
الثلاثين، بل تزيد كثيراً، وأقل ما ورد في خصال الفطرة حديث ابن عمر عند
البخاري، فإنه لم يذكر فيه إلا ثلاثاً، أي حلق العانة، وتقليم الأظفار، وقص
الشارب، ولمسلم من حديث عائشة ((عشر من الفطرة))، فذكر الخمسة التي في
حديث أبي هريرة إلا الختان، وزاد: ((إعفاء اللحية، والسواك، والمضمضة
والاستنشاق، وغسل البراجم، والاستنجاء)).
لكن قال في آخره: إن الراوي نسي العاشرة إلا أن تكون المضمضة،
وقد أخرجه أبو عوانة في ((مستخرجه)) بلفظ: ((عشرة من السنة))، وذكر
((الاستنثار)) بدل الاستنشاق، وأخرجه النسائي بلفظ: ((عشرة من الفطرة))، فذكر
مثله إلا أنه قال: وشككت في المضمضة، وأخرجه أيضاً بطريق آخر، قال:
((من السنة عشر)) فذكر مثله، إلا أنه ذكر ((الختان)) بدل غسل البراجم.
وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عمار بن ياسر مرفوعاً نحو
حديث عائشة، قال: ((من الفطرة المضمضة والاستنشاق والسواك وغسل
البراجم والانتضاح))، وذكر الخمس التي في حديث أبي هريرة، ساقه ابنُ ماجه
وأحاله أبو داود على حديث عائشة، ثم قال: وروي نحوه عن ابن عباس،
وقال: ((خمس في الرأس))، وذكر منها الفرق، ولم يذكر إعفاء اللحية، وكأنه
٢٤٤

٥٠ - كتاب صفة النبي رَله
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
أشار إلى ما أخرجه عبد الرزاق في ((تفسيره))، والطبري من طريقه بسند صحيح
عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَبْتَلَّ إِرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ﴾(١)
الآية، قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس، وخمسٌ في الجسد، فذكر
مثل حديث عائشة الذي تقدم عن أبي عوانة سواء، ولم يشك في المضمضة،
وذكر أيضاً الفرق بدل إعفاء اللحية.
وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس، فذكر غسل الجمعة
بدل الاستنجاء، فصار مجموع الخصال التي وردت في هذه الأحاديث خمس
عشرة خصلة، اقتصر أبو شامة في ((كتاب السواك وما أشبه ذلك)) منها على
اثني عشر، اهـ مختصراً.
قلت: والخمسة عشر التي أشار إليها الحافظ، فالخمسة منها المذكورة
في حديث الباب، والعشرة الباقية التي وردت في الأحاديث المتقدمة هي
المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، والاستنجاء، وغسل البراجم، والسواك،
وغسل الجمعة، وإعفاء اللحية، والفرق، والانتضاح.
وحكى والدي المرحوم عن شيخه الكنگوهي - نور الله مرقدهما -: أن
المراد بالانتضاح في هذه الأحاديث الاستنجاء، فهما سواء، قال: ولا يراد به
ما هو المعروف في معناه، وهو أن يأخذ قليلاً من الماء، فينضح به مذاكيره
بعد الوضوء؛ لأن ذلك لقطع الوسواس، ليس من أمور الفطرة في شيء.
ثم قال الحافظ(٢): وأما الخصال الواردة في المعنى، لكن لم يرد
التصريح فيها بلفظ الفطرة فكثيرة، ثم بسط الروايات التي وردت فيها، قال
النووي: اختلف في المراد بالفطرة ههنا، وقال الخطابي: ذهب أكثر العلماء
(١) سورة البقرة: الآية ١٢٤.
(٢) (فتح الباري)) (٣٣٨/١٠).
٢٤٥

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
٥ ٤ ٥
تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ،
إلى أنها السنة، وكذا ذكره جماعة غير الخطابي، وقالوا: معناه أنها من سنن
الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -، ومعظم هذه الخصال ليست بواجبة عند
العلماء، وفي بعضها خلاف في وجوبه، كالختان، وسيأتي الكلام عليه في آخر
الحديث، وتقليم الأظفار سنة ليس بواجب، وقص الشارب فسنة أيضاً،
وكذلك نتف الإبط فسنةٌ بالاتفاق، وكذا الاستحداد فسنة أيضاً، اهـ مختصراً.
قال الزبيدي: أغرب ابن العربي في ((شرح الموطأ)) إذ قال: عندي
الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، والمراد لو تركها لم
تبق صورته على صورة الآدميين، وتعقبه أبو شامة بأن الأشياء التي مقصودها
مطلوب لتحسين الخلق، وهي النظافة لا يحتاج إلى ورود أمر إيجاب، بل
مجرد الندب إليها من الشارع كافٍ، اهـ.
(تقليم الأظفار) تفعيل من القلم، وهو القطع، قال الجوهري: قلمت
ظفري بالتخفيف، وقلمت أظفاري بالتشديد للتكثير والمبالغة، أي إزالة ما طال
منها عن اللحم بمقَصِّ أو سِكِّين لا غيرهما من الآلة؛ ويكره بالأسنان.
قال الحافظ(١): وقع في حديث لابن عمر - رضي الله عنهما - ((قص
الأظفار))، وكذا في حديث أنس وعائشة، والتقليم أعم، والأظفار جمع ظفر
بضم الظاء والفاء وبسكونها، وحكى أبو زيد كسر أوله، وأنكره ابن سيده،
وقيل: إنها قراءة الحسن، والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الأصابع؛
لأن الوسخ يجتمع فيه فليستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع وصول الماء إلى ما
يجب غسله في الطهارة.
وقد حكى أصحاب الشافعي فيه وجهين، فقطع المتولي بأن الوضوء لا
يصحُّ، وقطع الغزالي بأنه يعفى عن ذلك، واحتجّ بأن غالب الأعراب لا
(١) ((فتح الباري)) (٣٤٤/١٠).
٢٤٦

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
يتعاهدون ذلك، ومع ذلك لم يرد في شيء من الآثار أمرهم بإعادة الصلاة،
وهو ظاهر، لكن قد يعلق بالظفر إذا طال النجو لمن استنجى بالماء، ولم يمعن
غَسْله، فيكون إذا صلى حاملاً للنجاسة، وقد أخرج البيهقي في ((الشعب)) من
طريق قيس بن أبي حازم، قال: صلى النبي والتر صلاة فأوهم فيها، فسئل،
فقال: ((مالي لا أوهم، ورُفْغُ أحدِكم بين ظفره وأنملته))، رجاله ثقات مع
إرساله.
وقد وصله الطبراني بوجه آخر، والرفغ: مغابن الجسد، فهو من تسمية
الشيء باسم ما جاوره، والتقدير وسخ رفغ أحدكم، والمعنى أنكم لا تقلمون
أظفاركم، ثم تَحُكُّون بها أرفاغَكم، فيتعلق بها ما في الأرفاغ من الأوساخ،
قال الحافظ: فيه إشارة إلى الندب إلى تنظيف المغابن كلها، ويستحب
الاستقصاء في إزالتها إلى حد لا يدخل منه ضرر على الأصبع، واستحب أحمد
للمسافر أن يبقى شيئاً لحاجته إلى الاستعانة لذلك غالباً، اهـ.
قلت: ما حكى الحافظ من كلام الغزالي ذكره في ((الإحياء)» ونصه: ولو
كان تحت الظفر وسخ فلا يمنع ذلك صحة الوضوء؛ لأنه لا يمنع وصول
الماء، ولأنه يتساهل فيه للحاجة، ولا سيما في أظفار الرجل، وفي الأوساخ
التي تجتمع على البراجم، وظهور الأيدي والأرجل من العرب وأهل السواد،
وكان رسول الله وسلم يأمرهم بالقلم، وينكر عليهم ما يرى تحت أظفارهم من
الأوساخ، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة، ولو أمر به لكان فيه فائدة أخرى، وهو
التغليظ والزجر عن ذلك، اهـ.
قال الزبيدي في ((شرحه)): وعند أصحابنا إذا طال الظفر، فغطى الأنملة،
فمنع وصول الماء إلى ما تحته، أو كان في محل المفروض غسلُه شيءٌ يمنع
وصول الماء إلى الجسد، كعجين وشمع، وجب غسل ما تحته بعد إزالة
المانع، ولا يمنع الوسخ الذي في الأظفار سواء فيه القرويّ والمصريّ في
الأصح، فيصح الفعل معه لتولده من البدن، اهـ.
٢٤٧

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلقه
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
وقال الموفق(١): إذا كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى ما
تحته، فقال ابن عقيل: لا تصح طهارته حتى يزيله؛ لأنه محل من اليد استتر
بما ليس من خلقة الأصل، فأشبه ما لو كان عليه شمع أو غيره، ويحتمل أن لا
يلزمه ذلك؛ لأن هذا يستر عادة، فلو كان غسله واجباً لبَيَّنَه النبيِ وَّ، وقد
عاب عليهم كونهم يدخلون عليه قُلْحاً، ورُفْغُ أحدِهم بين أنملته وظفره، فعاب
عليهم نتن ريحها، لا بطلان طهارتهم، ولو كان مبطلاً للطهارة، كان ذلك أهم
من نتن الريح، فكان أحق بالبيان، اهـ.
ثم قال الغزالي(٢): لم أر في الكتب خبراً مروياً في ترتيب قلم الأظفار،
ولكن سمعت أنه و 18 بدأ بمسبحته اليمنى، وختم بإبهامه اليمنى، وابتدأ في
اليسرى بالخنصر إلى الإبهام، ولما تأملت في هذا خطر لي من المعنى ما يدل
على أن الرواية فيه صحيحة، إذ مثل هذا المعنى لا ينكشف ابتداء إلا بنور
النبوة، وأما العالم ذو البصيرة فغايته أن يستنبطه من العقل بعد النقل، فالذي
لاح لي - والعلم عند الله سبحانه - أنه لا بد من قلم أظفار اليد والرجل، واليد
أشرف من الرجل، فيبدأ بها، ثم اليمنى أشرف من اليسرى، فيبدأ بها، ثم على
اليمنى خمسة أصابع، والمسبحة أشرفها، إذ هي المشيرة في كلمتي الشهادة،
ثم بعدها ينبغي أن يبتدئ بما على يمينها، إذ الشرع يستحب إدارة الطهور وغيره
على اليمنى، إلى آخر ما بسطه.
ثم قال: وأما أصابع الرجل فالأولى عندي إن لم يثبت فيه نقل أن يبدأ
بخنصر اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى، كما في التخليل، فإن المعاني التي
ذكرنا في اليد، لا تتجه ههنا، إذ لا مسبحة في الرِّجْل، وهذه الأصابع في
حكم صف واحد ثابت على الأرض، فيبدأ من جانب اليمنى، اهـ.
(١) ((المغني)) (١٧٤/١).
(٢) ((إحياء علوم الدين)) (١/ ١٤١).
٢٤٨

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َلاقة
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
قال الزبيدي: قوله: لكن سمعت أي من أفواه المشايخ أنه وَلّ بدأ أي
في قص الأظفار إلخ، قال العراقي: لم أجد له أصلاً، وقد أنكره أبو عبد الله
المازري في الرد على المصنف وشنَّع عليه به، وقال في ((شرح التقريب)): لم
يثبت في كيفية تقليم الأظفار حديث يعمل به، وقد تعقب أبو عبد الله المازري
في كتاب له في الرد على الغزالي، وبالغ في هذا المكان في الإنكار عليه،
وقال: إنه يريد أن يخلط الشريعة بالفلسفة، اهـ.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (١): لم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص
شيء من الأحاديث، لكن جزم النووي في ((شرح مسلم)) بأنه يستحب البداءة
بمسبحة اليمنى، ثم بالوسطى، ثم بالبنصر، ثم الخنصر، ثم الإبهام، وفي
اليسرى بالبداءة بالخنصر، ثم بالبنصر إلى الإبهام، ويبدأ في الرجلين بخنصر
اليمنى إلى الإبهام، وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر، ولم يذكر للاستحباب
مستنداً. وقال في ((شرح المهذب)) بعد أن نقل عن الغزالي: أن المازري اشتد
إنكاره عليه: ولا بأس بما قاله الغزالي إلا في تأخير إبهام اليد اليمنى، فالأولى
أن تقدم اليمنى بكمالها على اليسرى، قال: وأما الحديث الذي ذكره الغزالي
فلا أصل له، وقال ابن دقيق العيد: يحتاج من ادّعى استحباب تقديم اليد في
القص على الرجل إلى دليل، فإن الإطلاق يأبى ذلك.
قال الحافظ: يمكن أن يؤخذ بالقياس على الوضوء، والجامع التنظيف،
وذكر الدمياطي أنه تلقى عن بعض المشايخ أن من قص أظفاره مخالفاً، لم
يصبه رمد، وأنه جرب ذلك مدة طويلة، وقد نص أحمد على استحباب قصها
مخالفاً، وبَيَّنَ ذلك ابن بَطَّةَ من أصحابهم، فقال: يبدأ بخنصره اليمنى، ثم
الوسطى، ثم الإبهام، ثم البنصر، ثم السبابة، ويبدأ بإيهام اليسرى على العكس
من اليمنى، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٣٤٥/١٠).
٢٤٩

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
وفي ((شرح الإحياء)): قال العراقي: رأيت بعض شيوخنا يختار في قص
الأظفار كيفية أخرى، بحيث يكون القصُّ مخالفاً، وأنه يبدأ بمسبحة اليد
اليمنى، ثم بالبنصر، ثم بالإبهام، ثم بالوسطى، ثم الخنصر، ثم بمسبحة
اليسرى كذلك على المخالفة، ثم بخنصر الرجل اليمنى، ثم الوسطى، ثم
الإبهام، ثم بالأصبع المجاورة للخنصر، ثم المجاورة للإبهام، ثم بإبهام
اليسرى، ثم الوسطى، ثم الخنصر، ثم المجاورة الإبهام، ثم المجاورة
الخنصر، وقال: إنه جَرَّبَ هذا للسلامة من الرمد، وإنه كان كثيراً ما يرمد،
فمن حين يقص على هذا الوجه لم يرمد، ورأيت ممن يذكره حديثاً: ((من قص
أظفاره مخالفاً عوفي من الرمد))، وهذا الحديث لا أصل له ألبتة، وكيفما قَصَّ
حصل السنة .
قال الزبيدي: قوله: من قَصَّ أظفاره مخالفاً ذكره الدمياطي عن بعض
مشايخه، وههنا كيفية ثالثة مشهورة بين الناس، وقد سمعت شيخنا علي بن
موسى الحسيني يذكر عن شيخه الشهاب أحمد الملوي يقول:
قصّوا الأظافير بالسنة والأدب
يمينُها خوابس يسارُها أوخسب
والصحيح أنه لم يثبت فيه شيء يعتمد عليه، وإنما هو من عمل
المشايخ، اهـ. وهذا المنظوم موافق للصورة التي تقدمت من كلام ابن
بَطَّةَ الحنبلي، ونقله في ((الطحطاوي على المراقي))(١) عن ((شرح
الشرعة)).
وقال في ((فتح الباري)): إن الإمام أحمد نَصَّ على هذه الكيفية، وأنكرها
ابن دقيق العيد، فقال: كل ذلك لا أصل له، وإحداث استحباب لا دليل عليه،
وهو قبيحٌ عندي بالعالم، نعم البداية بيمنى اليدين والرجلين لها أصل، وهو
(١) (ص٤٢٩).
٢٥٠

٥٠ - كتاب صفة النبي وَال*
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
أنه مَ لّ كان يعجبه التيمنُ في كل شيء، متفق عليه، وكذا تقديم اليدين على
الرجلين قياساً على الوضوء، وما عزي عن النظم في قص الأظفار لعليّ وغيره
باطل، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(١): روي عنه وَلير: ((من قلم أظفاره مخالفاً لم ترمد
عينه أبداً))، يعني كقول علي - رضي الله عنه - فذكر النظم المذكور، قال:
وبيانه وتمامه في ((مفتاح السعادة))، وفي ((شرح الغزنوية)): روي أنه وَليل بدأ
بمسبحة اليمنى إلى الخنصر، ثم بخنصر اليسرى إلى الإبهام، وختم بإبهام
اليمنى، وذكر الغزالي له وجهاً وجيهاً، ولم يثبت في أصابع الرجلين نقل،
والأولى تخليلها كتقليمها .
وفي ((المواهب اللدنية)): قال الحافظ ابن حجر: إنه يستحب كيفما احتاج
إليه، ولم يثبت في كيفيته شيء (٢)، وما يعزى من النظم في ذلك للإمام علي،
ثم لابن حجر، قال شيخنا: إنه باطل، اهـ.
قلت: ذكر العلامة الزرقاني هذين النظمين المنسوبين إلى علي - رضي الله
عنه - والحافظ ابن حجر بأشعار عديدة غير النظم المذكور، قال ابن عابدين:
قال في ((الهداية)) عن ((الغرائب)): ينبغي الابتداء باليد اليمنى والانتهاء بها،
فيبدأ بسبابتها ويختم بإبهامها، وفي الرجل بخنصر اليمنى، ويختم بخنصر
اليسرى، ونقله القهستاني عن ((المسعودية))، اهـ.
قال الزبيدي: قال العراقي: اختلفت الأحاديث الواردة في أيام الأسبوع
بقص الأظفار، فورد في بعضها يوم الجمعة، وفي بعضها يوم الخميس، قال
(١) انظر: ((رد المحتار)) (٦٦٩/٩).
(٢) قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)): لم يثبت في كيفية قص الأظافر ولا في تعيين يوم
له شيء عن النبي وَّر، وما يعزى لعليّ فباطل، انظر: ((تذكرة الموضوعات)) (ص ١٦٠).
٢٥١

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
البيهقي في ((سننه الكبرى)) (١): روينا عن أبي جعفر مرسلاً قال: كان
رسول الله * يستحب أن يأخذ من شاربه وأظفاره يوم الجمعة.
قال العراقي: وأما قصها يوم الخميس، فرويناه في حديث مسلسل
بذلك، أخبرني به أبو العباس أحمد بن عبد الأحد الحرَّاني، ورأيته يقلم
أظفاره يوم الخميس، قال: أخبرنا الحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطي،
ورأيته يقص أظفاره يوم الخميس، فذكره الزبيدي بالسند المسلسل بالفعل إلى
جعفر بن محمد يقلم أظفاره يوم الخميس. وقال: رأيت أبي محمد بن علي
يقلم أظفاره يوم الخميس، وقال: رأيت الحسين بن علي - رضي الله عنه - يقلم
أظفاره يوم الخميس، وقال: رأيت علياً - رضي الله عنه - يقلم أظفاره يوم
الخميس. وقال: رأيت رسول الله وَلا يقلم أظفاره يوم الخميس، ثم قال: (يا
عليُّ قصّ الظُّفر ونتف الإبط وحلق العانة يوم الخميس، والغسل والطيب
واللباس يوم الجمعة))، قال: وفي إسناده من يحتاج إلى كشف أحواله من
المتأخرين، فأما الحسين بن هارون الضبيّ، ومن بعده، فثقات، ثم ذكر له
طرقاً أخرى بالأسانيد المختلفة.
وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): لم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس
حديث، وقد أخرجه جعفر المستغفري بسند مجهول، ورويناه في ((مسسللات
التيمي)) من طريقه، وأقرب ما وقفت عليه في ذلك ما أخرجه البيهقي من مرسل أبي
جعفر الباقر، قال: ((كان رسول الله وهل يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم
الجمعة))، وله شاهد موصول عن أبي هريرة، لكن سنده ضعيف، أخرجه البيهقي
أيضاً في ((الشعب))، وسئل أحمد عنه، فقال: يسن يوم الجمعة قبل الزوال، وعنه
يوم الخميس، وعنه يتخير، وهذا هو المعتمد، أنه يستحب كيفما احتاج إليه.
(١) (٢٤٤/٣).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٤٦/١٠).
٢٥٢

٥٠ - كتاب صفة النبي وَلـ
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
.
وأما ما أخرجه مسلم(١) من حديث أنس: ((وقت لنا في قَصِّ الشارب،
وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانةِ أن لا نترك أكثر من أربعين يوماً))،
كذا وُقِّتَ فيه - ببناء المجهول -، وأخرجه أصحاب السنن بلفظ: ((وَقَّتَ لنا
رسولُ اللهِ وَ لّ))، وأشار العقيلي إلى أن جعفر بن سليمان الضبعيّ تفرد به، وفي
حفظه شيء، وصرح بذلك ابن عبد البر، وتعقب بأن أبا داود والترمذي
أخرجاه من رواية صدقة بن موسى عن ثابت، وصدقة وإن كان فيه مقال، لكن
تبين أن جعفراً لم ينفرد به.
ثم قال الحافظ بعد ذكر روايات أخر في ذلك: قال القرطبي في
((المفهم)): ذكر الأربعين تحديد لأكثر المدة، ولا يمنع تفقد ذلك من الجمعة
إلى الجمعة، والضابط في ذلك الاحتياج، وكذا قال النووي، والمختار أن
ذلك كله يضبط بالحاجة.
وقال في ((شرح المهذب)): ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال
والأشخاص، والضابط الحاجة في ذلك وفي جميع الخصال المذكورة، قال
الحافظ: لكن لا يمنع من التفقد يوم الجمعة، فإن المبالغة في التنظيف فيه
مشروع، اهـ.
قلت: وذكر الموفق في ((المغني)) (٢) الحديث المسلسل المذكور في
التقليم يوم الخميس بدون السند، وسكت عليه، فكأنه هو المرجح عند
الحنابلة.
وفي ((الدر المختار))(٣): يستحب قلم أظافيره يوم الجمعة، وكونه بعد
(١) ((صحيح مسلم)) (٢٥٨).
(٢) (١١٨/١).
(٣) (٦٦٨/٩).
٢٥٣

٥٠ - كتاب صفة النبي وَال لـ
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
الصلاة أفضل، إلا إذا أخرّه إليه تأخيراً فاحشاً فيكره؛ لأن من كان ظفره طويلاً
كان رزقه ضيقاً، وفي الحديث: ((من قلم أظافيره يوم الجمعة أعاذه الله من
البلايا إلى الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام))، قاله ابن عابدين.
قال الزرقاني(١): أخرج البيهقي من مسند أبي جعفر الباقر، فذكر كما
تقدم في كلام الحافظ، ثم قال: وله شاهد موصول من حديث أبي هريرة لكن
سنده ضعيف، قال: ((كان رسول الله وَ ل يقص شاربه، ويقلم أظفاره يوم
الجمعة قبل أن يروح إلى الصلاة))، أخرجه البيهقي(٢)، وقال: قال أحمد: في
هذا الإسناد من يجهل.
قال السيوطي: وبالجملة فأرجح الأقوال دليلاً ونقلاً يوم الجمعة،
والأخبار الواردة فيه ليست بواهية جداً مع أن الضعيف يعمل به في فضائل
الأعمال، اهـ.
وقال ((الطحطاوي على المراقي)) (٣) في استحسان القهستاني عن
الزاهدي: يستحب أن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، ويحلق عانته، وينظف بدنه
في كل أسبوع مرة، ويوم الجمعة أفضل، ثم في خمسة عشر يوماً، والزائد على
الأربعين آثم، وورد أن من استاك يوم الجمعة، وقص شاربه، وقلم أظفاره،
ونتف إبطه، واغتسل، فقد أوجب، ونقل عن الثوري استحباب تقليم الأظفار
يوم الخميس، وجعله بعض العلماء سبباً للغنى، وأحاديث يوم الجمعة أكثر فلا
يعارضه هذا .
وظاهر الأحاديث يدل على أن القلم قبل الصلاة، فما في بعض الكتب،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٤/٤).
(٢) انظر: ((كنز العمال)) (١٨٣٢٢/٧).
(٣) (ص٤٢٩).
٢٥٤

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
أنه بعدها ليشهد له بالصلاة، لا يُعَوَّل عليه؛ لأنه تعليل في مقابلة النص، وقول
بعضهم: إنه لم يثبت في استحباب قص الأظفار يوم معين، مراده لم يصح لا
أنه لم يثبت أصلاً، اهـ.
قال الموفق(١): يستحب غسل رؤوس الأصابع بعد قص الأظفار، وقد
قيل: إن الحكَّ بالأظفار قبل غسلها يضرُّ بالجسد، ويستحب دفن ما قلم من
أظفاره، أو أزال من شَعره، لما روى الخلَّالُ بإسناده عن مِيل بنت مِشْرَح
الأَشْعَرَية قالت: رأيت أبي يُقَلِّمُ أظفارَه ويدفِنُها، ويقول: رأيت رسول الله وَه
يفعل ذلك(٢).
وعن ابن جريج عن النبي ◌َّ قال: كان يعجبه دفن الدم، وقال مُهَنَّا:
سألتُ أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه،
قلت: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يدفنه، وروینا
عن النبي ◌َّ أنه أمر بدفن الشعر والأظفار، وقال: ((لا يتلعب به سحرةُ بني
آدم))، اهـ.
وقال الحافظ(٣): هذا الحديث أخرجه البيهقي من حديث وائل بن حجر
نحوه، وقد استحب أصحابنا دفنها لكونها أجزاءً من الآدمي، اهـ.
وقال الطحطاوي(٤): وفي ((الخانية)): ينبغي أن يدفن قلامة ظفره ومحلوق
شعره، وإن رماه فلا بأس، وكره إلقاؤه في كنيف أو مغتسل؛ لأن ذلك يورث
(١) ((المغني)) (١١٩/١).
(٢) قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) من طريق عبيد الله بن
سلمة بن وهرام عن أبيه، وكلاهما ضعيف، وأبوه وثَّق. ((مجمع الزوائد» (١٦٨/٥).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٤٦/١٠)
(٤) ((مراقي الفلاح)) (ص ٤٣١).
٢٥٥

٥٠ - كتاب صفة النبي وَلعمله
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
وَقَصُّ الشَّارِبِ،
داء، وروي أنه وَ ل أمر بدفن الشعر والظفر، وقال: ((لا تتغلب (١) به سحرةُ بني
آدم)»، ولأنهما من أجزاء الآدمي فتحترم، وروى الترمذي (٢) عن عائشة
- رضي الله عنها - كان ◌َ ر يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان: الشعر،
والظفر، والحيضة، والسن، والقلفة، والمسحة، ولعل المسحة الخرقة التي
يمسح بها ما خرج من الإنسان من نحو دم، اهـ.
(وقص الشارب) قال الحافظ: أصل القص تتبع الأثر، وقيده في
((المحكم)) بالليل، والقصُّ أيضاً إيراد الخبر تاماً على من لم يحضره، ويطلق
أيضاً على قطع شيء من شيء بآلة مخصوصة، والمراد ههنا قطع الشعر النابت
على الشفة العليا من غير استئصال، ثم قال: الشارب هو الشعر النابت على
الشفة العليا .
واختلف في جانبيه وهما السبالان، فقيل: هما من الشارب، ويشرع
قصهما معه، وقيل: هما من جملة شعر اللحية، ثم القصُّ هو الذي في أكثر
الأحاديث كما ههنا، وكذلك في حديث عائشة وأنس عند مسلم، وكذلك في
حديث حنظلة عن ابن عمر في البخاري، وورد الخبر بلفظ الحلق في رواية
النسائي في حديث الباب، ورواه جمهور أصحاب ابن عيينة بلفظ القص.
نعم، وقع الأمر بما يشعر أن رواية الحلق محفوظة، كحديث أبي هريرة
عند مسلم بلفظ ((جُزُّوا الشوارب))، وحديث ابن عمر عند البخاري بلفظ
((أحفوا))، وفي أخرى بلفظ ((أنهكوا))، فكل هذا يدل على أن المطلوب المبالغة
في الإزالة، لأن الجَزَّ قصُّ الشعر والصوف إلى أن يبلغ الجلد، وكذا الإحفاء
والنهك المبالغة فى الإزالة.
(١) كذا في الأصل اهـ. ((ش)).
(٢) انظر: ((كنز العمال)) (٧/ ١٨٣٢٠) نقلاً عن الحكيم الترمذي. وزاد فيه بعد ((الظفر))
((الدم))، وبدل ((القلفة)) ((العلقة))، وبدل ((المسحة)) ((المشيمة))، فليتأمل.
٢٥٦

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َّلية
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
قال النووي: المختار في قص الشارب أنه يقصه حتى يبدو طرف الشفة،
ولا يُخْفِه من أصله، وأما رواية ((أحفوا)) فمعناها أزيلوا ما طال على الشفتين،
قال ابن دقيق العيد: ما أدري هل نقله عن المذهب أو قاله اختياراً منه لمذهب
مالك.
قال الحافظ(١): صرح في ((شرح المهذب)) بأن هذا مذهبنا، وقال
الطحاوي: لم أر عن الشافعي في ذلك نصاً، وأصحابه الذين رأيناهم كالمزني
والربيع يُخْفون، وما أظنهم أخذوا ذلك إلا عنه، وكان أبو حنيفة وأصحابه
يقولون: الإحفاء أفضل من التقصير، وقال ابن القاسم عن مالك: إحفاء
الشارب عندي مُثْلَةٌ، والمراد بالحديث المبالغة في الأخذ حتى يبدو حرف
الشفتين، قال أشهب: سألت مالكاً عمن يحفي شاربه، فقال: أرى أن يوجع
ضرباً، وقال لمن يحلق شاربه: هذه بدعة ظهرت في الناس.
وأغرب ابن العربي، فنقل عن الشافعي أنه يستحب الحلق، وليس ذلك
معروفاً عند أصحابه، قال الطحاوي: الحلق مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف
ومحمد، وقال الأثرم: كان أحمد يُحفي إحفاء شديداً. ونصَّ على أنه أولى من
القصِّ، وقال القرطبي: قصّ الشارب بأن يأخذ ما طال على الشفة بحيث لا
يؤذي الأكل، ولا يجتمع فيه الوسخ، قال: والجَزُّ والإحفاء هو القص
المذكور، وليس بالاستئصال عند مالك.
وذهب الكوفيون إلى أنه الاستئصال، وذهب بعض العلماء إلى التخيير في
ذلك، قال الحافظ: المراد ببعض العلماء الطبري، فإنه حكى قولي مالك
والكوفيين، ونقل عن أهل اللغة أن الإحفاء الاستئصال، ثم قال: دلت السنة
على الأمرين، وكلاهما ثابت فيتخير ما شاء.
(١) ((فتح الباري)) (٣٤٧/١٠).
٢٥٧

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َا الد
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
وقال ابن عبد البر: الإحفاء محتمل لأخذ الكل، والقصُّ تفسير للمراد،
والمفسر مقدم على المجمل، وقد رجح الطحاوي الحلق، وقال ابن دقيق
العيد: لا أعلم أحداً قال بوجوب قصِّ الشارب من حيث هو هو، واحترز
بذلك من وجوبه لعارضٍ، وكأنه لم يقف على كلام ابن حزم في ذلك، فإنه قد
صرح بالوجوب في ذلك، وفي إعفاء اللحية، انتهى ملخصاً.
وفي ((الشرح الكبير))(١) لابن قدامة: يستحب قص الشارب؛ لأنه من
الفطرة، ويفحش إذا طال، ولما روى زيد بن أرقم قال قال النبي ◌َّلر: ((من لم
يأخذ شاربه فليس منا)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث صحيح، ولا ينبغي
أن يترك أكثر من أربعين يوماً لما روى أنس بن مالك قال: ((وقت لنا في قص
الشارب)) الحديث، رواه مسلم، وتقدم قريباً.
وقال الشيخ في ((البذل))(٢): قال الأشقر: رأيت أحمد بن حنبل يحفي
شاربه شديداً، وسمعته يقول وقد سئل عن الإحفاء: إنه السنة، اهـ. وقال
الشيخ ابن القيم في ((الهدي))(٣): أما الإمام أحمد بن حنبل فقال الأثرم: رأيته
يُحفي شاربَه شديداً، وسمعتُه يسأل عن السنة في الشارب؟ فقال: يحفي، كما
قال النبي وَالرّ: ((أحفوا الشوارب))، وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى
الرجل يأخذ شاربه أو يحفيه؟ قال: إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصاً فلا
بأس، وقال أبو محمد في ((المغني)): هو مخير بين أن يحفيه وبين أن يقصه من
غير إحفاء، اهـ.
وقال الغزالي(٤): قال رَ﴾: ((قُصّوا الشارب))، وفي لفظ آخر ((جُزُّوا
(١) (١٠٥/١).
(٢) ((بذل المجهود)) (٨٥/١٧).
(٣) ((زاد المعاد)) (١٧٣/١).
(٤) ((إحياء علوم الدين)) (١/ ١٤٠).
٢٥٨

٥٠ - كتاب صفة النبي ◌َّ
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
الشوارب))، وفي لفظ آخر ((حُفُّوا الشوارب))، أي اجعلوها حفاف الشفة، أي
حولها، وحفاف الشيء حوله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَئِكَةَ حَفِيْنَ مِنْ
حَوْلِ الْعَرَشِ﴾(١)، وفي لفظ آخر ((أحفوا)) وهذا يشعر بالاستئصال، وقوله:
(حفوا)) يدل على ما دون ذلك، والإحفاء القريب من الحلق، نقل عن
الصحابة: نظر بعض التابعين إلى رجل أحفى شاربه، فقال: ذكرتني أصحاب
رسول الله وَ له، ولا بأس بترك سبالَيْه، وهما طرفا الشارب، فعل ذلك عمر،
وغيره؛ لأن ذلك لا يستر الفم، ولا يبقى فيه غمر الطعام.
قال الزرقاني(٢) في ((باب السنة في الشعر)): أخرج الطبراني والبيهقي عن
عبد الله بن أبي رافع رأيت أبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وابن عمر،
ورافع بن خديج، وأبا أسيد الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، وأبا رافع ينهكون
شواربهم كالحلق، اهـ.
قال الزبيدي: قوله: ((حفوا الشوارب)) لم أر من خرج هذا اللفظ غير ما
في ((كتاب القوت))، وقوله: هذا يشعر بالاستئصال، إليه ذهب ابن عمر وبعض
التابعين، وهو قول الكوفيين وأكثر الصوفية، حتى قال بعضهم: من أحفى
شاربيه نظر الله إليه، واستدلوا بما ورد من لفظ: جُزُّوا، وأحفوا، وأنهكوا،
والقصُّ أن يقص منه حتى يبدو طرف الشفة، وهو حُمْرتُها، ولا يحفيه من
أصله، وهو قول مالك، والشافعي، وكان مالك يرى الحلق مُثْلَةً، وقد أجمعوا
على الاستحباب، وخالفهم الظاهرية، فقالوا بالوجوب.
ثم اختلفوا هل يقصّ طرفاه أيضاً، وهما المسميان بالسُبَالين، أو يُتْركان
كما حُكِي عن عمر - رضي الله عنه - وغيره؟ وكره بعضهم بقاء السبال لما فيه
(١) سورة الزمر: الآية ٧٥.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٤/٤).
٢٥٩

٥٠ - كتاب صفة النبي
(٣) باب
(١٦٤٨) حديث
من التشبه بالأعاجم، بل المجوس، قال العراقي: هذا أولى بالصواب لما رواه
ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث ابن عمر - رضي الله عنه -، قال: ذكر
لرسول الله ◌َ المجوس، فقال: ((إنهم يوفرون سبالهم، ويحلقون لحاهم
فخالفوهم))، فكان ابن عمر - رضي الله عنه - يجز سباله، كما يجز الشاة
والبعير، اهـ.
وفي ((الخميس)): أورد الكرماني في ((مناسكه)) إثم تطويل الشوارب
وعقوبته، فقال: قال النبي ◌َلّ: ((من طول شاربه عوقب بأربعة أشياء لا يجد
شفاعتي، ولا يشرب من حوضي، ويعذب في قبره، ويبعث الله إليه المنكر
والنکیر في غضب))، اهـ.
قال الطحطاوي على ((المراقي)) (١): يستحب إحفاء الشوارب، نراه أفضل
من قصها، وعن الشعبي كان يقصُّ شاربه حتى يظهر طرف الشفة العليا، وما
قاربه من أعلاه، ويأخذ ما شذّ مما فوق ذلك، وينزع ما قارب الشفة من جانبي
الفم، ولا يزيد على ذلك، قال في ((فتح الباري)): هذا أعدل ما وقفت عليه من
الآثار، ويشرع قص السُبالين مع الشارب؛ لأنهما منه، كما استظهره في ((فتح
الباري))، واستثنى مشايخنا المجاهدَ، فقالوا: يندب له توفير أظفاره؛ لأنها
سلاح، وشاربه؛ لأنها أهيب في عين العدو، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٢): حلق الشارب بدعة، وقيل: سنة، قال ابن
عابدين: مشى عليه في ((الملتقى))، وعبارة ((المجتبى)) بعد ما رمز للطحاوي:
حلقه سنة، ونسبه إلى أبي حنيفة وصاحبيه، والقصُّ منه حتى يوازي الحرف
الأعلى في الشفة العليا سنة بالإجماع، اهـ.
(١) (ص٤٣٠).
(٢) (٦٧١/٩).
٢٦٠