Indexed OCR Text
Pages 101-120
٤٨ - كتاب حسن الخلق (٣) باب (١٦٢٠) حديث إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ)). أخرجه البخاريّ في: ٧٨ - كتاب الأدب، ٧٦ - باب الحذر من الغضب. ومسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٣٠ - باب فضل من يمسك نفسه عند الغضب، حديث ١٠٧. كثيراً، وكل ما جاء بهذا الوزن بالضم والسكون، فهو كذلك كهُمَزةٍ ولمزة وضُحَكَةٍ، يعني يكون بالضم والفتح للفاعل، وبالضم والسكون للمفعول، قال: ووقع بيان ذلك في حديث ابن مسعود عند مسلم، وأَوَّلُه: ((ما تعدون الصرعة فيكم؟ قالوا: الذي لا يصرعه الرجالُ))، قال ابن التين: ضبطناه بفتح الراء، وقرأه بعضهم بسكونها، وليس بشيء؛ لأنه عكس المطلوب، قال: وضبط أيضاً في بعض الكتب بفتح الصاد، وليس بشيء، اهـ. قال الباجي(١): لم يرد نفي الشدة، فإنه يعلم بالضرورة شدته، وإنما أراد ◌َله - والله أعلم - أحد أمرين، يحتمل أنه أراد أنه ليس بالنهاية في الشدة، وأشد منه الذي يملك نفسه، ويحتمل أن يريد به أنها شدة ليس لها كثير منفعة، وإنما الشدة التي ينتفع بها الشدة التي يملك بها نفسه عند الغضب، وهذا كقولهم: لا كريم إلا يوسف، لم يرد به نفي الكرم عن غيره، وإنما أراد إثبات مزية له في الكرم، وكذا لا سيف إلا ذو الفقار، ولا شجاع إلا علي - رضي الله عنه -، اهـ. (إنما الشديد الذي يملك نفسه) بالنصب (عند الغضب) وفي رواية أحمد من حديث رجل لم يُسمَّ شهد رسول الله وَ ﴿ يقول: ((الصرعة كل الصرعة))، - كررها ثلاثاً -، الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمرّ وجنهُ، فيصرع غضبه))، كذا في ((الفتح))(٢). (١) ((المنتقى)) (٢١٥/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٥١٩/١٠). ١٠١ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (٤) باب ما جاء في المهاجرة قال الباجي: ندب بهذا إلى ملك الرجل نفسه عند الغضب عن إمضاء ما يتقضيه الغضب من أذى من يملك أذاه، أو منازعة من ينازعه، وقد قال عز وجل: والذين ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَاُلْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾، اهـ. (٤) ما جاء في المهاجرة قال الراغب: الهجر والهجران مفارقة الإنسان غيره، إما بالبدن أو باللسان أو بالقلب، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوِى أَتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾(١) هجر بالقلب أو بالقلب واللسان، وقوله تعالى: ﴿وَاُلُّجْزَ فَأَهْجُرْ جَ﴾ حث على المفارقة بالوجوه كلها، والمهاجرة في الأصل مصارمة الغير ومتاركته، اهـ. وفي (المجمع)) (٢): الهجرة في الأصل الاسم من الهجر ضد الوصل، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض، يقال منه: هاجر مهاجرة، اهـ. وقال الحافظ: في قوله صلى: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) هو بمعنى الهاجر، وإن كان لفظ الفاعل يقتضي وقوع الفعل من اثنين، لكنه لههنا للواحد كالمسافر، ويحتمل أن يكون على بابه؛ لأن من لازم كونه هاجراً وطنه مثلاً أنه مهجور من وطنه، اهـ. قال القاري(٣): قال أكمل الدين من أئمتنا: في الأحاديث دلالة على حرمة هجران المسلم فوق ثلاثة أيام، وأما جواز هجرانه في ثلاثة أيام، فمفهوم منه لا منطوق، فمن قال بحجية المفهوم كالشافعية جاز له أن يقول بإباحته، ومن لا فلا. قال القاري فيه: إن الأصل في الأشياء الإباحة، والشارع إنما (١) سورة الفرقان: الآية ٣٠. (٢) (١٣٣/٥). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٣/٩). ١٠٢ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب حرم المهاجرة المقيدة لا المطلقة مع أن في إطلاقها حرجاً عظيماً، حيث لزم منه أن مطلق الغضب المؤدي إلى مطلق الهجران يكون حراماً، قال الخطابي: رخص للمسلم أن يغضب على أخيه ثلاث ليال لقِلَّتِه، ولا يجوز فوقها إلا إذا كان الهجران في حق من حقوق الله تعالى، فيجوز فوق ذلك. وفي ((حاشية السيوطي على الموطأ))(١): قال ابن عبد البر: هذا مخصوص بحديث كعب بن مالك ورفيقيه حيث أمر م # أصحابه بهجرهم، يعني زيادة على ثلاث إلى أن بلغ خمسين يوماً، قال: وأجمع العلماء على أن من خاف من مكالمة أحد وصلته ما يفسد عليه دينه أو يدخل مضرة في دنياه، يجوز له مجانبته وبُعْده، ورب صرمٍ جميلٍ خير من مخالطة تؤذيه. وفي ((النهاية))(٢): يريد به الهجر ضد الوصل، يعني فيما يكون بين المسلمين من عتب وموجدة، أو تقصير يقع في حقوق العشرة والصحبة، دون ما كان من ذلك في جانب الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع واجبة على مر الأوقات، ما لم يظهر منه التوبة والرجوع إلى الحق، فإنه وسلم لما خاف على كعب وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن تبوك أمر بهجرانهم خمسين يوماً، وقد هجر نساءه شهراً، وهجرت عائشةُ ابن الزبير مدة، وهجر جماعةٌ من الصحابة جماعةً منهم، وماتوا مهاجرين، اهـ. وفي ((مجالس الأبرار)): النهي عن الهجران فوق ثلاث، إنما هو فيما يقع بين الرجلين من جهة التقصير في حقوق الصحبة والمعاشرة دون ما كان في حق الدين، فإن هجران أهل الأهواء والبدع دائم إلى أن يتوبوا، فقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء أهل السنة على هذا مجتمعين متفقين على معاداة أهل البدعة وهجرانهم، اهـ. (١) ((تنوير الحوالك)) (ص٦٥٥). (٢) (ص ١٠٠٠). ١٠٣ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب وفي ((الفتح))(١): قال النووي: قال العلماء: تحرم المهاجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليالٍ بالنص، وتُباح في الثلاث بالمفهوم، وإنما عُفِي عنه في ذلك؛ لأن الآدمي مجبولٌ على الغضب، فَسُومح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لا يجوز الهجران فوق ثلاث، إلا لمن خاف من مكالمته ما يفسد عليه دينه أو يدخل منه على نفسه أو دنياه مضرةٌ؛ فإن كان كذلك جاز. وقد ذكر الخطابي(٢) أن هجر الوالد ولده، والزوج زوجته ونحو ذلك، لا يتضيق بثلاث، واستدل بأنه وَالر هجر نساءه شهراً، وكذلك ما صدر من السلف في استجازتهم ترك مكالمة بعضهم بعضاً مع علمهم بالنهي، ولا يخفى أن ههنا مقامين الأعلى والأدنى، فالأعلى اجتناب الإعراض جملة، فيبذل السلام والكلام والمواددة بكل طريق، والأدنى الاقتصار على السلام دون غيره، والوعيد الشديد إنما هو لمن ترك المقام الأدنى، وأما الأعلى، فمن تركه من الأجانب فلا يلحقه اللوم، بخلاف الأقارب، فإنه يدخل فيه قطيعة الرحم، اهـ. وترجم البخاري ((ما يجوز من الهجران لمن عصى))، قال المهلب(٣): غرض البخاري في هذا الباب أن يبين صفة الهجران الجائز، وأنه يتنوع بقدر الجرم، فمن كان من أهل العصيان يستحق الهجران بترك المكالمة كما في قصة كعب وصاحبيه، وما كان من المغاضبة بين الأهل والإخوان يجوز فيه الهجرة بترك التسمية مثلاً، أو بترك بسط الوجه مع عدم هجر السلام والكلام، وقال الطبري: قصة كعب أصلٌ في هجران أهل المعاصي، وقد استشكل كون (١) ((فتح الباري)) (٤٩٢/١٠). (٢) انظر: المصدر السابق (٤٩٦/١٠). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٤٩٧/١٠). ١٠٤ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب هجران الفاسق أو المبتدع مشروعاً، ولا يشرع هجران الكافر، وهو أشدُّ جرماً منهما لكونهما من أهل التوحيد في الجملة. وأجاب ابن بطال بأن الله تعالى أحكاماً فيها مصالح للعباد، وهو أعلم بشأنها، وعليهم التسليم لأمره فيها، فجنح إلى أنه تعبد لا يعقل معناه، وأجاب غيره بأن الهجران على مرتبتين: الهجران بالقلب، والهجران باللسان، فهجران الكافر بالقلب، وبترك التودد والتعاون والتناصر، لا سيما إذا كان حربياً، وإنما لم يشرع هجرانه بالكلام لعدم ارتداعه بذلك عن كفره، بخلاف العاصي المسلم فإنه ينزجر بذلك غالباً، ويشترك كل من الكافر والعاصي في مشروعية مكالمته بالدعاء إلى الطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما المشروع ترك المكالمة بالموادة ونحوها، اهـ. وفي ((مجالس الأبرار)): فإن قيل: العصاة والفساق على مراتب مختلفة، فهل يسلك في جميعهم مسلكاً واحداً أم لا؟ فالجواب أن المخالف لأمر الله تعالى لا يخلو إما أن يكون في اعتقاده أو في عمله. والمخالف في الاعتقاد ثلاثة أقسام، الأول: الكافر، فإن كان حربياً يستحق القتل والاسترقاق، وإن كان ذمياً لا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والكف عن مخالطته، ويكره كراهة شديدة تكاد تنتهي إلى التحريم، الانبساط معه . الثاني: المبتدع الذي يدعو إلى بدعته، فإن كانت بدعته بحیث یکفر بها فأمره أشدُّ من الذمي، لأنه لا يقرّ بجزية ولا يسامح بعقد الذمة، وإن كانت مما لا يكفر بها، فأمره بينه وبين الله أخفّ من أمر الكافر لا محالة، إلا أن الإنكار عليه أشدُّ منه على الكافر؛ لأن شرَّ الكافر غير متعدٍّ، فإن المسلمين لا يلتفتون إليه، ولا يقبلون قوله لكونه كافراً، وهذا المبتدع الذي يدعو إلى بدعته سبب لغواية الخلق، فشره متعدٍّ، فالاستحباب في إظهار بغضه ومعاداته، وإن سلّم في الملأ فترك الجواب أدلّ تنفيراً للناس عنه وتقبيحاً لبدعته. ١٠٥ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢١) حديث ١٦٢١/ ١٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ أَخَاهُ والثالث: المبتدع العامي الذي لا يقدر على الدعوة، فالأولى أن لا يفاتح بالتغليظ، بل ينبغي أن يتلَطّف به في النصح؛ لأن قلوب العوام سريعة التقلب، فإن لم ينفع النصح وكان في الإعراض عنه تقبيح لبدعته في عينه، يتأكد الاستحباب، إلى آخر ما بسطه. وقال الحافظ(١) في باب ((من وصل وصله الله)): قال ابن أبي جمرة: صلة الرحم تكون بالمال والعون على الحاجة ودفع الضرر، وطلاقة الوجه والدعاء، والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا يستمرُّ إذا كان أهل الرحم أهل استقامة، فإن كانوا كفاراً أو فجاراً فمقاطعتهم في الله هي صلتهم، بشرط بذل الجهد في وعظهم، ثم إعلامهم إذا أصرُّوا أن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق، ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا إلى الطريق المثلى، اهـ. ١٣/١٦٢١ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عطاء بن يزيد) بتحتيتين بينهما زاي (الليثي) المدني (عن أبي أيوب الأنصاري) وقد أخرجه البخاري(٢) برواية عبد الله بن يوسف عن مالك بهذا السند (أن رسول الله وَلجر قال: لا يحلّ لمسلم أن يهجر) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية غير الزرقاني، ففيها ((أن يهاجر))، وقال: كذا ليحيى ولغيره أن يهجر، اهـ. لكن النسخ كلها متظافرة على لفظ يهجر، وهكذا ذكر هذا اللفظ ابن عبد البر في ((التجريد)) في هذه الرواية، والذي حكاه الزرقاني لههنا ذكره ابن عبد البر في الرواية الآتية كما سيأتي. (أخاه) في الإسلام، وفي ((مجالس الأبرار)): المراد به الأخ في الدين، (١) ((فتح الباري)) (٤١٨/١٠). (٢) أخرجه البخاري (٦٠٧٧) باب الهجرة، وفي ((التمهيد)) (١٤٥/١٠). ١٠٦ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢١) حديث فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ. يَلْتَقِيَانِ. فَيُعْرِضُ هُذَا. وَيُعْرِضُ هُذَا، بدليل قوله وقر في حديث آخر: ((لا يحل لمسلم أن يهجر مسلماً فوق ثلاث))، الحديث، قال الحافظ: وسبقه النووي في أن التقييد بالأخ دالٌّ على أن للمسلم أن يهجر الكافر من غير تقييد، اهـ. (فوق ثلاث ليال) قال القرطبي: المعتبر ثلاث ليال حتى لو بدأ بالهجرة في أثناء النهار، ألغي البعض، وتعتبر ليلة ذلك اليوم. وينقضي العفو بانقضاء الليلة الثالثة، قال الحافظ(١): وفي الجزم باعتبار الليالي دون الأيام جمود، وقد ورد في رواية شعيب في حديث أيوب عند البخاري ((ثلاثة أيام))، فالمعتمد أن المرخص فيه ثلاثة أيام بلياليها، فحيث أطلقت الليالي أريد بأيامها، وحيث أطلقت الأيام أريد بلياليها، ويكون الاعتبار مضيّ ثلاثة أيام بلياليها ملفقة. إذا ابتدأت مثلاً من الظهر يوم السبت كان آخرها الظهر يوم الثلاثاء، ويحتمل أن يلغى الكسر. ويكون أول العدد من ابتداء اليوم أو الليلة، والأول أحوط، اهـ. (يلتقيان) ادعى المحب الطبري أن الهجران المنهي عنه ترك السلام إذا التقيا، كذا في ((الفتح))، (فيعرض) بضم التحتية وكسر الراء (هذا) من أخيه المسلم (ويعرض هذا) الآخر كذلك، وفي بعض النسخ الهندية بلفظ ((أو يعرض)) تحريف من الناسخ، قال المازري: أصله أن يولي كل واحد منهما الآخر عرضه أي جانبه، وفي رواية: فيصد هذا، ويصد هذا. قال الباجي(٢): يريد أن كل واحد منهما يعرض عن صاحبه مهاجرة له فلا يسلم عليه ولا يكلمه، فهذا المقدار الذي نهي عنه من المهاجرة، وأما الأذى فلا يحل قليله ولا كثيره. (١) انظر: ((فتح الباري)) (٤٩٢/١٠). (٢) ((المنتقى)) (٢١٥/٧). ١٠٧ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢١) حديث وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)). أخرجه البخاريّ في: ٧٨ - كتاب الأدب، ٦٢ - باب الهجرة وقول رسول الله وَله: لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث. ومسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٨ - باب تحريم الهجرة فوق ثلاث، حديث ٢٥. (وخيرهما) أي أفضلهما وأكثرهما ثواباً (الذي يبدأ بالسلام) زاد الطبري من وجه آخر عن الزهري بعد قوله: بالسلام يسبق إلى الجنة. قال الحافظ: ولأبي داود(١) بسند صحيح عن أبي هريرة ((فإن مرت به ثلاث، فلقيه فليسلم عليه، فإن ردّه فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم، وخرج المُسَلِّم من الهجرة))، ولأحمد والمصنف في ((الأدب المفرد)) وصححه ابن حبان من حديث هشام بن عامر: ((فإنهما ناكثان عن الحق، ماداما على صرامهما، وأولهما فيئاً يكون سبقُه كفارةً))، فذكر نحو حديث أبي هريرة وزاد في آخره: ((فإن ماتا على صرامهما لم يدخل الجنة جميعاً))، اهـ. وتقدم في أول الباب ما قال ابن عبد البر: إن الحديث مخصوص بقصة كعب ورفيقيه، وأجمع العلماء على جواز مجانبة من خاف من مكالمته ما يفسد عليه دينه، قال الحافظ: قال أكثر العلماء: تزول الهجرة بمجرد السلام وردّه، وقال أحمد: لا يبرأ من الهجرة إلا بعوده إلى الحال التي كان عليها أولاً . وقال أيضاً: ترك الكلام إن كان يؤذيه لم تنقطع الهجرة بالسلام، وكذا قال ابن القاسم، وقال عياض: إذا اعتزل كلامه لم تقبل شهادته عليه عندنا ولو سَلَّمَ عليه، يعني وهذا يؤيّد قول ابن القاسم، قال الحافظ(٢): ويمكن الفرق بأن الشهادة يُتَوقَّى فيها، وترك المكالمة يشعر بأن في باطنه عليه شيئاً، فلا تُقبل شهادته عليه، وأما زوال الهجرة بالسلام عليه بعد تركه ذلك في الثلاثة فليس (١) ((سنن أبي داود)) (٤٩١٢). (٢) ((فتح الباري)) (٤٩٦/١٠). ١٠٨ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢١) حديث بممتنع، واستدل للجمهور بما رواه الطبراني عن ابن مسعود في حديث موقوف، وفيه: ((ورجوعه أن يأتي فيُسَلِّمَ عليه)»، اهـ. قال الباجي(١): أما إذا سلم فقد روى ابن وهب عن مالك: ((إذا سلّم عليه، ولا يكلمه بهذا المقدار الذي نهي عنه، فقد قطع الهجرة))، وقال ابن القاسم في الذي يُسَلّم على أخيه، ولا يكلمه بغير ذلك بل يجتنب كلامه: إن كان غير مؤذٍ له فقد برئ من الشحناء، وإن كان مؤذياً له فلا يتبرأ منه، وهذا قول أحمد بن حنبل. وجه القول الأول هذا الحديث، فلولا أن السلام يقطع الهجرة لما كان أفضلهما الذي يبدأ بالسلام، ووجه القول الثاني أنه إن كان لا يؤذيه فقد برئ من الهجرة؛ لأنه أتى من المواصلة بما لا أذى فيه، وإن كان يؤذيه فلم يبرأ من الهجرة؛ لأن الأذى أشدُّ من المهاجرة. قال ابن القاسم: إذا اعتزل كلامه لم تقبل شهادته عليه وإن كان غيرمؤذٍ له، اهـ. وقال النووي: في الحديث دليل لمذهب الشافعي ومالك ومن وافقهما أن السلام يقطع الهجرة ويرفع الإثم ويزيله. وقال أصحابنا: لو كاتبه أو راسله عند غيبته هل يزول إثم الهجرة؟ فيه وجهان؛ أحدهما لا يزول؛ لأنه لم يكلمه، وأصحهما يزول لزوال الوحشة، اهـ. والحديث أخرجه محمد في ((موطئه)) (٢)، ثم قال: وبهذا نأخذ لا ينبغي الهجرة بين المسلمين، اهـ. قال القاري(٣): قال أكمل الدين من أئمتنا: في الحديث دليل على حرمة (١) ((المنتقى)) (٣١٥/٧). (٢) («موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٣٨/٣). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٣/٩). ١٠٩ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٢) حديث ١٤/١٦٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((لَا تَبَاغَضُوا هجران المسلم فوق ثلاثة أيام، وأما الجواز في الثلاث فمفهوم منه لا منطوق كما تقدم، ثم قال: وفيه حث على إزالة الهجران، وأنه يزول بمجرد السلام، اهـ. ١٤/١٦٢٢ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك) رواه البخاري(١) برواية عبد الله بن يوسف عن مالك بهذا السند (أن رسول الله والهم قال: لا تباغضوا) بحذف إحدى التائين فيه وفي تالييه، قال الباجي: هي على ما تقدم من نهيه وَلّر عن البغضة، وهو أن يبغض بعض المسلمين بعضاً لغير معنى موجبٍ لذلك من جهة الشرع، وفي ((المزنية)) لعيسى بن دينار: معناه لا يبغض بعضكم بعضاً، ولا يبغض بعضكم بعضاً إلى بعض، اهـ. قال الحافظ(٢): أي لا تتعاطوا أسباب البغض؛ لأن البغض لا يكتسب ابتداء، وقيل: المراد النهي عن الأهواء المضلة المقتضية للتباغض، قال الحافظ: بل هو أعم من الأهواء؛ لأن تعاطي الأهواء ضرب من ذلك، وحقيقة التباغض أن يقع بين اثنين، وقد يطلق إذا كان من أحدهما، والمذموم في غير الله، فإنه واجب فيه، ويثاب لتعظيم حق الله، ولو كانا أو أحدهما عند الله تعالى من أهل السلامة، كمن يؤديه اجتهاده إلى اعتقاد ينافي الآخر، فيبغضه على ذلك فهو معذور عند الله تعالى، اهـ. قلت: وفي ((المشكاة))(٣) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَلقر: ((من أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع الله، فقد استكمل الإيمان))، رواه أبو (١) ((صحيح البخاري)) (٦٠٧٦) باب الهجرة، وهو في ((التمهيد)) (١١٥/٦) (٢) ((فتح الباري)) (٤٩٦/١٠)، وانظر: ((القبس)) (١٠٩٨/٣). (٣) ح (٣٠ - ٣١). ١١٠ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٢) حديث وَلَا تَحَاسَدُوا داود، ورواه الترمذي عن معاذ بن أنس مع تقديم وتأخير، وفيه: ((فقد استكمل إيمانه))، وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَله: «أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله))، رواه أبو داود. (ولا تحاسدوا) قال الحافظ(١): الحسد تمني الشخص زوال النعمة عن مستحق لها أعم من أن يسعى في ذلك أو لا، فإن سعى كان باغياً، وإن لم يسع في ذلك، ولا أظهره، ولا تسبب في تأكيد أسباب الكراهة التي نهي المسلم عنها في حق المسلم نظر، فإن كان المانع له من ذلك العجزُ بحيث لو تمكن لفعل، فهذا مأزور، وإن كان المانع من ذلك التقوى يُعْذَرُ؛ لأنه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانية، فيكفي في مجاهدتها أن لا يعمل بها ولا يعزم على العمل بها . وقد أخرج عبد الرزاق عن إسماعيل بن أمية رفعه: ((ثلاث لا يسلم منها أحد: الطيرة، والظن، والحسد))، قيل: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: ((إذا تَطَيَّرتَ فلا تعمل بها، وإذا ظننتَ فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ))، وعن الحسن البصري قال: ما من آدمي إلا وفيه الحسد، فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء، اهـ. وفي ((الزرقاني))(٢): روى ابن عبد البر(٣) عن الحسن البصري: ليس أحد من ولد آدم إلا وقد خلق معه الحسد، فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء، وقد ذمَّ الله قوماً على حسدهم آخرين، فقال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَدُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾(٤)، وغير ذلك من الآيات، وقد ورد (١) ((فتح الباري)) (٤٨٢/١٠). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٢/٤). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (١٤٩/٢٦). (٤) سورة النساء: الآية ٥٤. ١١١ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٢) حديث مرفوعاً: ((إن الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب))، وروى ابن أبي شيبة عن الزبير مرفوعاً: ((دبَّ إليكم داءُ الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء حالقتا الدين، لا حالقتا الشعر))، وغير ذلك من الروايات. قال ابن عبد البر: وهذا مخصوص بحديث ابن عمر مرفوعاً: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار))، وبحديث الصحيح عن ابن مسعود مرفوعاً: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلّطه على هلكته في الخير، ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها))، قال الزرقاني: على أن هذا إنما هو غبطة، وهو أن يتَمنَّى أن يكون له مثله من غير أن يتمنى زواله عنه، اهـ. قال الباجي(١): قوله: ((ولا تحاسدوا)) وهذا إنما يكون على وجهين: أحدهما: أن تتمنى لنفسك مثل ما عند أخيك من أمر دين أو عمل صالح، ولا تريد أن يزول ما عنده فهذا غير مذموم، والوجه الثاني: أن تتمنى زوال نعمة عند أخيك المسلم، سواء أردت انتقالها إليك أو لم ترد، فهذا الحسد المذموم، وفي ((العتبية)) عن مالك: بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح، حسد إبليس وتَكَبَّر على آدم، وشحّ آدم، قيل له: كُلْ من شجرات الجنة كلها، إلا التي نهي عنها، فشحّ، فأكل منها، اهـ. قلت: المراد بالشح لهُهنا شدة الحرص، وقال القاري(٢): قال تعالى: ﴿وَلَا تَثَمَنَّوْأْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضَِّ﴾(٣)، إلى أن قال: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ (١) ((المنتقى)) (٢١٩/٧). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٣/٩). (٣) سورة النساء: الآية ٣٢. ١١٢ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٢) حديث وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً. مِن فَضْلِةٍ﴾ أي مثل تلك النعمة أو أمثل منها، وهذا الحسد المحمود المسمى بالغبطة كما في حديث ((لا حسد إلا في اثنین))، اهـ. (ولا تدابروا) أي لا يعرض أحدكم بوجهه عن أخيه، ويُوَلِّه دبره، وفي ((الفتح)) (١): قال الخطابي: لا تتهاجروا، فيهجر أحدكم أخاه مأخوذ من تولية الرجل الآخر دبره إذا أعرض عنه حين يراه، وقال ابن عبد البر: قيل للإعراض: مدابرة؛ لأن من أبغض أعرض، ومن أعرض ولّى دبره، والمحب بالعكس، وقيل: معناه لا يستأثر أحدكم على الآخر، وقيل للمستأثر: مستدبر؛ لأنه يولي دبره حين يستأثر بشيء دون الآخر، وقال المازري: معنى التدابر المعاداة يقول: دابرته أي عاديته، وحكى عياض أن معناه لا تجادلوا، ولكن تعاونوا، قال الحافظ: والأول أولى، وقد فسره مالك بأخص منه، فقال: لا أحسب التدابر إلا الإعراض عن السلام، اهـ. قلت: وسيأتي تفسير الإمام مالك - رحمه الله تعالى - قريباً، وقال الباجي: قوله: لا تدابروا، قال في ((المزنية)): لا تعرض بوجهك عن أخيك، توله دبرك استثقالاً له، وبغضاً، بل أقبل عليه، وابسط له وجهك ما استطعت، قاله عیسی بن دینار، وروي عن ابن نافع، اهـ. (وكونوا عباد الله) منادى بحذف حرف النداء، به جزم الزرقاني (إخواناً) قال القاري (٢): خبر آخر، أو بدل، أو هو الخبر، وعباد الله منصوب على الاختصاص بالنداء، قال الطيبي: وهذا الوجه أوقع، قال القاري: بل وقوعه خبراً واقعاً تحت الأمر أوجه، لكون هذا الوجه مشعراً بالعلية من حيث العبودية، ويؤيده أن في رواية ضبط ((عباداً)) بالنصب، و(لله)) باللام الأجلية، (١) ((فتح الباري)) (٤٨٢/١٠). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٤/٩). ١١٣ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٢) حديث والمعنى أنتم مستوون في كونكم عبيد الله، وملتكم واحدة، والتباغض والتحاسد منافية لحالكم، فالواجب أن تعاملوا معاملة الأخوّة والمعاشرة في المودة، اهـ. وقال الحافظ(١): هو بلفظ المنادى المضاف، زاد مسلم في آخره في حديث أبي هريرة: ((كما أمركم الله)). ومثله عنده من طريق قتادة عن أنس، وهذه الجملة تشبه التعليل لما تقدم، كأنه قال: إذا تركتم هذه المنهيات كنتم إخواناً، ومفهومه إذا لم تتركوها تصيروا أعداء، ومعنى كونوا إخواناً: اكتسبوا ما تصيرون به إخواناً مما سبق ذكره، وغير ذلك من الأمور المقتضية لذلك إثباتاً ونفياً . وقوله: عباد الله أي يا عباد الله، وفيه إشارة إلى أنكم عبيد الله، فحقكم أن تتواخوا بذلك. قال القرطبي: المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والنصيحة، ولعل قوله في الرواية الزائدة: ((كما أمركم الله)) أي بهذه الأوامر المقدم ذكرها، فإنها جامعة لمعاني الأخوة، ونسبتها إلى الله، لأن الرسول مُبَلِّغٌ عن الله تعالى. وقد أخرج أحمد بسند حسن عن أبي أمامة: ((لا أقول إلا ما أقول))، ويحتمل أن يكون أراد بقوله: ((كما أمركم الله)) الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فإنه خبر عن الحالة التي شرعت للمؤمنين، فهو بمعنى الأمر، اهـ. ثم قال الحافظ: هكذا اقتصر الحفاظ من أصحاب الزهري عنه على هذه الثلاثة، وزاد عبد الرحمن بن إسحاق عنه فيه ((ولا تنافسوا))، ذكر ذلك ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢) والخطيب في ((المدرج))، قال: وهكذا قال سعيد بن أبي (١) (فتح الباري)) (٤٨٣/١٠). (٢) (٢٠/١٨). ١١٤ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٢) حديث وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ)). أخرجه البخاريّ في: ٧٨ - كتاب الأدب، ٦٢ - باب الهجرة وقول رسول الله له: لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث. ومسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٧ - باب النهي عن التحاسد وَالتَّبَاغُض والتَّدابر، حديث ٢٣. قَالَ مَالِكٌ: لَا أَحْسِبُ التَّدَابُرَ إِلَّا الْإِعْرَاضَ عَنْ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ. فَتُدْبِرَ عَنْهُ بِوَجْهِكَ. مريم عن مالك عن ابن شهاب، وقد قال الخطيب وابن عبد البر: خالف سعيد جميعَ الرواة عن مالك في ((الموطأ)) وغيره، فإنهم لم يذكروا هذه الكلمة في حديث أنس، وإنما هي عندهم في حديث مالك عن أبي الزناد أي الحديث الذي يلي هذا، فأدرجها ابن أبي مريم في إسناد حديث أنس، وكذا قال حمزة الكناني: ولا أعلم أحداً قالها في حديث أنس غير سعيد، اهـ. (ولا يحل لمسلم أن يهجر) هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية غير الزرقاني بلفظ المجرد، وفي نسخة الزرقاني بلفظ ((يهاجر))، وقال: قال أبو عمر: كذا ليحيى وحده، وسائر الرواة يقولون: يهجر، اهـ. وهكذا في ((التجريد))(١) بلفظ ((يهاجر))، وقال: هكذا قال يحيى: يهاجر، وسائر رواة ((الموطأ)) يقولون: يهجر، والمعنى واحد في ترك مكالمته، والإعراض عنه، اهـ (أخاه) في الإسلام (فوق ثلاث ليال) وتقدم الكلام عليه مبسوطاً . (قال مالك: لا أحسب التدابر) أي معناه في الحديث المذكور (إلا الإعراض) أي إعراضك (عن أخيك المسلم) وترك السلام والكلام (يدبر) هو (عنك بوجهه) هكذا في جميع النسخ الهندية، ورقم عليها علامة النسخة، وليست هذه الجملة في النسخ المصرية، بل اقتصر فيها على الجملة الآتية، وهي قوله: (فتدبر عنه بوجهك) وهذه الجملة موجودة في جميع النسخ الهندية والمصرية . (١) (ص١١٦). ١١٥ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٣) حديث ١٥/١٦٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالظّنَّ .... وحكى الحافظ في ((الفتح)) هذا الكلام بسياق آخر، فقال في شرح قوله: ((ولا تدابروا)): وقد فسره مالك في ((الموطأ)) فقال إذ ساق حديث الباب عن الزهري بهذا السند: ولا أحسب التدابر إلا الإعراض عن السلام، يدبر عنه بوجهه، وكأنه أخذه من بقية الحديث ((يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)). فإنه يفهم أن صدور السلام منهما أو من أحدهما يرفع ذلك الإعراض، اهـ. هكذا قال الحافظ. وفيه أن الإمام مالكاً - رحمه الله تعالى - لم يذكر هذا الكلام في حديث أبي هريرة كما حكاه الحافظ عنه في حديثه، إذ قال في حديث الباب بهذا السند، وأيضاً ليس في النسخ الموجودة عندنا لفظ السلام، بل بدله ((عن أخيك المسلم))، فتأمل. ١٥/١٦٢٣ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) وقد أخرجه البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك بهذا السند (أن رسول الله (وَ ل﴿ قال: إياكم) كلمة تحذير (والظن) بالنصب على التحذير، قال القاري (١): أي احذروا اتباع الظن في أمر الدين الذي مبناه على اليقين، قال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الَّنَ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾(٢)، قال القاضي: التحذير من الظن فيما يجب فيه القطع أو التحدث به عند الاستغناء عنه أو عما يظن كذبه. قال القاري: أو اجتنبوا الظن في الإخبار، ويؤيده قوله: ((فإن الظن أكذب الحديث))، ويقويه قوله وَّليه: ((كفى بالمرء إثماً، أن يحدث بكل ما (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٣/٩). (٢) سورة يونس: الآية ٣٦. ١١٦ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٣) حديث سمع))، وقيل: معناه أكذب حديث النفس؛ لأنه يكون بإلقاء الشيطان، أو اتقوا سوء الظن بالمسلمين، قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِّ﴾(١) الآية، وهو ما يستقر عليه قلبه دون ما يخطر بقلبه، اهـ. وفي ((المنتقى))(٢): قال عيسى بن دينار في ((المزنية)): يريد ظن السوء، ومعناه أن تعادي أهلك وصديقك على ظنٍ تظنه به دون تحقيق، أو تحدث بأمر على ما تظنه، فتنقله على أنك قد علمته، ويحتمل أن يريد به - والله أعلم - أن يحكم في دين الله بمجرد الظن دون إعمال نظر ولا استدلال بدليل، وقد قال عز اسمه: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولً (®﴾(٣)، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الَّنِّ إِثْرٌ﴾، وهذا يقتضي أن منه ما ليس بإثم، وهو ما يوصل إلى الحكم فيه بالنظر والاجتهاد من كان من أهل النظر والاجتهاد، اهـ. وقال الحافظ في ((الفتح))(٤): قال الخطابي وغيره: ليس المراد ترك العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالباً، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب بغير دليل، وذلك أن أوائل الظنون إنما هي خواطر، لا يمكن دفعها، وما لا يقدر عليه لا يكلف به، ويؤيده حديث ((تجاوز الله للأمة عما حدثت به أنفسها)). وقال القرطبي: المراد بالظن لههنا التهمة التي لا سبب لها، كمن يتهم رجلاً بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف عليه قوله: (١) سورة الحجرات: الآية ١٢. (٢) (٢١٩/٧). (٣) سورة الإسراء: الآية ٣٦. (٤) ((فتح الباري)) (٤٨١/١٠). ١١٧ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٣) حديث ﴿وَلَا تَتَسُواْ﴾، وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة، فيريد أن يتحقق، فيتجسس، ويبحث ويستمع، فنهي عن ذلك. وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الَّنِّ إِنَ بَعْضَ اُلَّنِ إِذْرُ وَلَا تَسُواْ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾(١) فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن. فإن قال الظان: أبحث لأتحقق، قيل له: ((ولا تجسسوا))، فإن قال: تحققت من غير تجسس، قيل له: ((ولا يغتب بعضُكم بعضاً))، وقال عياض: استدل بالحديث قوم على منع العمل في الأحكام بالاجتهاد والرأي، وحمله المحققون على ظنٍ مجردٍ عن الدليل، ليس مبنياً على أصل، ولا تحقيق نظر. وقال النووي(٢): ليس المراد في الحديث بالظن ما يتعلق بالاجتهاد الذي يتعلق بالأحكام أصلاً، بل الاستدلال به لذلك ضعيف أو باطل، وتعقب بأن ضعفه ظاهر، وأما بطلانه فلا، فإن اللفظ صالح لذلك، ولا سيما إن حمل على ما ذكره القاضي عياض، وقد قربه القرطبي في ((المفهم))، وقال: الظن الشرعي الذي هو تغليب أحد الجانبين أو هو بمعنى اليقين ليس مراداً من الحديث، ولا من الآية، فلا يلتفت لمن استدل بذلك على إنكار الظن الشرعي. وقال ابن عبد البر (٣): احتج به بعض الشافعية على من قال بسدِّ الذريعة في البيع، فأبطل بيع العينة، ووجه الاستدلال النهي عن الظن بالمسلم شراً، فإذا باع شيئاً حمل على ظاهره الذي وقع العقد به، ولم يبطل بمجرد قولهم: إنه سلك به مسلك الحيلة، ولا يخفى ما فيه، اهـ. (١) سورة الحجرات: الآية ١٢. (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٦٣/٤). (٣) (فتح الباري)) (١٠ /٤٨١). ١١٨ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٣) حديث فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ. قال الزرقاني: الظن تهمة تقع في القلب بلا دليل، قال الغزالي: هو حرام كسوء القول، لكن لست أعني به إلا عقد القلب. وحكمه على غيره بالسوء، أما الخواطر وحديث النفس فعفوٌ، بل الشك عفو أيضاً، فالمنهي عنه الظن، وهو عبارة عما تركن إليه النفس، ويميل إليه القلب. وسبب تحريمه أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءاً إلا إذا انكشف لك بعيان، فعند ذلك لا تعتقد إلا ما علمته وشاهدته، فما لم تشاهده أو تسمعه. ثم يوقع في قلبك، فإن الشيطان يلقيه إليك، فينبغي لك أن تكذبه فإنه أفسق الفساق وقال العارف زروق: إنما ينشأ الظن الخبيث عن القلب الخبيث. (فإن الظن) أقام المظهر مقام المضمر لزيادة تمكن المسند إليه في ذهن السامع حثاً على الاجتناب (أكذب الحديث) أي حديث النفس؛ لأنه يكون بإلقاء الشيطان في نفس الإنسان، واستشكل تسميته كذباً بأن الكذب من صفات الأقوال، وأجيب بأن المراد عدم مطابقة الواقع سواء كان قولاً أم لا، كذا في ((الزرقاني)). وقال الحافظ(١): استشكلت تسمية الظن حديثاً، وأجيب بأن المراد عدم مطابقته الواقع سواء كان قولاً أو فعلاً، ويحتمل أن يكون المراد ما ينشأ عن الظن فوصف الظن به مجازاً. قال: وأما وصف الظن بكونه أكذب الحديث مع أن تعمد الكذب الذي لا يستند إلى ظنٍ أصلاً أشدّ من الأمر الذي يستند إلى ظن. فللإشارة إلى أن الظن المنهيّ عنه هو الذي لا يستند إلى شيء يجوز الاعتماد عليه، فيعتمد عليه، ويجزم به، فيكون الجازم به كاذباً، وإنما صار (١) ((فتح الباري)) (٤٨٢/١٠). ١١٩ ٤٨ - كتاب حسن الخلق (٤) باب (١٦٢٣) حديث وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا أشد من الكاذب؛ لأن الكذب في أصله مستقبح مستغنى عن ذمه بخلاف هذا، فإن صاحبه بزعمه مستند إلى شيء، فوصف بكونه أشد الكذب مبالغة في ذمه والتنفير منه، وإشارة إلى أن الاغترار به أكثر من الكذب المحض لخفائه غالباً ووضوح الكذب المحض، اهـ. (ولا تجسسوا ولا تحسسوا) بالجيم في الأول والحاء المهملة في الثانية، في جميع النسخ الهندية والمصرية إلا الزرقاني، ضبط الأولى بالمهملة والثانية بالجيم، قال: وروي بتقديمها على الحاء، قال الحافظ: إحدى الكلمتين بالجيم والأخرى بالحاء المهملة، وفي كل منهما حذف إحدى التائين تخفيفاً، وكذا في بقية المناهي التي في حديث الباب، والأصل تتجسسوا. وفي ((الزرقاني)): قال ابن عبد البر: هما لفظتان معناهما واحد، وهو البحث والتطلب لمعايب الناس ومساويهم، إذا غابت واستترت لم يحل أن يسأل عنها، ولا يكشف عن خبرها، وأصل هذه اللفظة في اللغة من قولك: حَسَّ الشيء أي أدركه لحسّه وجسّه من المحسّة والمجسّة، وكذا قال إبراهيم الحربي: هما بمعنى واحد. وفي ((الفتح))(١): قال الخطابي: معناه لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتبعوها، قال تعالى حاكياً عن يعقوب عليه السلام: ﴿أَذْهَبُواْ فَتَحَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾(٢)، وأصل هذه الكلمة التي بالمهملة من الحاسّة إحدى الحواسّ الخمس، وبالجيم من الجسّ بمعنى اختبار الشيء باليد، وهي إحدى الخمس، فتكون التي بالحاء أعم، وقال إبراهيم الحربي: هما بمعنى واحد. وقال ابن الأنباري: ذكر الثاني للتأكيد كقولهم: بعداً وسحقاً، وقيل: (١) (٤٨٢/١٠). (٢) سورة يوسف: الآية ٨٧. ١٢٠