Indexed OCR Text

Pages 81-100

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٥) حديث
قَالُوا: بَلَى. قَالَ: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ.
بمعنى ((أو)) فالمعنى أفضل من كل منها، والأول أبلغ في مقام الترغيب كما لا
يخفى، وقال الأشرف: المراد بهذه المذكورات النوافل دون الفرائض.
قال القاري : - والله أعلم بالمراد - إذ قد يتصور أن يكون الإصلاح في
فساد يتفرع عليه سفك الدماء، ونهب الأموال، وهتك الحرم أفضل من فرائض
هذه العبادات مع إمكان قضائها على فرض تركها، فهي من حقوق الله هي
أهون عنده سبحانه من حقوق العباد، فإذا كان كذلك فيصحُّ أن يقال: هذا
الجنس من العمل أفضل من هذا الجنس لكون بعض أفراده أفضل، كالبشر خير
من الملك، اهـ.
وفي ((المحلى)): أي النوافل، وعمَّم الطيبي، اهـ. قال القاري: ويؤيد
الأول لفظ الصدقة فإنها للمندوبة غالباً، قال الباجي(١): يحتمل أن يريد به
النوافل، فيكون معناه أنها خير من كثير من جنس الصلاة والصدقة، ويحتمل أن
يريد به خير من إكثار الصلاة والصدقة، وهو أيضاً راجع إلى النافلة، ويحتمل
أن يريد أنها خير، وأكثر ثواباً بمايسديه بعضهم إلى بعض، مع ما في إصلاح
ذات البين من حسن المعاشرة والمناصحة. ويحتمل أن يراد، أن كثرة الصواب
تكون باحتساب الأذى.
(قالوا: بلى) أخبرنا، وفي رواية أبي الدرداء المذكورة قال: قلنا: بلى
(قال: إصلاح) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية إلا الزرقاني ففيها
((صلح))، قال: بضم فسكون، وفي رواية الجماعة إصلاح، اهـ. (ذات البين)
قال القاري: قيل: يريد بذات البين الخصلة التي تكون بين الناس من قرابة
ومودة ونحوهما، وقيل: المراد بذات البين المخاصمة والمهاجرة بين اثنين
يحصل بينهما بين، أي فرقة، والبين من الأضداد: الوصل والفرق.
(١) ((المنتقى)) (٢١٣/٧).
٨١

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٥) حديث
وَإِيَّاكُمْ وَالْبِغْضَةَ، فَإِنَّهَا هِيَ الْحَالِقَةُ.
وقال الطيبي: إصلاح ذات البين أي أحوال بينكم يعني ما بينكم من
أحوال ألفة ومحبة واتفاق، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وقال عز
اسمه ﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، قال الباجي: يريد - والله أعلم - إصلاح الحال
التي بين الناس.
(وإياكم والبغضة) منصوب على التحذير، قال الزرقاني: بكسر الموحدة
وسكون الغين وفتح الضاد المعجمتين وهاء تأنيث: شدة البغض، وفي رواية
((البغضاء)) بالفتح والمد، هو أيضاً شدته (فإنها) أي البغضة (هي الحالقة) ولفظ
أبي الدرداء بدله: ((وفساد ذات البين هي الحالقة)): وزاد في رواية لما تقدم،
قال أبو الدرداء: أما إني لا أقول: حالقة الشعر، ولكنها حالقة الدين.
وفي ((المشكاة)) عن الزبير، قال: قال رسول الله وَ له: ((دبّ إليكم داءُ
الأمم قبلكم: الحسد، والبغضاء وهي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن
تحلق الدين))، رواه أحمد والترمذي، قال القاري: قال المنذري: رواه أحمد
والبزار بإسناد صحيح جيد والبيهقي وغيرهم، اهـ.
قال القاري (١): أي الماحيةُ والمزيلة للمثوبات والخيرات، والمعنى يمنعه
شؤمُ هذا الفعل عن تحصيل الطاعات والعبادات، وقيل: المهلكة، من حلق
بعضهم بعضاً، أي قتل، مأخوذٌ من حلق الشعر، وفي ((النهاية)): هي الخصلة
التي من شأنها أن تحلق، أي تهلك، وتستأصل الدين، كما يستأصل الموسى
الشعر، وقيل: هي قطيعة الرحم والتظالم، وقال الطيبي: فيه حث على إصلاح
ذات البين؛ لأنه سبب للاعتصام بحبل الله، وفساد ذات البين ثلمة في الدين،
فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة فوق ما يناله الصائم القائم
المشتغل بخويصة نفسه، فعلى هذا ينبغي أن يحمل الصلاة والصيام على
الإطلاق، اهـ.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٩/٩).
٨٢

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٦) حديث
٨/١٦١٦ - وحدثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
قَالَ: ((بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ)).
قال الباجي(١): قال الأخفش: أصل الحالقة حلق الشعر، وإذا وقع
الفساد بين قوم، من حرب أو تباغض حلقهم عن البلاد أي أجلتهم وفرقتهم
حتى يخلوها، ويحتمل عندي أن يريد أنها لا تبقي شيئاً من الحسنات، حتى
يذهب بها كما يذهب الحلق بالشعر من الرأس حتى تركه عارياً، اهـ.
٨/١٦١٦ - (مالك أنه بلغه) قال ابن عبد البر في ((التجريد)): هذا
الحديث يتصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره عن النبي بَّر، اهـ. وقال
الزرقاني(٢): رواه أحمد وقاسم بن أصبغ والحاكم والخرائطي برجال الصحيح
عن ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة، اهـ.
وفي ((الجامع الصغير)) برواية أبي هريرة ((إنما بعثت لأتمم الأخلاق))،
ورقم له بالصحة، وعزاه إلى ابن سعد والبخاري في ((الأدب المفرد)) والحاكم
والبيهقي في ((الشعب)) (أن رسول الله وَّلي قال: بعثت) وفي رواية بزيادة ((إنما))
في أوله كما تقدم زيادة للمبالغة (لأتمم) وأكمل، واللام للتعليل (حسن) قال
الزرقاني: بفتحتين وبضم فسكون، وفي رواية ((مكارم))، وفي رواية
((صالح))، اهـ. (الأخلاق) قال المناوي: الأنبياء بُعِثوا بمكارم الأخلاق، وبقيت
بقية، فبعث بما كان معهم وبتمامها، أو أنها تفرقت فيهم، فأمر بجمعها لتخلقه
عليه الصلاة والسلام بالصفات الإلهية، كذا في شرح ((الجامع)).
قال الباجي(٣): يحتمل أن يريد به بعثت بالإسلام لأتمم شرائعه وحسن
هديه وزيه وسمته حسن الأخلاق؛ لأن العرب وإن كانت أحسن الناس أخلاقاً
(١) ((المنتقى)) (٢١٣/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٦/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢١٣/٧).
٨٣
١

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٦) حديث
بما بقي عندهم مما تقدم من الشرائع قبلهم، فقد كانوا ضلّوا بالكفر عن كثير
منها، ومنها ما خص به نبينا وَ ل﴿ فتتم بالأمرين محاسن الأخلاق، وقال تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(١)، وقالت عائشة: كان خلقه القرآن، ومن تخلق
بأوامر القرآن ونواهيه كان أحسن الناس خلقاً، وقد قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ
بِاَلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ (9)﴾، فتضمنت هذه الآية من حسن الأخلاق ما لا
يستطيع امتثاله إلا من وفقه الله عز وجل، فكيف سائر ما تضمنه القرآن وسنة
النبي ◌َّه اهـ.
وقال ابن عبد البر: يدخل فيه الصلاح والخير كله والدين والفضل
والمروءة والعدل والإحسان، فبذلك بعث لِيُتَمِّمه، اهـ.
وقال الطيبي: يحتمل أنه كَمَّلها بعد النقصان، أو أنه جمعها بعد التفرقة،
وعليه قوله تعالى: ﴿أُوْلََّكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَهُدَهُمْ أَقْتَدِّةُ﴾(٢)، قال الإمام فخر
الدين: الآية تدل على فضله وَالر؛ لأنه تعالى أمره بالاقتداء بهداهم، ولا بد من
امتثاله لذلك الأمر، فوجب أن يجتمع فيه جميع خصائلهم وأخلاقهم المتفرقة،
وإلى المعنى الأول أشار وَل بقوله: ((مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل قصر أحسن
بنيانه وترك موضع لبنة منه)) إلى أن قال: ((فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة
حتى تم بي البنيان))(٣)، قال القاري(٤): ولا منع من الجمع بين القولين؛
لأنه وَ﴿ كان في مرتبة جمع الجمع، الله يجمع بيننا في المسير، وإليه
المصير، اهـ.
(١) سورة القلم: الآية ٤.
(٢) سورة الأنعام: الآية ٩٠.
(٣) أخرجه البخاري (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦).
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠١/٩).
٨٤

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٦) حديث
تنبيه: ويشكل على روايات هذا الباب كلها لا سيما على الروايات التي
ورد فيها الأمر بتحسين الأخلاق ما في ((المشكاة)) عن أبي الدرداء - رضي الله
عنه - قال: بينما نحن عند رسول الله 8* نتذاكر ما يكون، إذ قال
رسول الله وَر: ((إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوه، وإذا سمعتم برجل
تغير عن خلقه فلا تصدقوا به، فإنه يصير إلى ما جبل عليه)) رواه أحمد(١)، وفي
((العزيزي شرح الجامع الصغير)): قال الشيخ: حديث صحيح، وقال
المناوي(٢): يعني إن فرط منه على الندور خلاف ما يقتضيه طبعه، فما هو إلا
کطیف منام، أو برق لمع وما دام، اهـ.
قال القاري: فإن قلت: مدار الصوفية على تبديل الأخلاق فكيف هذا
الحديث؟ قلت: التحقيق أن كل أحد طبع فيه الأخلاق جميعها، وهي صالحة
بأصلها أن تكون حميدة أو ذميمة، وإنما تحمد إذا كانت متوسطة بين طرفي الإفراط
والتفريط، والذميمة ضدها، فمثلاً السخاوة صفة معتدلة بين الإسراف والبخل،
وكذا الشجاعة بين التهور والجبن، وكذا التواضع بين الضعة والتكبر، والغالب على
الناس عدم الاعتدال، فالصوفية يرتاضون ليبدلوها عن مقتضى العادة، ويُعَدِّلوها
على سنن الاستقامة والعبادة، ومن جملتها البغض، وحالة اعتداله المحمود أن
يكون في محله المرضي عند الله على القدر المحمود في الشرع، وكذلك ضده
المحبة، ولذا قال ◌َله: ((من أحبّ لله، وأبغض لله، فقد استكمل الإيمان))(٣).
وأما إزالة صفة البخل من أصلها بالكلية فغير ممكنة إلا بالجذبة الإلهية،
بل قيل: لو أزيلت الصفات الذميمة بالكلية عن الإنسان يكون ناقصاً، إذ كماله
أن تغلب صفاته الحميدة، وبهذا فضل نوع الإنسان على نوع الملك.
(١) ((مسند أحمد)) (٤٤٣/٦).
(٢) ((فيض القدير)) (٣٨١/١).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٦٨١).
٨٥

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(١) باب
(١٦١٦) حديث
والحاصل أن التبديل الأصلي الذاتي غير ممكن كما أشار إليه الحديث
النبوي، وأما التبديل الوصفي فهو ممكن، بل العبد مأمور به، ويسمى تهذيب
النفس، وتحسين الأخلاق، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا ﴾﴾(١)، وفي
الحديث: ((حسنوا أخلاقكم)).
ويمكن أن يقال: إن الخلق المبرم لا يبدل، والخلق المعلق يغير، وهو
مبهم عندنا معلوم عند الله تعالى، فعلينا المجاهدة فكل ميسر لما خلق، ولذا
ترى كثيراً من المرتاضين لم تحسن أخلاقهم في أزمنة طويلة، وبعضهم تُبَدَّلُ
أخلاقُهم الذميمة بالحميدة في مدة قليلة، أو النفي محمولٌ على العادة من غير
حصول الأسباب العادية والإثبات على خرقها، وهو تارة يكون بالجذبة الإلهية،
وتارة بالرياضات النفسانية، وتارة بالعلوم والمعارف الربانية، اهـ.
وأجاب رئيس الصوفية شيخ مشايخ الشاه محمد مظهر جانجا نان
الدهلوي(٢) في بعض مكاتيبه أن التبديل الحقيقي لا يتحقق بالرياضات، بل
يتغير محله، وأيده بقول عمر - رضي الله عنه -: ((لم يزل عني الغضب، لكنه
كان أولاً في حماية الكفر، والآن في حماية الإسلام)) أو كما قال، فإني كنت
رأيت مكتوبه الشريف بقريب من عشرين سنة، فالمقصود بروايات تحسين
الأخلاق. وهو الحاصل برياضات الصوفية، هو المعاملة مع الناس بالأخلاق
الحسنة، ولذا قال رَ﴾ لأبي ذر - رضي الله عنه - كما في الترمذي: ((خالق
الناس بخلق حسن)) (٣)، وقال ◌َله: ((من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه))
الحديث، فإن حصول الغضب طبعيٍّ وكظمه كسبيُّ مأمور به، وهو الذي يحصل
بالمجاهدات، وأما كون الرجل على الأخلاق الحسنة طبعاً وفطرة، فإنه هو
(١) سورة الشمس: الآية ٩.
(٢) المتوفى سنة ١١٩٥ هـ.
(٣) ((سنن الترمذي)) (١٩٨٧).
٨٦

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٢) باب
(٢) باب ما جاء في الحياء
الذي قسم في الأزل كما قسم الرزق، وكان له 18 فطرة، وإليه الإشارة في
٤
قوله عز اسمه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
(٢) ما جاء في الحياء
قال القاري في ((شرح الشمائل)) (١): الحياء لههنا بالمد، وأما بالقصر فهو
المطر، وكلاهما مأخوذ من الحياة، فإن أحدهما حياة الأرض والآخر حياة
القلب، ولعل هذا هو المعنى بقوله وَلجر: ((الحياء من الإيمان)) وهو من جملة
الخلق الحسن، فإفراده بباب على حدة تنبيهٌ على عظم شأنه، لأنه به ملاك
الأمر كله في حسن معاملة الحق ومعاشرة الخلق.
قال الحافظ(٢): الحياء بالمد في اللغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من
خوف ما يُعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو
من لوازمه، وفي الشرع خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في
حق ذي الحق، ولذا جاء في الحديث الآخر: ((الحياء خير كله))، اهـ.
وفي ((الفتح)) (٣): قال الراغب: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو
من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة،
وهو مركب من جبن وعفة، ولذا لا يكون المستحي فاسقاً، وقلما يكون
الشجاع مستحياً، وقد يكون لمطلق الانقباض في بعض الصبيان، اهـ.
وما قال من عدم اجتماع الشجاعة والحياء باعتبار أكثر الناس وإلا ففي
بعضهم يجتمعان كل واحد منهما على منتهاه، قال: وقال غيره: هو انقباض
(١) (١٧٤/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (١/ ٥٢).
(٣) (٧٤/١).
٨٧

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٢) باب
(١٦١٧) حديث
٩/١٦١٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ
سَلَمَةَ الزّرَقِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةَ .
النفس خشية ارتكاب ما يكره أعم من أن يكون شرعياً أو عقلياً أو عرفياً،
ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أبلهُ، وقال الحليمي: حقيقة
الحياء خوف الذم بنسبة الشر إليه، قال غيره: إن كان في محرم، فهو واجب،
وفي مكروه، فمستحب، وفي مباح، فهو العرفي المراد بقوله صلى: ((الحياء لا
يأتي إلا بخير))، وحكي عن بعض السلف: رأيت المعاصي مذلة فتركتها
مروءة، فصارت ديانة، وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه،
فيستحي العاقل أن يستعين بها على معصيته، اهـ.
٩/١٦١٧ - (مالك عن سلمة بن صفوان بن سلمة الزرقي) بضم الزاي
وفتح الراء وقاف، الأنصاري المدني الثقة، رقم له في ((التقريب)) لابن ماجه،
وفي ((التجريد))(١): له حديث واحد مرسل عند الجمهور.
(عن زيد) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية بدون زيادة الياء في
أوله، قال ابن عبد البر: هكذا قال يحيى بن يحيى: زيد بن طلحة، وقال ابن
بكير والقعنبي وابن القاسم وغيرهم: يزيد يعني بزيادة الياء في أوله، قال: وهو
الصواب، كذا في ((التنوير))(٢).
(ابن طلحة بن ركانة) بضم الراء، قال الحافظ في ((التعجيل)) (٣): زيد بن
طلحة يأتي في يزيد، ورقم له لمالك.
ثم قال في الياء: يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة بن عبد يزيد بن
هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي، روى عن أبيه وأبي
(١) (ص٦٢).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٦٥٣).
(٣) ((تعجيل المنفعة)) (ص ٤٥١).
٨٨

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٢) باب
(١٦١٧) حديث
يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّي ◌َّ
هريرة وغيرهما، وعنه سلمة بن صفوان الزرقي، وابن موهب، ذكره ابن حبان
في ثقات التابعين، وقال: هو أخو محمد بن طلحة، مات في أول ولاية هشام
بالمدينة، قال ابن الحذَّاء: هو من الشيوخ المقلِّين، الذين أجتزي من معرفتهم
برواية مالك عنهم.
قال الحافظ: هو كلام فارغ، وإنما يقال ذلك فيمن لم يعرف شخصه ولا
نسبه ولاحاله ولا بلده، وانفرد عنه واحد، وهذا بخلاف ذلك كله، والله
المستعان، اهـ.
وذكر في القسم الرابع من ((الإصابة)): زيد بن طلحة بن ركانة يأتي في
يزيد، ثم قال فيه: يزيد بن طلحة بن ركانة، ذكره يحيى بن يونس الشيرازي في
الصحابة، وروي له عن مالك عن سلمة بن صفوان عنه، يرفعه حديث الباب،
قال المستغفري: هذا مرسل، ويزيد هذا هو أخو محمد بن طلحة بن ركانة
تابعي معروف، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وذكر ابن عبد البر: أن
جمهور الرواة عن مالك قالوا هكذا، وقال وكيع وحده: عن يزيد بن طلحة عن
أبيه، زاد فيه عن أبيه، قال: ورواه يحيى بن يحيى الليثي كالجمهور، فقال:
زيد بدل يزيد، قال ابن عبد البر: ويكون على قول وكيع الحديث مسنداً، كذا
قال، ولم يذكر طلحة في ((الاستيعاب)).
وعليه فيه تعقب آخر، فإن الذي أخرجه الدارقطني في ((غرائب مالك)) من
طريق وكيع قال: عن مالك عن سلمة عن يزيد بن ركانة عن أبيه، فعلى هذا
الصحبةُ لركانة، قال الدارقطني: ورواه علي بن زيد الصدائي عن مالك، لكن
قال: يزيد بن طلحة بن ركانة، اهـ.
(يرفعه) أي يرفع زيد الحديث (إلى النبي وَّة) قال ابن عبد البر، أكثر
الرواة رووه هكذا مرسلاً، ورواه وكيع عن مالك عن سلمة عن يزيد بن طلحة
عن أبيه، ولم يقل عن أبيه إلا وكيع وحده، وقد أنكر عليه يحيى بن معين،
٨٩

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٢) باب
(١٦١٧) حديث
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((لِكُلِّ دِينِ خُلُقٌ، وَخُلُقُ الْإِسْلَام
الْحَيَاءُ)).
وقال: ليس فيه عن أبيه هو مرسل، كذا في ((التنوير)) (١).
وتقدم في كلام الحافظ عن ابن عبد البر أن الحديث على رواية وكيع
يكون مسنداً إلا أن طلحة لم يذكره في ((الاستيعاب))، وروى الدارقطني حديث
وكيع عن مالك عن سلمة عن يزيد بن ركانة.
قلت: والعجب أن الحافظ - رحمه الله تعالى - ذكر طلحة بن ركانة في
القسم الأول من ((الإصابة)) فقال: طلحة بن ركانة بن عبد يزيد، ذكره ابن عبد
البر في ((التمهيد)) (٢) ولم يذكره في ((الاستيعاب))، ثم ذكر حديث الباب، وقال:
قال ابن عبد البر: إن كان وكيع حفظه، فالحديث مسند، وكان يحيى بن معين
ينكر على وكيع قوله: عن أبيه، اهـ. فليت شعري كيف ذكره الحافظ بنفسه في
القسم الأول، غاية ما كان يمكن أن يذكره في القسم الرابع.
(قال: قال رسول الله (وَل18) وقد ورد هذا الحديث أيضاً من حديث أنس
ومعاذ بن جبل، كذا في ((التنوير))، وفي ((المحلى)): أخرجه أحمد والحاكم
والبيهقي عن أبي هريرة بإسناد صحيح، اهـ. وفي ((المشكاة)): رواه ابن ماجه
والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أنس وابن عباس، وعزاه في ((الجامع الصغير))
برواية أنس وابن عباس إلى ابن ماجه، قال العزيزي: قال الشيخ: حديث
صحیح، اهـ.
(لكل دين خلق) بضم الخاء أي سجية لها خصيصة بذلك الدين، وخصّ
أهله عليها خاصة (وخلق الإسلام الحياء) قال العزيزي: أي طبع هذا الدين
وسجيته التي بها قوامه ونظامه الحياء؛ لأن الإسلام أشرف الأديان، والحياء
أشرف الأخلاق، فأعطي الأشرف الأشرف.
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص ٦٥٣).
(٢) (٢٣٢/٩).
٩٠

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٢) باب
(١٦١٨) حديث
١٠/١٦١٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛
وفي ((المرقاة))(١): قال الطيبي: المعنى أن الغالب على أهل كل دين
سجيّة سوى الحياء، والغالب على أهل ديننا الحياء؛ لأنه متمم مكارم
◌َّ لإتمامها .
الأخلاق، وإنما بعث
قال القاري: الظاهر أن المعنى أن الغالب على أهل كل دين سجية سوى
الحياء، فإنه مختصة بالغلبة لنا مع اشتراكنا لجميع الملل في سائر
السجيات، اهـ.
قال الباجي(٢): قوله: ((لكل دين خلق)) يريد سجية شرعت فيه، وخص
أهل ذلك الدين بها، ويحتمل أن يريد سجية تشمل أهل ذلك الدين أو أكثرهم
أو تشمل أهل الصلاح منهم، وتزيد بزيادة الصلاح، وتقل بقلته، وإن خلق
الإسلام الحياء، والحياء يختص بأهل الإسلام على أحد وجهين أو عليهما،
والمراد بالحياء - والله أعلم - الحياء فيما شرع فيه الحياء، وأما حياء يؤدي إلى
ترك التعلم، فليس بمشروع.
قالت عائشة - رضي الله عنها -: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن
الحياء أن يتفقهن في الدين، وقالت أم سليم: إن الله لا يستحي من الحق، هل
على المرأة غسل؟ الحديث، وقال الحسن البصري: لا يتعلم مستحي ولا
متكبر، ولم يرد شرع بالحياء المانع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
والحكم بالحق وأداء الشهادات والجهاد في سبيل الله، اهـ.
١٠/١٦١٨ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله عن)
أبيه (عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - والحديث أخرجه البخاري برواية
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٠/٩).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٣/٧).
٩١

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٢) باب
(١٦١٨) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ مَرَّ عَلَى رَجُلِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ: ((دَعْهُ. فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ)).
أخرجه البخاري في: ٢ - كتاب الإيمان، ١٦ - باب الحياء من الإيمان.
ومسلم في: ١ - كتاب الإيمان، ١٢ - باب شعب الإيمان، حديث ٥٩.
عبد الله بن يوسف عن مالك بهذا السند، (أن رسول الله وَلي مر) أي اجتاز،
ويعدى ((مر)) بعلى والباء (على رجل) ولمسلم ((مر برجل من الأنصار)) (وهو
يعظ أخاه) نسباً على الظاهر، ويحتمل ديناً (في الحياء).
قال الحافظ(١): لم أعرف اسم هذين الرجلين الواعظ وأخيه، وقوله:
يعظ أي ينصح أو يخوف أو يذكر، كذا شرحوه، والأولى أن يشرح بما جاء
عند البخاري في الأدب بلفظ ((يعاتب أخاه في الحياء ويقول: إنك لتستحيي))
حتى كأنه يقول: قد أضربك، ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ، فذكر
بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، لكن المخرج متحد، فالظاهر أنه من تصرف
الرواة بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر، اهـ.
(فقال رسول الله وَلقر: دعه) أي اتركه يريد الإمساك عن وعظه (فإن الحياء
من الإيمان) قال الباجي(٢): أي من شرائعه، ولذلك روي أن النبي وَليو كان
أشد حياء من العذراء في خدرها، ويحتمل أن يريد أنه مرافق للإيمان، كما
قال لعلي - رضي الله عنه -: ((أنت مني))، اهـ.
قال الحافظ(٣): فكأن الرجل كان كثير الحياء، فكان ذلك يمنعه من
استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك، فقال له النبي وَلجر: اتركه على هذا
الخلق السَنِيّ، ثم زاده في ذلك ترغيباً لحكمه بأنه من الإيمان، وإذا كان الحياء
(١) ((فتح الباري)) (٥٢٢/١٠).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٤/٧).
(٣) ((فتح الباري)) (٧٤/١).
٩٢

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٢) باب
(١٦١٨) حديث
يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه، جَرَّ له ذلك تحصيل أجر ذلك الحق، لا
سيما إذا كان المتروك له مستحقاً .
وقال ابن قتيبة: معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما
يمنع الإيمان، فسمي إيماناً كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه، وحاصله أن
إطلاق كونه من الإيمان مجاز، والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء من
مكملات الإيمان، فلذا وقع التأكيد، وقد يكون التأكيد من جهة أن القضية في
نفسها مما يهتم به، وإن لم يكن هناك منكر، اهـ.
قال ابن قتيبة في ((تأويل مختلف الحديث)) (١): قالوا: حديث يكذبه
النظر، فقد رويتم أن النبي وَلّه قال: ((الحياء شعبة من الإيمان))، والإيمان
اكتساب، والحياء غريزة مركبة في المرء، فكيف تكون الغريزة اكتساباً؟
والجواب، نحن نقول: إن المستحي ينقطع بالحياء عن المعاصي، كما ينقطع
بالإيمان عنها، فكأنه شعبة منه، والعرب يقيم الشيء مقامه إذا كان مثله أو سبباً
له، ألا تراهم سموا الركوع والسجود صلاة، وأصل الصلاة الدعاء، وسموا
الدعاء صلاة، فلما كانت الدعاء في الصلاة سميت به، وأصل الزكاة النماء
والتطهير، ولما كان النماء يقع بإخراج الصدقة عن المال سُمِّيَ زكاة، ومثل هذا
کثیر .
وقد روي عن ابن مسعود قال: كان آخر ما حفظ من كلام النبوة: ((إذا
لم تستحي فاصنع ما شئت)) يعني من لم يستحي، وكان فاسقاً ركب كل
فاحشة، ألا ترى أن الحياء قد صار(٢) والإيمان يعملان عملاً واحداً، فكأنهما.
شيء واحد، اهـ.
(١) (ص ١٢٠).
(٢) كذا في الأصل، اهـ.
٩٣

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٣) باب
(٣) باب ما جاء في الغضب
قال الحافظ (١): فإن قيل: الحياء من الغرائز فكيف جعل شعبة من
الإيمان؟ أجيب بأنه قد يكون غريزة، وقد يكون تَخَلَّقاً، ولكن استعماله على
وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فهو من الإيمان لهذا ولكونه باعثاً
على فعل الطاعة وحاجزاً عن المعصية، ولا يقال: رب حياء يمنع عن قول
الحق أو فعل الخير؛ لأن ذلك ليس شرعياً، اهـ.
وقال في موضع آخر: قال أبو العباس القرطبي: الحياء المكتسب هو
الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلف دون الغريزي، غير أن من كان
فيه غريزة منها فإنها تعينه على المكتسب، وقد ينطبع بالمكتسب حتى يصير
غريزاً، وكان النبي ◌َّ قد جُمِعَ له النوعان، فكان في الغريزي أشدَّ حياءً من
العذراء في خدرها، وكان في الحياء المكتسب في الذروة العليا ◌َّة، اهـ.
(٣) ما جاء في الغضب
بالغين والضاد المعجمتين، قال الراغب: هو ثورانُ دم القلب، إرادة
الانتقام، ولذلك قال وَله: ((اتقوا الغضب فإنه جمرة توقد في قلب ابن آدم، ألم
تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه))، وإذا وصف الله تعالى به، فالمراد به
الانتقام دون غيره، اهـ. وفي ((المرقاة)): قال بعض المحققين: الغضب ثوران
دم القلب، أو عرض يتبعه لدفع المؤذيات، وللانتقام بعد وقوعها، فإطلاقه
على الله تعالى كما في حديث رواه الترمذي(٢) وغيره: ((من لم يسأل الله
يغضب عليه))، مجاز أي يفعل به ما يفعل الملك إذا غضب على من تحت
يده، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٧٤/١).
(٢) ((سنن الترمذي)) (٣٣٧٣).
٩٤

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٣) باب
قال الحافظ(١): قال بعض العلماء: خلق الله الغضب من النار، وجعله
غريزة في الإنسان، فمهما قصد أو نوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب
وثارت حتى يحمر الوجه والعينان من الدم، لأن البشرة تحكي ما وراءها،
وهذا إذا غضب على ما دونه، واستشعر القدرة عليه، وإن كان ممن فوقه تولد
منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب، فيصفر اللون حزناً، وإن
كان على التنظير تردد الدم بين انقباض وانبساط، فيحمرّ ويصفرّ، ويترتب على
الغضب تغير الظاهر والباطن، كتغير اللون والرعدة في الأطراف، وخروج
الأفعال من غير ترتيب، حتى لو رأى الغضبان نفسه حال غضبه لسكن غضبه
حياء من قبح صورته، هذا كله في الظاهر.
وأما الباطن فقبحه أشدُّ من الظاهر؛ لأنه يولد الحقد في القلب والحسد
وإضمار السوء على اختلاف أنواعه، بل أولى شيء يقبح منه باطنه، وتغير
ظاهره ثمرة تغیر باطنه.
وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش الذي يستحي منه العاقل،
ويندم قائله عند سكون الغضب، ويظهر أثر الغضب أيضاً في الفعل بالضرب
والقتل، وإن فات ذلك بهرب المغضوب عليه رجع إلى نفسه، فيمزق ثوبه
ويلطم خده، وربما أغمي عليه، وربما كسر الآنية وضرب من ليس له في ذلك
جريمة .
ومن تأمل في هذه المفاسد عرف مقدار ما اشتملت عليه الكلمة اللطيفة
من قوله وَّر الآتي: ((لا تغضب)) من الحكمة واستجلاب المصلحة في درء
المفسدة، مما يتعذر إحصاؤه، وهذا كله في الغضب الدنيوي لا الغضب
الديني، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٥٢٠/١٠).
٩٥

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٣) باب
(١٦١٩) حديث
١١/١٦١٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ رَجُلاً أتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَه.
قلت: كما أشار إليه البخاري في ((باب ما يجوز من الغضب والشدة
لأمر الله تعالى))، وقال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ
عَلَيْهِمٌ﴾(١)، وأورد فيه الروايات الواردة في غضبه وَّه لأمر الله تعالى، وقالت
عائشة: فإذا انتُهِكَ من محارم الله شيء كان من أشدهم غضباً.
١١/١٦١٩ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن حميد) مصغراً (ابن
عبد الرحمن بن عوف) مرسل عند أكثر رواة ((الموطأ))، قال السيوطي في
((التنوير))(٢): وصله مطرف عن مالك عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة،
ورواه ابن عيينة عن الزهري عن حميد عن رجل من أصحاب النبي وَلّ، ورواه
إسحاق بن بشر الكاهلي عن مالك عن الزهري عن حميد عن أبيه، قال ابن
عبد البر(٣): هو خطأ والرجل المذكور هو: جارية بن قدامة التميمي، وقد ورد
هذا الحديث من حديثه أيضاً، ومن حديث أبي سعيد الخدري، اهـ.
قلت: أخرجه البخاري (٤) برواية أبي حصين عن أبي صالح عن أبي
هريرة، قال الحافظ(٥): خالفه الأعمش فقال: عن أبي صالح عن أبي سعيد
أخرجه مسدد في ((مسنده»، وهو على شرط البخاري أيضاً لولا عنعنة
الأعمش، اهـ.
(أن رجلاً أتى إلى رسول الله وَلة) قال الحافظ: هو جارية بالجيم ابن
(١) سورة التوبة: الآية ٧٣.
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٦٥٤).
(٣) ((التمهيد)) (٢٤٥/٧).
(٤) أخرجه البخاري في الأدب (٦١/٦) ((باب الحذر من الغضب)).
(٥) ((فتح الباري)) (٥١٩/١٠).
٩٦

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٣) باب
(١٦١٩) حديث
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِيشُ بِهِنَّ. وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ
فَأَنْسَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ: ((لَا تَغْضَبْ)).
قدامة، أخرجه أحمد وابن حبان والطبراني من حديثه مبهماً ومفسراً، ويحتمل
أن يفسر بغيره، ففي الطبراني من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي قلت: يا
رسول الله قل لي قولاً أنتفع به وأقلل، قال: ((لا تغضب ولك الجنة))، وفيه عن
أبي الدرداء: قلت: يا رسول الله دُلَّني على عمل يدخلني الجنة، قال: ((لا
تغضب))، وفي حديث ابن عمر عند أبي يعلى قلت: يا رسول الله قل لي قولاً
وأقلل لعلي أعقل، اهـ. زاد الزرقاني(١): وعن عثمان بن أبي العاصي عند
غيرهم، فالظاهر كما قال ولي العراقي: إن السائل عن ذلك تعدد، اهـ.
(فقال: يا رسول الله علمني) بصيغة الأمر من التعليم، ولفظ البخاري،
عن أبي هريرة قال رجل: أوصني، قال الحافظ في حديث أبي الدرداء: دلني
على عمل يدخلني الجنة، وفي حديث ابن عمر عند أحمد: يباعدني من
غضب الله (كلمات أعيش بهن) بفتح الهمزة وكسر العين المهملة، آخره شين
معجمة، قال الباجي: يحتمل أن يريد به أنتفع بها مدة عيشى، ويحتمل أستعين
بها على عيشي، اهـ. (ولا تكثر) بضم الفوقية وكسر المثلثة (علي) بشد الياء
(فأنسى) بفتح السين، قال الباجي: لعله عرف من نفسه قلة الحفظ، فأراد
الاختصار الذي يحفظه ولا ينساه.
(فقال رسول الله مَّا: لا تغضب)، زاد البخاري في رواية أبي هريرة
المذكورة: ((فردد مراراً لا تغضب))، قال الحافظ: في رواية أبي كريب ((كل
ذلك يقول: لا تغضب))، وفي رواية عثمان بن أبي شيبة، قال: ((لا تغضب
ثلاث مرات)) وفيه بيان عدد المرار،، زاد أحمد وابن حبان في رواية عن رجل
لم يسم، قال: تفكرت فيما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٩/٤).
٩٧

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٣) باب
(١٦١٩) حديث
قال الخطابي: معنى قوله: ((لا تغضب))، أي اجتنب أسباب الغضب،
ولا تتعرض لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه؛ لأنه أمر
طبيعي، لا يزول من الجبلة، وقال غيره: ما كان من الطبع الحيواني لا يمكن
دفعه، فلا يدخل في النهي؛ لأنه من تكليف المحال، وما كان من قبيل ما
يكتسب بالرياضة فهو المراد، وقيل معناه: لا تغضب؛ لأن أعظم ما ينشأ عنه
الغضب الكبر؛ لكونه يقع عند مخالفة أمر يريده، فيحمل الكبر على الغضب،
فالذي يتواضع حتى يذهب عنه عزة النفس يسلم من شر الغضب.
وقيل: معناه لا تفعل ما يأمرك به الغضب، قيل: لعل السائل كان
غضوباً، وكان النبي ◌َ ل﴿ يأمر كل أحد بما هو أولى به، ولذا اقتصر في وصيته
على ترك الغضب، وقال ابن التين: جمع له ◌َّ خير الدنيا والآخرة، فإن
الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق، وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه
فينقص ذلك من الدين، وقال البيضاوي: لعله وَلّ لما رأى أن جميع المفاسد
التي تعرض للإنسان إنما هو من شهوته ومن غضبه، وكانت شهوة السائل
مكسورة، نهاه عن الغضب الذي هو أعظم ضرراً من غيره، وأنه إذا ملك نفسه
عند حصوله كان قد قهر أقوى أعدائه.
قال الحافظ(١): ويحتمل أن يكون من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؛
لأن أعدى عدو للشخص شيطانه ونفسه، والغضب إنما ينشأ عنهما، فمن
جاهدهما حتى يغلبهما مع ما في ذلك من شدة المعالجة كان لقهر نفسه عن
الشهوة أقوى، وقال ابن حبان بعد ما أخرجه: أراد لا تعمل بعد الغضب شيئاً
مما نهيت عنه، لا أنه نهاه عن شيء جبل عليه، ولا حيلة في دفعه.
وقال بعض العلماء: من تأمل المفاسد التي في الغضب الذي تقدم ذكر
(١) «فتح الباري)) (٥٢٠/١٠).
٩٨

٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٣) باب
(١٦١٩) حديث
بعضها في أول الباب، عرف مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة من
قوله والر: ((لا تغضب)) من الحكمة واستجلاب المصلحة في درء المفسدة، مما
يتعذر إحصاؤه والوقوف على نهايته، وهذا كله في الغضب الدنيوي لا الغضب
الديني، كما تقدم في أول الباب.
ويعين على ترك الغضب استحضارُ ما جاء في كظم الغيظ من الفضل،
وما جاء في عاقبة ثمرة الغضب من الوعيد، وأن يستعيذ من الشيطان كما في
حديث سليمان بن صرد، وأن يتوضأ، وقال الطوفي: أقوى الأشياء في دفع
الغضب استحضار التوحيد الحقيقي، وهو أن لا فاعل إلا الله، وكل فاعل غيره
فهو آلة، فمن توجه إليه بمكروه من جهة غيره، فاستحضر أن الله لو شاء لم
يمكن ذلك الغير منه، اندفع غضبه؛ لأنه لو غضب، والحالة هذه كان غضبه
على ربه جلّ وعلا، وهو خلاف العبودية، اهـ.
قال ابن عبد البر: أراد - والله أعلم - عَلِّمني ما ينفعني بكلمات قليلة لئلا
أنسى إن أكثرت عليّ، ولو أراد علمني كلمات من الذكر ما أجابه بهذا الكلام
القليل الألفاظ، الجامع للمعاني الكثيرة والفوائد الجليلة، ومن كظم غيظه، ورَدَّ
غضبه أخزى شيطانه، وسلمت له مروءته ودينه، قال علماؤنا: إنما نهاه عما
علم أنه هواه؛ لأن المرء إذا ترك ما يشتهي كان أجدر أن يترك ما لا يشتهي،
وخصوصاً الغضب، فإن ملك نفسه عنده كان شهيداً، وإذا ملكها عند الغضب
كان أحرى أن يملكها عند الكبر والحسد وأخواتهما، كذا في ((الزرقاني))(١).
قال الباجي(٢): جمع له ◌َّ الخير في لفظ واحد؛ لأن الغضب يفسد
كثيراً من الدين والدنيا؛ لأنه يؤدي إلى أن يؤذي ويؤذى، وأن يأتي في وقت
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٩/٤) و((الاستذكار)) (١٤١/٢٦).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٤/٧).
٩٩

i
٤٨ - كتاب حسن الخلق
(٣) باب
(١٦٢٠) حديث
١٢/١٦٢٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((لَيْسَ
الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ،
غضبه من القول والفعل ما يأثم به، ويؤثم غيره، ويؤدي الغضب إلى البغضاء
التي هي الحالقة، والغضب يمنعه كثيراً من منافع دنياه.
ومعنى قوله: لا تغضب، يريد - والله أعلم - لا تمض ما يبعثك عليه
غضبك، وامتنع منه وكف، وأما نفس الغضب فلا يملك الإنسان دفعه، وإنما
يدفع ما يدعوه إليه، وقد روي عن الأحنف بن قيس أنه قال: لست بحليم
ولكني أتحالم، اهـ. وما اختار الباجي في معنى ((لا تغضب))، تقدم نحوه في
كلام الحافظ عن ابن حبان.
ثم قال الباجي: وإنما أراد امتناعه من الغضب في معاني دنياه، وأما فيما
يفاد إلى القيام بالحق فالغضب فيه قد يكون واجباً، كالغضب على الكفار
والمبالغة فيهم بالجهاد، وكذلك الغضب على أهل الباطل وإنكاره عليهم بما
يجوز، وقد يكون مندوباً كالغضب على المخطئ إذا علمت أن في إبداء غضبك
ردعاً له وباعثاً على الحق، وقد روي: أن رسول الله وَ ﴿ لما سأله رجل عن
ضالة الإبل غضب حتى احمرَّتْ وجْنَتاه أو احمرَّ وجنه، وغضب رسول الله وَل
لما شكا رجلٌ معاذاً أنه يُطَوِّلُ بهم الصلاةَ، اهـ
١٦٢٠/ ١٢ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب عن
أبي هريرة) - رضي الله عنه - أخرجه البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن
مالك بهذا السند (أن رسول الله وَ ر قال: ليس الشديد) أي القوي (بالصرعة)،
قال الحافظ (١): بضم الصاد المهملة وفتح الراء الذي يصرع الناس كثيراً بقوته،
والهاء للمبالغة في الصفة، والصرع بسكون الراء عكسه، وهو من يصرعه غيره
(١) ((فتح الباري)) (٥١٩/١٠).
١٠٠