Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٧) حديث
١٥/١٥٥٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ أَنَّهُ أَخَذَ نَبَطِيًّا قَدْ
سَرَقَ خَوَاتِمَ مِنْ حَدِيدٍ. فَحَبَسَهُ لِيَقْطَعَ يَدَهُ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ عَمْرَةُ بِنْتُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، مَوْلَاةً لَهَا. يُقَالُ لَهَا أُمَّيَّةُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَجَاءَتْنِي
وَأَنَا بَيْنَ
عن النبي وَ يقول أنه قال: ((ليس على الخائن قطع)). رواه أبو داود(١)، وقال: لم
یسمعه ابن جريج عن أبي الزبير، انتهى.
١٥/١٥٥٧ - (مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: أخبرني أبو بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم) الأنصاري قاضي المدينة (أنه أخذ نبطياً) بفتح النون
والموحدة ضبطه الزرقاني نسبةً إلى قوم من العجم، وفي ((المحلى)) بكسر النون
في ديوان الأدب، النبط قوم ينزلون بسواد العراق، قيل: سُمُّوا بذلك
لاستنباطهم الماء من الأرض أي لإخراجهم منها (قد سرق خواتم) جمع خاتم
بفتح المثناة الفوقية آلة الطبع على المكتوب وغيره (من حديد فحبسه) أي حبس
أبو بكر نبطياً (ليقطع يده) للسرقة الثابتة.
قال الباجي(٢): يحتمل أنه اعتقد وجوب القطع، فأراد أن يستظهر بفتوى
العلماء، فسجنه إلى أن يتفرغ لذلك، ويحتمل أن يكون سجنه ليأتي من يستوفي
ذلك منه، ويحتمل أن يكون سجنه لشدة وقت خاف منه عليه، فسجنه إلى أن
يزول المانع من شدة برد أو مرض أو غير ذلك (فأرسلت إليه) أي إلى أبي بكر
(عمرةُ بنت عبد الرحمن) الأنصارية الفقيهة الشهيرة، ولها روايات في مقدار
السرقة الموجبة للقطع كما بسطها الطحاوي (مولاة لها يقال لها أمية) بضم
الهمزة وفتح الميم وشد الياء المفتوحة كما ضبط بالقلم في النسخ المصرية، لم
أجد ترجمتها (قال أبو بكر) القاضي المذكور: (فجاءتني) أمية (وأنا بين
(١) ((سنن أبي داود)) (٤٣٩٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٨٥/٧).
٤٨١

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٧) حديث
ظَهْرَانَي النَّاسِ. فَقَالَتْ: تَقُولُ لَكَ خَالَتُكَ عَمْرَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي.
أَخَذْتَ نَبَطِياً فِي شَيْءٍ يَسِيرٍ ذُكِرَ لِي. فَأَرَدْتَ قَطْعَ يَدِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَتْ: فَإِنَّ عَمْرَةَ تَقُولُ لَكَ: لَا قَطْعَ إِلَّ فِي رُبُعْ دِينَارٍ فَصَاعِداً. قَالَ
أَبُو بَكْرٍ: فَأَرْسَلْتُ النََّطِيَّ .
ظهراني) بفتح الظاء وسكون الهاء وفتح النون أي بين حلقة (الناس) قال
الزرقاني(١): وزيد لفظ ظهراني لإفادة أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم
والاستناد إليهم.
(فقالت) المولاة: (تقول لك خالتك عمرة) فإن عمرة خالتها كما جزم به
أهل الرجال (يا ابن أختي أخذت) بصيغة الخطاب (نبطياً في شيء يسير) لا
يساوي المقدار الموجب للقطع (ذُكِرَ لي) ببناء المجهول أي ذُكِر لي هذا الشيء
اليسيرُ قليلُ الثمن، أو ذُكِرَ لي هذا الأمر كلّه الذي أرسلتُ فيه إليك المولاة
(فأردت) بصيغة الخطاب (قطع يده؟ فقلت) بصيغة المتكلم (نعم) هكذا الأمر.
(قالت) المولاة: (فإن عمرة تقول لك لا قطع) أي لا يجوز القطع (إلا في
ربع دينار) ذهبا (فصاعداً) أي زائداً نصب على الحال المؤكدة. وهذا المعنى قد
روته عمرة عن عائشة مرفوعاً في ((الصحيحين)) وغيرهما (قال أبو بكر: فأرسلت
النبطي) أي أطلقته من الحبس لهذا الأمر، قال الباجي: وإرساله النبطي عندما
انتهى إليه من قولها دليل على صحة فتوى النساء وصحة الأخذ بأقوالهن إذا كن
من أهل العلم، وأن الواحدة تجزىء في ذلك على ظاهر الأمر لأنه من باب
الخبر، انتهى.
قلت: والظاهر عندي أن أبا بكر سمعها من عمرة بلا واسطة المولاة؛
لأن هذه الرواية في كتب الحديث تروى عن أبي بكر عن عمرة عن عائشة
مرفوعاً، ولم يوردوا عليها بأنها منقطعة بين أبي بكر وعمرة، فلا بد أن يكون
سمعها عنها .
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٥/٤).
٤٨٢

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِ اعْتِرَافِ الْعَبِيدِ؛ أَنَّهُ
مَنِ اعْتَرَفَ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ يَقَعُ الْحَدُّ وَالْعُقُوبَةُ فِيهِ فِي جَسَدِهِ،
فَإِنَّ اغْتِرَافَهُ جَائِزٌ عَلَيْهِ، وَلَا يُتَّهَمُ أَنْ يُوقِعَ عَلَى نَفْسِهِ هُذَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا مَنِ اعْتَرَفَ مِنْهُمْ بِأَمْرٍ يَكُونُ غُرْماً عَلَى سَيِّدِهِ
فَإِنَّ اعْتِرَافَهُ غَيْرُ جَائِزِ عَلَى سَيِّدِهِ.
(قال مالك: والأمر المجتمع عليه عندنا) الذي لا اختلاف فيه في بلدنا
(في اعتراف العبيد) أي إقرارهم بشيء من السرقة وغيرها (أنه من اعترف
منهم) أي من العبيد (على نفسه بشيء) موصوف صفته (يقع فيه الحد أو العقوبة
فيه) أي في ذلك الشيء (في جسده) كاعترافه بزنا أو بشرب خمر (فإن اعترافه)
ذلك (جائز عليه) أي معتبر يعاقب به (ولا يُتَّهُمُ) ببناء المجهول (أن يوقع) العبد
المذكور (على نفسه هذا) الضرب أو القطع في السرقة بغير فعل ارتكبه.
(قال مالك: وأما من اعترف منهم) من العبيد (بأمر يكون غُزماً) بضم
الغين المعجمة، وسكون الراء المهملة (على سيده) أي يعود غرمه إلى السيد
(فإن اعترافه) ذلك (غير جائز) أي غير معتبر (على سيده) قال الباجي(١): وهذا
على ما قال: إن من اعترف منهم بشيء يوجب عقوبة في جسمه كالقتل والقطع
في السرقة وغير ذلك من الحدود، فإن إقراره نافذ عليه، وأما ما كان يوجب
إقراره نقل رقبته إلى غير سيده مثل أن يُقِرَّ بجناية خطأ أو يُقِرَّ بما يوجب غرماً
على سيده، أو ديناً في ذمته، أو متعلقاً برقبته، فإنه لا يقبل ذلك بقوله إلا أن
يصدقه سيده، انتهى.
قال الموفق(٢): إما العبد فيصح إقراره بالحد والقصاص فيما دون
النفس، لأن الحق له دون مولاه، وأما إقراره بما يوجب القصاص في النفس
(١) ((المنتقى)) (١٨٦/٧).
(٢) («المغني)) (٢٦٤/٧).
٤٨٣

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى الْأَجِيرِ وَلَا عَلَى الرَّجُلِ يَكُونَانِ مَعَ
الْقَوْمِ يَخْدُمَانِهِمْ، إِنْ سَرَقَاهُمْ، قَطْعٌ. لِأَنَّ حَالَهُمَا لَيْسَتْ بِحَالٍ
السَّارِقِ، وَإِنَّمَا حَالُهُمَا حَالُ الْخَائِنِ، وَلَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ.
فالمنصوص أنه لا يقبل ويتبع به بعد العتق، وبه قال زفر والمزني وداود وابن
جرير؛ لأنه يسقط حق سيده بإقراره، فأشبه الإقرار بقتل الخطأ، ولأنه متهم في
أنه يقر لرجل ليعفو عنه، ويستحق أخذه فيتخلص بذلك من سيده، واختار أبو
الخطاب أنه يصح إقراره، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، لأنه أحد
نوعي القصاص، فصح إقرره به کما دون النفس، انتهى.
(قال مالك: ليس على الأجير) الذي يخدم على الأجرة (ولا على الرجل)
الذي يخدم بدون الأجرة (يكونان) أي الأجير وغيره (مع القوم) أو مع واحد
من القوم (يَخَذُمَانِهم) بضم الدال (إن سرقاهم) أي سرقا شيئاً منهم (قطع) اسم
ليس (لأن حالهما) أي الأجير والخادم (ليست بحال السارق) لأنهما يكونان
مأذونين في الدخول عادة، فلم يكن أخذهما أخذاً من الحرز (وإنما حالهما)
مشابه (حال الخائن) في أنه يخون ما جعل أميناً عليه، وهذان أيضاً كانا أمينين
في متاع البيت، لإذن الدخول فيه.
قال صاحب ((المحلى)): لأن حالهما حال الخائن، (وليس على الخائن
قطع) لما مر من الحديث، قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن الأجير
والخادم المؤتمن على الدخول والخروج لا قطع عليهم، لأن أخذ هؤلاء ليس
على وجه السرقة، وإنما هو على وجه الخيانة، والخائن لا قطع عليه، لأن
صاحب المتاع قد ائتمنهم على الوصول إلى ما سرقوه، لأن القطع في السرقة
من شروطها الحرز، ومن أبيح له الوصول إلى موضع، فليس ذلك في حقه
حرزاً، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (١٨٦/٧).
٤٨٤

,٠
٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الَّذِي يَسْتَعِيرُ الْعَارِيَةَ فَيَجْحَدُهَا: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ
قَطْعٌ. وَإِنَّمَا مَثَلُ ذُلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلِ دَيْنٌ فَجَحَدَهُ
ذُلِكَ. فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيمَا جَحَدَهُ قَطْعٌ.
(قال مالك في) الرجل (الذي يستعير العارية، فيجحدها) بالجيم فالحاء
أي ينكر أخذها (إنه ليس عليه قطع) إذ ليس هو بسارق (وإنما مثل) بفتح الميم
والمثلثة أي مثال (ذلك) الذي أنكر العارية (مثل رجل) أي زيد مثلاً (كان له)
أي لزيد (على رجل) عمرو (دین فجحده ذلك) أي جحد عمرو دينه (فليس
عليه) أي على عمرو (فيما جحده) أي في دين جحده (قطع) إجماعاً لأنه ليس
بسرقة .
قال الباجي: وهذا على ما قال: إن المستعير لا قطع عليه في جحد
العارية، خلافاً لأحمد بن حنبل في قوله: عليه القطع، والدليل على ما نقوله
أن هذا مؤتمن فلم يجب عليه القطع بجحد ما اؤتمن عليه كالمودع، انتهى.
قلت: هكذا المنقول من خلاف الإمام أحمد في عامة شروح الحديث.
وقال الموفق(١): اختلفت الرواية عن أحمد في جاحد العارية، فعنه عليه
القطع، وهو قول إسحاق لما روي عن عائشة أن امرأة كانت تستعير المتاع،
وتجحده، فأمر النبي ولو بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة، فكَلَّموه، الحديث
متفق عليه، قال أحمد: لا أعرف شيئاً يدفعه، وعنه لا قطع عليه، وهو قول
الخرقي، وأبي الخطاب، وسائر الفقهاء، وهو الصحيح إن شاء الله لقول
رسول الله وَله: ((لا قطع على الخائن))، ولأن الواجب قطع السارق والجاحد
غير سارق، وإنما هو خائن، فأشبه جاحد الوديعة.
والمرأة التي كانت تستعير المتاع، إنما قطعت لسرقتها لا لجحدها، وفي
بعض روايات هذه القصة عن عائشة أن قريشاً أهمهم شأن المخزومية التي
سرقت، وذكرت القصة، رواه البخاري.
(١) «المغني)) (٤١٦/١٢).
٤٨٥

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي السَّارِقِ يُوجَدُ فِي
الْبَيْتِ. قَدْ جَمَعَ الْمَتَاعَ وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ. وَإِنَّمَا
۶
٠
مَثَلُ
وفي حديث: ((أنها سرقت قطيفة))، فروى الأثرم بإسناده عن مسعود بن
الأسود قال: لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله وَلقول، أعظمنا
ذلك، وكانت امرأة من قريش، فجئنا إلى رسول الله وَ ﴿ فقلنا: نحن نفديها
بأربعين أوقية، قال: ((تُطَهَّرُ خَيْرٌ لها))، فلما سمعنا لين قول رسول الله وَلل أتينا
أسامة، فقلنا: كَلِّمْ لنا رسول الله وَّر، فذكر الحديث نحو سياق عائشة.
وهذا ظاهر في أن القصة واحدة، وأنها سرقت، فقطعت بسرقتها، وإنما
عرفتها عائشة بجحدها للعارية لكونها مشهورة بذلك، ولا يلزم أن يكون ذلك
سبباً كما لو عرفتها بصفة من صفاتها، وفيما ذكرنا جمعٌ بين الأحاديث،
وموافقةٌ لظاهر الأحاديث والقياس وفقهاء الأمصار، فيكون أولى، فأما جاحد
الوديعة وغيرها من الأمانات فلا نعلم أحداً يقول بوجوب القطع عليه، انتهى.
وأطال ابن حزم في ((المحلى)) (١) الكلام في ذلك، وشَنَّعَ الكلام كدأبه
الشنيع على جمهور الفقهاء، وجزم بالقطع في جحد العارية، وجزم بأنهما
قصتان، وأن التي سرقت هي بنت الأسود بن عبد الأسد، وأن التي استعارت
هي بنت سفيان بن عبد الأسد، وهما ابنتا عم مخزوميتان، لكنه لم يُجِبْ عن
الإشكال الوارد في ذلك أن أسامة بن زيد كيف شفع مرة أخرى بعد أن نهاه
رسول الله صل مرة، وأيضاً فإن سياق القصتين في نكيره وَل، وقوله وَليّة: ((لو
كانت فاطمة بنت محمد»، الحدیث، واحد.
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا في السارق يوجد في البيت) حال
كونه (قد جمع المتاع) ليخرجه من البيت (ولم يخرج به) بعد فأخذ السارق
وحبسه أهل البيت (إنه ليس عليه قطع) لأنه لم يخرجه من الحرز (وإنما مثل)
(١) (٣٦٢/١٢).
٤٨٦

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٧) حديث
ذلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَمْراً لِيَشْرَبَهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ. فَلَيْسَ
عَلَيْهِ حَدٌّ. وَمَثَلُّ ذُلِكَ رَجُلٌ جَلَسَ مِنِ امْرَأَةٍ مَجْلِساً. وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ
يُصِيبَهَا حَرَاماً. فَلَمْ يَفْعَلْ. وَلَمْ يَبلُغْ ذُلِكَ مِنْهَا. فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَيْضاً،
فِي ذُلِكَ، حَدٌ.
بفتحتين أي مثال (ذلك) السارق (كمثل) بفتح الميم والمثلثة (رجل وضع) ببناء
الفاعل (بين يديه خمراً) بالنصب في النسخ المصرية على المفعولية وبالرفع في
الهندية، فيكون الفعل ببناء المجهول وهذا نائب الفاعل (ليشربها فلم يفعل) أي
لم يشرب الخمر بعد (فليس عليه حد) الخمر لأنه لم يشرب إلى الآن.
(ومثل ذلك) أيضاً هذا مثال آخر للمسألة المذكورة (مثل رجل) هكذا في
النسخ الهندية، وليس في النسخ المصرية ههنا لفظ مثل، فيكون قوله: ومثل
ذلك، بكسر الميم وسكون المثلثة، ويكون المعنى، ومثل المذكور حكم رجل
(جلس من امرأة مجلساً) أي جلس عليها مجلس المجامع (وهو) الرجل (يريد
أن يصيبها) أي يجامعها (حراماً) أي يريد أن يزني بها (فلم يفعل) بعد (ولم يبلغ
ذلك) أي ذكره (منها) أي من المرأة أي لم يُدْخِلْ حشفته فيها (فليس عليه) أي
على ذلك الرجل الذي يريد الزنا (أيضاً في ذلك) الفعل الذي فعله من مجلسه
مجلس المجامع (حدُّ) الزنا لعدم تحقق الزنا بعد، وأما هذه المسائل الثلاثة،
فالأخريان منها مجمع عليهما، ولذا قاس عليهما الإمام مالك الأولى، والأولى
أيضاً كذلك عند جمهور أهل العلم.
قال الموفق(١) في الشروط التي لا بد لها في إيجاب القطع: الرابع، أن
يسرق من حِرْزٍ ويخرجه منه، وهذا قول أكثر أهل العلم، وهذا مذهب عمر بن
عبد العزيز والثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن أحد من
أهل العلم خلافهم إلا قولاً حُكِيَ عن عائشة والحسن والنخعيّ فيمن جمع
(١) («المغني)) (٤٢٦/١٢).
٤٨٧

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا؛ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخُلْسَةِ
قَطْعٌ. بَلَغَ ثَمَنُهَا مَا يُقْطَعُ فِيهِ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْ.
المتاع، ولم يخرج به من الحرز عليه القطع، وعن الحسن مثل قول الجماعة،
وحُكِيَ عن داود أنه لا يعتبر الحرز، وهذه أقوالٌ شاذَّةٌ غير ثابتة عمن نقلت
عنه، قال ابن المنذر: وليس فيه خبر ثابت ولا مقال لأهل العلم إلا ما ذكرناه،
فهو كالإجماع، والإجماع حجة على من خالفه، انتهى.
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه ليس في الخلسة) أي في ما
يختلس ويخطف بسرعة (قطع) مطلقاً سواء (بلغ ثمنها) فاعل بلغ ومفعوله (ما
يقطع فيه) اليد وهو النصاب (أو لم يبلغ) لعل المصنف أعاد هذا لإظهار أنه
أمرٌ مجتمعٌ عليه، وإلا فقد تقدمت المسألة قريباً من أثر زيد بن ثابت
- رضي الله عنه -.
٤٨٨

٤٥ - كتاب الأشربة
بسم الله الرحمن الرحيم
٤٥ - كتاب الأشربة
(٤٥) كتاب الأشربة
جمع شراب، كأطعمة وطعام: اسم لما يُشْرَب، وليس مصدراً؛ لأن
المصدر هو الشرب مثلثة الشين، قاله الزرقاني(١). وفي ((الدر المختار))(٢):
الشراب لغةً كلُّ مائع يُشْرَبُ، واصطلاحاً ما يُسْكِرُ، قال ابن عابدين: قوله:
كل مائع، أي هو اسم من الشرب أي ما يشرب ماء كان أو غيره حلالاً أو
غيره، انتھی.
قلت: وعلى المعنى الاصطلاحي استعمله المصنف، ولذا ذكر فيه حكم
المسكرات، وأما غيره من الأشربة الحلال، فذكر أحكامها في ((كتاب الجامع)»
الآتي قريباً، ثم ((كتاب الأشربة)) ههنا في جميع النسخ الهندية والمصرية من
المتون والشروح غير نسخة ((المنتقى)) ففيها بين كتابي الصيد والجهاد، والأوجه
ذكره ههنا لدخوله في جملة الحدود.
ثم اعلم أن الأشربة المسكرة كلها حرامٌ عند الأئمة الثلاثة والإمام محمد
- رضي الله عنهم أجمعين -، فإنهم جعلوا كلها خمراً، وحَرَّمُوْا كل أنواعها بلا
تفصيل وتفريق، والحنفية أهل الرأي الثاقب لما أمعنوا النظر في الروايات
المختلفة في هذا الباب، ورأوا عمل جمهور الصحابة لا سيما أكابر الصحابة
- رضوان الله عليهم أجمعين -، فرقوا في أنواع الأشربة، وجعلوها ثلاثة أنواع
كما سيأتي بيانها، قال ابن عابدين: قد ورد في حرمة المتخذ من التمر
أحاديث، وفي حِلِّه أحاديث، فإذا حُمِل المُحرَّمُ على النهي، والمُحَلَّلُ على
المطبوخ، فقد حصل التوفيق، واندفع التعارض ((عيني)).
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٤/٤).
(٢) (٣/٧).
٤٨٩

٤٥ - كتاب الأشربة
والأحاديث الورادة كلها صحاحٌ ساقها الزيلعي(١)، ووفق بما ذكر
فراجعه، قال الإتقاني: وقد أطنب الكرخي في رواية الآثار عن الصحابة
والتابعين بالأسانيد الصحاح في تحليل النبيذ الشديد، والحاصل أن الأكابر من
أصحاب رسول الله وَلّ وأهل بدر كعمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي مسعود
كانوا يُحِلُّونه، وكذا الشعبي وإبراهيم النخعي، وروي أن الإمام أبا حنيفة قال
لبعض تلامذته: إن من إحدى شرائط السنة والجماعة أن لا يُحرِّمَ نبيذَ الجر.
وفي ((المعراج)): قال أبو حنيفة: لو أعطيت الدنيا بحذافيرها لا أفتي
بتحريمها؛ لأن فيه تفسيق بعض الصحابة، ولو أعطيت الدنيا لشربها لا أشربها؛
لأنه لا ضرورة فيه، وهذا غاية تقواه، انتهى. يعني في كلا الأمرين في تفسيق
بعض الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -، وفي الاحتياط عن استعمال
المختلف فيه بين الأئمة في الحلة والحرمة.
وإذا ثبت ذلك، فاعلم أن الأئمة الثلاثة - رضي الله عنهم أجمعين -
حرَّموا جميع أنواعها بلا تفريق، ولا شك في أن الأحوط في هذا الزمان هو
مذهبهم - شكر الله سعيهم -.
قال الموفق (٢): الخمر مُحَرَّمٌ بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب
فقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَثُرُ وَالْمَيْسِرُ وَاُلْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ الآية
إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّنَْهُونَ﴾(٣)، وأما السنة فقوله وَّر: ((كل مسكر خمر وكل
خمر حرام)) رواه أبو داود(٤)، وثبت عن النبي ◌َّ تحريم الخمر بأخبار تبلغ
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٢٩٥/٤).
(٢) («المغني)) (١٢/ ٤٩٣).
(٣) سورة المائدة: الآيتان ٩٠، ٩١.
(٤) أخرجه أبو داود في السنن (٢٩٣/٢) (٣٦٧٩)، وأحمد في ((المسند)) (١٦/٢، ٢٩،
٣١)، ومسلم في ((صحيحه)) (١٥٨/٣).
٤٩٠

٤٥ - كتاب الأشربة
مجموعها رتبة التواتر، وأجمعت الأمة على تحريمه، وإنما حُكِيَ عن قُدامة بن
مظعون، وعمرو بن معد يكرب، وأبي جندل بن سهيل أنهم قالوا: هي حلال؛
لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾(١) الآية،
فبيَّن لهم علماء الصحابة معنى هذه الآية، وتحريمَ الخمر، وأقاموا عليهم
الحدَّ؛ لشربهم إياها (٢)، فرجعوا إلى ذلك، فقد انعقد الإجماع.
فمن استحلها الآن، فقد كذب النبي ◌َّ، لأنه قد عُلِم ضرورة من جهة
النقل تحريمه، فيُكفّر بذلك ويُسْتَتاب، فإن تاب، وإلا قُتِل، وروى الخلّال
بإسناده إلى محارب بن دثار أن أناساً شربوا بالشام الخمر، فقال لهم يزيد بن
أبي سفيان: شربتُم الخمر؟ قالوا: نعم، يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآية، فكتب فيهم إلى عمر - رضي الله عنه -
فكتب إليه: إن أتاك كتابي هذا نهاراً، فلا تنتظر بهم إلى الليل، وإن أتاك ليلاً،
فلا تنتظر بهم نهاراً، حتى تبعث بهم إليّ، لئلا يفتِنُوا عباد الله، فبعث بهم إلى
عمر، فشاور فيهم الناس، فقال لعليّ: ما ترى؟ فقال: أرى أنهم شَرَّعُوا في
دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنها حلالٌ، فاقْتُلْهم، فقد أحَلُّوا ما
حَرَّمَ الله، وإن زعموا أنه حرامٌ، فاجلدوهم ثمانين ثمانين، فحدهم عمر
- رضي الله عنه - ثمانين ثمانين، إذا ثبت هذا، فالمجمع على تحريمه عصير
العنب إذا اشتدّ وقذف زبده، وما عداه من الأشربة المكسرة فهو محرم، وفيه
اختلاف نذكره.
ثم قال الموفق(٣): كل مسكر حرام قليله وكثيره، وهو خمر، حكمه حكم
عصير العنب في تحريمه، ووجوب الحد على شاربه، وروي تحريم ذلك عن
(١) سورة المائدة: الآية ٩٣.
(٢) أخرج البيهقي في ((باب من وجد منه ريح)) ((السنن الكبرى)) (٣١٦/٨).
(٣) ((المغني)) (٤٩٥/١٢).
٤٩١

٤٥ - كتاب الأشربة
عمر وعليّ وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة، وبه قال
عطاء والقاسم وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق، وقال
أبو حنيفة في عصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب إذا طبخ
وإن لم يذهب ثُلُثاه، ونبيذِ الحنطة والذرة والشعير، ونحو ذلك نقيعاً كان أو
مطبوخاً: كلّ ذلك حلال إلا ما بلغ السكر؛ لما روى ابن عباس عن النبي وَصليت
قال: ((حُرِّمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب))(١).
ولنا ما روى ابن عمر - رضي الله عنه - [قال:] قال رسول الله وَليقول: ((كل
مسكر خمر، وكل خمر حرام»(٢)، وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال
رسول الله ◌َ: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام))(٣)، رواهما أبو داود والأثرم
وغيرهما، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله وَ ل﴾ قال:
((ما أسكر منه الفرق، فملء الكف منه حرام))، رواه أبو داود وغيره(٤).
وقال عمر - رضي الله عنه -: نزل تحريم الخمر، وهي من العنب والتمر
والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل، متفق عليه، ولأنه مسكر
أشبه عصير العنب، فأما حديثهم فقال أحمد: ليس في الرخصة في المسكر
حديث صحيح، وحديث ابن عباس رواه ابن شداد عن ابن عباس قال:
والمسكر من كل شراب، وقيل: إن خبر ابن عباس موقوف عليه، مع أنه
يحتمل أنه أراد بالسكر المسكر من كل شراب، انتهى.
(١) أخرجه النسائي (٣٢٠/٨ - ٣٢١).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٧٩)، والإمام أحمد في ((المسند)) (١٦/٢، ٢٩، ٣١)، ومسلم
(١٥٨٨/٣)، والنسائي (٢٩٦/٨)، والترمذي (١٨٦١).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، وابن ماجه (٣٣٩٣).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٦٨٧)، والترمذي (١٨٦٦).
٤٩٢

٤٥ - كتاب الأشربة
وقال ابن التركماني(١): حديث ابن عباس خرجه قاسم بن أصبغ ثنا
أحمد بن زهير نا أبو نعيم عن مسعر عن أبي عون عن عبد الله بن شداد عن
ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها القليل منها والكثير، والسكر من كل
شراب، قال ابن حزم: صحيح، وتابع أبا نعيم جعفر بن عون فرواه عن مسعر
كذلك، وتابع مسعراً الثوريُّ، فرواه عن أبي عون كذلك، وفي ((التهذيب))
للطبري بسنده إلى عكرمة عن ابن عباس قال: حرم الله الخمر بعينها، والسكر
من كل شراب، وروى أبو حنيفة في ((مسنده)) عن عون بن أبي جحيفة، قال:
قال ابن عباس: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب،
انتھی .
وقد عرفت فيما سبق أن الأشربة المسكرة عند الحنفية ثلاثة أنواع،
وأجاد في ذلك الكلام صاحب ((الهداية)) فنورد كلامه ملخصاً وموضحاً كلامه
في بعض المواضع عن غيره، فقال(٢): الأشربة المحرمة أربعة أنواع، ١ -
الخمر، وهي عصير العنب إذا غلا واشتدّ وقذف، ٢ - والعصير أي عصير
العنب إذا طُبِخ حتى يذهب أقل من ثلثيه، وهو الطلا، ٣ - ونقيع التمر وهو
السكر، ٤ - ونقيع الزبيب إذا اشتدّ وغلا.
أما الخمر، فالكلام فيه في عشرة مواضع:
أحدها: في بيان ماهيتها وهي النيُّ من ماء العنب إذا صار مسكراً، وهذا
عندنا، وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم، وقال بعض الناس - منهم
الأئمة الثلاثة كما تقدم في كلام ((المغني)) -: هو اسم لكل مسكر؛ لقوله ◌َله :
(كل مسكر خمر)) وقوله وَ لّر: ((الخمر من هاتين الشجرتين)) وأشار إلى الكرمة
والنخلة.
(١) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٢٩٧/٨).
(٢) ((الهداية)) (٣٩٢/٢).
٤٩٣

٤٥ - كتاب الأشربة
ولنا، أنه اسم خاص بإطباق أهل اللغة فيما ذكرنا، أي في الني من ماء
العنب، ولهذا اشتهر استعماله فيه، واشتهر في غيره غيره من الأسماء، كالنبيذ
والنقيع والسكر، ولأن حرمة الخمر قطعية، وهي في غيرها ظنية، والحديث
الأول طعن فيه يحيى بن معين إذ قال: الأحاديث الثلاثة ليست بثابتة، أحدها :
قوله وثيقة: ((لا نكاح إلا بولي))، والثاني: ((من مسَّ ذكره فليتوضأ))، والثالث:
((كل مسكر خمر))، وكان يحيى بن معين إماماً حافظاً متقناً حتى قال أحمد بن
حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث، كذا في هامش
((الهداية)) .
والحديث الثاني: أريد به بيان الحكم إذ هو اللائق بمنصب الرسالة،
والثاني: في حد ثبوت هذا الاسم، وهذا الذي ذكر قول أبي حنيفة،
وعندهما إذا اشتدّ صار خمراً، ولم يشترطا القذف بالزبد - وبه قالت الأئمة
الثلاثة، وهو الأظهر كما في ((الدر المختار)) - لأن الاسم يثبت بالاشتداد،
وكذا المعنى المحرم، وهو الإسكار يحصل بالاشتداد، ولأبي حنيفة أن الغليان
بداية الشدة، وكمالها بقذف الزبد، وأحكام الشرع قطعية، فتناط بالنهاية كالحد
وإكفار المستحل، وقيل: يؤخذ في حرمة الشرب بمجرد الاشتداد احتياطاً،
وفي وجوب الحد بقذف الزبد.
والثالث: عينها حرام غير معلول بالسكر، ولا موقوف عليه، ومن الناس
- وهم بعض المعتزلة كما في ((الشامي)) -، من أنكر حرمة عينها، وقال: إن
السكر منها حرام؛ لأن به يحصل الفساد، وهو الصدُّ عن ذكر الله، وهذا كفر؛
لأنه جحود الكتاب، فإنه تعالى سماه ﴿رِجْسًا﴾ والرجس ما هو محرمُ العين،
وقد جاءت السنة متواترة أن النبي ونَ﴾ حرم الخمر، وعليه انعقد الإجماع، ثم
هو غير معلول عندنا حتى لا يتعدى حكمه إلى سائر المسكرات، والشافعي
- رحمه الله - يعديها إليها، وهذا بعيد؛ لأنه خلاف السنة المشهورة فإنه
قال ◌َله: ((حرمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب)).
٤٩٤

٤٥ - كتاب الأشربة
والرابع: أنها نجسة نجاسة غليظة كالبول لثبوتها بالدلائل القطعية.
والخامس: أنه يكفر مستحلها لإنكاره الدليل القطعي.
والسادس: سقوط تقوّمها في حق المسلم حتى لا يضمن متلفها.
والسابع: حرمة الانتفاع بها؛ لأن الانتفاع بالنجس حرام.
والثامن: أن يحد شاربها وإن لم يسكر منها؛ لقوله وقال: ((من شرب
الخمر فاجلدوه))، الحديث، وعليه انعقد إجماع الصحابة - رضي الله عنهم
أجمعين ..
والتاسع: أن الطبخ لا يؤثر فيها؛ لأنه للمنع من ثبوت الحرمة لا لرفعها
بعد ثبوتها، إلا أنه لا يحد فيه ما لم يسكر منه على ما قالوا؛ لأن الحد بالقليل
في الني خاصة وهذا قد طبخ.
والعاشر: جواز تخليلها، وفيه خلاف الشافعي هذا هو الكلام في الخمر،
وأما العصير أي عصير العنب إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه وهو المطبوخ
أدنى طبخة، ويسمى الباذق، والمنصف، وهو ما ذهب نصفه بالطبخ، فكل
ذلك حرام عندنا، إذا غلا واشتد، وقذف بالزبد، أو اشتد وإن لم يقذف على
الاختلاف المتقدم بين الإمام وصاحبيه، وقال الأوزاعي: إنه مباح؛ لأنه
مشروب طیب، ولیس بخمر.
ولنا، أنه رقيق مُظْرِبٌ، ولذا يجتمع عليه الفسّاق، فيحرم شربه دفعاً
للفساد المتعلق به، وأما نقيع التمر، وهو السكر، وهو الني من ماء التمر أي
الرطب، فهو حرام مكروه، يعني أن حرمته ليست كحرمة الخمر؛ لأن حرمتها
قطعية، وهذه حرمتها ظنية، وقال شريك بن عبد الله: إنه مباح؛ لقوله تعالى:
﴿فَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَا﴾(١)، امتَنّ علينا به، والامتنان بالمحرم لا
يتحقق .
(١) سورة النحل: الآية ٦٧.
٤٩٥

٤٥ - كتاب الأشربة
ولنا، إجماع الصحابة، ويدل عليه ما رويناه من قبلُ وهو قوله وَالت :
((الخمر من هاتين الشجرتين))، وأشار إلى الكرمة والنخلة. والآية محمولة على
الابتداء، وكانت الأشربة مباحة كلها، وأما نقيع الزبيب وهو النيّ من ماء
الزبيب، فهو حرام إذا اشتدّ وغلا، ويتأتى فيه خلاف الأوزاعي إلا أن حرمة
هذه الأشربة دون حرمة الخمر حتى لا يُكَفَّرُ مستحِلُّها، ويُكَفَّرُ مستحِلُّ الخمر؛
لأن حرمتها اجتهادية، وحرمة الخمر قطعية، ولا يجب الحد بشربها حتى
يسكر، ويجب بشرب قطرة من الخمر، ونجاستها خفيفة في رواية، وغليظة في
أخرى، ونجاسة الخمر غليظة رواية واحدة.
وهذه الثلاثة أي عصير العنب إذا طبخ باذقاً كان أو منصفاً، ونقيع التمر،
وهو السكر، وهو النيّ من ماء التمر، ونقيع الزبيب، وهو الني من ماء الزبيب
حرامٌ كلها إذا غلا واشتد، وذهبت حلاوته وإن لم يقذف عند الصاحبين،
وبشرط أن يقذف أيضاً عند الإمام، فإن لم يشتد وبقي حلواً، لم يحرم اتفاقاً،
وإن قذف حرم اتفاقاً يعني قليله وكثيره، ولكن لا يجب الحد إلا إذا أسكر،
وما سوى ذلك من الأشربة فلا بأس به أي حلال عند أبي حنيفة، ولا يُحَدُّ
شاربه عنده، وإن سكر منه، وعن محمد أنه حرام، ويُحَدُّ شاربه إذا سكر منه،
كما في سائر الأشربة المحرمة، انتهى كلام صاحب ((الهداية)» باختصار وزيادة.
قال صاحب: ((الدر المختار))(١): والحلال منها أربعة:
الأول: نبيذ التمر والزبيب إن طُبخ أدنى طبخة، يحلُّ شربه، وإن اشتدّ
وقذف بالزبد إذا شرب بلا لهو وطرب، فلو شرب للهو، فقليله وكثيره حرام،
ما لم يسكر، فلو شرب ما يغلب على ظنه أنه مسكر فيحرم؛ لأن السكر حرام
في كل شيء.
(١) (٨/٧).
٤٩٦

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
(١) باب الحد في الخمر
والثاني: الخليطان من الزبيب والتمر إذا طبخ أدنى طبخة، وإن اشتد يحل
بلا لهو.
والثالث: نبيذ العسل والتين والبر والشعير والذّرة يحلُّ، سواء طبخ أو
لا، بلا لهو وطرب.
والرابع: المثلث العنبي وإن اشتدّ، وهو ما طبخ من ماء العنب حتى
يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه إذا قصد به استمراء الطعام والتداوي والتقوِّي، ولو
للهو لا يحل إجماعاً .
وحرم محمد هذه الأشربة المتّخذة من العسل وغيره مطلقاً، قليلها
وكثيرها، وبه يُفْتى، وهو قول الأئمة الثلاثة؛ لقوله وَ له: ((كل مسكر خمر وكل
مسكر حرام)) انتهى بزيادة من ((الشامي))، وقول محمد - رحمه الله - هذا في
التحريم، وأما الحدُّ فيه فبالسكر، كما تقدم في كلام صاحب ((الهداية))
و ((الشامي)).
بسم الله الرحمن الرحيم
كذا في جميع النسخ المصرية والهندية، وزاد في الهندية بعد ذلك
وصلى الله على رسوله الكريم، وليست هذه الزيادة في المصرية.
(١) ما جاء في الحد في الخمر
قال الموفق (١): يجب الحدُّ على من شرب قليلاً من المسكر أو كثيراً،
ولا نعلم فيه خلافا بينهم في ذلك في عصير العنب غير المطبوخ، واختلفوا في
سائرها، فذهب أمامنا إلى التسوية بين عصير العنب وكل مسكر، وهو قول
الحسن وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي ومالك والشافعي، وقالت طائفة: لا
(١) ((المغني)) (١٢/ ٤٩٧).
٤٩٧

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
يُحَدُّ إلا أن يسكر؛ منهم أبو وائل والنخعي وكثير من أهل الكوفة وأصحاب
الرأي، وقال أبو ثور: من شربه معتقداً تحريمه حُدَّ، ومن شربه متأولاً فلا حد
عليه؛ لأنه مختلف فيه، فأشبه النكاح بلا وليٍّ.
ولنا، ما رُوي عن النبي وَل# أنه قال: ((من شرب الخمر فاجلدوه))،
الحديث(١) رواه أبو داود وغيره، وقد ثبت أن كل مسكر خمر، فيتناول
الحدیث قلیله و کثیره، انتهى.
وترجم الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))(٢): ((باب الخمر ما هي؟))، ثم
أخرج بسنده من طرق إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلو: ((الخمر من
هاتين الشجرتين النخلة والعنبة)).
ثم قال: ذهب قوم إلى أن الخمر من التمر والعنب جميعاً، واحتجوا في
ذلك بهذا الحديث، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: الخمر المحرمة في
كتاب الله هي الخمر التي من عصير العنب، وحديث أبي هريرة يحتمل أن
يكون أراد بقوله: ((الخمر من هاتين)) إحداهما، فعمهما بالخطاب، وأراد
إحداهما، كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُلُؤُ وَالْمَرْحَانُ (®)﴾(٣) وإنما يخرج من
أحدهما. وقال تعالى: ﴿يَمَعْثَرَ اُلْجِنِّ وَالْإِنِسِ أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ الآية،
والرسل من الإنس لا من الجن.
ويحتمل أيضاً أن يكون عنى به الشجرتين جميعاً، ويكون ما خمر من
ثمرهما خمراً فيما ينقع من الزبيب والتمر، فجعلوه خمراً، ويحتمل أن يكون
أراد الخمر منهما، وإن كانت مختلفة على أنها من العنب ما قد علمنا، وعلى
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٨٥)، والترمذي (١٤٤٤).
(٢) (٣٢٢/٢).
(٣) سورة الرحمن: الآية ٢٢.
٤٩٨

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
أنها من التمر ما يسكر، فيكون خمر العنب هي عين العصير إذا اشتدّ، وخمر
التمر هو المقدار من نبيذ التمر الذي يسكر.
قال: فلما احتمل هذا الحديث هذه الوجوه التي ذكرنا لم يكن أحدها
أولى من بقيتها، ولم يكن لمتأوّل أن يتأوله على أحدها إلا كان لخصمه أن
يتأوّله على ذلك، ثم بسط الدلائل في ذلك.
ثم ترجم (باب ما يحرم من النبيذ)) وأخرج فيه حديث ابن عمر قال:
قال: رسول الله وَله: ((كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام))، والروايات العديدة
في هذا المعنى.
ثم قال: فذهب قوم إلى أن حرموا قليل النبيذ وكثيره، وخالفهم في ذلك
آخرون، فأباحوا من ذلك ما لا يسكر، وحرموا الكثير الذي يسكر، وبسط في
دلائل هذا الفريق، منها: ما روي أنه جاء رجل قد ظَمِئَ إلى خازن عمر،
فاستسقاه، فلم يسقه، فأتي بسطيحةٍ لعمر - رضي الله عنه -، فشرب منها
فسكر، فأتي به عمر - رضي الله عنه -، فاعتذر إليه، وقال: إنما شربت من
سطيحتك، فقال عمر: إنما أضربك على السكر فضربه عمر.
وأخرج عن أبي موسى قال: بعثني رسول الله و ◌َ لقر أنا ومعاذاً إلى اليمن،
فقلنا: يا رسول الله إن بها شرابين يُصْنَعان من البر والشعير، أحدهما يقال له:
المزر، والآخر يقال له: البتع، فما نشرب؟ فقال رسول الله وَله: اشربا ولا
تسكرا، ثم قال: كان ذلك دليلاً على أن حكم المقدار الذي يسكر من ذلك
الشراب خلاف حكم ما لا يُسْكر.
فدل على أن ما ذكره أبو موسى عن رسول الله و 308 مما ذكرنا عنه في
الفصل الأول من قوله: ((كل مسكر حرام))، إنما هو على المقدار الذي يسكر،
لا على العين التي كثيرها يسكر، وقد روي عن علقمة قال: سألت ابن مسعود
عن قول رسول الله وَ يقول في المسكر، قال: الشربة له الأخيرة إلى آخر ما بسطه.
٤٩٩

٤٥ - كتاب الأشربة
(١) باب
وأما مقدار الحدِّ، فإنهم اختلفوا في ذلك، قال القاضي عياض: أجمعوا
على وجوب الحد في الخمر، واختلفوا في تقديره، فذهب الجمهور إلى
الثمانين، وقال الشافعي في المشهور عنه وأحمد في رواية وأبو ثور وداود:
أربعين، وتبعه على نقل الإجماع ابنُ دقيق العيد والنوويُّ ومن تبعهما، وتُعقّب
بأن الطبري وابن المنذر وغيرهما حكوا عن طائفة من أهل العلم، أن الخمر لا
حدَّ فيها، وإنما فيها التعزير.
ثم قال الحافظ(١) بعد بسط الكلام على الروايات في ذلك: والذي
تحصل لنا من الآراء في حد الخمر ستةُ أقوال:
الأول: أن النبي وَل﴾ لم يجعل فيها حداً معلوماً، بل كان يقتصر في
ضرب الشارب بما يليق به، قال ابن المنذر: قال بعض أهل العلم: أتي
النبي ◌َ﴾ بسكران، فأمرهم بضربه، وتبكيته، فدل على أن لا حدَّ في السكر،
بل فيه التنكيل والتبكيت، ولو كان ذلك على سبيل الحدِّ لبينه بياناً واضحاً،
ولأنه لو كان في ذلك عندهم عن النبي ◌َّ شيءٌ محدودٌ ما استشار عمر
- رضي الله عنه - الصحابة وما تجاوزوه.
الثاني: أن الحد فيه أربعون، ولا تجوز الزيادة عليها.
الثالث: مثله لكن للإمام أن يبلغ به ثمانين، وهل تكون الزيادة من تمام
الحد أو تعزيراً؟ قولان.
الرابع: ثمانون ولا تجوز الزيادة عليها .
الخامس: كذلك وتجوز الزيادة تعزيراً. وعلى الأقوال كلها هل يتعين
بالسوط الجلد أو يتعين بما عداه أو يجوز بكل من ذلك؟ أقوال.
(١) ((فتح الباري)) (١٢/ ٧٤).
٥٠٠