Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٤ - كتاب السرقة
(٤) باب
(١٥٥٣) حديث
زوجها ليس من متاع سيدها، هكذا سياق النسخ الهندية، وهو واضح المعنى،
وحاصلها التفريق بين متاع السيد وبين متاع زوج السيد.
وأما في النسخ المصرية(١) فهكذا: قال مالك: والأمر عندنا في العبد
يسرق من متاع سيده أنه إن كان ليس من خدمه ولا ممن يأمن على بيته، ثم
دخل سراً، فسرق من متاع سيده ما يجب فيه القطع أنه لا قطع عليه، وكذلك
الأمة إذا سرقت من متاع سيدها لا قطع عليها، قال مالك: والأمر عندنا في
عبد الرجل يسرق من متاع سيده إن كان ليس من خدمه ولا ممن يأمن على
بيته، ثم دخل سراً، فسرق من متاع امرأة سيده ما يجب فيه القطع أنه تقطع
يده، قال: وكذلك أمة المرأة إذا كانت ليست بخادم لها ولا لزوجها ولا ممن
تأمن على بيتها، ثم دخلت سراً، فسرقت من متاع سيدتها ما يجب فيه القطع،
فلا قطع عليها .
قال مالك: وكذلك أمة المرأة التي لا تكون من خدمها، ولا ممن تأمن
على بيتها فدخلت سراً، فسرقت من متاع زوج سيدتها ما يجب فيه القطع أنها
تقطع يدها، انتهى.
وقد عرفت أنه ليس في هذه العبارات إلا تكرار بعض الفروع، قال
الباجي(٢): وأصل ذلك أن العبد والإماء يقطعون في السرقة مسلمين كانوا أو
كافرين، مَلَكَهم مسلم أو كافر إذا سرقوا من مال أجنبي، ومن سرق منهم من
متاع سيده فلا قطع عليه، وإن لم يكن من خدمه، ولا ممن يأمنه على بيته،
انتھی .
وقد عرفت أن الإمام مالكاً - رضي الله عنه - فرق بين مال السيد وبين
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢١٦/٢٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٨٠/٧).
٤٦١

٤٤ - كتاب السرقة
(٤) باب
(١٥٥٣) حديث
مال زوج السيد، ولا فرق في ذلك عند الحنفية والجمهور، قال صاحب
(الهداية))(١): إذا سرق أحد الزوجين من الآخر أو العبد من سيده أو من امرأة
سيده أو من زوج سيدته لم يقطع لوجود الإذن بالدخول عادة.
قال ابن الهمام(٢): كذلك لا قطع على المكاتب إذا سرق مال سيده؛
لأنه عبد له أو من زوجة سيده، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال مالك وأبو
ثور وابن المنذر: يقطع بسرقة مال من عدا سيده كزوجة سيده، لعموم الآية،
وأثر عمر - رضي الله عنه - في السرقة من مال زوجة سيده، وعن ابن مسعود
مثله، ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلافه، فحلّ محل الإجماع، فتخص به
الآية، انتهى. قلت: والمراد بأثر عمر - رضي الله عنه - هو أثر السائب الآتي
في كلام الموفق.
قال الموفق(٣): إذا سرق العبد من مال سيده فلا قطع عليه في قولهم
جميعاً، ووافقهم أبو ثور فيه، وحُكِي عن داود أنه يقطع لعموم الآية، ولنا ما
روى السائب بن يزيد قال: شهدت عمر - رضي الله عنه -. وقد جاءه عبد الله بن
عمرو بن الحضرمي بغلام له، فقال: إن غلامي هذا سرق فاقطع يده، فقال
عمر - رضي الله عنه - ما سرق؟ قال: سرق مِرآة إمرأتي، ثمنها ستون درهماً،
فقال: أرسله، لا قطع عليه، خادمكم أخذ متاعكم، ولكنه لو سرق من غيره
قطع، وفي لفظ: قال: مالكم سرق بعضه بعضاً لا قطع عليه، رواه سعيد،
وعن ابن مسعود أن رجلاً جاءه فقال: عبد لي سرق قباء لعبد لي آخر، فقال:
لا قَطْع، مالُكَ سرق مالَكَ(٤)، وهذه قضايا تُشْتَهر، ولم يخالفها أحدٌ، فيكون
(١) (٣٦٧/١).
(٢) ((فتح القدير)) (١٤٤/٥).
(٣) ((المغني)) (٤٥٩/١٢).
(٤) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٨١/٨).
٤٦٢

٤٤ - كتاب السرقة
(٤) باب
(١٥٥٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذْلِكَ الرَّجُلُ. يَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ امْرَأَتِهِ. أَوِ
الْمَرْأَةُ. تَسْرِقُ مِنْ مَتَاعِ زَوْجِهَا. مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ: إِنْ كَانَ الذي
سَرَقَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما مِنْ مَتَاعِ صَاحِبِهِ، فِي بَيْتٍ سِوَى الْبَيْتِ الَّذِي
يُغْلِقَانِ عَلَيْهِمَا. وَكَانَ فِي حِرْزٍ سِوَى الْبَيْتِ الَّذِي هُمَا فِيهِ. فَإِنَّ مَنْ
سَرَقَ مِنْهُمَا مِنْ مَتَاعِ صَاحِبِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ فِيهِ.
إجماعاً، وهذا يخص عموم الآية، ولأن هذا إجماع من أهل العلم، لأنه قول
من سمينا من الأئمة، ولم يخالفهم في عصرهم أحد، فلا يجوز خلافه بقول
من بعدهم، كما لا يجوز ترك إجماع الصحابة بقول واحد من التابعين، انتهى.
وسيأتي أثر السائب في ((الموطأ)) أيضاً في الباب الآتي.
(قال مالك: وكذلك الرجل يسرق من متاع امرأته) أي زوجته (أو المرأة)
بلفظ ((أو)) في النسخ المصرية والواو في الهندية، والأول أوضح (تسرق من
متاع زوجها) ومفعول الفعلين (ما يجب فيه القطع) أي مقدار النصاب، فقال
مالك في الصورة المذكورة: (إن كان الذي سرق كل واحد منهما) أي من
الزوجين (من متاع صاحبه) أي من متاع الآخر منهما، ولفظ من بيان
للموصول، فإن كان المتاع المسروق (في بيت سوى البيت) أي غير البيت
(الذي يغلقان عليهما) أي يشتركان في القيام في هذا البيت.
وأوضحه بقوله: (وكان) المتاع المذكور (في حرز سوى) أي غير (البيت
الذي هما) ساكنان (فيه، فإن من سرق منهما من متاع صاحبه) في الصورة
المذكورة وهي كون المتاع في بيت خاص لأحدهما غير مشترك بينهما (ما يجب
فيه القطع) مفعول لقوله: سرق (فعليه) أي على السارق منهما (القطع فيه) قال
الزرقاني(١): وكذا إن سرق كل ما حجر عليه الآخر، ولو في بيت واحد،
انتھی.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٢/٤).
٤٦٣

٤٤ - كتاب السرقة
(٤) باب
(١٥٥٣) حدیث
قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ والْأَعْجَمِيِّ الَّذِي لَا يُفْصِحُ:
قال الموفق(١): إن سرق أحد الزوجين من مال الآخر، فإن كان مما ليس
محرزاً عنه فلا قطع فيه، وإن سرق مما أحزره عنه، ففيه روايتان: إحداهما : لا
قطع عليه، وهي اختيارُ أبي بكر، ومذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه -، لقول
عمر - رضي الله عنه - لعبد الله بن عمرو بن الحضرمي حين قال له: إن غلامي
سرق مِرآةَ امرأتي: أرسله، لا قطع عليه، كما تقدم قريباً، ((وإذا لم يقطع عبده
بسرقةِ مالها فهو أولى، ولأن كلَّ واحد منهما يرث صاحبه بغير حجب، ولا
تُقبل شهادته له، ويتبسَّطُ في مال الآخر عادة، فأشبه الوالد والولد.
والثانية: يُقْطَعُ وهو مذهب مالك وأبي ثور وابن المنذر، وهو ظاهر كلام
الخرقي لعموم الآية، ولأنه سرق مالاً محرزاً عنه، لا شبهة له فيه، أشبه
الأجنبي، وللشافعي قولان كالروايتين، وقول ثالث أن الزوج يقطع بسرقة مال
الزوجة؛ لأنه لا حق له فيه، ولا تقطع المرأة بسرقة ماله؛ لأن لها النفقة فيه،
انتھی .
وفي ((الهداية))(٢): إن سرق أحد الزوجين من حرز لآخر خاصة لا
يسكنان فيه، فكذلك عندنا أي لا يقطع خلافاً للشافعي، قال ابن الهمام في
أحد أقواله: وبه قال مالك وأحمد، وفي قول آخر كقولنا، وفي قول ثالث يقطع
الرجل خاصة، ثم استدل لمسلكه بقصة المرأة المذكورة في كلام ((المغني)).
(قال مالك في الصبي الصغير) الذي لا يتميّز (والأعجمي الذي لا يُفْصِحُ)
بصيغة المضارع من الإفصاح صفة موضحة لعجميته، قال ابن القاسم: هو مثل
الأسود والصقلي الذي يؤتى به، ولا يعرف شيئاً، وأما الأعجمي المستعرب
الذي قد عرف ومَيَّز فلا يقطع من سرقه، وروي عن ابن نافع إن كان يفصح ولا
(١) ((المغني)) (١٢ / ٤٦١).
(٢) (٣٦٧/١).
٤٦٤

٤٤ - كتاب السرقة
(٤) باب
(١٥٥٣) حدیث
إِنَّهُمَا إِذَا سُرِقَا مِنْ حِرْزِهِمَا أَوْ غَلْقِهِمَا، فَعَلَى مَنْ سَرَقَهُمَا الْقَطْعُ.
وَإِنْ خَرَجَا مِنْ حِرْزِهِمَا وَغَلْقِهِمَا، فَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَرَقَهُمَا قَطْعٌ.
يفقه ما يقال له، فمن سرقه من حرزه وجب عليه القطع، ولو راطنه بلسانه،
فخرج إليه، فذهب لم يقطع، كذا في ((المنتقى))(١).
(إنهما إذا سرقا) ببناء المجهول (من حرزهما أو غلقهما) بلفظ أو في
الهندية والواو في المصرية عطف بيان للحرز (فعلى من سرقهما) ببناء الفاعل
(القطعُ) أي يجب قطع هذا السارق (قال) مالك: (وإن خرجا) كذا في
المصرية، وهو أوجه مما في الهندية ((إذا خرجا)) أي الصبي والعجمي
المذكوران (من حرزهما وغلقهما) بأنفسهما، ثم سرقا بعد خروجهما عن الحرز
(فليس على من سرقهما قطع) لأنه لم يسرقهما من الحرز، والسرقة من الحرز
شرط للقطع.
قال الموفق(٢) في شروط القطع: وأن يكون المسروق مالاً، فإن سرق ما
ليس بمال كالحر، فلا قطع فيه صغيراً كان أو كبيراً، وبهذا قال الشافعي
والثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال الحسن والشعبي ومالك
وإسحاق: يقطع بسرقة الحر الصغير، لأنه غيرُ مُمَيِّزٍ، أشبه العبد، وذكره أبو
الخطاب رواية عن أحمد.
ولنا أنه ليس بمالٍ، فلا يقطع بسرقته كالكبير النائم، إذا ثبت هذا، فإنه
إن كان عليه حلي أو ثياب تبلغ نصاباً لم يقطع، وبه قال أبو حنيفة وأكثر
أصحاب الشافعي، وذكر أبو الخطاب وجهاً آخر أنه يُقْطَعُ، وبه قال أبو
يوسف، وابن المنذر لظاهر الكتاب، ولأنه سرق نصاباً من الحلي، فوجب فيه
القطع، كما لو سرقه منفرداً، ولنا أنه تابع لما لا قطع في سرقته، أشبه ثياب
(١) ((المنتقى)) (١٨١/٧).
(٢) ((المغني)) (٤٢١/١٢).
٤٦٥

٤٤ - كتاب السرقة
(٤) باب
(١٥٥٣) حديث
قَالَ: وَإِنَّمَا هُمَا بِمَنْزِلَةِ حَرِيسَةِ الْجَبَلِ وَالثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ.
الكبير، ولأن يد الصبي على ما عليه، وهكذا لو كان الكبير نائماً على متاع،
فسرقه ومتاعه، لم يُقْطَعْ؛ لأن يده عليه.
وإن سرق عبداً صغيراً فعليه القطعُ، في قول عامة أهل العلم، قال ابن
المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، منهم مالك
والشافعي وأبو ثور وأبو حنيفة ومحمد، والصغير الذي يقطع بسرقته هو الذي
لا يميز، فإن كان كبيراً لم يقطع سارقه إلا أن يكون نائماً أو مجنوناً أو أعجمياً
لا يميز بين سيده وبين غيره في الطاعة، فيقطع سارقه، وقال أبو يوسف: لا
يقطع سارق العبد وإن كان صغيراً، لأن من لا يقطع بسرقته كبيراً لا يقطع
بسرقته صغيراً كالحر.
ولنا أنه سرق مالاً مملوكاً تبلغ قيمته نصاباً، فوجب القطع عليه كسائر
الحيوانات، وفارق الحُرَّ، فإنه ليس بمال ولا مملوك، انتهى.
وفي ((الهداية))(١): ولا قطع على سارق الصبي، وإن كان عليه حليّ، لأن
الحر ليس بمال وما عليه من الحلي تبع له، ولأنه يتأوّل في أخذه الصبي
إسكاته أو حمله إلى مرضعته، وقال أبو يوسف: يقطع إذا كان عليه حلي هو
نصاب لأنه يجب القطع بسرقته وحده فكذا مع غيره، والخلاف في صبي لا
يمشي ولا يتكلم كيلا يكون في يد نفسه، ويقطع في العبد الصغير لتحققها
بحدها إلا إذا كان يُعَبِّرُ عن نفسه، لأنه هو والبالغ سواء في اعتبار يده، وقال
أبو يوسف: لا يقطع وإن كان صغيراً لا يعقل، ولا يتكلم استحساناً، انتهى.
(وإنما هما) أي الصبي الصغير والأعجمي الذي لا يفصح (بمنزلة حريسة
الجبل والثمر المعلق) في أنهما إذا أخذا من الحرز ففيهما القطع، وإلا لا،
وتقدم حكم الحريسة والثمر المعلق في أول كتاب السرقة، وما اخترنا من
(١) (٣٦٤/١).
٤٦٦

٤٤ - كتاب السرقة
(٤) باب
(١٥٥٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا، فِي الَّذِي يَنْبِشُ الْقُبُورَ: أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ
مَا أَخْرَجَ مِنَ الْقَبْرِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ. فَعَلَيْهِ فِيهِ الْقَطْعُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ أَنَّ الْقَبْرَ حِرْزٌ لِمَا فِيهِ. كَمَا أَنَّ الْبُيُوتَ
حِرْزٌ لِمَا فِيهَا .
قَالَ: وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ حَتَّى يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الْقَبْرِ .
السياق، هو سياق النسخ الهندية ونسخة الزرقاني وبعض النسخ المصرية، وأما
سياق نسخة الباجي وبعض النسخ المصرية الأخر هكذا: قال مالك في الصبي
الصغير والأعجمي الذي لا يُفْصِح إنهما إذا سرقا من حرزهما وغلقهما، فليس على
من سرقهما القطع، قال: وإنما هما بمنزلة حريسة الجبل والثمر المعلق، انتهى.
والظاهر أن في هذا السياق سقوطاً من الكاتب وإن اتفقت عليه النسخ العديدة.
(قال مالك: والأمر عندنا) بالمدينة المنورة (في الذي ينبش) بضم الموحدة
وكسرها يكشف ويبحث (القبور) ويخرج منها الكفن (أنه إذا بلغ ما أخرج من
القبر) والموصول فاعل بلغ ومفعوله (ما يجب فيه القطع) أي نصاب السرقة
(فعليه فيه القطع) .
(قال مالك: وذلك) أي سبب إيجاب القطع (أن القبر حرز لما فيه كما أن
البيوت حرز لما فيها) فالذي سرق من القبر كالذي سرق من البيوت (قال: ولا
يجب عليه) أي على السارق فيه (القطع حتى يخرج به) أي بالمسروق (من
القبر) فإن سلب الكفن عن الميت ولم يخرج به من القبر فلم يتحقق بعد
الإخراج من الحرز، فإن القبر كله حرز له، قال ابن حزم في ((المحلى)) (١):
اختلف الناس في النباش فقالت طائفة: عليه القتل، وقالت طائفة: تقطع يده
ورجله، وقالت طائفة: تقطع يده فقط، وقالت طائفة: يُعَزَّر أدباً ولا شيء عليه
غیر ذلك، انتھی.
(١) (٣١٤/١٢).
٤٦٧

٤٤ - كتاب السرقة
(٤) باب
(١٥٥٣) حديث
وقال الموفق(١): إذا أخرج النَّباش من القبر كفنا قيمته ثلاثة دراهم،
قُطِعَ، روي عن ابن الزبير - رضي الله عنه -، أنه قطع نبَّاشاً، وبه قال الحسن
وعمر بن عبد العزيز والنخعي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر،
وقال أبو حنيفة والثوري: لا قطع عليه لأن القبر ليس بحرز، لأن الحرز ما
يوضع فيه المتاع للحفظ، والكفن لا يوضع في القبر لذلك، ولأنه ليس بحرز
لغيره، فلا یکون حرزاً له.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَاُلْشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية، وهذا سارق، فإن عائشة
- رضي الله عنها - قالت: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا، وما ذكروه لا
يصح، فإن الكفن يحتاج إلى تركه في القبر دون غيره، ويكتفى به في
حرزه، ألا ترى أنه لا يترك الميت في غير القبر من غير أن يحفظ كفنه
ويترك في القبر وينصرف عنه، والكفن الذي يقطع بسرقته ما كان مشروعاً،
فإن كُفِّن الرجل في أكثر من ثلاث أو المرأة في أكثر من خمس، فسرق
الزائد أو ترك معه طيباً مجموعاً أو ذهباً أو فضة أو جواهر لم يقطع بأخذ
شيء من ذلك، لأنه ليس بكفن مشروع، فتركه فيه سفةٌ، فلا يكون محرزاً،
ولا يقطع سارقه، ولا بد من إخراج الكفن من القبر لأنه الحرز، فإن
أخرجه من اللحد ووضعه في القبر فلا قطع فيه، لأنه لم يخرجه من الحرز،
فأشبه ما لو نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب، فإن النبي وَّ سمى
القبر بيتاً، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): لا قطع على النَّبَّاش عند أبي حنيفة ومحمد، وقال
أبو يوسف: عليه القطع لقوله عليه السلام: ((من نبش قطعناه))، ولأنه مال
متقومٌ محرزٌ بحرز مثله، ولهما قوله وَّر: ((لا قطع على المختفي))، وهو
(١) («المغني)) (٤٥٥/١٢).
(٢) (٣٦٥/١).
٤٦٨

٤٤ - كتاب السرقة
(٤) باب
(١٥٥٣) حدیث
النباش بلغة أهل المدينة، ولأن الشبهة تمكنت في الملك؛ لأنه لا ملك
للميت حقيقة ولا للوارث لتقدم حاجة الميت، وما رواه غير مرفوع أو هو
محمول على السياسة.
قال ابن الهمام(١): وبقول أبي يوسف قال باقي الأئمة الثلاثة، وهو
مذهب عمر وابن مسعود وعائشة، وقول أبي حنيفة قول ابن عباس والثوري
والأوزاعي ومكحول والزهري، والكفن الذي يقطع به ما كان مشروعاً فلا
يقطع في الزائد على كفن السنة، وكذا ما ترك معه من طيب أو مال.
وفي ((الوجيز)): في الزائد على العدد الشرعي وجهان، وقد روى ابن
أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن معمر عن الزهري قال: أتي مروان بقوم
يختفون أي ينبشون القبور فضربهم ونفاهم، والصحابة متوافرون، وأخرجه
عبد الرزاق في ((مصنفه))، أخبرنا معمر به وزاد و((طوف بهم))، وروى ابن أبي
شيبة عن الزهري قال: أُخِذَ نَبَّاشٌ في زمن معاوية وكان مروان على المدينة
فسأل من بحضرته من الصحابة والفقهاء، فأجمع رأيهم على أن يضرب
ويطاف به، وحينئذٍ فلا شك في ترجيح مذهبنا من جهة الآثار، انتهى
مختصراً .
وفي ((المحلى)): روى محمد في ((الآثار)) عن أبي حنيفة قد اتفق على
ذلك من بقي من الصحابة على عهد مروان، وروي أن نبّاشاً أتي به مروان
فاستفتى الصحابة عن ذلك فلم يثبتوا له شيئاً، فأفتاه ابن عباس أنه لا يقطع،
انتهى. قلت: لكني لم أجده في نسخة ((كتاب الآثار)) التي بأيدي فلعله في
نسخة أخرى أو في كتاب له آخر غير ((الآثار)).
(١) ((فتح القدير)) (١٣٥/٥).
٤٦٩

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٤) حديث
(٥) باب ما لا قطع فيه
١٢/١٥٥٤ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّنَ؛ أَنَّ عَبْداً
(٥) ما لا قطع فيه
يعني بيان المسائل التي لا تقطع فيها يد السارق
١٢/١٥٥٤ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن محمد بن
يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة والموحدة الثقيلة (أن عبداً) أسود لواسع بن
حبان عم محمد المذكور، واسم الأسود فيل، كما في ((التمهيد)) يعني بلفظ
الحيوان المعروف المذكور في سورة فيل، قاله الزرقاني(١).
وفي ((المحلى)): هذا الحديث منقطع، وصله النسائي وابن ماجه عن
سفيان بن عيينة والترمذي عن الليث كلاهما عن يحيى بن سعيد عن محمد،
عن عمه واسع بن حبان، انتهى.
وقال الزرقاني: هذا الحديث أخرجه أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان من
طرق عن مالك وغيره كلها عن يحيى بن سعيد، قال ابن العربي: فإن كان فيه كلام
فلا يلتفت إليه، وقال الطحاوي: تلقت الأمة متنه بالقبول، وقال أبو عمر: هذا
الحديث منقطع لأن محمداً لم يسمعه عن رافع، وتابع مالكاً عليه الثوري
والحمادان وغيرهم، ورواه ابن عيينة عن يحيى عن محمد، عن عمه واسع عن
رافع، وكذا رواه حماد بن دليل عن شعبة عن يحيى بن سعيد به، فإن صحّ هذا فهو
متصل مسند، لكن خولف فيه ابن عيينة، ولم يتابع علیه إلا ما رواه ابن دلیل،
فقيل: عن محمد عن رجل من قومه، وقيل: عنه عن عمة له، وقيل: عنه عن أبي
ميمونة، وأطال الكلام في ذلك ابن عبد البر في ((التمهيد))(٢).
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٣/٤).
(٢) ((التمهيد)) (٣٠٣/٢٣).
٤٧٠

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٤) حديث
سَرَقَ وَدِيًّا مِنْ خَائِطِ رَجُلٍ فَغَرَسَهُ فِي خَائِطِ سَيِّدِهِ، فَخَرَجَ صَاحِبُ
الْوَدِيِّ يَلْتَمِسُ وَدِيَّهُ فَوَجَدَهُ. فَاسْتَعْدَى عَلَى الْعَبْدِ، مَرْوَانَ بْنَ
الْحَكَم،
والظاهر أن هذا الاختلاف غير قادح كما يشير إليه كلام ابن العربي، فإن
كان فيه كلام لا يلتفت إليه والمتن صحيح كما أشار إليه الطحاوي وأبو عمر
في آخر كلامه، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي
داود، ومن حديث أبي هريرة عند ابن ماجه، وإسناد كل منهما صحيح، انتهى
كلام الزرقاني.
(سرق وَدِيّا) بفتح الواو وكسر الدال المهملة وشد التحتية أي نخلاً
صغاراً، قاله أبو عبيد وغيره، وفي بعض طرق الحديث ((سرق نخلاً صغاراً))
قاله الزرقاني، وقال الباجي(١): الودي الفسيل، وهو صغار النخل، وقد روى
ابن وهب عن مالك: لا يقطع من سرق نخلة صغيرة أو كبيرة، والأصل في
ذلك قوله وَلجر: ((لا قطع في ثمر ولا كثر)) والكثر الجُمّار، ومعنى ذلك أن الثمر
في الشجر ليس بموضوع على وجه الإحراز، وكذلك النخلة والودي لو
وضعا (٢) في منبتهما للإحراز، وإنما وضعت للنماء، فلم يكن حرزاً يؤثر في
إثبات القطع، انتهى. (من حائط رجل) لم يسم، وفي رواية حماد بن زيد عن
يحيى عن محمد أن غلاماً لعمه واسع سرق وَدِيّا من أرض جارٍ له (فغرسه في
حائط سیده) واسع بن حبان.
(فخرج صاحب الودي) أي مالكه (يلتمس وَدِيّه فوجده) أي في حائط
جاره واسع (فاستعدى) أي استغاث (على العبد) المذكور (مروان بن الحكم)
مفعول استعدى، وكان مروان إذ ذاك أمير المدينة من جهة أمير المؤمنين معاوية
(١) ((المنتقى)) (١٨٢/٧).
(٢) كذا في الأصل والصواب، لم توضعا، ((ش)).
٤٧١

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٤) حديث
فَسَجَنَ مَرْوَانُ الْعَبْدَ. وَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ. فَانْطَلَقَ سَيِّدُ الْعَبْدِ إِلى رَافِعِ بْنِ
خَدِيج، فَسَأَلَهُ عَنْ ذُلِكَ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهُ يَقُولُ: ((لَا
قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ)) وَالْكَثَرُ الْجُمَّارُ.
- رضي الله عنه -، قال الباجي: يحتمل أن يكون صاحب الودي استعدى على
العبد في أن يردّ وَدِيّه، ويحتمل أن يكون استعداه بمعنى أنه طلبه بأن يقطع
يده، انتهى.
(فسجن مروان بن الحكم العبد) المذكور (وأراد قطع يده) قال الباجي(١):
يحتمل أن يكون سجنه؛ لأن الشهادة لم تتم عليه إذا كان منكراً يسجنه لتتم
الشهادة عليه، ويكون معنى أراد قطعه أنه اعتقد ذلك إن تمت الشهادة عليه،
ويحتمل أن يكون ثبت ذلك عليه، واعتقد هو وجوب القطع لكنه سجنه إلى أن
يشاور في ذلك أهل العلم، فيعلم موافقتهم له على ذلك ومخالفتهم فيه، ولعله
اعتقد ذلك من جهة عموم الآية، انتهى.
(فانطلق سيد العبد) وهو واسع بن حبان (إلى رافع بن خديج) بفتح الخاء
المعجمة وكسر الدال المهملة الأنصاري الأوسي الصحابي الشهير (فسأله عن
ذلك) قال الباجي: سأله ليعلم ما يجب في ذلك، فإن وجب القطع استسلم
لأمر الله تعالى، ولما لم يجب القطع رفعه عن عبده بإظهاره إلى مروان أو لعله
رجا أن يجد فيه خلافاً بين العلماء فيكون ذلك سبباً للعدول عن القطع.
(فأخبره) رافع (أنه سمع رسول الله بَّه يقول: لا قطع في ثمر) بفتح
المثلثة والميم أي معلق على الشجر كما تقدم التقييد بذلك في أول كتاب
السرقة (ولا) في (كثر) بفتح الكاف والمثلثة (والكثر الجُمَّارُ) بجيم مضمومة
وميم ثقيلة أي جُمَّار النخل، وهو شحمه، وقال الحافظ: هو قلب النخلة وهو
معروف، قال الزرقاني(٢): هذا التفسير مدرج، ففي رواية شعبة قلت ليحيى بن
(١) ((المنتقى)) (١٨٤/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٦٣/٤).
٤٧٢

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٤) حديث
سعيد: ما الكثر؟ فقال: الجمار، وبه تعقب تفسير ابن الأثير للكثر بالتمر
الرطب ما دام في النخلة، قال الزرقاني: والكثر الجُمَّارُ، وهو القصد من
الودي الذي هو النخل الصغار فلا قطع على سارقه، فالدليل طبق المدلول كما
هو واضح، انتهى. وقال الباجي: الكثر الجمار، وهذا خاصٌ يختص بموضع
الخلاف، انتهى.
والظاهر من كلام الشيخين الباجي والزرقاني أنهما حملا الكثر على
الوَديّ، ولذا قالا: إنه يختص بموضع الخلاف أو الدليل طبق المدلول، وهكذا
فسر الكثر بالوَدِيّ غيرهما أيضاً، قال صاحب ((الهداية)): الكثر الجُمَّار، وقيل:
الودي، انتھی.
وفي هامشه عن ((البناية)): الجمار هو شحم النخل والودي أي الفسيل،
وهو صغار النخل، قال الإنزاري: تفسير الجمار بالودي لم يثبت، انتهى.
والحديث أخرجه البيهقي(١) برواية أبي الربيع عن الزهري، وزاد في آخره
((والكثر الودي والجمار))، انتهى.
وفي ((التعليق الممجد))(٢) عن ((المغرب)): إن الجمار شيء أبيض ليِّنٌ
يخرج من النخلة، ومن قال: الجمار هو الوَدِيِّ وهو التافه من النخلة فقد
أخطأ، انتهى.
وقال ابن الهمام (٣): الكثر الجمار، وقيل: هو الودي، وهو صغار
النخل، وجزم في ((المغرب)) بأنه خطأ، انتهى. وهذا هو المعروف في كلام
عامة الشراح أن الجمار هو شحم النخلة، وهو غير الودي، ولذا قال محمد في
(١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٣/٨).
(٢) (٥٤/٣).
(٣) ((فتح القدير)) (١٣١/٥).
٤٧٣

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٤) حديث
فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمْ أَخَذَ غُلَاماً لِي وَهُوَ يُرِيدُ قَطْعَهُ.
وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَمْشِيَ مَعِيَ إِلَيْهِ فَتُخْبِرَهُ بِالَّذِي سَمِعْتَ مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَ لَه، فَمَشَى مَعَهُ رَافِعٌ إِلَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، فَقَالَ:
أَخَذْتَ غُلَاماً لِهِذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِهِ؟ قَالَ:
أَرَدْتُ قَطْعَ يَدِهِ. فَقَالَ لَهُ رَافِعٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((لَا
قَطْعَ فِي ثَمَرِ وَلَا كَثَرِ))
((موطئه))(١) بعد حديث الباب: وبهذا نأخذ لا قطع في ثمر معلق في شجر ولا
في كثر، والكثر الجمار، ولافي ودي ولا في شجر، انتهى. فعطف الودي على
الكثر، فالأوجه في الاستدلال ما قال الشيخ في ((البذل))(٢): وكتب مولانا
محمد يحيى المرحوم في ((التقرير)) أثبت الحكم في الودي مقايسة، والجامع
عدم الإحراز أو كونه مما يتسارع إليه الفساد أو كونه تافهاً، انتهى.
(فقال الرجل) أي واسع بن حبان (فإن مروان بن الحكم) أمير المدينة (أخذ
غلاماً لي) في سرقة الودي (يريد قطعه) أي قطع يده (وأنا أحب أن تمشي معي
إليه) أي إلى مروان (فتخبره بالذي سمعت) أنت (من رسول الله وَلي) الذي ذكرته
لي (فمشى معه) أي مع واسع (رافع) بن خديج (إلى مروان بن الحكم) فسأله
أولاً لتحقيق الأمر (فقال) لمروان: (أخذت) بصيغة الخطاب بطريق السؤال
(غلاماً لهذا) الرجل الذي جاء معي (فقال) مروان: (نعم) أخذته (قال)رافع (فما
أنت صانع به) أي ما تفعل به؟ قال الزرقاني: وفي هذا من اللطف في الخطاب
ما لا يخفى حيث لم يقل: أخذت غلامه وأردت قطعه (قال) مروان: (أردت
قطع يده) لسرقته (فقال له) أي لمروان (رافع) بن خديج: (سمعت رسول الله وَل
يقول: لا قطع في ثمر ولا كثر) زاد في رواية الترمذي وغيره ((إلا ما آواه
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٥/٣).
(٢) («بذل المجهود)) (٣٣٦/١٧).
٤٧٤

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٥) حدیث
فَأَمَرَ مَرْوَانُ بِالْعَبْدِ فَأُرْسِلَ.
أخرجه أبو داود في: ٣٧ - كتاب الحدود، ١٣ - باب ما لا قطع فيه،
والترمذيّ في: ١٥ - كتاب الحدود، ١٩ - باب ما جاء لا قطع في ثمر ولا كثر،
والنسائيّ في: ٤٦ - كتاب قطع السارق، ١٣ - باب ما لا قطع فيه. وابن ماجه في:
٢٠ - كتاب الحدود، ٢٧ - باب لا يقطع في ثمر ولا كثر.
١٣/١٥٥٥ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ
السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ
الجرين)) (فأمر مروان بالعبد فأرْسِل) ببناء المجهول أي أطلق من السجن بعد ضربه.
ولفظ أبي داود من رواية حماد عن يحيى بهذا الحديث: ((فجلده مروان
جلدات وخلّى سبيله)) قال الزرقاني(١): وفي رواية شعبة ((فضربه وحبسه)) وفي
رواية يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد «فأرسله مروان فباعه أو نفاه)) أي باعه
سیده، انتھی.
وتقدم في أول كتاب السرقة أن الحديث من مستدلات الأئمة الأربعة
خلافاً لما قال ابن المنذر: إن خبر رافع لا أحسبه ثابتاً، وتقدم في أول هذا
الحديث ما قال ابن العربي والطحاوي وغيرهما في قبول الرواية.
١٣/١٥٥٥ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن السائب بن يزيد)
الكندي الصحابي الصغير (أن عبد الله بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم (ابن
الحضرمي) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة اسمه عبد الله بن عمار،
وهو ابن أخي العلاء بن الحضرمي، قُتِل أبوه في السنة الأولى من الهجرة
النبوية كافراً، استدركه ابن مفوز وابن فتحون، واستبعدا ما نقله ابن عبد البر
والواقدي أنه ولد على عهد النبي وَلّ، قال في ((الإصابة))(٢): ومقتضى موت
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٤/٤).
(٢) (١١١/٤).
٤٧٥

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٥) حدیث
جَاءَ بُغُلاَم لَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ لَهُ: اقْطَعْ يَدَ غُلَامِي
هذَا. فَإِنَّهُ سَرَقَ. فَقَالَ لَّهُ عُمَرُ: مَاذَا سَرَقَ؟
أبيه أن يكون له عند الوفاة النبوية نحو تسع سنين، فهو من أهل هذا القسم أي
القسم الأول من الصحابة، كذا في ((الزرقاني)).
ومعنى قوله: مقتضى موت أبيه أنه إذا مات في السنة الأولى فهو حينئذٍ إن
لم يكن مولوداً، فلا بد أن يكون حملاً، وعلى هذا أيضاً يكون عند الوفاة النبوية
قريباً من تسع سنين. وجزم في ((التقريب)) (١): أنه ولد على عهد النبي وَل ـ
(جاء بغلام له) لم يسم (إلى عمر بن الخطاب فقال له) أي لعمر - رضي الله
عنه - (اقطع يد غلامي هذا) قال الباجي: هذا يقتضي أنه اعتقد أنه لا يجوز له
قطع يده، وإنما ذلك إلى الإمام والحاكم بخلاف الجلد في الزنا والخمر، فإن
للسيد إقامته على عبده، وأما ما فيه قطع عضو أو قتل، فإن ذلك ليس لأحد
إقامته إلا للإمام، انتهى.
قلت: وهذا مبنيٌّ على مسلك المالكية، وأما عند الحنفية أنه فَوَّضه إلى
عمر - رضي الله عنه -، لأن إقامة الحدود إلى الإمام، والمسألة خلافية شهيرة
تقدمت في أول ((جامع ما جاء في حد الزنا)) من أن إقامة الحدود على العبيد
على السادات مطلقاً في ظاهر مذهب الإمام الشافعي، وهو وجه في مذهب
الإمام أحمد، وظاهر مذهب أحمد، وهو مذهب الإمام مالك أن للسيد إقامة
الحدود المتعلقة بالجلد فقط دون القطع والقتل، فإنهما إلى الإمام، ومذهب
السادة الحنفية أن الحدود بجميع أنواعها مفوَّضة إلى الإمام، ولا خلاف بينهم
في أن حد الحر إلى الإمام مطلقاً .
(فإنه سرق) هذا بيان منه لسبب ما دعاه إليه من قطع يده (فقال عمر)
- رضي الله عنه -: (ماذا سرق؟) قال الباجي(٢): لم يبين ابن عمرو معنى السرقة
(١) (١/ ٤٣٧).
(٢) ((المنتقى)) (١٨٤/٧).
٤٧٦

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٥) حديث
فَقَالَ: سَرَقَ مِرْأةً لِامْرَأَتِي. ثَمَنُهَا سِتُّونَ دِرْهَماً، فَقَالَ عُمَرُ: أَرْسِلْهُ.
فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ. خَادِمُكُم سَرَقَ مَتَاعَكُمْ.
لما لم يختلف ذلك عنده، ولما اختلف ذلك عند عمر - رضي الله عنه - سأله
عما سرق، ويحتمل أن يكون سأله لتقدير النصاب، ويحتمل أن يكون سأله
ليتوصل بذلك إلى ما توصل إليه من معرفة المالك، انتهى. قلت: ومعرفة
النصاب ومعرفة الحرز أيضاً كان مما لا بد منها.
(فقال) ابن عمرو: (سرق مرآة) بكسر الميم وسكون الراء ومد الهمزة
على وزن مفتاح، آلة نظر الوجه وغيره فيها (لامرأتي) أي لزوجتي (ثمنها ستون
درهماً) وهو زائد من أقل نصاب السرقة بكثير (فقال عمر) - رضي الله عنه -،
(أرسله فليس عليه قطع) في هذه السرقة، وذلك لأنه (خادمكم سرق متاعكم)
قال الباجي(١): رأى عمر - رضي الله عنه - أنه لا قطع عليه، وذلك أنه فهم
منه - والله أعلم - أن هذا الغلام كان يخدمهم، ويدخل إلى الموضع الذي فيه
متاع امرأته، وقد روى ابن المواز عن مالك أن العبد إذا سرق من متاع زوجة
سيده من بيت أذن له في دخوله فلا قطع عليه، وإن سرقه من بيت لم يؤذن له
في دخوله فإنه يقطع، انتهى.
قلت: وهذا مبنيٌّ على مسلك الإمام مالك - رضي الله عنه - من التفريق
بين مال السيد ومال زوجة السيد، ولا تفريق بينهما عند الحنفية وغيرهم كما
تقدم في الباب السابق في الفروع التي بسطها الإمام مالك في سرقة العبيد
والإماء.
وقال محمد في ((موطئه))(٢) بعد أثر الباب: وبهذا نأخذ أيما رجل له عبد
سرق من ذي رحم محرم منه أو من مولاه أو من امرأة مولاه أو من زوج
(١) ((المنتقى)) (١٨٤/٧).
(٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٦/٣).
٤٧٧

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٥) حديث
مولاته، فلا قطع عليه فيما سرق، وكيف يكون عليه القطع فيما سرق من أخته
أو أخيه أو عمته أو خالته، وهو لو كان محتاجاً زَمِناً أو صغيراً، أو كان
محتاجاً أجبر على نفقتهم، فكان لهم في ماله نصيب، فكيف يقطع من سرق
ممن له في ماله نصيب؟ وهذا كله قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية بين الأئمة، قال الموفق(١): جملته أن الوالد لا
يقطع بالسرقة من مال ولده، وإن سفل، وسواء في ذلك الأب والأم والابن
والبنت والجد والجدة من قبل الأب والأم، وهذا قول عامة أهل العلم، منهم
مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور وابن المنذر: القطع على كل
سارق بظاهر الكتاب.
ولنا قوله وَله: ((أنت ومالك لأبيك))، وقوله وَ ليل: ((إن أطيب ما أكل
الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه))، ولا يجوز قطع الإنسان بأخذ ما أمر
النبي ◌َ﴿ بأخذه، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، ثم قال: ولا يقطع الابن وإن
سفل بسرقة مال والده، وإن علا، وبه قال الشافعي والثوري وأصحاب الرأي.
وظاهر قول الخرقي أنه يقطع، وهو قول مالك وأبي ثور وابن المنذر
لظاهر الكتاب، ووجه القول الأول أن بينهما قرابة تمنع قبول شهادة أحدهما
لصاحبه، فلم يقطع بسرقته كالأب، ولأن النفقة تجب في مال الأب للابن
حفظاً له، فلا يجوز إتلافه حفظاً للمال، وأما سائر الأقارب كالإخوة
والأخوات ومن عداهم فيقطع بسرقة مالهم، وبه قال الشافعي، وقال أبو
حنيفة: لا يقطع بالسرقة من ذي رحم، انتهى.
وفي ((التعليق الممجد))(٢): والوجه لنا أن في مثل هذه القرابات يكون
(١) ((المغني)) (٤٥٩/١٢).
(٢) (٤٧/٣).
٤٧٨

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٦) حديث
١٤/١٥٥٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ
مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَم أُتِيَ بِإِنْسَانٍ قَدِ اخْتَلَسَ مَتَاعاً، فَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ.
فَأَرْسَلَ
البسط في الأموال والدخول في الحرز بغير إذن بخلاف غيرها من القرابات
البعيدة، انتهى.
قلت: ما حكى الموفق في المسألة الأولى من مسلك الإمام مالك فهو
مبنيّ على المرجح في فروعه، وإلا فالمسألة خلافية عندهم، قال الباجي(١):
لا يقطع الأب بسرقة مال ابنه، واختلف في الجد، فعن ابن القاسم لا يقطع،
وقال أشهب: يقطع، ويقطع الابن بسرقة مال أبويه؛ لأن الابن لا شبهة له في
مال الأب فهو كالأخ والأجنبي، انتهى.
وقال الدردير(٢): الجد ولو لأم إذا سرق من مال ابن ولده فلا يقطع
للشبهة القوية في مال الولد، وإن سفل، فأولى الأب والأم، بخلاف الولد
يسرق من مال أصله فيقطع لضعف الشبهة، قال الدسوقي: قال ابن الحاجب:
وفي الجد قولان، وفي ((التوضيح)): اختلف في الأجداد من قبل الأب والأم
فقال ابن القاسم: أحبُّ إلي أن لا يقطع لأنه أب، وقد ورد ((ادرؤوا الحدود
بالشبهات))، وقال أشهب: يقطعون لأنه لا شبهة لهم في مال أولاد أولادهم،
ولا خلاف في قطع باقي القرابات، وقد تبين به أن الخلاف في الجد مطلقاً،
لا في خصوص الجد للأم خلافاً لظاهر المصنف، انتهى.
١٤/١٥٥٦ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أن مروان بن الحكم) أمير
المدينة (أتي) ببناء المجهول (بإنسان قد اختلس) أي اختطف بسرعة على غفلة،
وفي ((المحلى)): الاختلاس أخذ الشيء مجاهراً بسرعة (متاعاً) لأحد، فأخذ
وذهب به إلى مروان (فأراد) مروان (قطع يده) لمماثلته بالسرقة (فأرسل) مروان
(١) (١٨٥/٧).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٣٣٧/٤).
٤٧٩

٤٤ - كتاب السرقة
(٥) باب
(١٥٥٦) حدیث
إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذُلِكَ؟ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: لَيْسَ فِي
الْخُلْسَةِ قَطْعٌ.
(إلى زيد بن ثابت) الصحابي الشهير أحد فقهاء الصحابة (يسأله عن ذلك)
للاستظهار لما ظهر له أو تحقيقاً للمسألة إن كانت اشتبهت عليه (فقال زيد بن
ثابت: ليس في الخلسة قطع) بضم الخاء وسكون اللام ما يخلس، كذا في
((الزرقاني)).
قال الباجي(١): الخلسة أن يأخذ الشيء مسارعاً، ويبادر بأخذه منه على
غير وجه الاستسرار، والسرقة إنما هي أخذه على وجه الاستسرار من غير
اختلاس ولا مبادرة.
وفي ((المحلى)): روى ابن ماجه عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً ((ليس
على المختلس قطع)) وروى الأربعة عن جابر، وقال الترمذي: حسن صحيح
((ليس على خائن ولا على منتهب ولا على مختلس قطع)) (٢)، قال عياض:
شرع الله تعالى إيجاب القطع على السارق دون غيره، كالاختلاس والانتهاب
والغصب، لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع
بالاستعانة إلى الولاة، وتسهيل إقامة البينة عليه، بخلاف السرقة، فعظم أمرها،
واشتد عقوبتها ليكون أبلغ في الزجر عليها، انتهى.
قال الموفق(٣): إن اختطف أو اختلس لم يكن سارقاً، ولا قطع عليه عند
أحد علمناه غير إياس بن معاوية، قال: أقطع المختلس؛ لأنه يستخفي بأخذه
فيكون سارقاً، وأهل الفقه والفتوى من علماء الأمصار على خلافه، وقد روي
(١) ((المنتقى)) (١٨٥/٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٩١)، والترمذي (١٤٤٨)، والنسائي (٤٩٨٨)، وابن ماجه
(٢٥٩٢).
(٣) ((المغني)) (٤١٦/١٢).
٤٨٠