Indexed OCR Text

Pages 381-400

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُحِلُّ لِلرَّجُلِ جَارِيَتَهُ: إِنَّهُ إِنْ أَصَابَهَا
الَّذِي أُحِلَّتْ لَهُ قُوِّمَتْ عَلَيْهِ يَوْمَ أَصَابَهَا. حَمَلَتْ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ.
وَدُرِئَّ عَنْهُ الْحَدُّ بِذْلِكَ. فَإِنْ حَمَلَتْ أُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ.
ثم ضمان قيمة نصف الشريك لازمٌ في يساره، وإعساره، لأنه ضمان
تملك كالبيع، وعن أبي يوسف إن كان المدعِّي معسراً سعت أم الولد، لأن
منفعة الاستيلاد حصلت لها، انتهى.
(قال مالك في الرجل يحل) بضم الياء وكسر الحاء المهملة (للرجل)
الآخر (جاريته) أي يُؤْذِنُه في وطئها (إنه) بكسر الهمزة والضمير للشأن (إن
أصابها) أي جامعها (الذي أُحِلّت له) ببناء المجهول (قُوْمت) ببناء المجهول من
التقويم (عليه) أي على الواطىء (يوم أصابها) أي يعتبر قيمتها وقت الوطء،
سواء (حملت) الجارية (أو لم تحمل) من ذلك الوطء (ودرىء) ببناء المجهول
أي دفع (عنه) أي الواطىء (الحدّ بذلك) الوطء للشبهة (فإن حملت) الجارية من
ذلك الوطء (ألْحِقَ) ببناء المجهول (به الولد) قال الزرقاني(١): للقاعدة إن وطء
الشبهةِ يدرأ الحدَّ، ويُلْحَقُ الولد، انتهى.
قال الباجي(٢) وهذا على ما قال: إن الرجل إذا أحل للرجل وطء
جاريته، يريد أطلق ذلك، وأذن له فيه مع تمسكه برقبتها، فإن هذا يكون بعقد
يقتضي الإباحة، کعقد النكاح، وقد یکون لغیر عقد، فإن كان بعقد النكاح،
فإنه مباح، وما ولدت من هذا، فهو رقيق لسيد الأمة، وأما إذا أباح له وطأها
بغير عقد مثل أن يقول: أُعِيْرَكُهَا تَطَؤُها، ورقبتُها لي، فإن هذا ليس بإحلال
على الحقيقة، لأن العقد غير حلالٍ، ولكنه أذن في الوطء، فالواطىء يلزمها
بقيمتها يوم الوطء، ولا ترجع إلى ربها، كان للواطىء مالٌ أو لم يكن، ويتبعه
في عدمه، فإن حملت به فهي له أم ولد.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٥٣/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٧ /١٥٤).
٣٨١

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
ووجه ذلك أن ما دخل عليه من إعارة الفرج غير مباح، إلا أنه إذا فات
صحح بتمليك الواطىء الرقبة، لأنها لا تحل له من غير عقد النكاح إلا بذلك،
انتھی .
وقال الموفق(١): إن وطئ جارية غيره، فهو زانٍ، سواء كان بإذنه أو غير
إذنه، لأن هذا مما لا يستباح بالبذل والإباحة، وعليه الحد إلا في موضعين:
أحدهما: الأب إذا وطئ جارية ابنه، فإنه لا حد عليه في قول أكثر أهل
العلم، الثاني: إذا وطئ جارية امرأته بإذنها، فإنه يجلد مائة ولا يرجم، وإن
لم تكن أحلتها له فهو زان، انتهى. قلت: وسيأتي الكلام على هاتين
المسألتين قريباً.
ولم يُفَرِّقْ ابنُ حزم في شيء من هذه الأمور، بل اختار عموم الحدِّ في
هذه الأنواع كلها، فإنه أخرج أولاً الآثار المشعرة إلى الإباحة(٢)، منها: ما
رُوي عن ابن عباس قال: إذا أحلت امرأة الرجل أو ابنته أو أخته له جاريتها،
فليصبها وهي لها، فليجعل به بين ورکیها .
وعن طاووس أنه كان لا يرى به، وعن عطاء قال: قد بلغني أن الرجل
كان يرسل بوليدته إلى ضيفه؟ قال أبو محمد: هذا قول، وبه يقول سفيان
الثوري، وقال مالك وأصحابه: لا حدّ في ذلك أصلاً، ثم اختلف قوله في
الحكم في ذلك، فمرة قال: هي لمالكها المبيح ما لم تحمل، فإن حملت
قُوِّمِتْ على الذي أبيحت له، ومرة قال: تقام بأول وطئه حملت أو لم تحمل.
وقالت طائفة: إذا أحلَّت فقد صار ملكها للذي أحلَّت له بكليتها، كما
روينا عن مجاهد والحسن إذا أحِلّت الأمة لإنسان، فعتقها له، ويُلْحَقُ به
(١) «المغني)) (٣٤٥/١٢).
(٢) انظر: ((المحلّى)) (٢٠٦/١٢، ٢٠٧).
٣٨٢

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى جَارِيَةِ ابْنِهِ أَوِ ابْنَتِهِ: إنَّهُ يُدْرَأُ
عَنْهُ الْحَدُّ. وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ. حَمَلَتْ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ.
الولد، فهذا قولٌ ثانٍ، وقال آخرون بتحريم ذلك جملة، كما روينا عن ابن عمر
- رضي الله عنه -، قال: لا تَحلّ لك إلا من ثلاث، إما أن تتزوجها، وإما أن
تشتريها، وإما أن تهبها لك، ثم قال بعد الكلام على هذه الأقوال: ولا يُلْحَقُ
الولد ههنا أصلاً، جاهلاً كان أو عالماً، لأنها ليست فراشاً أصلاً، ولا مهر
عليها أيضاً، لأن ماله حرام، إلا بنصٍّ أو إجماع، ولا نص ههنا، ولا إجماع
وعلى المحلل التعزير إن كان عالماً، فإن كانوا جُهَّالاً أو أحدهم، فلا شيء
على الجاهل أصلاً، انتهى.
وقال ابن رشد (١): ومن المواضع التي اختلفوا فيها هل هي شبهة دارئة
للحَدِّ أم لا؟ أن يُحِلّ رجل لرجل وطء خادمه، فقال مالك: يدرأ عنه الحد،
وقال غيره: يُعَزَّرُ، وقال بعض الناس: بل هي هبة مقبوضة، والرقبة تابعة
للفرج، انتھی.
(قال مالك في الرجل يقع على جارية ابنه) أي يزني بها (أو) يقع على
جارية (ابنته) فقال مالك: (إنه يدرأ) ببناء المجهول (عنه الحدّ) لشُبْهة وقعت فيه
بقوله وَلَّ: ((أنت ومالك لأبيك))، و(تُقَوّمُ) ببناء المجهول من التقويم في النسخ
الهندية، وفي المصرية ((تقام))، وهو بمعناه (عليه الجارية) المزنية سواء (حملت)
الجارية بهذا الوطء (أو لم تحمل) .
قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن الأب إذا وطئ جارية ابنه لم
يُحَدَّ، لأن الأب له في مال ابنه حق، فكان كالشريك يطأ جارية له فيها شرك،
فيدرأ عنه الحد لماله فيها حق، وتُقَوَّمُ على الأب، وإن لم تحمل، ولا يلزم
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٣٣/٢).
(٢) («المنتقى)) (١٥٥/٧).
٣٨٣

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
تقويمها على الشريك إلا أن تحمل، وذلك أن وطء الأب يحرمها على الابن،
ولا يحرم وطء الشريك الأمة على شريكه، انتهى.
قال الموفق(١): الأب إذا وطئ جارية ولده، فإنه لا حدَّ عليه عند أكثر
أهل العلم، منهم مالك وأهل المدينة والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي،
وقال أبو ثور وابنُ المنذر: عليه الحدُّ إلا أن يمنع منه إجماعٌ، لأنه وطء في
غير ملكِ أشْبَهَ وطءَ جارية أبيه.
ولنا، أنه وطء تمكنت الشبهة منه، فلا يجب به الحد، كوطء الجارية
المشتركة، والدليل على تمكّنِ الشبهة قول النبي وَ لجر: ((أنت ومالك لأبيك))(٢)،
فأضاف مال ولده إليه، وجعله له، فإذا لم نُثْبِتْ حقيقة الملك، فلا أقلَّ من
جَعْلِهِ شُبْهَةً دارئةً للحد الذي يندرِأُ بالشبهات.
ولأن القائلين بانتفاء الحد في عصر مالك، والأوزاعي، ومن وافقهما قد
اشتهر قولهم، ولم يُعْرَفُ لهم مخالفٌ فكان ذلك إجماعاً، ولا حد على
الجارية، لأن الحد انتفى عن الواطىء لشبهة الملك، فينتفي عن الموطوءة
كوطء الجارية المشتركة.
ولا يصح القياسُ على وطء جارية الأب، لأنه لا ملك للولد فيها، ولا
شبهة ملكٍ، بخلاف مسألتنا، وذكر ابن أبي موسى قولاً في وطء جارية الأب
والأم أنه لا يُحَدُّ، لأنه لا يُقْطَعُ بسرقةِ ماله، أشْبَهَ الأبَ، والأول أصحُّ، وعليه
عامة أهل العلم فيما علمناه، انتهى.
وقال أيضاً في موضع آخر: لا يجوز للرجل وطءُ جارية ابنه؛ لأن الله
تعالى قال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُهُمْ﴾ وليست هذه مملوكة ولا
(١) «المغني)) (٣٤٥/١٢).
(٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٧٩/٧).
٣٨٤

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
زوجة، ولأنه يحِلُّ لابنه وطؤها، ولا تحل المرأة لرجلين، فإن وطئها لا حد
عليه، وقال داود يُحَدُّ، وقال بعض الشافعية: إن كان ابنه وطئها حُدَّ، لأنها
مُحَرَّمَةٌ عليه على التأبيد.
ولنا، أن له فيهما شبهة، والحد يُدْرأُ بالشبهات، ولأن الأب لا يقتل
بابنه. والقصاص حق آدمي، فإذا سقط بشبهة الملك، فالحد الذي هو حق الله
بطريق الأولى، وإذا ثبت هذا، فإنه تحرم على الابن على التأبيد، وإن كان
الابن قد وطئها حرمت عليهما على التأبيد، وإذا لم تعلق على الأب أي لم
تحمل منه، لم يزل ملك الابن عنها، ولم يلزمه أي الأب قيمتُها، وقال أبو
حنيفة: يلزمه ضمانها، لأنه أتلفها عليه، وحرّمه وطأها، فأشبه ما لو قَبَّلَها .
ولنا، أنه لم يُخْرِجها عن ملكه، ولم تنقص قيمتها، وإن علِقَتْ منه،
فالولد حرٌّ يلحق به النسب، لأنه من وطء لا يجب به الحد لأجل الشبهة،
فأشْبَهَ ولد الجارية المشتركة، وتصير الجارية أم ولد للأب، وقال الشافعي في
أحد قوليه: لا تصير أم ولد، لأنها غير مملوكة فَأَشْبَهَ ما لو وطئ جاريةَ أجنبي
لشبهة .
وقال أصحابنا: لا يلزم الأب قيمة الجارية ولا قيمة ولدها ولا مهرها،
وقال الشافعي: يلزمه ذلك كله إذا حكم بأنها أم ولد، وهذا يبني على أصل،
وهو أن للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، وأنه ليس للابن مطالبة أبيه
بدين له عليه، ولا قيمة متلف، وعندهم بخلاف ذلك، انتهى.
وفي ((الهداية)) (١): من وطئ أمة ابنه، فولدت منه فهي أم ولد له، وعليه
قيمتها، ولا مهر عليه، لأن له ولاية تملك مال ابنه للحاجة إلى البقاء، فله
تملك جاريته للحاجة إلى صيانة الماء، غير أن الحاجة إلى إبقاء نسله دونها إلى
(١) (١/ ٢١١).
٣٨٥

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
(١٥٤٢) حدیث
٢٠/١٥٤٢ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ رَبِيْعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَجُلٍ خَرَجَ بِجَارِيَةٍ لِامْرَأَتِهِ مَعَهُ فِي سَفَرٍ .
إبقاء نفسه، فلهذا يتملك الجارية بالقيمة، والطعام بدون القيمة، ثم هذا الملك
يثبت قبل الاستيلاد شرطاً له، إذ المصحح حقيقة الملك أو حقه، وكل ذلك
غير ثابت للأب فيها، حتى يجوز له التزوج بها، فلا بد من تقديمه.
فتبين أن الوطء يلاقي ملكه، فلا يلزمه الْعُقْرُ، وقال زفر والشافعي: يجب
المهر، لأنهما يثبتان الملك حكماً للاستيلاد، كما في الجارية المشتركة،
وحكم الشيء يعقبه، والمسألة معروفة، انتهى.
قال ابن الهمام(١): قوله: والطعام بدون القيمة، ويحل له الطعام عند
الحاجة إليه، ولا يحل له وطء جاريته عند الحاجة إليه كذا عند الأئمة، إلا ما
نُقِل عن مالك وابن أبي ليلى، ويُجْبَرُ الابن على الإنفاق عليه دون دفع الجارية
إليه للتسري، فللحاجة جاز له التملك، ولقصورها أوجبنا عليه القيمة مراعاةً
للحقَيْن، وتحصيلاً للمقصودَين مقصود الأب والابن، إذ البدل يقوم مقام
المبدل، ولا عقر عليه، وهو مهر مثلها في الجمال، خلافاً للشافعي وزفر،
فإنهما يوجبان العقر عليه لثبوت ملكه فيها قبل الوطء شرطاً لصحة الاستيلاد
عندنا، وعنده قبيل العلوق، لأن ثبوته ضرورة صيانة الولد، وهي مندفعة
بإثباته. كذلك دون إثباته قبل الوطء، قلنا: لازم كون الفعل زناً ضياع الماء
شرعاً، فلو لم يقدم عليه ثبت لازمه، فظهر أن الضرورة لا تندفع إلا بإثباته قبل
الإيلاج، بخلاف ما لو لم تَحْبَلْ حيث يجب العقر، انتهى.
٢٠/١٥٤٢ - (مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب)
- رضي الله عنه - (قال لرجل) موصوف (خرج) الرجل المذكور (بجارية) مملوكة
(لامرأته) كانت الجارية (معه في سفر) الجار متعلق بخرج، والجملة صفة لرجل
(١) ((فتح القدير)) (٢٧٩/٣).
٣٨٦

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
(١٥٤٢) حديث
فَأَصَابَهَا. فَغَارَتِ امْرَأَتُهُ. فَذَكَرَتْ ذُلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَسَأَلَّهُ عَنْ
ذُلِكَ؟ فَقَالَ: وهَبَتْهَا لِي. فَقَالَ عُمَرُ: لَتَأْتِينِي بِالبَيِّنَةِ، أَوْ لَأَرْمِيَنَّكَ
بِالْحِجَارَةِ. قَالَ: فَاعْتَرَفَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهَا وَهَبَتْهَا لَهُ.
(فأصابها) أي جامع الجارية المذكورة (فغارت) بصيغة الماضي من الغيرة (امرأته
فذكرت) الزوجة (ذلك) الأمر (لعمر بن الخطاب).
قال الباجي(١): يحتمل أنها رفعت ذلك إليه بعد أن أشهدت على إقراره
بالوطء أهل العدل، وإلا كانت قاذفة له، ويحتمل أن قامت بينة بوطئه إياها،
انتھی .
(فسأله) عمر - رضي الله عنه - أي سأل عمر الزوج (عن ذلك) الأمر
الذي قالته زوجته (فقال) الرجل في الاعتذار: إن زوجتي (وهبتها لي) قال
الباجي: فيه ادِّعاءٌ لإباحة وطئه إياها مع إقراره بذلك (فقال عمر بن الخطاب)
للزوج: (لتأتِيني بالبينة) الشهادة العادلة على أنها وهبتها لك (أو لأرمينَّك
بالحجارة) أي أرْجُمُك (قال) ربيعة: (فاعترفت امرأته) بعد ذلك (أنها وهبتها له)
أي للزوج فلم يرجمه عمر - رضي الله عنه -.
قال الباجي(٢): يحتمل أن يكون هبتها له الجارية أن تكون وهبته رقبتها،
وظنت أنه لا يطؤها، فلما وطئها غارت، وأرادت إنكار الهبة، ثم ذهبت إلى
الإقرار، إما تحرجاً من سفك دمه، أو إشفاقاً من رجمه، ويحتمل أن تكون
هبتها إباحة الوطء، فلما حملت أرادت القيام في حقها، فلما سألت عن الهبة
أقرّت بها، والأول أظهر، انتهى.
وأخرج البيهقي(٣) بإسناده إلى نافع قال: وهبت امرأة لزوجها جارية،
فخرج بها في سفر، فوقع عليها، فحبلَتْ، فبلغ امرأته حَبْلُها، فأتت عمر بن
(١) ((المنتقى)) (١٥٥/٧).
(٢) ((المنتقى)) (١٥٦/٧).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٢٤١/٨).
٣٨٧

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
(١٥٤٢) حديث
الخطاب، فقالت: إني بعثت مع زوجي بجارية تخدمه، وتقوم عليه، فبلغني
أنها قد حبلَتْ، قال: فلما قدم الرجل أرسل إليه عمر، قال: ما فعلت الجارية
الفلانة، أَأَحْبَلْتَها؟ قال: نعم، قال: أابتعتَها؟ قال: لا، قال: فوهبتها لك؟
قال: نعم، قال: فلك بينة على ذلك؟ قال: لا، قال: لتَأتِيني بالبينة أو
الأرجمنك فقيل للمرأة: إن زوجك يرجم، فأتت عمر - رضي الله عنه - فأقرت
أنها وهبتها له فجلدها عمر - رضي الله عنه - الحدَّ، أراه حدَّ القذف.
وقال ابن رشد في ((البداية)) (١): الرجل يطأ جارية زوجته اختلفوا في ذلك
على أربعة أقوال، فقال مالك والجمهور: عليه الحد كاملاً، وقالت طائفة:
ليس عليه الحد، وتُقوَّم عليه، فيغرمها لزوجته إن كانت طاوعته، وإن كانت
اسْتُكْرِهت قُوِّمَتْ عليه وهي حرة. وبه قال أحمد وإسحاق، وبه قال ابن
مسعود، والأول قول عمر، رواه مالك في ((الموطأ)) عنه، وقال قوم: عليه مائة
جلدة فقط، سواء كان مُخْصَناً أولا، وقال قوم: عليه التعزير، انتهى.
قال الموفق(٢): إذا وطىء جارية امرأته بإذنها، فإنه يجلد مائة، ولا يرجم
إن كان ثيباً، ولا يُغَرَّبُ إن كان بكراً، وإن لم تكن أحلتها له فهو زاٍ، حكمه
حكم الزاني بجارية الأجنبي، وحكي عن النخعي أنه يُعَزَّر، ولا حد عليه، لأنه
يملك امرأته، فكانت له شبهة في مملوكتها .
وعن عمر، وعليٍّ، وعطاء، والشافعي، ومالك أنه كوطء الأجنبية، سواء
أحلَّتْها له أو لم تُحِلَّها، لأنه لا شُبهة له فيها، فأشبه وطء جارية أخته، ولأنه
إباحةٌ لوطء مُحَرَّمةٍ عليه، فلم يكن شبهة كإباحة سائرِ المُلَّاكِ.
وعن ابن مسعود والحسن إن كان استكرهها، فعليه غُرْمُ مثلها، وتعتِقُ،
فإن كانت طاوعته، فعليه غرم مثلها، ويملكها، لأن هذا يُرْوى عن النبي وَّه .
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٣٤/٢).
(٢) ((المغني)) (٣٤٦/١٢).
٣٨٨

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
(١٥٤٢) حديث
وقد رواه ابن عبد البر، وقال: هذا حديث صحيح(١)، ولنا ما روى أبو داود(٢)
بإسناده عن حبيب بن سالم أن رجلاً يقال له: عبد الرحمن بن حُنَّيْنٍ وقع على
جارية امرأته، فَرُفِع إلى النعمان بن بشير، وهو أميرٌ على الكوفة فقال: لأقضين
فيك بقضية رسول الله وَ ﴿، إن كانت أحلّتها لك جلدناك مائةً، وإن لم تكن
أحلّتها لك رجمناك، الحديث، انتهى.
وفي ((الهداية))(٣): إذا وطىء جارية أبيه أو أمه أو زوجته، وقال: ظننت
أنها تحلّ لي فلا حدَّ عليه، ولا على قاذفه، وإن قال: علمت أنها حرام عليّ
حُدَّ، لأن بين هؤلاء انبساطاً في الانتفاع، فظنه في الاستمتاع محتمل، فكان
شبهة اشتباه، إلا أنه زنا حقيقة، فلا يُحَدُّ قاذفُهُ. انتهى.
قلت: حديث النعمان بن بشير الذي ذكره الموفق ضعفه المحدثون، قال
الترمذي: في إسناده اضطراب سمعتُ محمداً يعني البخاري يقول: لم يسمع
قتادة من حبيب، وأبو اليسر لم يسمعه أيضاً من حبيب، وسألت محمداً عنه،
فقال: أنفي هذا الحديث، وقال النسائي: هو مضطرب، كما حكاه عنه ابن
القيم في ((الهدي)) (٤)، وكذا ضعفه البيهقي وغيره.
والحديث الذي ذكره ابن عبد البر أخرجه أبو داود عن سلمة بن المحبق،
قال النسائي: لا يصح هذا الحديث، وقال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل
يقول: الذي رواه عن سلمة بن المحبق شيخٌ لا يعرف، ولا يحدث عنه غير
الحسن، وقال البخاري في ((التاريخ)): قبيصة بن حريث سمع سلمة بن المحبق،
في حديثه نظر، وقال ابن المنذر: لا يثبت هذا الحديث، وقال الخطابي: هذا
(١) أخرجه أبو داود في ((السنن)) (٤٤٦٠)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٤٠/٨).
(٢) ((سنن أبي داود)) رقم (٤٤٥٨).
(٣) (٣٤٥/١).
(٤) ((زاد المعاد)) (٣٥/٥).
٣٨٩

٤٣ - كتاب الحدود
(٦) باب
(١٥٤٢) حديث
حديث منكر، وقبيصة غير معروف، والحجة لا تقوم بمثله، كذا في ((الهدي)).
وقال الشيخ في ((البذل))(١): قال الخطابي: لا أعلم أحداً من الفقهاء
يقول به، وفيه أمور يخالف الأصول، منها: إيجاب المثل في الحيوان، ومنها:
استجلاب الملك بالزنا، ومنها: إسقاط الحد عن الزاني، وإيجاب العقوبة في
المال، وهذه الأمور كلها منكرة، لا يخرج على مذهب أحد من الفقهاء،
وخليق أن يكون الحديث منسوخاً، إن كان له أصل في الرواية.
وقال في ((فتح الودود)): قال البيهقي في ((سننه))(٢): حصول الإجماع من
فقهاء الأمصار بعد التابعين على ترك القول به دليلٌ على أنه إن ثبت صار
منسوخاً، بما ورد من الأخبار في الحدود، ثم أخرج عن أشعث أنه قال:
بلغني أن هذا كان قبل الحدود.
وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم في ((التقرير)): قوله: فهي حرة، وهذا
حكم الضمان، وما يكون بعد الحدّ، والأول بيان الحدّ ما يجب، والقضية
واحدة، وعلى هذا فالرواية لا تنافي شيئاً من المذاهب، وكان ذلك بياناً.
وإرشاداً لما ينبغي أن يكون، وليس حكماً يجب الائتمار به، ولا تشريعاً.
والحاصل أن من زنى بأمة امرأته، إن كان أحلّتها عُزِّرَ، وإلا رجم، ثم
بعد ذلك ينظر إن كانت الأمة مطاوعة له في ما فعل وجب أي باعتبار المصلحة
أن تعطى له، لأنهما قد اتفقا في أمر فيدومان على الزنا لو لم تهب الأمة له،
وفيه مفاسد دنيوية، وأخروية كما لا يخفى.
وإن لم تكن مطاوعة استحبّ تحريرها، لأن بقاءها في بيتها يُورث
المفاسد حيث يقصد منها ماقصد أولاً، فتلزم المفاسد، ولله درّ الاستاذ العلامة
الحبر النحرير الفهامة حيث أتى ما يعجز عنه كل فقيه، ولا يكاد يصل إليه إلا
كلُّ متفردٍ منفرد في العلوم وجيه، انتهى.
(١). ((بذل المجهود)) (١٧ /٤٢٦).
(٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٤٠/٨).
٣٩٠

٤٤ - كتاب السرقة
بسم الله الرحمن الرحيم
٤٤ - كتاب السرقة
(٤٤) كتاب السرقة
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا في جميع النسخ الهندية، وليس في النسخ المصرية من المتون
والشروح ذكر الكتاب، ولا التسمية، بل في جميعها الباب الآتي قريباً، قال
صاحب ((الهداية))(١): السرقة في اللغة أخذ الشيء من الغير على سبيل الخُفْية
والاستسرار، ومنه استراق السمع، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ وقد
زيدت عليه أوصاف في الشريعة، والمعنى اللغوي مراعى فيها ابتداء وانتهاء،
أو ابتداء لا غير، كما إذا نُقِبَ الجدار على الاستسرار، وأُخِذَ المال من
المالك مكابرةً على الجهاز.
قال صاحب ((العناية)): قوله: أوصاف في الشريعة، هي أن يقال: السرقة
أخذ مال الغير على سبيل الخُفْية نصاباً محرزاً للتمول غير متسارع إليه الفساد
من غير تأويل ولا شبهة، انتهى.
وقال الموفق (٢): السرقة أخذ المال على وجه الخُفْية والاستتار، ومنه
استراق السمع، ومسارقةُ النظر، إذا كان يستخفي بذلك، فإن اختطف أو
اختلس لم يكن سارقاً، ولا قطع عليه عند أحد علمناه غير إياس(٣) بن معاوية،
قال: أَقْطَعُ المختلسَ، لأنه يستخفي بأخذه، فيكون سارقاً. وأهل الفقه والفتوى
(١) (٣٦٢/١).
(٢) («المغني)) (٤١٦/١٢).
(٣) هو إياس بن معاوية بن قرة الهذلي، قاضي البصرة، المتوفى سنة إحدى وعشرين ومائة،
((سير أعلام النبلاء)) (١٥٥/٥).
٣٩١

٤٤ - كتاب السرقة
(١) باب
(١) باب ما يجب فيه القطع
من علماء الأمصار على خلافه، وقد روي عن النبي وَلّر: ((ليس على الخائن
والمختلس قطعٌ)) وعن جابر مرفوعاً: ((ليس على المنتهب قطع))، رواهما أبو
داود(١)، انتهى.
(١) باب ما يجب فيه القطع
قال الموفق(٢): القطع لا يجب إلا بشروط سبعة، أحدها: السرقة، وهو
الأخذ على وجه الخفية، كما تقدم قريباً، الثاني: أن يكون المسروق نصاباً،
ولا قطع في القليل في قول الفقهاء كلهم إلا الحسن، وداود، وابن بنت
الشافعي، والخوارج، قالوا: يقطع في القليل والكثير، لعموم الآية، ولما روى
أبو هريرة أن النبي وَلو قال: ((لعن الله السارق يسرق الحبل، فتقطع يده،
ويسرق البيضة، فتقطع يده)) متفق عليه(٣).
ولنا؛ قول النبي ◌َير: ((لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً)) متفق عليه (٤)،
وإجماع الصحابة على ذلك يخصص عموم الآية، والحَبْلُ يحتملُ أن يُسَاوي
ذلك، وكذا البيضة، يحتمل بيضةُ السلاح، وهي تساوي ذلك.
الثالث: أن يكون المسروق مالاً، فإن سرق ما ليس بمال كالحر فلا قطع
فيه صغيراً كان أو كبيراً، وبهذا قال الشافعي والثوري وأصحاب الرأي وابن
المنذر، وقال الحسن ومالك وإسحاق: يقطع بسرقة الحُرِّ الصغير؛ لأنه غير
مميِّز أشبَهَ العبدَ، وذكره أبو الخطاب رواية عن أحمد. ولنا، أنه ليس بماٍ،
فلا يقطع بسرقته كالكبير النائم.
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٤٥٠)، (٤٥٠/٣).
(٢) «المغني)) (٤١٦/١٢).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٨/٨، ٢٠٠، ٢٠١)، ومسلم (١٣١٤/٣).
(٤) أخرجه البخاري (١٩٨/٨)، ومسلم (١٣١٣/٣، ١٣١٣).
٣٩٢

٤٤ - كتاب السرقة
(١) باب
وإن سرق عبداً صغيراً فعليه القطعُ فِي قول عامة أهل العلم، قال ابن
المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، منهم مالك والثوري
والشافعي وإسحاق وأبو حنيفة ومحمد، والصغير الذي يقطع بسرقته، هو الذي
لا يُمَيِّزُ، فإن كان كبيراً لم يقطع سارقه، إلا أن يكون نائماً، أو مجنوناً، وقال
أبو يوسف: لا يقطع سارق العبد، وإن كان صغيراً.
الرابع(١): أن يسرق من حِرْزٍ، ويُخرجه منه، وهذا قول أكثر أهل العلم،
منهم الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم من أحد من أهل
العلم خلافهم، إلا قولاً حُكي عن عائشة والحسن والنخعي فيمن جمع المتاع،
ولم يخرج به من الحِرْز، عليه القطع، وعن داود أنه لا يعتبر الحرز، لأن الآية
لا تفصيل فيها، وهذه الأقوال شاذّة غير ثابتة عمن نقلت عنه، قال ابن المنذر:
ليس فيه خبر ثابت، ولا مقال لأهل العلم إلا ما ذكرنا فهو كالإجماع،
والإجماع حجة على من خالفه.
وسئل النبي ◌َّل عن الثمار؟ فقال: ما أخذ في غير أكمامه فاحْتُمِلَ، ففيه
قيمتُه ومثلُه معه، وما كان في الخزائن، ففيه القطع، إذا بلغ ثمن المِجَنِّ، رواه
أبو داود(٢)، وابن ماجه، وغيرهما، وهذا الخبر يخص الآية.
الشرط الخامس، والسادس، والسابع: كون السارق مكلفاً، وتثبت
السرقة، ويطالب بها المالك بالمعروف، وتنتفي الشبهات، ويذكر ذلك في
مواضعه، انتهى.
قال الدردير(٣): تقطع يد السارق المكلف، سواء كان مسلماً أو كافراً،
(١) ((المغنى)) (٤٢٦/١٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٩٠)، وابن ماجه (٢٥٩٦) واللفظ له.
(٣) ((الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي)) (٣٣٢/٤).
٣٩٣

٤٤ - كتاب السرقة
(١) باب
حراً أو عبداً، ذكراً أو أنثى بواحد من ثلاثة أشياء، بسرقة طفل ذكر أو أنثى حُرِّ
يَخْدَعِ، وكذا المجنون من حِرْز مثله، كدار أهله أو مع كبير حافظ له، فإن كان
كبيراً أو لم يكن في حرز لم يقطع، أو بسرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو
بسرقة ما يساوي ثلاثة دراهم من العروض والحيوان رقيقاً أو غيره، والتقويم
بالدراهم لا بالدينار هو المشهور، انتهى بزيادة من الدسوقي.
وفي ((الدر المختار)) (١): السرقة لغةً أخذ الشيء من الغير خُفْية، وشرعاً
باعتبار الحرمة كذلك بغير حق، نصاباً كان أم لا، وباعتبار القطع أخذ مكلف
ولو أنثى أو عبداً أو كافراً ذمياً، ناطقٍ بصيرٍ، فلا يقطع أخرس، لاحتمال نطقه
بشبهة، ولا أعمى لجهله بمال غيره عشرة دراهم أو مقدارها، فلا تقطع بسرقة
دينار قيمته دون عشرة دراهم، مقصودة بالأخذ، فلا تقطع بثوب قيمته دون
عشرة، وفيه دراهم مصرورة، إلا إذا كان وعاء لها، ظاهرة الإخراج، فلو ابتلع
ديناراً في الحرز، وخرج، لم يقطع، خفية من صاحب يد صحيحة، فلا يقطع
السارق من السارق مما لا يتسارع إليه الفساد كلحم وفواكه في دار عدل، فلا
يقطع بسرقة في دار حرب من حزر، لا شبهة ولا تأويل فيه، انتهى.
ثم اختلفوا في النصاب الموجب للقطع، قال الموفق(٢): اختلفت الرواية
عن أحمد في قدر النصاب الذي يجب به القطع، فروي عنه أنه ربع دينار من
الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما، وهذا
قول مالك وإسحاق، وروي عنه أنه إن سرق من غير الذهب والفضة ما قيمته
ربع دينار أو ثلاثة دراهم قطع، وعلى هذا يُقَوَّم بأدنى الأمرين من ربع دينار أو
ثلاثة دراهم، وعنه أن الأصل بثلاثة دراهم، ويُقَوَّمُ الذهب به، فإن نقص ربع
دينار عن ثلاثة دراهم لم يقطع، وهذا يحكى عن الليث وأبي ثور.
(١) (٢٥٢/٤).
(٢) ((المغني)) (٤١٨/١٢).
٣٩٤

٤٤ - كتاب السرقة
(١) باب
وقالت عائشة - رضي الله عنها -: لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً،
وروي هذا عن عمر وعثمان وعلي، وبه قال الفقهاء السبعة وعمر بن
عبد العزيز، والأوزاعي، والشافعي لحديث عائشة رضي الله عنها: قالت: قال
رسول الله مَير: ((لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً))(١).
وقال عثمان البِّي: تُقطع في درهم فما فوقه، وعن أبي هريرة وأبي سعيد
تُقْطَعُ في أربعة دراهم فصاعداً، وعن عمر - رضي الله عنه - أن الخَمْس لا
تُقْطَعُ إلا في الخَمْسِ(٢)، وبه قال سليمان بن يسار وابن أبي ليلى وابن شبرمة،
وروي ذلك عن الحسن، وقال أنس: قطع أبو بكر - رضي الله عنه - في مِجَنِّ
قيمته خمسة دراهم، وقال عطاء وأبو حنيفة وأصحابه: لا تقطع إلا في دينار أو
عشرة دراهم، لما روى الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده عن النبي ◌ّلي أنه قال: ((لا قطع إلا في عشرة دراهم))، وروى ابن عباس
قال: ((قطع رسول الله وَ ل﴿ يد رجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم))، وعن
النخعي: لا تقطع اليد إلا في أربعين درهماً.
ولنا حديث ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله وَ لاو قطع في مَجِنٍّ،
ثمنه ثلاثة دراهم، متفق عليه، قال ابن عبد البر: هذا أصح حديث يروى في
هذا الباب، انتهى.
وقال الزرقاني(٣) تبعاً للحافظ في ((الفتح)): اختلف في قدر ما يقطع فيه
السارق بقرب من عشرين مذهباً، فقيل: فيما قلّ وكثر تافهاً أو غيره، نقل ذلك
عن أهل الظاهر والخوارج والحسن البصري، وقيل إلا في التافه، وقيل: درهم
(١) أخرجه البخاري ح (٦٧٧٩).
(٢) أخرجه الدارقطني (١٨٦/٣)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٦٢/٨).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٥٦/٤).
٣٩٥

٤٤ - كتاب السرقة
(١) باب
فصاعداً، وهو قول عثمان البتِّ وربيعة، وقيل: أربعون درهماً أو أربعة دنانير،
وقيل: درهمان، وقيل: ما زاد عليهما، وإن لم يبلغ ثلثه، وقيل: ثلاثة دراهم،
ويُقَوَّم ما عداها بها، وإن كان ذهباً، وهي رواية عن أحمد، وحكاه الخطابي
عن مالك.
وقيل: إن كان المسروق ذهباً فربع دينار، وإن كان غيره وبلغت قيمته
ثلاثة دراهم قطع، وإلا لا، ولو كان نصف دينار، وهو قول مالك المعروف
عند أصحابه، ورواية عن أحمد، والمشهور عنه إذا كان المسروق غير الذهب
والفضة، فالقطع إذا بلغت قيمة أحدهما، وقيل: ربع دينار، أو ما بلغت قيمته
من فضة أو عرض، وهو مذهب الشافعي.
وقيل: عشرة دراهم أو ما بلغ قيمتها من ذهب أو عرض وهو مذهب
الحنفية، وقيل: ربع دينار من الذهب والقليل والكثير من الفضة والعروض،
وهو قول ابن حزم، وحُكي عن داود، لأن التحديد في الذهب ثبت نصاً في
حديث عائشة، ولم يثبت التحديد في غيره نصاً، فبقي على عمومه، انتهى
بزيادة من ((الفتح))(١).
وقال الدردير(٢): تقطع بسرقة ربع دينار شرعي أو ثلاثة دراهم شرعية
خالصة من الغش، وبسرقة ما يساوي ثلاثة دراهم من العروض وغيرها،
والتقويم بالدراهم لا بربع الدينار، هو المشهور، فإذا كان المسروق يساوي ربع
دينار، ولا يساوي ثلاثة دراهم لم يقطع، قال الدسوقي: هكذا صرح الباجي
وعياض بمشهورية هذا القول. انتهى.
وفي ((الهداية))(٣): إذا سرق العاقل البالغ عشرة دراهم أو ما يبلغ قيمته
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٨٢/١٢).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤/ ٣٣٤).
(٣) (٣٦٢/١).
٣٩٦

٤٤ - كتاب السرقة
(١) باب
عشرة دراهم مضروبة وجب عليه القطع، والتقدير بعشرة دراهم مذهبنا، وعند
الشافعي التقدير بربع دينار وعند مالك بثلاثة دراهم. لهما أن القطع على عهد
رسول الله ◌َ﴿ ما كان إلا في ثمن المِجَنّ، وأقل ما نقل في تقديره ثلاثة دراهم
فالأخذ بالأقل وهو المتيقن به أولى غير أن الشافعي يقول: كانت قيمة الدينار
على عهد رسول الله وَل اثني عشر درهماً، والثلاثة رُبعها .
ولنا، أن الأخذ بالأكثر في هذا أولى احتيالاً لدرأ الحد، وهذا، لأن في
الأقل شبهة عدم الجناية، وهي دارئة للحد، وقد تأيد ذلك بقوله وكمايقول: ((لا قطع
إلا في دينار أو عشرة دراهم)). وقوله: أو ما يبلغ قيمته عشرة دراهم، إشارة
إلى غير الدراهم يعتبر قيمته بها، وإن كان ذهباً، انتهى.
قال ابن الهام(١): قوله: ولنا أن الأخذ بالأكثر أولى عرف أنه قد قيل في
ثمن المجن أكثر مما ذكر، ويريد بذلك حديث أيمن، رواه الحاكم في
((المستدرك))(٢) عن مجاهد عن أيمن قال: لم تقطع اليد على عهد رسول الله وَل،
إلا في ثمن المجن، وثمنه يومئذٍ دينار، وسكت عنه، ثم قال بعد الكلام
الطويل على أن أيمن صحابي، أو تابعيَّ: الحاصل أنه اختلف في أنه صحابي
أو تابعي، فإن كان صحابياً فلا إشكال، وإن كان تابعياً فحديثه مرسل،
والإرسال ليس عندنا ولا عند جماهير العلماء قادحاً، بل هو حجةٌ، فوجب
اعتباره.
ثم بسط الكلام على هذه الروايات التي أشار إليها صاحب ((الهداية))،
وكذا بسط الزيلعي في ((نصب الراية))(٣)، وتبعه الحافظ في ((الدراية))، في
(١) ((فتح القدير)) (١٢٢/٥).
(٢) (٣٧٩/٤).
(٣) (٣٥٥/٣).
٣٩٧

٤٤ - كتاب السرقة
(١) باب
(١٥٤٣) حديث
١/١٥٤٣ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ قَطَعَ فِي مِجَنِّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ .
أخرجه البخاريّ في: ٨٦ - كتاب الحدود، ١٣ - باب قول الله تعالى : -
والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما -. ومسلم في: ٢٩ - كتاب الحدود، ١ - باب
حد السرقة ونصابها، حديث ٦.
تخريج الروايات الدالة على أن ثمن المجن كان في عهده وَّلو دينار أو عشرة
دراهم.
١/١٥٤٣ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (أن
رسول الله ( قطع) يد سارق بحذف المفعول، والمعنى أمر بقطعه (في مجن)
بكسر الميم وفتح الجيم وشدِّ النون مفعل من الاجتنان، وهو الاستتار،
والاختفاء، ومما يخاف منه، وكسر الميم لأنه آلة (ثمنه) مبتدأ خبره (ثلاثة
دراهم) هكذا رواه الأكثر عن نافع بلفظ ثمنه، ورواه الليث عنه بلفظ قيمته،
وهو المراد بالثمن ههنا، وقيمة الشيء ما تنتهي إليه الرغبة فيه، وأصله قومة،
فأبدلت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة.
والثمن ما يقابل به الشي في عقد البيع، وأطلق على القيمة مجازاً، أو
لتساويهما في ذلك الوقت، أو في ظن الراوي، أو باعتبار الغلبة، قال ابن
دقيق العيد: القيمة والثمن قد يختلفان، والمعتبر إنما هو القيمة، وقد تمسك
مالك بهذا الحديث في اعتبار النصاب بالفضة، وأجاب الشافعية وسائر من
خالفه بأنه ليس في طرقه أنه لا يقطع في أقل من ذلك، كذا في ((الفتح))(١).
وأخرج البخاري(٢) بطرق عن عائشة - رضي الله عنها - أن يد السارق لم
تقطع في عهد النبي ◌َّ، إلا في ثمن مِجَن، وقد عرفت فيما سبق أن الروايات
في قيمة المجن مختلفة.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٠٥/١٢).
(٢) ((صحيح البخاري)) ح (٦٧٩٢).
٣٩٨

٤٤ - كتاب السرقة
(١) باب
(١٥٤٣) حديث
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (١) في حديث الباب: لم يروه أحد إلا نافع
عن ابن عمر، هكذا رواه الثقات الأئمة عن نافع، وبسط أسماءهم، ثم قال:
ولا يختلف في اللفظ إلا أن بعضهم قال: ثمنه، ورواه بعض الثقات أيضاً عن
حنظلة بن أبي سفيان عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله وَطلقة، فقال: ((قيمته
خمسة دراهم)).
وقال الحافظ في ((الدراية)) (٢): النسائي عن شريك عن منصور عن عطاء،
ومجاهد عن أيمن بن أم أيمن رفعه ((لا تقطع اليد إلا في ثمن المجن، وثمنه
يومئذٍ دينار))، وأخرجه الطبراني عن يحيى الحِمَّاني، عن شريك به، وأخرجه
الطحاوي عن ابن أبي شريك وابن أبي داود عن الحِمَّاني، فزاد في السند عن
أيمن عن أمه أم أيمن، وزاد في المتن، وقُوَّمَ على عهد رسول الله وَ لَه ديناراً
أو عشرة دراهم.
وأخرجه الحاكم من طريق سفيان عن منصور عن مجاهد عن أيمن قال:
((لم تقطع اليد على عهد رسول الله ◌َ ﴿ إلا في ثمن المجن، وثمنه يومئذٍ
دينار))، وأخرجه الطبراني من هذا الوجه بلفظ: قال رسول الله وَله: ((أدنى ما
يقطع فيه السارق ثمن المجن))، وكان يُقَوَّمُ ديناراً، وما أورد عليه الحافظ من
الانقطاع، تقدم جوابه في كلام ابن الهمام.
ثم قال الحافظ: وفي الباب عن ابن عباس ((أن النبي ◌َّ قطع يدَ رجل
في قيمة مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم))، أخرجه أبو داود، وهذا لفظه،
والنسائي، والحاكم، ولفظهما ((كان ثمن المجن يُقَوَّمُ على عهد رسول الله وَيه
عشرة دراهم))، وأخرجه النسائي عن عطاء قوله، ورجحه، وأخرجه هو وابن
(١) (٣٤٨/٢).
(٢) ((الدراية)) (١٠٧/٢) ورقم الحديث ١٠٧ و((نصب الراية)) (٣٥٥/٣).
٣٩٩

٤٤ - كتاب السرقة
(١) باب
(١٥٤٣) حديث
أبي شيبة من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه.
وأخرج أحمد والدارقطني من هذا الوجه بلفظ: ((لا يقطع السارق في أقل
من عشرة دراهم))، وأخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه بهذا اللفظ، ومن وجه
آخر عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن رجل من مزينة رفعه ((ما بلغ
ثمن المجن قطعت يد صاحبه))، وكان ثمن المجن عشرة دراهم، وعن ابن
مسعود رفعه ((لا قطع إلا في عشرة دراهم)) وأخرجه الطبراني في الأوسط من
رواية أبي مطيع البلخي عن أبي حنيفة عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عنه.
ورواه عبد الرزاق من طريق القاسم عن ابن مسعود قوله، وأخرجه
الطبراني، وأشار إليه الترمذي، ورواه ابن أبي شيبة من وجه آخر عن القاسم،
قال: أتي عمر برجل سرق ثوباً، فقال لعثمان - رضي الله عنه -: قَوِّمه، فَقَوَّمه
ثمانية دراهم، فلم یقطعه، انتهى.
وأخرج محمد في ((موطئه)) حديث الباب وما في معناه، ثم قال: قال
محمد: قد اختلف الناس فيما يقطع فيه اليد، فقال أهل المدينة: ربع دينار،
ورووا هذه الأحاديث، وقال أهل العراق: لا تقطع اليد في أقل من عشرة
دراهم، ورووا ذلك عن النبي بَّر، وعن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعن
غير واحد، فإذا جاء الاختلاف في الحدود أخذ بالثقة، وهو قول أبي حنيفة
والعامة من فقهائنا، انتهى.
وذكر في ((التعليق الممجد)) (١) تخريج هذه الروايات منها عن ((مسند الإمام
أبي حنيفة)) الذي جمعه الخصكفي(٢) أبو حنيفة عن القاسم بن عبد الرحمن بن
(١) (٦٣/٣).
(٢) كذا في الأصل وهو المعروف في نسبته، وحكي في هامش ((المسند)) عن ((الجواهر
المضيئة)) الحصكفي، ((ش)).
٤٠٠