Indexed OCR Text

Pages 301-320

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣١) حديث
٩/١٥٣١ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْئِيِّ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَاهُ رَجُلٌ، وهو
بِالشَّامِ. فَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، فَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب
أَبَا وَاَقِدِ اللَّيْئِيَّ إِلى امْرَأَتِهِ. يَسْأَلُهَا عَنْ ذُلِكَ، فَأَتَاهَا وَعِنْدَهَا نِسْوَةٌ
حَوْلَهَا فَذَكَرَ لَهَا الَّذِي قَالَ زَوْجُهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأخْبَرَهَا أَنَّهَا
لَا تُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ. وَجَعَلَ يُلَفِّئُهَا أَشْبَاهَ ذُلِكَ لِتَنْزِعَ. فَأَبَتْ أَنْ تَنْزِعَ،
وَتَمَّت عَلَى الاعْتِرَافِ. فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ فَرُجِمَتْ.
٩/١٥٣١ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سليمان بن يسار)
بتحتية وخفة سين مهملة (عن أبي واقد) بالقاف (الليثي) الصحابي (أن) أمير
المؤمنين (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (أتاه رجل) لم يعرف اسمه (وهو) أي
عمر - رضي الله عنه - (بالشام) لما قدمها في خلافته (فذكر) الرجل المذكور (له أنه
وجد مع امرأته رجلاً) كأنه يرميها به (فبعث عمر بن الخطاب أبا واقد الليثي) المذكور
الراوي (إلى امرأته) المذكورة (يسألها عن ذلك) أي عن قذف زوجها لها (فأتاها) أبو
واقد (وعندها) أي عند المرأة المذكورة (نسوةٌ حولها) جملة حالية.
(فذكر لها الذي قال زوجها لعمر بن الخطاب) من رميها بالزنا (وأخبرها)
أبو واقد (أنها لا تؤخذ بقوله) أي بمجرد دعوى الزوج (وجعل يلقنها أشباه
ذلك) جمع شبه أي ذكر لها أمثال ذلك لاستحباب التلقين، لأنها أقَرَّتْ بذلك
كما يدل عليه السياق (لتنزع) بمثناة فوقية، فنون ساكنة فزاي أي ترجع عن
إقرارها .
(فأبت أن تنزع) أي ترجع عن الإقرار (وتمت) بالمثناتين الفوقيتين بينهما
ميم مشددة. هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية، قال الزرقاني(١): أي
اشتدّت وصلبت، وفي نسخة وهي أظهر، ((وثبتت)) بمثلثة من الثبوت، اهـ،
(على الاعتراف) بالزنا (فأمر بها عمر) رضي الله عنه (فرجمت) ببناء المجهول.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٤/٤).
٣٠١

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٢) حديث
١٠/١٥٣٢ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
قال الباجي(١): قوله: إن عمر - رضي الله عنه - أتاه رجلٌ، وهو بالشام،
يقتضي أن الإمام حيث حلّ من عمله ينظر في الأحكام، ولما ذكر الرجل ما
ذكر أرسل أبا واقد يسألها عن ذلك لما يتعلق من الأحكام المختلفة بإقرارها
وإنكارها، وأرسله نائباً عنه في توقيفها على ما ذكر عنها زوجها، وحكمه في
ذلك حكم الحاكم، ولذلك يجري فيه الحد، وما ذكر لها أبو واقد على معنى
التلقين بها لئلا يدركها من الأمر ما يبهتها، ويمنعها من النظر لنفسها،
والمدافعة عنها .
فلما تمادت على الاعتراف أمر بها، فرجمت يريد أنه لما رجع ذلك إليه
أبو واقد أمر بها فرجمت، وهذا يقتضى أن النائب عن الحاكم بأمره يثبت عنده
ما يثبت عند النائب بقوله، ويحتمل أن يكون رفع ذلك إليه شاهدان، أشهدهما
أبو واقد على ثبوت عنده، أو رفع ذلك إلى عمر غير الشهود عليها بالتمادي
على الاعتراف. انتهى مختصراً.
١٠/١٥٣٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، وأخرجه الحاكم
في ((المستدرك))(٢) بسنده إلى سفيان عن يحيى بن سعيد أنه سمعه. وقال ابن
عبد البر في ((التجريد))(٣): الذي يستند من هذا الحديث قوله: فقد رجم
رسول الله وَ﴾، ويقولون: إن سعيد بن المسيب حضر هذه الحجة مع عمر
- رضي الله عنه - وسمع منه حديثه هذا، وسماع سعيد عن عمر - رضي الله
عنه - مختلف فيه، كما بيناه في ((التمهيد)) (٤)، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١٣٨/٧).
(٢) (٩١/٣).
(٣) (ص٢١٠).
(٤) (٩٣/٢٣).
٣٠٢

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٢) حديث
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: لَمَّا صَدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
مِنْ منّى، أَنَاخَ بِالْأَبْطَحِ. ثُمَّ كَوَّمَ كَوْمَةً بَطْحَاءَ. ثُمَّ طَرَحَ عَلَيْهَا رِدَاءَهُ
وَاسْتَلْقَى. ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ،
(عن سعيد بن المسيب أنه سمعه) سمع يحيى سعيداً (يقول لما صدر) أي
رجع (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه، - قال الزرقاني: رواية سعيد عن عمر
- رضي الله عنه - تجري مجرى المتصل لأنه رآه، وقد صحح بعض العلماء
سماعه منه، قاله أبو عمر (١)، اهـ. (من منى) إلى مكة يوم الصدر في آخر
حجاته سنة ثلاث وعشرين، ثم استشهد بعد ذلك. (أناخ) بَرَّك راحلته (بالأبطح)
أي المحصب، قال الباجي: وهو بأعلى مكة، لأنه رأى التحصيب مشروعاً،
أو لأنه نزل به حتى يقضي ما عليه، ويطوف للوداع، ثم يقفل منه إلى
المدينة، اهـ.
قلت: والأوجه الأول لما تقدم في الحج أن التحصيب مستحب عند
الجمهور، قال نافع: حَصَّب رسول الله وَّر والخلفاء بعده، وفي مسلم برواية
نافع عن ابن عمر ((أن النبي ◌َّر وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح)) كما تقدم
في کتاب الحج (ثم كوم) بتشديد الواو أي جمع (كومة) بفتح الكاف وضمها،
أي صبرة، وفي حديث علي («أتي بالمال فكوّم كومة من ذهب، وكومة من
فضة)) أي جمع من كل واحدة منهما صبرة، كذا في ((المجمع)) (بطحاء) أي
صغار الحصى يعني جمعها (ثم طرح) أي ألقى (عليها رداءه) أي ألقى على
كومة الحصى رداءه، قال الباجي: يريد جمع كوماً، وهو الكدية من التراب،
ثم طرح على الكوم رداءه ليقيه التراب (واستلقى) على ظهره.
(ثم مدّ) أي رفع (يديه إلى السماء) قال الزرقاني(٢): لأنها قبلة الدعاء
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٦٨/٢٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٤٤/٤).
٣٠٣

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٢) حديث
فَقَالَ: اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي. وَضَعُفَتْ قُوَّتِي. وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي.
فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّع وَلَا مُفَرِّطِ. ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ
(فقال: اللَّهم كبرت) بكسر الموحدة (سِنّ) بكسر السين وشد النون أي عمري
(وضَعُفَتْ قوتي) بسبب كبر السن (وانتشرت) أي كثرت وتفرقت (رعيتي) التي
أقوم بتدبيرها، قال الباجي: يريد أنه ضعف عما كان عليه من الاجتهاد في
العبادة والنظر للمسلمين مع انتشار رعيته ببُعد الأقطار (فاقبضني) أي توفّني
(إليك) حال كوني (غير مضيِّع) لما أمرتني (ولا مُفَرِّط) من التفريط أي غير
مُقَصِّرٍ فیه.
قال الباجي(١): يحتمل أن يريد بذلك أن يهبه أن من العون على ما كلفه ما
يعصمه من التضييع والتفريط إلى أن يموت، ويحتمل أن يدعو بتعجيل ميتة، لما
خشي أن يقع منه تضييع أو تفريط لضعف قوته وانتشار رعيته، وليس هذا مما
نهى عنه وَّر من أن يدعو أحد بالموت لضرِّ نزل به، وإنما دعاء عمر - رضي الله
عنه - بالموت خوف التفريط، وقد تقدم في ((الموطأ)) من دعاء النبي وَّل، ((وإذ
أردت بقوم فتنةً، فاقبضني إليك غير مفتونٍ))، وهذا أشبه بما روي عن ابن
المسيب أنه قال: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر - رضي الله عنه -، اهـ.
وفي ((المحلى)): في الأثر جواز تمني الموت لمن خاف ضرراً أو فتنة في
دينه، وقد فعله خلائق من السلف، والنهي عنه محمول على ما إذا تمناه لضرر
نزل به من الفاقة ونحوها من مشاق الدنيا، قاله النووي، اهـ.
(ثم قدم المدينة) ولفظ البخاري في حديث آخر عن ابن عباس (٢) ((فقدمنا
المدينة في عقب ذي الحجة))، قال الحافظ(٣): كان قدوم عمر - رضي الله عنه -
(١) ((المنتقى)) (١٣٩/٧).
(٢) ح (٦٨٣٠).
(٣) ((فتح الباري)) (١٢/ ١٤٧).
٣٠٤

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٢) حديث
فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ. قَدْ سُنَّتْ لَكُمُ السُّنَنُ. وَفُرِضَتْ
لَكُمْ الْفَرَائِضُ. وَتُرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ.
قبل أن ينسلخ ذو الحجة يوم الأربعاء (فخطب الناس) ولفظ البخاري في حديث
ابن عباس قال: فلما كان يوم الجمعة عَجَّلْتُ الرواح حين زاغت الشمس حتى
أجد سعيد بن زيد بن عمرو جالساً إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمسُ ركبتي
ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر، فلما رأيته مقبلاً، قلت لسعيد: ليقولن العشية
مقالةً لم يقلها منذ استخلف قط قبله، فأنكر عليّ، قال: ما عسيت أن يقول ما
لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله
بما هو أهله.
ثم قال: أما بعد! فإني قائل لكم مقالة قد قُدِّرَ لي أن أقولها، لا
أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها، فليحدث بها حيث انتهت
به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها، فلا أُحلُّ لأحد أن يكذب عليّ، إن الله
بعث محمداً وَالر، الحديث بطوله، وفي ((المحلى)) عن البزار: أنه قال في
خطبته هذه: فرأيت رؤيا وما ذاك إلا عند اقتراب أجلي رأيت كأن ديكاً
نقرني، اهـ.
(فقال) هذا أوجه مما في النسخ الهندية بلفظ ((ثم قال)) (أيها الناس قد
سُنَّت) بضم السين وفتح النون الثقيلة وسكون الفوقية (لكم السنن) جمع سُنَّةٍ
(وفُرضت) ببناء المجهول (لكم الفرائض) قال الباجي(١): لعله قد استشعر إجابة
دعوته، فخطب الناس معلماً لهم، بما خاف إشكاله من الأحكام، ومُذَكِّراً
لهم، وواعظاً ومُوَدِّعاً، ويحتمل أن يريد بالسنن طرق الشريعة وأحكامها،
وبالفرائض المقدرات، اهـ.
(وتُرِكْتُم) ببناء المجهول (على) الطريق (الواضحة) الظاهرة التي لا تخفى،
(١) ((المنتقى)) (١٣٩/٧).
٣٠٥

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٢) حديث
إِلَّا أَنْ تَضِلُوا بِالنَّاسِ يَمِيناً وَشِمَالاً. وَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى
الْأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: إِيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ. أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ:
لَا نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
ولا يخاف على سالكها ضلالاً (إلا أن تضلوا) بفتح الفوقية من الضلال (بالناس
يميناً وشمالاً) عن تلك الطريق الواضحة لهوى أنفسكم.
قال الباجي(١): ظاهره أنه خاطب بذلك الصحابة - رضي الله عنهم -،
وأهل العلم محَذِّراً لهم أن يضلوا بالناس، فيحملهم على غير الطريق الواضحة
على حسب ما يفعل الضالُّ عن الطريق، يأخذ عن يمينها أو شمالها (وضرب
بإحدى يديه على الأخرى) تأسفاً وتعجباً ممن يقع منه ضلالٌ بعد الطريق
الواضحة .
وقال الباجي(٢): يحتمل أنه فعل ذلك على معنى القطع لكلامه، والإشارة
إلى أن ما قاله أمر قد فُرِغَ منه لا اعتراض فيه، ويحتمل أن يضرب بإحداهما
على الأخرى، أو يزيلها إلى جانب على سبيل أن يضل العلماء بالناس يميناً
وشمالاً. (ثم قال: إياكم) أي أُحَذِّرُكم (أن تَهلِكُوا) وَتضلُّوا (عن آية الرجم أن)
بفتح الهمزة وسكون النون (يقول قائل: لا نجد حدَّين في كتاب الله) بل فيه حدٍّ
واحدٌ، وهو الجلد.
قال الباجي(٣): يريد - والله أعلم - أن تهلكوا بالإنكار لها، والاعتراض
عنها، ويحتمل أن يريد بالإنكار لنزولها فيما أنزل الله من القرآن أو الإنكار
البقاء حكمها، وذلك بأن يقول: لا نجد حدَّين في كتاب الله، ويحتمل ذلك
وجهين: أحدهما: أن يعيب قول من قال: لم تنزل آية الرجم بقرآن، وإنما
تثبت بسنة رسول الله وَّر وفعله، والثاني: أن يعيب قول من أنكر الرجم جملة،
(١)(٢) (١٤٠/٧).
(٣) ((المنتقى)) (١٤٠/٧).
٣٠٦

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٢) حديث
فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ، وَرَجَمْنَا. والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ
يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكَتَبْتُهَا ..
وزعم أن حدَّ الزنا الجلد للمحصن وغيره، وأنه هو الموجود في كتاب الله
تعالی، اهـ.
وقال النووي(١): هذا الذي خشيه عمر - رضي الله عنه - قد وقع من
الخوارج ومن وافقهم، وهذا من كرامات عمر - رضي الله عنه -، ويحتمل أنه
علم ذلك من جهة النبي ◌َّ، اهـ.
فإن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه، فإنهم لم يقولوا بالرجم،
وأخرج السيوطي في ((الدر))(٢) برواية عبد الرزاق في ((المصنف)) عن ابن عباس
عن عمر - رضي الله عنهما - في نحو هذه القصة، أنه قال في خطبته: وأنه
سيجيء قومٌ من هذه الأمة يُكَذِّبُونَ بالرجم، اهـ.
(فقد رجم رسول الله وَلـ) ماعزاً والغامدية وغيرهما (ورجمنا) بعده، قال
الباجي(٣): ظاهر هذا يقتضي إثبات الرجم خاصة، والردّ على منكره من
التمثيل، ويحتمل أن يريد به، فقد رجم رسول الله وَ ل ﴿ لآية الرجم، ورجمنا
على ذلك الوجه، ولفظ البخاري من حديث ابن عباس المذكور، أن الله بعث
محمداً وَ ليه بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله تعالى آية الرجم،
فقرأنا، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول الله وَلات، ورجمنا بعده، فأخشى إن
طال بالناس زمانٌ أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضِلُوا
بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق، الحديث.
(والذي نفسي بيده) عزّ اسمه (لولا أن يقول الناس) لقلة فهم أنه (زاد
عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها) أي آية الرجم في المصاحف، قال
(١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١١/ ١٩١).
(٢) ((الدر المنثور)) (٤٩٢/٦).
(٣) ((المنتقى)) (١٤٠/٧).
٣٠٧

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٢) حديث
الزركشي في ((البرهان)): ظاهره أن كتابتها جائزة، وإنما منعه قول الناس،
والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه، وإذا كانت جائزة لزم أن تقوم
ثابتة، وقد يقال: لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر - رضي الله عنه - ولم يعرج
عن مقالة الناس، لأنها لا تصلح معارضة، وبالجملة فهذه الملازمة مشكلة.
قال الزرقاني (١): والذي يظهر ليس مراد عمر - رضي الله عنه - هذا
الظاهر، وإنما مراده المبالغة، والحث على العمل بالرجم، لأن المعنى أن
الآية باقٍ وإن نسخ لفظها، إذ لا يسع مثل عمر - رضي الله عنه - مع مزيد فقهه
تجويز كتبها مع نسخ لفظها فلا إشكال، اهـ.
وفي ((الكوكب الدري)): (٢) ليس المراد أن أكتبه حيث تكتب آيات الكتاب
لأنه حرامٌ، فكيف يكتفي بالكراهة فيه، وإنما يعني أن أكتبه في حواشي
المصاحف، حتى ينظر إليه من يقرأ المصحف، إلا أن الأمر بتجريد القرآن
يمنعني عن ذلك؛ لئلا ينجرّ الأمر بالآخرة إلى إدخاله فيه، اهـ.
وقال الباجي(٣): يحتمل قوله: أن يقول الناس أن قوماً خالفوه في أن آية
الرجم نزلت فيما نزل من القرآن، ولا يصح إثبات قرآن إلا بإجماع وخبرٍ
متواترٍ، فيقول من يخالفه: إنه زاد في القرآن ما ليس منه، ومن يوافقه على أنها
نزلت في القرآن يقول: زاد في القرآن ما لا يجوز أن يثبت فيه لكونه مختلفاً في
إثباته .
ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون جميع الناس وافقوه على أنها نزلت
في القرآن، ولكن نُسِخت تلاوتها، وبقي حكمها، فلا يجوز إثباتها في
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٥/٤).
(٢) (٣٧٦/٢).
(٣) ((المنتقى)) (١٤٠/٧).
٣٠٨

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٢) حديث
(الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ) فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا .
المصحف، لأنه لا يثبت فيه إلا ما تثبت تلاوته دون ما نسخت تلاوته، وإن
بقي حكمه فيكون عمر - رضي الله عنه - إنما توقف مخافة أن يقول الناس: زاد
عمر - رضي الله عنه - بأن كتب فيه ما لا يكتب فيه، لأنه قد نسخ إثباته في
المصحف كما نسخت تلاوته.
ثم ذكر الآية التي أشار إليها، ولم يخالفه أحد فيما ذكره من أحكام هذه
القضية، ويقتضي ذلك اهتبال الناس من عصره بأمر القرآن، والمنع من أن يزاد
فيه ما لم يثبت في المصحف، أو ينقص منه شيء، لأنه إذا منعت الزيادة، فبأن
يمنع النقص أولى، لأن الزيادة إنما تمنع لئلا يضاف إلى القرآن ما ليس منه،
ونقص بعض القرآن واطراحه أشدُّ؛ ولعل ما أضيف إلى أبيٍّ وغيره من إثبات
قنوت أو غيره في المصحف إنما كان في أول زمن عمر - رضي الله عنه -، ثم
وقع الاجتماع بعد ذلك على المنع منه، اهـ.
قال النووي(١): وهذا مما نسخ لفظه، وبقي حكمه، وقد وقع نسخ حكم
دون لفظ، وقد وقع نسخهما جميعاً، فما نسخ لفظه ليس له حكم القرآن في
تحريمه على الجنب ونحو ذلك، وفي ترك الصحابة كتابة هذه الآية دلالةٌ ظاهرةٌ
على أن المنسوخ لا يكتب في المصحف، اهـ. وفي إعلان عمر - رضي الله
عنه - كون هذه الآية من القرآن وسكوت الصحابة عليه دليل على أن الآية
كانت من القرآن ثم نسخت.
(الشيخ والشيخة) وهي الآية التي أشار إليها عمر - رضي الله عنه - (إذا
زنيا فارجموهما ألبتة) بهمزة قطع أي جزماً زاد بعض الرواة: نكالاً من الله،
والله عزيز حكيم، كذا في ((المحلى)) (فإنا قد قرأناها) أي الآية المذكورة، وعن
أبي بن كعب، قال عمر - رضي الله عنه -: كم تعدُّون سورة الأحزاب؟ قال:
(١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٩١/١١).
٣٠٩

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّب: فَمَا
انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى قُتِلَ عُمَرُ .
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: قَوْلُهُ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ، يَعْنِي
النَّيِّبَ
قلت: اثنتين أو ثلاثاً وسبعين آية، قال: كان يُوازي سورة البقرة، أو أكثر،
وكنا نقرأ فيها ((الشيخ والشيخة، إذا زنيا فارجموهما))، أخرجه عبد الله بن
أحمد، وصحّحه ابن حبان والحاكم، كذا في ((المحلى)).
وأخرج السيوطي في ((الدر)) (١) بنحو ذلك عن حذيفة عن عمر برواية ابن
مردويه، وقال: أخرج عبد الرزاق في ((المصنف)) والطيالسي وعبد الله بن
أحمد، في ((زوائد المسند)) والنسائي والدارقطني في ((الأفراد)) والحاكم(٢)
وصححه، وغيرهم عن زرِّ قال لي أبيّ بن كعب: كيف تقرأ سورة الأحزاب أو
كم تعُدُّها؟ قلت: ثلثا وسبعين آية، فقال أبيٍّ: قد رأيتُها وأنها لتعادل سورة
البقرة أو أكثر من سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها ((الشيخ والشيخة إذا زنيا
فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم))، فرفع منها ما رفع.
(قال يحيى بن سعيد) الأنصاري المذكور (قال سعيد بن المسيب) المذكور
في أول السند (فما انسلخ) أي لم يمض (ذو الحجة) أي الشهر الذي خطب في آخره
عمر - رضي الله عنه - هذه الخطبة (حتى قُتِل) ببناء المجهول (عمر) - رضي الله عنه -
شهيداً بيد أبي لؤلؤة فيروز النصراني، عبدٍ لمغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -.
قال الحافظ في ((التهذيب))(٣): قُتِلَ يومَ الأربعاء لأربع بقين من ذي
الحجة، وقيل: لثلاث سنة ٢٣ هـ.
(قال مالك: قوله) في الآية المذكورة (الشيخ والشيخة يعني) بهما (الثيب
(١) ((الدر المنثور)) (٤٩٢/٦).
(٢) ((المستدرك)) (٣٥٩/٤).
(٣) ((تهذيب التهذيب)) (٤٤١/٧).
٣١٠

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٣) حديث
والتَّيَِّةَ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَّةَ.
١١/١٥٣٣ - وحدّثني مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ
أَتِيَ بِامْرَأَةٍ قَدْ وَلَدَتْ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُرْجَمَ .
والثيبة) أي المحصن والمحصنة، وإن كانا شابين، قال الزرقاني: بدليل
(فارجموهما ألبتة) فإن الرجم لا يختصُّ بالشيخ والشيخة، وإنما المدار على
الإحصان، لقوله ◌َل﴿ الماعزٍ: أحصنت؟ قال: نعم، ولقوله عليه السلام لأهل
ماعز: أبكرٌ أم ثيبٌ؟ فقالوا: بل ثيب، انتهى ما في ((الزرقاني)).
وفي ((المحلى)): أخرج الحاكم(١) من طريق كثير بن الصلت قال: كان
زيد بن ثابت وسعيد بن العاص يكتبان المصحف، فمرًا على هذه الآية، فقال
زيد: سمعته وهو يقول: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، فقال عمر
- رضي الله عنه -: لما نزلت أتيتُ النبيِ وََّ، فقلتُ: أَكْتُبُها؟ فكأنه كره ذلك،
فقال: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد
أحصن رجم، فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل
على غير الظاهر من عمومها، وللنسائي أن مروان قال لزيد بن ثابت: ألا
تكتبها في المصحف؟ قال: ألا ترى أن الشابين الثيبين يُرْجَمَان، اهـ.
١١/١٥٣٣ - (مالك أنه بلغه أن) أمير المؤمنين (عثمان بن عفان) - رضي الله
عنه - وذكره البيهقي بسنده إلى ابن بكير عن مالك نحوه (أتي) ببناء المجهول
(بامرأة) تزوجت (قد ولدت في ستة أشهر) من زواجها (فأمر) عثمان - رضي الله
عنه - (بها أن تُرْجَمَ) ببناء المجهول، لأن المعروف أن الحمل تسعة أشهر.
قال الباجي(٢): وهذا يقتضي أن عثمان - رضي الله عنه - اعتقد أن
الحمل لا يكون من ستة أشهر، إما لأنه اعتقد أنه لا يكون إلا على الوجه
(١) ((المستدرك)) (٣٥٩/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٤١/٧).
٣١١

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٣) حديث
فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَيْسَ ذُلِكَ عَلَيْهَا. إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى
يَقُولُ فِي كِتَابِهِ - ﴿وَحَمَلُهُ وَفِصَلُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾ - وَقَالَ - ﴿وَأْوَلِدَاتُ
يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُبِمَّ الرَّضَاعَةُ﴾ - فَالْحَمْلُ يَكُونُ
سِتَّةَ أَشْهُرِ.
المعتاد من تسعة أشهر أو نحوها، فلذلك أمر برجمها، إذ يقتضي اعتقاد
الأمرين أنه حمل من جماع متقدم على نكاحها، ولم يكن ثَمَّ فراشٌ يُضَافُ إليه
من نكاح متقدم عليه، لموت يلحق فيها الولد.
وإنما أتت به بعد النكاح الأول لمدة قد لا يلحق بالأول، لانقضاء أكثر
أمد الحمل، فحكم بأنه من زنا، وكانت ثيباً، لأنه قد تقدم بناء الزوج الأول
بها، ولو لم يكن ثَمَّ زوجٌ أوّلُ لاقتضى ذلك أنها زنت في وقت فلم يكن
حكمها إلا الجلد، وإن أقيم عليها الحدّ بعد الإحصان، لأن الاعتبار بحالها
حين وقوع الجماع، دون وقت إقامة الحد، اهـ.
(فقال له) أي لعثمان رضي الله عنه (علي بن أبي طالب: ليس ذلك) أي
الرجم (عليها) قال الباجي: يحتمل أنه لم يحضر المجلس الذي أمر فيه
برجمها، وأنه أعلم بالأمر، فبادر إنكاره وإظهار ما عنده في ذلك، واستدل
علي - رضي الله عنه - على ذلك بقوله: (فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه)
المجيد في سورة الأحقاف (﴿وَحَمَلُهُ وَفِصَلُهُ﴾) من الرضاع (﴿ثَثُونَ شَهْرًا﴾) ستة
أشهر أقل مدة الحمل، والباقي أكثر مدة الرضاع، كذا في ((الجلالين)).
(وقال) تبارك وتعالى في سورة البقرة (﴿وَلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾) بضم أوله (﴿أَوْلَدَهُنَّ
حَوْلَيْنٍ﴾) أي عامين (﴿كَامِلَيْنٍ﴾) صفة مؤكدة؛ لأنه مما يتسامح فيه، يقال: أقمت
عنده حولين وإن لم يستكملهما كذا في ((الجمل)) (﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةُ﴾)، فعُلِم
أن تمام مدة الرضاعة حولان (فالحمل) لا بد أن (يكون ستة أشهر).
قال الباجي(١): قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلَّهُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]
(١) ((المنتقى)) (١٤١/٧).
٣١٢

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٣) حديث
نص على أمدي الحمل والرضاع، ثم قال تعالى: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة:
٢٣٣] الآية، فبيّن أن مدة الرضاع عامان، وذلك يقتضي أن مدة الحمل ستة
أشهر، ولا يجوز أن يكون ذلك أكثر أمد الحمل، فإننا نعاين مشاهدة أن مدة
الحمل قد تكون أكثر من هذا، فلم يبق إلا أن تكون الستة أشهر أقل أمد
الحمل، وعلى هذا جماعة الفقهاء.
قال صاحب ((المحلى)): وبه أخذ الأطباء وأخذ أهل العلم أن أدنى مدة
الحمل ستة أشهر، فإذا ولدت الزوجة في تمام ستة أشهر، يثبت نسب ولدها
من زوجها، وتتبرَّأ من تهمة الزنا، قال القاضي: ولعل تخصيص أقل الحمل
وأكثر الرضاع لانضباطهما، اهـ.
قال صاحب ((المحلى)): وللآية تفسير آخر، وهو أنه إن حملت به ستة
أرضعته الباقي، رواه سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وقال أبو
حنيفة كما في ((المدارك)): إن المراد به الحمل بالأكف، اهـ.
وفي ((المدارك)) قوله تعالى: ﴿وَحَمَلُهُ وَفِصَلَهُ﴾ الآية أي مدة حمله وفطامه
ثلاثون شهراً، وفيه دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأن مدة الرضاع
إذا كانت حولين لقوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ بقيت للحمل ستة أشهر، وبه
قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله، وقال أبو حنيفة رحمه الله: المراد به
الحمل بالأكف، انتهى.
قال صاحب ((الإكليل)): فيصير الثلاثون مدة الفصال والحمل بالأكف
جميعاً، لأن في الثلاثين وما دونه يحمل بالأكف غالباً، فهذه الآية دليل على
أن مدة الرضاع ثلاثون شهراً، اهـ. وتقدم اختلاف الأئمة في مدة الرضاع في
أول كتاب الرضاع.
وأما مدة الحمل، فقد قال الموفق(١): أقل مدة الحمل ستة أشهر، لما
(١) ((المغني)) (٢٣١/١١).
٣١٣

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٣) حديث
روى الأثرم، بسنده عن أبي الأسود، أنه رُفع إلى عمر - رضي الله عنه - أن
امرأة ولدت لستة أشهر، فهمّ عمر - رضي الله عنه - برجمها، فقال له عليٍّ:
ليس لك ذلك، قال تعالى: ﴿وَأَلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الآية، وقال
تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فحولان وستة أشهر ثلاثون
شهراً، لا رجم عليها، فخَلَّى عمر - رضي الله عنه - سبيلها، وولدت امرأة
أخرى لذلك الحد.
ورواه الأثرم أيضاً عن عكرمة أن ابن عباس قال ذلك، قال عاصم
الأحول: فقلت لعكرمة: إنا بلغنا أن علياً - رضي الله عنه - قال هذا؟ فقال
عكرمة: لا، ما قال هذا إلا ابنُ عباس، وذكر ابن قتيبة في ((المعارف)) أن
عبد الملك بن مروان وُلِدَ لستة أشهر، وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب
الرأي وغيرهم، اهـ.
قلت: وأثر عمر - رضي الله عنه - هذا أخرجه البيهقي بسندين إلى أبي
الأسود، ثم قال: كذا في هذه الرواية عمر - رضي الله عنه -، ثم ذكر رواية
((الموطأ)) هذه برواية ابن بكير عن مالك ثم قال: والله أعلم، اهـ.
وقال ابن التركماني(١): ذكر البيهقي أن علياً رضي الله عنه أنكر على عمر
رضي الله عنه، ثم ذكر من وجه آخر أنه أنكر ذلك على عثمان، وذكره أبو عمر
في ((الاستذكار))(٢) من وجهين آخرين؛ أحدهما: أن ابن عباس هو الذي أنكر
على عمر - رضي الله عنه -، والثاني: أن ابن عباس أنكر على عثمان - رضي الله
عنه -، اهـ.
ثم قال الموفق(٣): وظاهر المذهب أن أقصى مدة الحمل أربع سنين وبه
(١) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) للبيهقي (٤٤٢/٧).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٤ /٧٤).
(٣) («المغني)) (٢٣٢/١١).
٣١٤

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٣) حديث
قال الشافعي. وهو المشهور عن مالك، وروي عن أحمد أن أقصى مدته
سنتان، وروي ذلك عن عائشة - رضي الله عنها -، وهو مذهب الثوري وأبي
حنيفة لما روت جميلة عن عائشة - رضي الله عنها - لا تزيد المرأة على السنتين
في الحمل، ولأن التقدير إنما يعلم بتوقيف أو اتفاق، ولا توقيف ههنا، ولا
اتفاق، إنما هو على ما ذكرنا، وقد وجد ذلك، فإن الضحاك بن مزاحم،
وهرم بن حيان حملت أم كُلِّ واحد منهما به سنتين، وقال الليث: أقصاه ثلاث
سنين، حَمَلَتْ مولاة لعمر بن عبد الله ثلاث سنين، وقال عباد بن العوام:
خمس سنين، وعن الزهري قد تحمل المرأة ست سنين، وسبع سنين، وقال أبو
عبيد: ليس لأقصاه وقت یوقف عليه، اهـ.
وذكر البيهقي هذه الآثار وما في معناها بأزيد من هذا، وفي ((الهداية))(١):
أكثر مدة الحمل سنتان، لقول عائشة - رضي الله عنها : - الولد لا يبقى في
البطن أكثر من سنتين، ولو بظل مغزل، وأقله ستة أشهر، لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ
وَفِصَلُ تَثُونَ شَهْرًا﴾ ثم قال: ﴿وَفِصَلُهُ فِى عَامَيْنٍ﴾ فبقي للحمل ستة أشهر،
والشافعي يقدر الأكثر بأربع سنين، والحجة عليه ما رويناه، والظاهر أنها قالته
سماعاً، إذ العقل لا يهتدي إليه، اهـ.
قال ابن الهمام(٢): حديث عائشة - رضي الله عنها - أخرجه الدار قطني
والبيهقي بسنديهما عنها قالت: ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين قدر ما
يتحوّل ظل عمود المغزل، وفي لفظ قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين،
الحديث. وأخرج الدارقطني، وعند البيهقي عن الوليد بن مسلم، قلت لمالك:
أفي حديث عن عائشة لا تزيد على سنتين؟ فقال: سبحان الله من يقول هذا؟
هذه جاءتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق، وزوجها رجل صدق، حملت
(١) (٢٨٢/١).
(٢) ((فتح القدير)) (١٨٠/٤).
٣١٥

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٣) حديث
فَلَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي إِثْرِهَا. فَوَجَدَهَا قَدْ
رُجِمَت.
ثلاثة أبطن في اثني عشر سنة، كل بطن في أربع سنين.
ولا يخفى أن قول عائشة - رضي الله عنها -، مما لا يُعْرَفُ إلا سماعاً،
وهو مقدَّمٌ على المحكي عن امرأة ابن عجلان، لأنه بعد صحة نسبته إلى
الشارع لا يتطرق إليه الخطأ، بخلاف الحكاية، فإنها بعدصحة نسبتها إلى
مالك، والمرأة يحتمل خطؤها، فإن غاية الأمر أن يكون انقطع دمها أربع
سنين، ثم جاءت بولد، وهذا ليس بقاطع في أن الأربعة بتمامها كانت حاملاً
فيها لجواز أنها امتدّ طهرها سنتين أو أكثر، ثم حبلت إلى آخر ما بسط.
(فلا رجم عليها) لأن الحدود ترفع بالشبهات، والظاهر أن علياً - رضي الله
عنه - لم يحضر المجلس الذي أمر فيه برجمها، وأنه أُعْلِم بالأمر بعد ذلك،
فبادر في إنكاره، وأخبر أمير المؤمنين باستدلاله، وقبله أمير المؤمين، (فبعث
عثمان) رضي الله عنه (في إثرها) بكسر الهمزة وسكون المثلثة، ليمنع الرجم
(فوجدها قد رجمت) ببناء المجهول، وروى ابن أبي حاتم عن بعجة بن عبد الله
الجهني، قال: تزوج رجلٌ منا امرأة، فولدت له تماماً لستة أشهر، فانطلق إلى
عثمان - رضي الله عنه -، فأمر برجمها، فقال له عليٌّ - رضي الله عنه -: أما
سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلَهُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾ وقال: وفصاله في عامين
فلم نجد بقي إلا ستة أشهر، فقال عثمان: والله ما فطنت هذا، كذا في
(الزرقاني))(١) ..
قال الباجي(٢): يعني أن عثمان - رضي الله عنه - أراد الرجوع عما أمر به
من رجمها لما ظهر إليه من الحق فوجدها قد نفذ فيها ما كان أمر به من
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٦/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٤١/٧).
٣١٦

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٣) حدیث
حدَّثني مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ
لُوطِ؟ فَقَالَ ابْنُ شِهَابِ: عَلَيْهِ الرَّجْمُ، أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِنْ.
رجمها، وهذا يقتضي أن للحاكم أن يرجع عن حكم حكم به إلى ما هو عنده
أصوب، ولعله قد أدى ديتها، والله أعلم. اهـ. قلّت: وهي تكون من بيت
المال.
قال الموفق(١): وأما خطأ الإمام والحاكم في غير الحكم والاجتهاد،
فهو على عاقلته بغير خلاف إذا كان مما تحمله العاقلة، وما حصل باجتهاده،
ففيه روايتان، إحداهما: على عاقلته أيضاً، والثانية: هو في بيت المال، وهو
مذهب الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وإسحاق، لأن الخطأ يكثر في أحكامه
واجتهاده، فإيجاب عقله على عاقلته يجحف بهم، ولأنه نائب عن الله تعالى في
أحكامه وأفعاله، فكان أرش جنايته في مال الله سبحانه، وللشافعي قولان
کالروایتین، اهـ.
(مالك أنه سأل ابن شهاب) الزهري (عن الذي يعمل عمل قوم لوط؟) قال
الزرقاني: أي يأتي الذكر في الدبر (فقال ابن شهاب: عليه الرجم) سواء
(أحصن أو لم يحصن)، قال الزرقاني: ولو كافراً أو رقيقاً، اهـ.
قال الباجي (٢): قول ابن شهاب هذا يرجم أحصن أو لم يحصن، هو
قول مالك، وهذا هو المشهور في المذهب، وقال ابن حبيب: كتب أبو بكر
الصديق - رضي الله عنه - أن يحرقوه بالنار، ففعل، وفعل ذلك ابن الزبير في
زمانه، وهشام بن عبد الملك في زمانه، ومن أخذ بهذا لم يخطئ، وقال
الشافعي - رحمه الله -: حكمه حكم الزاني يرجم المحصن، ويجلد غير
المحصن مائة، وقال أبو حنيفة: ليس فيه حدٌّ، وإنما فيه التعزير.
(١) ((المغني)) (٣٥/١٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٤١/٧).
٣١٧

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٣) حديث
والدليل على ما نقوله، قال مالك: قال النبي وَلقوله: ((اقتلوا الفاعل
والمفعول به))، قال مالك: ولم نزل نسمع من العلماء أنهما يرجمان أحصنا أو
لم يحصنا، قال مالك وربيعة: الرجم هي العقوبة التي أنزل الله تعالى بقوم
لوط، ولأن هذا فرج الآدمي، فتعلق الرجم بالإيلاج فيه كالقبل، ولأنه هذا لا
يستباح بوجه، فلذلك تعلق به من التغليظ أشقّ ما تعلق بالقبل؛ لأنه إيلاج لا
يسمى زنا، فلم يعتبر فيه الإحصان، كالإيلاج في البهيمة، والشهادة على
اللواط كالشهادة على الزنا، أربعة شهداء، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة:
يثبت بشاهدين، والدليل على ما نقوله أنه معنى يجب به الرجم من غير
قصاص، فلم يثبت إلا بأربعة شهداء كالزنا، اهـ.
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (١): فعل قوم لوط من الكبائر الفواحش
المحرمة كلحم الخنزير وغيره، من أحلّه فهو كافر مشرك حلال الدم والمال،
وإنما اختلف الناس في الواجب عليه، فقالت طائفة: يُحَرَّقُ بالنار الأعلى
والأسفل، وقالت طائفة: يحمل الأعلى والأسفل إلى أعلى جبل بقرية، فيصب
منه، ويُتْبَعُ بالحجارة، وقالت طائفة: يرجمان سواء أحصنا أو لم يحصنا،
وقالت طائفة: يقتلان. وقالت طائفة: أما الأسفل فيرجم أحصن أو لم يحصن،
وأما الأعلى فإن أحصن رجم، وإن لم يحصن جلد جلد الزنا، وهو قول أبي
جعفر محمد بن علي أحد الفقهاء الشافعيين.
وقالت طائفة: كلاهما سواء، أيهما أحصن رجم، وأيهما لم يحصن جلد
مائة، وقالت طائفة: لا حدَّ عليهما ولا قتل، ولكن يعزران، وهو قول
الحكم بن عتيبة، وأبي حنيفة ومن اتبعه، وأبي سليمان وجميع أصحابنا، ثم
بسط الكلام على هذه الأقاويل والآثار الواردة في ذلك.
(١) (٣٨٨/١٢).
٣١٨

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٣٣) حديث
ثم نظرنا في قول من لم ير في ذلك حداً، فوجدناهم يحتجّون بقوله وَله:
((لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث)) الحديث، وليس فاعل فعل قوم لوط
واحداً من هؤلاء، فدمه حرام إلا بنص أو إجماع، وقد قلنا: إنه لا يصح أثر
في قتله، نعم، ولا يصح أيضاً في ذلك شيء عن أحد من الصحابة، لأن
الرواية عن أبي بكر وعلي والصحابة إنما هي منقطعة، فبطل أن يتعلق أحد في
هذه المسألة عن أحد من الصحابة بشيء يصح، انتهى مختصراً.
وفي ((الشرح الكبير))(١): أجمع أهل العلم على تحريم اللواط، وقد
ذمّه الله تعالى في كتابه، وعاب من فعله، واختلفت الرواية عن أحمد
- رحمه الله - في حدّه، روي عنه أن حدّه الرجم بكراً كان أو ثيباً، وهذا قول
علي وابن عباس وجابر بن زيد والزهري وربيعة ومالك وإسحاق وهو أحد
قولَي الشافعي. والرواية الثانية أن حده حد الزنا، وبه قال ابن المسيب
والحسن والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، وهو المشهور من قولي
الشافعي. وروي عن أبي بكر الصديق أنه أمر بتحريق اللوطي، وهو قول ابن
الزبير، وقال الحكم وأبو حنيفة: لا حدَّ عليه، لأنه ليس بمحل للوطء أشبه غير
الفرج.
وجه الرواية الأولى قول النبي وَ له: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط،
فاقتلوا الفاعل والمفعول به))، رواه أبو داود (٢)، وفي رواية: ((فارجموا الأعلى
والأسفل)) ولأنه إجماع الصحابة، فإنهم أجمعوا على قتله، وإنما اختلفوا في
صفته، واحتجّ أحمد بعلي - رضي الله عنه - أنه كان يرى رجمه، ولأن الله
تعالى عذبَّ قوم لوط بالرجم، فينغبي أن يعاقب من فعل فعلهم بمثل
عقوبتهم، اهـ.
(١) انظر: ((المغني مع الشرح الكبير)) (١٦٠/١٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٤٦٢).
٣١٩

٤٣ - كتاب الحدود
(٢) باب
(١٥٣٤) حديث
(٢) باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا
١٥٣٤/ ١٢ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛
وفي ((الهداية))(١): من أتى امرأة في الموضع المكروه أو عمل عمل قوم
لوط، فلا حَدَّ عليه عند أبي حنيفة، ويعزَّرُ، وقال في ((الجامع الصغير)): يُؤْدَعُ
في السجن إلى أن يتوب، أو يموت، وقالا: هو كالزنا، فيحدّ، لهما أنه في
معنى الزنا؛ لأنه قضاء الشهوة في محل مشتهى على سبيل الكمال، وله أنه
ليس بزنا لاختلاف الصحابة في موجبه من الإحراق بالنار، وهدم الجدار،
والتنكيس من مكان مرتفع بإتباع الأحجار، وغير ذلك.
ولا هو في معنى الزنا، لأنه ليس فيه إضاعة الولد واشتباه الأنساب،
وكذا هو أندر وقوعاً، لانعدام الداعي في أحد الجانبين، وما رواه محمول على
السياسة أو على المستحل إلا أنه يُعزّر عنده، انتهى مختصراً وبزيادة.
(٢) - ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا
لا خلاف بين أهل العلم في أن الحدَّ يجب بالإقرار أيضاً كما يجب
بالشهود، ثم اختلفوا في الإقرار هل يكفي مرة كما قال به مالك والشافعي، أو
لا بدّ له من أربع مرات، كما قال به الحنفية والإمام أحمد مع الاختلاف بينهم
في اشتراط تعدد المجالس، كما قال به الحنفية، أو يكفي الإقرار أربعاً في
مجلس واحد كما قال به الإمام أحمد، وتقدم البسط في ذلك في حديث ماعز.
١٢/١٥٣٤ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم، قال ابن
عبد البر: هكذا رواه جماعة الرواة مرسلاً، ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ من
وجه من الوجوه، وقد روى معمر عن يحيى بن أبي كثير عن النبي وَّ مثله
سواء، أخرجه عبد الرزاق، وأخرج ابن وهب في ((موطئه)) عن كريب مولى ابن
(١) انظر: ((الهداية)) (٣٤٦/١).
٣٢٠