Indexed OCR Text

Pages 261-280

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٧) حدیث
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ
عليه أن صاحب ((المحلى)) قال: هو زيد بن طلحة بن ركانة تابعيٌّ، اهـ.
والظاهر عندي أن هذا وهم، توهم من ذكره الحافظ في ((التعجيل))
وعزوه إياه إلى رجال مالك، فإنه رجل آخر، وهذا ابن طلحة بن عبد الله بن
أبي مليكة، كذا نسبه الحافظ في ((تهذيبه)) في ترجمة ابنه يعقوب، وكذا نسبه
ابن عبد البر في ((التجريد))، كما تقدم في ترجمة يعقوب، وهكذا نسبه الحافظ
في ((الإصابة)) كما تقدم قريباً من كلامه.
(عن عبد الله بن أبي مليكة) هكذا في جميع النسخ المصرية لـ((موطأ
يحيى))، وكذا في ((موطأ محمد)) فما في النسخ الهندية من لفظ عبد الله بن
مليكة بدون حرف التكني تحريف من الناسخ، قال الزرقاني: عن جده أي عن
جد زيد عبد الله . - بفتح العين - ابن عبيد الله . - بضمها - ابن أبي مليكة
- بالتصغير - ابن عبد الله بن جدعان، ويقال: اسم أبي مليكة زهير أدرك ثلاثين
من الصحابة، اهـ.
وتقدم قريباً عن ((الإصابة)) أن جدَّ زيد تابعيٌّ مشهور، وتقدم قريباً في
ترجمة يعقوب ما في ((التجريد)): أن ابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن
أبي مليكة بن عبد الله بن جدعان القرشي التيمي، وتقدم بيان ابن مليكة في آخر
الحج.
(أنه أخبره) أي أخبر عبد الله زيداً، قال ابن عبد البر: هكذا قال يحيى،
فجعل الحديث لعبد الله بن أبي مليكة مرسلاً عنه، وقال القعنبي وابن القاسم
وابن بكير: عن مالك عن يعقوب بن زيد بن طلحة عن أبيه زيد بن طلحة بن
عبد الله بن أبي مليكة، فجعلوا الحديث لزيد بن طلحة مرسلاً عنه، قال ابن
عبد البر: وهذا هو الصواب، إن شاء الله.
وقد رواه ابن وهب عن مالك كذلك عن يعقوب بن زيد بن طلحة التيمي
عن أبيه أن امرأة، الحديث، ثم قال ابن وهب: وأخبرني ابن لهيعة عن
٢٦١

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٧) حديث
أَنَّ امْرَأَةً
محمد بن عبد الرحمن عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان عن محمود بن
لبيد الأنصاري عن رسول الله وَ لقر مثله، قال ابن عبد البر: ويستند معناه من
وجوه صحاح من حديث عمران بن حصين وبريدة، وروي مرسلاً من وجوه
كثيرة، وهو مشهور عند أهل العلم معروف، اهـ. كذا في ((التنوير)) بزيادة.
(أن امرأة) من غامد كما في مسلم من حديث بريدة، وله ولأبي داود من
حديث عمر، أن امرأةً من جهينة، ولا تنافي بينهما، فغامد بغين معجمة،
فألف، فميم مكسورة آخره دال مهملة، بطن من جهينة. قال أبو داود بعد ذكر
هذه الروايات: قال الغسّاني، جهينة وغامد وبارق واحد، اهـ.
وفي حديث بريدة عند مسلم(١) في قصة ماعز، ثم جاءته امرأة، من غامدٍ
من الأزد، وروى ابن منده بسند ضعيف عن عائشة قالت: سبيعة القرشية
قالت: يا رسول الله إني زنيت، فأقم عليّ حدَّ الله، الحديث، بنحو حديث
الغامدية المذكورة، فإن صحّ فيكون ذلك وقع لهما، قاله الزرقاني.
وقال ابن الجوزي في ((التلقيح)) في بيان المبهمات: روى بريدة أن امرأة
يعني من غامد. فذكر حديث الباب، ثم قال: وروى هذا الحديث عمران بن
حصين، وقال: امرأة من جهينة، واسم هذه المرأة سبيعة، وقيل: أبية بنت
فرج، اهـ.
وترجم الحافظ في ((الإصابة))(٢) لسبيعة القرشية، وقال: ذكرها ابن منده،
فأخرج بسنده عن عائشة قالت: سمعت سبيعة القرشية قالت: يا رسول الله،
إني زنيتُ، فأقم عليّ حد الله، قال: اذهبي حتى تضعي ما في بطنك، فلما
وضعت أتَتْه، ولو تركت ما سأل عنها، قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطمیه،
(١) أخرجه مسلم (١٦٩٥).
(٢) (١٠٤/٨).
٢٦٢

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٧) حديث
جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّهِ. فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا زَنَتْ. وَهِي حَامِلٌ. فَقَالَ
لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي))
فلما فطمته أتته، فقال: مَنْ لهذا الصبي؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فقال:
اذهبوا بها فارجموها. قال الحافظ: سنده ضعيف، وأخلق بها إن ثبت خبرها
أن تكون هي التي قبلها، اهـ.
والمراد بالتي قبلها التي ذكرها في ترجمة سبيعة الأسلمية، ورجح أنها
سبيعة بنت الحارث امرأة من قريش، ولم نجد في ((الإصابة)) ترجمة سبيعة
الجهنية، ولا أبية بنت فرج، وقال الحافظ في ((المقدمة))(١): اسم المرأة فاطمة
فتاة هزّال، وقيل: منيرة، وفي ((طبقات ابن سعد)): مهيرة، اهـ.
(جاءت إلى رسول الله وَّلة) قال صاحب ((المحلى)): وكان ذلك في
التاسع من الهجرة (فأخبرته أنها زنت) وفي مسلم من حديث بريدة فقالت: يا
رسول الله طهرني، فقال: ويحك ارجعي، فاستغفري الله وتوبي إليه، فقالت:
أراك أن ترُدَّني كما رددت ماعزاً، قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حُبْلى من الزنا
(وهي حامل) قال الباجي(٢): يحتمل أن يريد أنها أخبرت عن نفسها بأنها زنت
حين حملها من غيره، ولعلها بينت أن ذلك من غير زوج، ولذلك لم يسأل عن
إحصان وغيره، ويحتمل أنها زنت وأنها الآن حامل من ذلك أو غيره، اهـ.
قلت: وفي حديث بريدة عند مسلم قالت: إنها حبلى من الزنا، وعنده
أيضاً من حديث عمران وهي حبلى من الزنا، وهكذا عند غير مسلم من
الروايات، وهي صريحة في أنها كانت حبلى من الزنا .
(فقال لها رسول الله وَلو: اذهبي حتى تضعي) قال الباجي: هذا يقتضي أن
حكم الإقرار قد لزمها ولو لم يلزمها لم يمنع الحمل من إقامة الحد عليها،
(١) ((هدي الساري)) (ص ٤٥٧).
(٢) ((المنتقى)) (١٣٥/٧).
٢٦٣

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٧) حديث
وإنما كان يمنع من ذلك عدم تكرار إقرارها، فكان يقول: اذهبي حتى يتكرر
إقرارك، لكنه منع من إقامة الحد عليها الحمل، اهـ.
قلت: هذا الكلام بعيد من مثل العلامة الباجي المحقق، فإنه اضطر إلى
ذلك لكفاية الإقرار مرة عند المالكية كما تقدم، وإلا فعدم ذكر تكرار الإقرار
في هذه الرواية لا يستلزم عدم التكرار، فإنه لم يذكر في هذا الحديث أنه وعَله
سأل عنها هل هي ثيب أم بكر؟ ولا بد من تحقيق ذلك.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١): وأما حديث الغامدية، فالراوي قد
يختصر الحديث، ولا يلزم عن عدم الذكر عدم الوقوع، وأيضاً فقد ورد في
بعض طرقه أنه ردّها أربع مرات، أخرجه البزار في ((مسنده)) بسنده إلى
عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه فذكره، وفيه أنها أقرّت بالزنا أربع مرات،
وهو يردُّها، ثم قال لها: اذهبي حتى تلدي.
وأقرّه عليه الحافظ في ((الدراية)) إذ قال: وعند البزار عن عبد الرحمن بن
أبي بكرة عن أبيه في قصة الغامدية أنها أقرّت أربع مرات، فقال: اذهبي حتى
تلدي، ولم يقع الأربع في رواية مسلم من حديث بريدة في قصة الغامدية، بل
فيه أنها قالت: أتريد أن تردني كما رددت ماعزاً، ولم يقع ترك اعتبار الأربع
إلا في حديث العسيف، اهـ.
قلت: بل في رواية مسلم(٢) أيضاً مجرد التكرار ثابتٌ، وإن لم يكن
التصريح بالأربع، ففيها من حديث بريدة فجاءت الغامدية، فقالت: يا رسول الله
إني زنيت فطهِّرني، وإنه ردَّها، فلما كان الغدُ، قالت: يا رسول الله لِمَ ترُدُّني
لعلك أن تَرُدَّني كما رددت ماعزا، فوالله إني لحبلى، قال: أمّا لا، فاذهبي
(١) (٣١٥/٣).
(٢) ((صحيح مسلم مع شرح النووي)) (١١/ ٢٠٣).
٢٦٤

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٧) حديث
فَلَمَّا وَضَعَتْ جَاءَتْهُ.
حتى تلدي، الحديث، وقوله وَلجر: ((أمّا لا)) أيضاً كالصريح أيضاً في الإصرار
على الإقرار، ولفظ أبي داود في حديث بريدة قالت: إني فجرت، فقال:
ارجعي، فرجعت، فلما أن كان الغد أتته، فقالت: لعلك أن تَرُدَّني كما رَدَدْتَ
ماعزاً، فوالله إني لحُبلى، فقال لها: ارجعي فرجعت، فلما أن كان الغد أتته،
فقال: لها ارجعي حتى تلدي، الحديث، وفيه الردُّ ثلاث مرات قبل قوله: أن
تلدي .
(فلما وضعته جاءته) قال الباجي(١): منع من إقامة الحد عليها الحمل،
لأن ما في بطنها لا يجب عليه قتل، سواء كان من زنا أو غيره، وقبل قولها
فيما ادّعته من الحمل إن كان ظاهراً لظهوره، وإن كان غير ظاهر فليتبين
أمرها. وفي ((الموازية)): في المشهود عليه بزنا أو شرب خمر أو قذف أو
قصاص يقول: إنها حامل لا يعجل عليها الامام حتى يتبين أمرها، فإن كانت
حاملاً تركت حتى تضع اهـ.
قال الموفق (٢): لا يقام الحدُّ على حامل حتى تضع، سواء كان الحمل
من زنا أو غيره، لا نعلم فيه خلافاً قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن
الحامل لا ترجم، وقد روى بريدة أن امرأة من غامد، فذكر هذا الحديث، ثم
قال: وروى أن امرأة زنت في أيام عمر فَهَمَّ عمر - رضي الله عنه - برجمها،
وهي حامل، فقال له معاذ: إن كان لك سبيل عليها، فليس لك سبيل على
حملها، فقال: عجز النساء أن يلدن مثلك، ولم يرجمها، وعن علي مثله،
ولأن في إقامة الحد عليها في حال حملها إتلافاً لمعصوم، ولا سبيل إليه،
وسواء كان الحد رجماً أو غيره؛ لأنه لا يؤمن تلف الولد من سراية الضرب
والقطع، وربما سرى إلى نفس المضروب والمقطوع، فيفوت الولد بفواته، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١٣٦/٧).
(٢) ((المغني)) (٤٢٧/١٢).
٢٦٥

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٧) حديث
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (اذْهَبِي حَتَّى تُرْضِعِيهِ))
(فقال رسول الله ويقول: اذهبي حتى ترضعيه) قال الباجي(١): يحتمل أنه لم
يكن له مال يسترضع منه، ولو كان له مال، ولم يقبل رضاع غيرها، فعلى هذا
لا ترجم حتى تتم رضاعه، قال ابن مزين: لأن هذا قتل للولد، وأما لو قبل
رضاع غيرها، وكان له مال يسترضع له منه، ففي ((الموازية)) عن عيسى بهذا
العمل على حديث المرأة التي أقرّت بالزنا، وهي حامل، فأمرها بأن تذهب
حتى تضع، أرى أن يصنع في ذلك كما صنع النبي بَّه، لكنها سُنَّةٌ قد سَنَّها.
وقال ابن القاسم وأشهب في ((الموازية)): إن وجد لابنها ما تسترضع له
به، وكان له من يرضعه أقيم عليها الحد، ولا تؤخر حتى تستقل من نفاسها،
قال محمد: وهذا في القتل والرجم، وحكى ابن مزين عن أصبغ عن ابن
القاسم، وكذلك كل حدٍّ يكون فيه القتل، فإنه يستعجل بالمريض، ولا ينتظر به
إفاقته، وقال أبو حنيفة: إنها ترجم ولا تنتظر بعد الولادة. ودليلنا الحديث
المنصوص، اهـ.
وفي ((الهداية))(٢): إذا زنت المرأة لم تُحدَّ حتى تضع حملها كي لا يؤدي
إلى هلاك الولد، وهو نفس محترمة، وإن كان حدُّها الجلد لم تجلد حتى
تتعالى(٣) من نفاسها، إلا أن النفاس نوع مرض، فيؤخر إلى زمان البرء بخلاف
الرجم، لأن التأخير لأجل الولد، وقد انفصل، وعن أبي حنيفة أنه يؤخر إلى
أن يستغني ولدها عنها إذا لم يكن أحدٌ يقوم بتربيته، لأن في التأخير صيانة
الولد عن الضياع، وقد روي أنه وسل# قال للغامدية(٤) بعد ما وضعت: ارجعي
حتى يستغني ولدك، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١٣٦/٧).
(٢) (٣٤٤/١).
(٣) قوله: تتعالى أي ترتفع يريد به تخرج منه.
(٤) انظر: ((نصب الراية)) (٢٣٣/٣).
٢٦٦

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٧) حدیث
وفي (الدر المختار))(١): ويقام على الحامل بعد وضعها لا قبله أصلاً،
فإن كان حدُّها الرجم رُجِمَتْ حين وضعت إلا إذا لم يكن للمولود من يُرَبيه
فحتى يستغني، قال ابن عابدين: قوله: إذا لم يكن هذه رواية عن الإمام اقتصر
عليها صاحب ((المختار))، قال صاحب ((البحر)): وظاهره أنها هي المذهب، اهـ.
قال النووي في ((شرح مسلم)) (٢): مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق،
والمشهور من مذهب مالك أنها لا ترجم حتى تجد من ترضعه، فإن لم تجد
أرضعته حتى تفطمه، ثم رجمت، وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه: إذا
وضعت رجمت، ولا ينتظر حصول مرضعة، وقال أيضاً في حديث بريدة بلفظ
وقد وضعت الغامدية فقال: إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً، فقام رجل من
الأنصار فقال: إليّ رضاعه يا نبيَّ الله، فرجمها .
فقال النووي: وفي الرواية الأخرى: إنها لمّا ولدت جاءت بالصبي،
قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي، في يده كسرة
خبز، فقالت: يا نبيَّ الله هذا وقد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى
رجل من المسلمين، ثم أمر بها فرجموها؛ فهاتان الروايتان ظاهرهما
الاختلاف، فإن الثانية صريحة في أن رجمها كان بعد فطامه وأكله الخبز،
والأولى ظاهرها أنه رجمها عقب الولادة، ويجب تأويل الأولى، وحملها على
وفق الثانية، لأنها قضية واحدة.
والروايتان صحيحتان، والثانية منها صريحة، لا يمكن تأويلها. والأولى
ليست صريحة، فيتعين تأويل الأولى، ويكون قوله في الرواية الأولى: فقام
رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه، إنما قاله بعد الفطام، وأراد بالرضاعة
(١) (١٧٩/٤).
(٢) (٢٠٢/١١).
٢٦٧

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٧) حديث
فَلَمَّا أَرْضَعَتْهُ جَاءَتْهُ. فَقَالَ: ((اذْهَبِي فَاسْتَوْدِعِيهِ)) قَالَ: فَاسْتَوْدَعَتْهُ ...
كفالته وتربيته وسماه رضاعاً مجازاً، وقال أيضاً: وأما هذا الأنصاري الذي
كفلها، فقصد مصلحة هو الرفق بها ومساعدتها على تعجيل طهارتها بالحدِّ، لما
رأى بها من الحرص التام على تعجيل ذلك، اهـ.
وجمع بينهما الزرقاني(١) باحتمال أنه وُّل﴾ لم يرض بقول الرجل إلى
رضاعه، لأن أمه أرفق به في رضاعه، فدفعه إليها حتى فطمته، ويكون التعقيب
في قوله: فرجمها، نحو تزوج زيد فولد، ثم قال بعد ذكر توجيه النووي: ولعل
ما قلته أقرب لإبقاء الرضاع على حاله، ولا ينافيه التعقيب لأنه في كل شيء
بحسبه، اهـ.
واضطرّ الإمام النووي والعلامة الزرقاني إلى هذه التوجيهات لما أن هذه
الرواية الصحيحة صريحة في الرجم بعد الوضع، خلافاً لمسلك الشافعية،
والراجح من مسلك المالكية، ولما كان هذا موافقاً لمسلك الحنفية قال ابن
الهمام(٢): الحديثان في مسلم، وهذا أصحُّ طريقاً؛ لأن في الأول بشير بن
المهاجر، وفيه مقال، وقيل: يحتمل أن تكون امرأتين، ووقع في الحديث
الأول نسبتها إلى الأزد، وفي حديث عمران جاءت امرأة من جهينة، وفيه
رجمها بعد أن وضعت، اهـ.
(فلما أرضعته) وفطمته (جاءته) وفي يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا
نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام (فقال) بَير: (اذهبي فاستودعيه) أي اجعليه
عند من يحفظه (قال) الراوي (فاستودعته) لا ينافيه رواية ((مسلم))، فدفع أي
النبي ◌َّة الصبيَّ إلى رجل من المسلمين لاحتمال أنها لما استودعته، وأخبرته
بذلك أحضره بالصبي، ودفعه إليه ليكون أشد توثقاً في حفظه من مزيد رأفته وليه
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٠/٤).
(٢) ((فتح القدير)) (٣/٥).
٢٦٨

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٧) حديث
ثُمَّ جَاءَتْ. فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ.
وَصله مسلم عن بريدة في: ٢٩ - كتاب الحدود، ٥ - باب من اعترف على
نفسه بالزنی، حدیث ٢٣.
على خلق الله، قاله الزرقاني (١).
وقال الباجي (٢): يحتمل أن يريد به وضعها إياه عند من يحضنه ويكفله،
لأن طرحه سبب إلى هلاكه، ولعله كان له من أهله من قبل أبويه إن كان
لرشدّة، أو من قبل أمه إن كان لغيّة من يقوم بذلك، فلما أتت على ذلك كله
أمر بها رسول الله وَل فرجمت، اهـ.
(ثم جاءت) إلى رسول الله وَ لقر (فأمر) النبي وَ ل (بها فرجمت) ببناء
المجهول، وفي مسلم عن بريدة ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس
فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها فَتَنصَّحَ الدم على وجه
خالد، فسَبَّها، فسمعه النبي ◌َّ فقال: ((مهلاً يا خالد؛ فوالذي نفسي بيده لقد
تابت توبةً، لو تابها صاحب مكس لغفر له))، ثم أمر بها فصَلَّى عليها فدفنت؛
وفي حديث مسلم عن عمران («ثم صلّى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها؟ يا
نبيَّ الله، وقد زنت قال: ((لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة
لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها)).
قال الزرقاني(٣): وهذه الرواية صريحة في أنه ولي﴿ل صلَّى عليها، وأما
الأولى فقال عياض: هي بفتح الصاد واللام عند جماهير رواة مسلم وعند
الطبراني بضم الصاد، قال: وكذا رواه ابن أبي شيبة وأبو داود. وفي رواية
لأبي داود: ثم أمرهم أن يصلوا عليها، وقد يجمع بأنه أمرهم أولاً، ثم قبل
الصلاة صلى عليها لما علم توبتها، اهـ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٠/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٣٦/٧).
(٣) (شرح الزرقاني)) (١٤١/٤).
٢٦٩

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٧) حديث
قال الموفق(١): لا يُصلِّي الإمام على الغالِّ، ولا على من قتل نفسه
متعمداً، ويُصلي عليهما سائر الناس، نص عليهما أحمد، وقال عمر بن
عبد العزيز والأوزاعيُّ: لا يُصلَّى على قاتل نفسه بحالٍ، لأن من لا يُصلِّي عليه
الإمام لا يُصلِّي عليه غيره كشهيد المعركة، وقال عطاءٌ، والنخعيُّ، والشافعيُّ:
يصلّي الإمام وغيره على كل مسلم، لقول النبي وَ لّ: ((صلَّوا على من قال: لا
إله إلا الله))، رواه الخلال بإسناده(٢).
ولنا حديث مسلم(٣) عن جابر بن سمرة ((أن النبي وَية جاءه برجل قتل
نفسه بمشاقِص، فلم يُصلِّ عليه))، وروى زيد بن خالد قال: توفي رجل من
جهينة يوم خيبر، فقال: ((صَلَّوا على صاحبكم)) فتغيرت وجوه القوم، فلما رأى
ما بهم قال: ((صاحبكم قد غلّ من الغنيمة)).
وقال أحمدُ: لا أشهدُ الجَهْمِيَّةَ(٤) ولا الرافضة، ويشهده من شاء، وقال
أبو بكر بن عياش: لا أصلي على رافضيٍّ ولا حَرُوريٌّ(٥)، وقال الفِرْيابيُّ(٦):
من شتم أبا بكر فهو كافر، لا أصلي عليه، قيل له: كيف نصنع به؟ وهو
يقول: لا إله إلا الله، قال: لا تَمَسُّوه بأيديكم، ارفعوه بالخُشُب حتى تُوَارُوه
في حُفْرَته، وقال أحمد: أهلُ البدع لا يُعادُون إن مرضوا، ولا تُشهدُ جنائزُهم
(١) («المغني)) (٥٠٤/٣).
(٢) أخرجه الدارقطني (٥٦/٢).
(٣) ((صحيح مسلم)) (٢/ ٦٧٢).
(٤) الجهمية: هم أصحاب جهم بن صفوان، وهو من الجبرية الخالصة. ((الملل والنحل))
(١٣٥/١).
(٥) الحرورية: أتباع نجدة بن عامر الحروري الحنفي، وهم فرقة من الخوارج. ((الملل
والنحل)) (٢١٢/١).
(٦) هو أبو عبد الله محمد بن يوسف الفريابي الحافظ، شيخ البخاري، المتوفى ٢١٠ هـ
((العبر)) (٣٦٣/١).
٢٧٠

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٧) حدیث
إن ماتوا، وهذا قول مالك، وقال ابن عبد البر: وسائر العلماء يصلون على
أهل البدع والخوارج وغيرهم، لعموم قوله وّلجر: ((صَلَّوا على من قال: لا إله
إلا الله محمد رسول الله))(١).
ويصلى على سائر المسلمين من أهل الكبائر، والمرجوم في الزنا
وغيرهم، قال أحمد: من استقبل قبلتنا، وصلّى بصلاتنا، نصلي عليه ونَدِفِنُه،
ويُصَلَّى على ولد الزنا، والزانية، والذي يُقَادُ منه بالقصاص، أو يُقْتل في حدٍّ،
وسُئل أحمد عمن لا يعطي زكاة ماله، فقال: يُصَلَّى عليه ما يُعْلَمُ أن
رسول الله ◌َ﴿ ترك الصلاة على أحد إلا على قاتل نفسه والغالِ، وهذا قول
عطاء والشافعي وأصحاب الرأي، إلا أن أبا حنيفة قال: لا يصلى على البُغاةِ
ولا المحاربين، لأنهم بايَنُوا أهل الإسلام، أشْبَهُوا أهل دار الحرب، وقال
مالك: لا يصلّى على من قُتِلَ في حدٍّ، لأن أبا برزة الأسلمي قال: لم يصل
رسول الله وَير على ماعز، ولم ينه عن الصلاة عليه، رواه أبو داود(٢).
ولنا قول النبي ◌َّر: ((صَلُّوا على من قال لا إله إلا الله))، رواه الخلال،
وروى الخلال بإسناده عن أبي شُميلة ((أن النبي وَّل خرج إلى قباء، فاستقبله
رهطٌ من الأنصار، يحملون جنازة على بابٍ، فقال النبي وَلّ: ما هذا؟ قالوا:
مملوك لآل فلان، قال: أكان يشهدُ أن لا إله إلا الله؟ قالوا: نعم، ولكنه كان
وكان، فقال: أكان يصلي؟ قالوا: قد كان يُصَلِّي ويَدَعُ. فقال لهم: ارجعوا به،
فَغَسِّلوه وكَفِّنُوه، وصلوا عليه، وادفنوه، والذي نفسي بيده لقد كادت الملائكة
تحول بيني وبينه)).
وأما أهل الحرب فلا يصلى عليهم لأنهم كفار، ولا يُقْبل فيهم شفاعةٌ،
(١) أخرجه الدار قطني (٥٦/٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١٨٦).
٢٧١

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٧) حدیث
ولا يُستجاب فيهم دعاءٌ، وقد نُهينا عن الاستغفار لهم، قال الله تعالى لنبيه:
﴿وَلَا تُصَلّ عَلَىَّ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٣١] الآية، وأما ترك الصلاة على
ماعز، فيحتمل أن النبي وّل، أمر من يصلي عليه لعذر بدليل أنه رجم الغامدية،
وصلى عليها، فقال عمر - رضي الله عنه -: ترجُمُها وتصلي عليها؟ فقال: ((لقد
تابت توبة لو قُسِمَتْ على أهل المدينة لوَسِعَتْهم))، كذلك رواه الأوزاعي،
وروى معمر وهشام عن أبان أنه أمرهم بالصلاة عليها، قال ابن عبد البر: وهو
الصحيح، اهـ.
قال ابن رشد (١): أجمع أكثر أهل العلم على إجازة الصلاة على كل من
قال لا إله إلا الله، وفي ذلك أثر أنه قال وَلجر: ((صلُّوا على من قال لا إله
إلا الله))، وسواء كان من أهل الكبائر أو من أهل البدع، إلا أن مالكاً كره لأهل
الفضل الصلاة على أهل البدع، ولم يَرَ أن يصلي الإمام على من قتله حداً.
قال الدردير(٢): كره صلاة فاضل بعلم أو عمل أو إمامة على بدعيٍّ ردعاً
لمن هو مثله أو مُظهر كبيرة كزنا وشرب خمر، إن لم يخف عليهم الضيعة،
وإلا فلا كراهة في صلاة الفاضل عليهما، وكره صلاة الإمام وأهل الفضل على
من حدُّه القتلُ، إما بحدٍ كمحارب وتارك صلاة وزانٍ مُحْصٍ أو قودٍ زجراً
لأمثالهم بخلاف من حَدُّه الجلد، فإنه لا يكره صلاته عليه لو مات بالجلد، اهـ
بزيادة من الدسوقي.
وفي ((الهداية))(٣): من قُتِلَ في حدٍّ أو قصاص غُسِلَ وصُلِّي عليه، لأنه
باذلُ نفسه لإيفاء حق مستحق عليه؛ ومن قتل من البغاة أو قطاع الطريق لم
يصل عليه؛ لأن علياً - رضي الله عنه -: لم يصل على البغاة، اهـ.
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٣٩/١).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٢٤/١).
(٣) (٦٣/١).
٢٧٢

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٨) حديث
٦/١٥٢٨ - حدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ
وفي ((الدر المختار)) (١): هي فرض على كل مسلم مات، خلا أربعة:
بغاةٍ، وقطاع طريق، فلا يُغْسَلوا ولا يُصَلى عليهم إذا قتلوا في الحرب، ولو
بعده صُلِّ عليهم، لأنه حدٍّ أو قصاص، وكذا أهل عصبة ومكابر في مصر ليلاً
بسلاح وخناقٍ، فحكمهم كالبغاة، ومن قتل نفسه ولو عمداً يُغْسَل ويُصَلَّى
عليه، به يفتى، ورجح الكمال قول أبي يوسف: إنه يغسل، ولا يصلى عليه بما
في مسلم أنه بَلّ أتي برجل، قتل نفسه، فلم يصل عليه، ولا يصلى على قاتل
أحد أبويه إهانةً له، وألحقه في ((النهر))، بالبغاة، اهـ بزيادة من ابن عابدين،
وتقدم شيء من ذلك في كتاب ((الجنائز)) في الصلاة على ولد الزنا.
ولا شك في أن الصلاة على الغامدية ثابتة، واختلفت الروايات في
الصلاة على ماعز، وأخرج البخاري قصته برواية معمر عن الزهري عن أبي
سلمة عن جابر، وفيه فقال له النبي ◌َ ل﴿ل خيراً وصلى عليه، قال: ولم يقل يونس
وابن جريج عن الزهري ((وصلى عليه))، سئل أبو عبد الله هل قوله: ((فصلى
عليه)) يصح أم لا؟ قال: رواه معمر، قيل له: هل رواه غير معمر، قال: لا .
قال الحافظ(٢)، وأخرج عبد الرزاق، وهو في ((السنن)) لأبي قرة عن أبي
أمامة بن سهل في قصة ماعز قال: فقيل يا رسول الله أتصلي عليه؟ قال: لا،
فلما كان من الغد، قال: صَلُّوا على صاحبكم، فصلَّى عليه رسول الله وَّه
والناس، فهذا الخبر يجمع الاختلاف، فتحمل رواية النفي على أنه لم يُصَلِّ
عليه حين رُجم، ورواية الإثبات على أنه وَلّ صلَّى عليه في اليوم الثاني، اهـ.
٦/١٥٢٨ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بضم العين
مصغراً (ابن عبد الله) بفتح العين مكبراً (ابن عتبة) بضم العين وإسكان المثناة
-
(١) (٧٣٨/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (١٣١/١٢).
٢٧٣

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٨) حديث
ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهْنِيِّ؛ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ
رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ
اقْضِ بَيْتَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ.
الفوقية (ابن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني) بضم الجيم وفتح
الهاء (أنهما أخبراه) أي أخبرا عبيد الله، ووقع في رواية النسائي وابن ماجه
وغيرهما عن زيد بن خالد وأبي هريرة وشبل.
وبسط الحافظ في ((الفتح)) (١) أن زيادة شبل في هذه الرواية وهم، ولفظ
البخاري عن عبيد الله أنه سمع أبا هريرة وزيد بن خالد قال: كنا عند النبي وَل
فقام رجل، فقال: أنشدك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه،
وكان أفقه منه، فقال، الحديث -.
(أن رجلين اختصما) قال الحافظ في مقدمة ((الفتح)): إن من أبهم في
حديث قصة العسيف لم يُسَمَّ. (إلى رسول الله ◌َله فقال أحدهما) ولفظ البخاري
برواية سفيان عن الزهري أخبرني عبيد الله أنه سمع أبا هريرة وزيد بن خالد
قالا: كنا عند النبي ◌َّل، فقام رجل. الحديث.
قال الحافظ: وفي رواية أخرى للبخاري أن رجلاً من الأعراب جاء إلى
النبي و 18 وهو جالس، وفي أخرى له إذ قام رجل من الأعراب (يا رسول الله
اقض) أي احكم (بيننا بكتاب الله) ولفظ حديث البخاري المذكور فقال:
((أنشدك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله))، قال النووي: أنشدك معناه أسألك
رافعاً نشيدتي أي صوتي، اهـ.
قال الحافظ: بفتح أوله ونون ساكنة، وضم الشين المعجمة، أي أسألك
بالله، وضمن أنشدك معنى أذكرك فحذف الباء أي أذكرك رافعاً نشيدتي أي
صوتي، هذا أصله، تم استعمل في كل مطلوب مؤكد وإن لم يكن هناك رفع
صوت، وهذا يندفع إيراد من استشكل رفع الرجل صوته عند النبي ◌َّ مع
(١) ((فتح الباري)) (١٢/ ١٣٧).
٢٧٤

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٨) حديث
النهي عنه، ثم أجاب عنه بأنه لم يبلغه النهي لكونه أعرابياً، وغير ذلك من
الأجوبة التي ذكرها الحافظ، وذكر أبو علي الفارسي أن بعضهم رواه بضم
الهمزة وكسر المعجمة وغلطه، اهـ.
قال الباجي(١): قوله: اقض بيننا بكتاب الله، قيل: معناه اقض بيننا بما
كتب الله أي فرض، ولم يرد القرآن، ويحتمل أن يريد به أن يقضي بينهما
بالحق الذي أوجبه كتاب الله المنزل عليك، ويحتمل أن يريد بما تضمنه
كتاب الله من الحكم دون غيره، ولذلك قال: إن الآخر كان أفقههما .
وقال الحافظ في ((الفتح)) (٢): المراد بكتاب الله ما حكم به وكتب على
عباده، وقيل: المراد القرآن، وهو المتبادر، وقال ابن دقيق العيد: الأول
أولى؛ لأن الرجم والتغريب ليسا مذكورين في القرآن إلا بواسطة أمر الله باتباع
رسوله، قيل: وفيما قاله نظر، لاحتمال أن يكون المراد ما تضمنه قوله تعالى:
﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فبَيَّن النبي ◌َّ ر أن السبيل جلد البكر ونفيه، ورجم
الثيب .
وقال الحافظ: وهذا أيضاً بواسطة التبيين، ويحتمل أن يراد بكتاب الله
الآية التي نسخت تلاوتها، وهي ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما))، وبهذا
أجاب البيضاوي، ويبقى عليه التغريب، وقيل: المراد بكتاب الله ما فيه من
النهي عن أكل المال بالباطل، لأن خصمه كان أخذ منه الوليدة والغنم بغير
حق، فلذلك قال: الغنم والوليدة ردِّ عليك، والذي يترجح أن المراد بكتاب الله
ما يتعلق بجميع أفراد القصة مما وقع بالجواب الآتي ذكره، والعلم عند الله
تعالى، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١٣٦/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (١٣٨/١٢).
٢٧٥

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٨) حديث
وَقَالَ الآخَرُ، وَهُوَ أَفْقَهُهُما: أَجَلْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَاقْضِ بَيْنَنَا
قال النووي(١): فيه يستحب للقاضي أن يصبر على من يقول من جفاة
الخصوم: احكم بالحق بيننا ونحو ذلك (وقال الآخر) بفتح الخاء (وهو) أي
الأخر (أفقههما) قال زين الدين العراقي في ((شرح الترمذي)): يحتمل أن يكون
الراوي كان عارفاً بهما قبل أن يتحاكما، فوصف الثاني بأنه أفقه من الأول،
إما مطلقاً وإما في هذه القصة الخاصة، أو استدل بحسن أدبه في استئذانه،
وترك رفع صوته إن كان الأول رفعه، وتأكيده السؤال على فقهه، وقد ورد أن
حسن السؤال نصف العلم أورده ابن السُنِّي في ((رياضة المتعلمين)) مرفوعاً بسند
ضعيف، كذا في ((الفتح))(٢).
وقال الباجي(٣): يحتمل أن يكون وصفه بأنه أفقههما لما حكم بما
أورده، ويحتمل أن يكون وصف بذلك لما كان عليه، فوصف ذلك من عرف
حالهما. ويحتمل أن يكون وصف بذلك لما وصف القضية على ما جرت،
وأورد منها ما تتعلق به الأحكام، وأما الأول فلم يرد شيئاً، اهـ.
وقال النووي(٤): يحتمل أن المراد بأفقه منه من هذه القضية لوصفه إياها
على وجهها، ويحتمل أنه لأدبه واستئذانه في الكلام وحذره من الوقوع في
النهي في قوله تعالى: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهٍ﴾(٥) بخلاف خطاب الأول
في قوله: أنشدك الله إلى آخره، فإنه من جفاء الأعراب، اهـ.
(أجل) بفتح الهمزة والجيم وتخفيف اللام (يارسول الله فاقض بيننا
(١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢٠٦/١١).
(٢) ((فتح الباري)) (١٣٨/١٢).
(٣) ((المنتقى)) (١٣٦/٧).
(٤) (شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢١٨/١١).
(٥) سورة الحجرات: الآية ١.
٢٧٦

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٨) حديث
بِكِتَابِ اللَّهِ وَائْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ: (تَكَلَّمْ)) فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ
عَسِيفاً.
بكتاب الله) قال الزرقاني: إنما سألا ذلك وهما يعلمان أنه لا يحكم إلا
بحكم الله ليحكم بينهما بالحكم الصرف، لا بالتصالح والترغيب فيما هو
الأرفق بينهما أو أمرهما بالصلح إذ للحاكم أن يفعل ذلك، اهـ.
(وائذن لي) في (أن أتكلم) في تفصيل القصة (قال) بَير (تكلم فقال) قال
الحافظ في ((الفتح))(١): ظاهر السياق أن القائل هو الثاني، وجزم الكرماني بأن
القائل هو الأول، واستند في ذلك لما وقع في كتاب الصلح من البخاري،
قالا: جاء أعرابي، فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، فقام خصمه،
فقال: صدق. اقض بيننا بكتاب الله، فقال الأعرابي: إن ابني كان عسيفاً على
هذا، الحديث. وهذه الزيادة شاذة، والمحفوظ ما في سائر الطرق، ولفظ
البخاري في كتاب الشروط، فقال: صدق، اقض له يا رسول الله بكتاب الله إن
ابني إلخ، اهـ.
(إن ابني) ولفظ البخاري في الحدود إن ابني هذا، قال الحافظ: فيه أن
الابن كان حاضراً، فأشار إليه، وخلا معظم الروايات عن هذه الإشارة، اهـ.
ولا يعرف اسم الابن أيضاً (كان عسيفاً) بمهملتين الأجير وزناً ومعنى،
ويطلق أيضاً على الخادم وعلى العبد وعلى السائل، وقيل: يطلق على من
يستهان به. وفسره عبد الملك بن حبيب بالغلام الذي لم يحتلم، فإن ثبت ذلك
فإطلاقه على صاحب هذه القصة باعتبار حاله في ابتداء الاستئجار، ووقع في
رواية للنسائي تعيين كونه أجيراً، ولفظه ((كان ابني أجيراً لامرأته))، وسمي
الأجير عسيفاً، لأن المستأجر يعسفه في العمل، والعسف الجور، أو هو بمعنى
الفاعل لكونه يعسف الأرض بالتردد فيها، ويطلق العسف أيضاً على الكفاية،
(١) ((فتح الباري)) (١٣٩/١٢).
٢٧٧

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٨) حديث
عَلَى هَذَا. فَزَنِى بِامْرَأَتِهِ.
والأجير يكفي المستأجر الأمر الذي أقامه فيه، كذا في ((الفتح)) (١) (على هذا)
أي عنده أو على بمعنى اللام ذكره القسطلاني.
وقال التوربشتي(٢): إنما قال: عسيفاً على هذا، ولم يقل: لهذا، نظراً
إلى جنب العسيف بأن له على المستأجر الأجرة، ولو قال: لهذا، لكان نظره
إلى جانب المستأجر، بما يلزم له على الأجير من العمل المعلوم، وقال
الطيبي: يريد أن قوله: على هذا صفة مميزة لأجير أي أجيراً ثابت الأجرة
عليه، وإنما يكون كذلك إذا لابس العمل وأتمَّه، ولو قيل: لهذا، لم يكن
كذلك، كذا في ((المحلى)).
وتقدم في رواية النسائي أجيراً لامرأته، وفي أخرى: عسيفاً في أهل
هذا، وكان الرجل استخدمه فيما تحتاج إليه امرأته من الأمور، فكان ذلك سبباً
لما وقع له معها، ويصح نسبة الأجير إليهما معاً.
(فزنى بامرأته) تقدم في كلام الحافظ عن ((المقدمة)) أن من أبهم في هذه
القصة لا يعرف اسمه، قال الباجي(٣): هذا إخبار عن ابنه، وعن زوجة خصمه
بالزنا، وحكم هذا أنهما إن صدقاه حُدًّا، ولم يكن قاذفاً، وإن كذباه ففيه
تفصيل بسطه الباجي.
ثم قال: لعل هنا قد علم من حالهما أنهما قد أقرَّا بذلك بحضرة بينة
تشهد له بذلك، أو أن له بينة بزناهما بما يثبت ذلك به عليهما إن احتاج إلى
ذلك بتكذيبهما أو تكذيب أحدهما، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (١٣٩/١٢).
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٢١/٧).
(٣) ((المنتقى)) (١٣٧/٧).
٢٧٨

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٨) حدیث
فَأَخْبَرَنِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ. فَاقْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمَائَةٍ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي.
(فأخبرني) بالإفراد، قال أبو عمر (١): هكذا رواه يحيى وابن القاسم وهو
الصواب، وللقعنبي: فأخبروني بالجمع، وفي رواية عمرو بن شعيب: ((فسألت
من لا يعلم فأخبرني))، وعُلِم من هذا أن الصحيح في نسخ ((الموطأ)) لفظ
الإفراد إذ عزاه ابن عبد البر إلى رواية يحيى، وهو كذلك في النسخ المصرية
بخلاف الهندية، إذ فيها بلفظ الجمع، وليس هذا رواية يحيى.
قال الحافظ(٢): وفي رواية: فقالوا لي، وفي أخرى: فأخبرت ببناء
المجهول (أن على ابني الرجم. فافتديت منه بمائة شاة) متعلق بافتديت، ومن
للبدل نحو ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾(٣) أي افتديت بمائة شاة
بدل الرجم، وكأنه ظن أن ذلك حق لخصمه يجوز أن يعفو عنه على مال يأخذه
(وبجارية لي) وفي رواية البخاري في الحدود ((بمائة شاة وخادم))، قال الحافظ:
المراد بالخادم الجارية المعدّة للخدمة، بدليل رواية مالك بلفظ ((جارية لي))،
وفي رواية ابن أبي ذئب وشعيب ((بمائة من الغنم ووليدة))، اهـ.
قال الباجي(٤): نصٌّ في أنه أعطاه الغنم والجارية ليسقط عن ابنه المطالبة
بذلك، فيحتمل أنه أعطاه ذلك لما اعتقد أنه حق له يصحُّ إسقاطه، ويحتمل أن
يكون إعطاؤه ليستر عليه ويترك قيامه به، ولا يجوز أن يأخذ عوضاً على ذلك
بوجهٍ، لأن الرجم حق الله تعالى فليس لأحد تركه بعوض، ويبطل الصلح بوجه
آخر، إن ما اعتقد أنه يلزم ابنه الرجم غير لازم له، وكذلك أخبر أهل العلم
والد الزاني البكر أن ليس على ابنه إلا جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم
على امرأته، فأخذ عوضاً على إسقاط ما لم يجب.
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص٦٠٢).
(٢) ((فتح الباري)) (١٣٩/١٢).
(٣) سورة التوبة: الآية ٣٨.
(٤) ((المنتقى)) (١٣٧/٧).
٢٧٩

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٨) حديث
ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي: أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ
وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:
((أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ،
قلت: ولذا ترجم عليه البخاري في ((صحيحه))، ((باب إذا اصطلحوا على
صلح جور فالصلح مردودٌ))، (ثم إني سألت أهل العلم) ولفظ البخاري في
الحدود، ((ثم سألت رجالاً من أهل العلم))، قال الحافظ (١): لم أقف على
أسمائهم، ولا على عددهم، ولا على اسم الخصمين، ولا الابن ولا
المرأة، اهـ.
قال النووي(٢): فيه جواز استفتاء غير النبي ◌ّ في زمنه؛ لأنه وَّ لم
ينكر ذلك عليه، وفيه جواز المفضول مع وجوه أفضل منه، اهـ.
وقال الحافظ في ((مقدمة الفتح)) في قوله: سألت أهل العلم: ذكر ابن
سعد في ((الطبقات)) من حديث سهل أن الذين كانوا يفتون على عهد
رسول الله ﴾ ثلاثة من المهاجرين عمر وعلي وعثمان، وثلاثة من الأنصار
أبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -:
كان أبو بكر وعمر يُفتيان في زمن النبيِ وَّل، وعن خراش الأسلمي: كان
عبد الرحمن بن عوف ممن يفتي في زمنه وَّر، اهـ.
قلت: وزاد ابن الجوزي في ((التلقيح)) على هؤلاء ابن مسعود وعمار بن
ياسر وحذيفة وسلمان وأبا الدرداء وأبا موسى الأشعري، اهـ.
(فأخبروني: أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام) بالإضافة فيهما أي
ينفى من بلده سنة، وحُدّ بالجلد لأنه كان بكراً (وأخبروني أنما الرجم) وليس
في بعض النسخ لفظ ((وأخبروني))، بل فيها وإنما الرجم (على امرأته) لأنها
محصنة (فقال رسول الله ◌َله: أما) بتخفيف الميم (والذي نفسي بيده) أقسم
(١) ((فتح الباري)) (١٣٩/١٢).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٠٦/١١).
٢٨٠