Indexed OCR Text

Pages 101-120

٤١ - كتاب العقول
(٢٠) باب
(١٥١٩) حدیث
عليه كما لو قطع منه طرفاً. فاستوفى منه الولي مثله، فلم يمت به، فإنه لا
يكرر عليه الجرح بغير خلاف، ويعدل إلى ضرب عنقه فكذا ههنا.
ثم إن قتله بما لا يحل بعينه مثل أن لاط به فقتله أو جَرَّعه خمراً، أو
سحره لم يقتل بمثله اتفاقاً، ويُعْدَلُ إلى القتل بالسيف، وحكى أصحاب
الشافعي فيمن قتله باللواط، وتجريع الخمر أنه يدخل في دبره خشبةً يقتله بها،
ويُجَرِّعُه الماء حتى يموت.
ولنا، أن هذا محرم لعينه، فوجب العدول عنه إلى القتل بالسيف، كما لو
قتله بالسحر، وإن حرّقه، فقال بعض أصحابنا: لا يحرق؛ لأن التحريق محرم
لحق الله تعالى؛ لقول النبي صل﴾: ((لا يعذب بالنار إلا رب النار))(١) وهذا
مذهب أبي حنيفة.
وقال القاضي: الصحيح أن فيه روايتين كالتغريق، إحداهما: يحرق، وهو
مذهب الشافعي؛ لما روى البراء بن عازب أن النبي صل18 قال: ((من حرّق
حرّقناه ومن غرّق غرّقناه)) وحملوا الحديث الأول على غير القصاص في
المحرق، اهـ.
وفي ((الهداية))(٢): لا يُسْتَوفى القصاص إلا بالسيف، وقال الشافعي:
يفعل به مثل ما فعل إن كان فعلاً مشروعاً فإن مات وإلا تحز رقبته؛ لأن مبنى
القصاص على المساواة، ولنا، قوله عليه السلام: ((لا قود إلا بالسيف)) والمراد
به السلاح، ولأن فيما ذهب إليه استيفاء بالزيادة لو لم يحصل المقصود بمثل ما
فعل فيحز، فيجب التحرز عنه، كما في كسر العظم.
ثم قال: ومن غَرَّق صبياً أو بالغاً في البحر فلا قصاص عند أبي حنيفة،
(١) تقدم تخريجه في: (ص٩٩).
(٢) (٤٤٥/٢).
١٠١

٤١ - كتاب العقول
(٢٠) باب
(١٥١٩) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا.
أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا ضَرَبَ الرَّجُلَ بِعَصَاً. أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ. أَوْ ضَرَبَهُ عَمْداً.
فَمَاتَ مِنْ ذُلِكَ. فَإِنَّ ذُلِكَ هُوَ الْعَمْدُ وَفِيهِ الْقِصَاصُ.
قَالَ مَالِكٌ: فَقَتْلُ الْعَمْدِ
وقالا: يقتصّ منه، وهو قول الشافعي غير أن عندهما يستوفى حزا، وعنده
يغرق كما بيناه، لهم، قوله وَله: ((من غَرَّقَ غَرَّقناه)) ولأن الآلة قاتلة فاستعمالها
أمارة العمدية، وله، قوله وير: ((إلا أن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا))
وفيه ((وفي كل خطأ أرش)) ولأن الآلة غير معدة للقتل ولا مستعملة فيه لتعذر
استعماله، فتمكنت شبهة عدم العمدية، وما رواه غير مرفوع أو هو محمول على
السياسة، وقد أومت إليه إضافته إلى نفسه فيه، وإذا امتنع القصاص وجبت
الدية وهي على العاقلة، وقد ذكرناه، اهـ. وأشار بقوله: وقد ذكرناه إلى أن دية
شبه العمد مغلظة على العاقلة، اهـ.
وقال الزيلعي في ((نصب الراية))(١): قوله وَل﴾: ((لا قود إلا بالسيف))،
روي من حديث أبي بكرة، ومن حديث النعمان بن بشير، ومن حديث ابن
مسعود، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث علي - رضي الله عنهم - ثم بسط
الكلام على تخريج أحاديثهم، فارجع إليه لو شئت التفصيل.
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه الذي لا اختلاف فيه عندنا أن الرجل) اسم
أن (إذا ضرب الرجل) الآخر (بعصاً) مثلاً (أو رماه بحجر) ونحوه (أو ضربه
عمداً) قال الزرقاني(٢): بيده (فمات من ذلك) الضرب (فإن ذلك) كله (هو
العمد) أي داخل في قتل العمد (وفيه القصاص) إذ هو الموجب في قتل العمد.
(قال مالك) وليس هذا اللفظ في بعض النسخ المصرية (فقتل العمد
(١) (٣٤١/٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٢/٤).
١٠٢

٤١ - كتاب العقول
(٢٠) باب
(١٥١٩) حديث
عِنْدَنَا أَنْ يَعْمِدَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فَيَضْرِبَهُ. حَتَّى تَفِيظَ نَفْسُهُ.
عندنا أن يعمد) بكسر الميم أي يقصد (الرجل إلى الرجل) الآخر (فيضربه)
بشيء (حتى تفيض) بالضاد المعجمة في جميع النسخ الهندية والمصرية، إلا في
نسخة الزرقاني(١) ففيها بالظاء المعجمة، وهكذا ضبطه إذ قال: بفتح الفوقية
وكسر الفاء وتحتية ساكنة وظاء معجمة، أي تخرج، اهـ.
وفي باب الضاد المعجمة من ((مختار الصحاح)) فاض الرجل مات، وبابه
باع، وفاضت نفسه أي خرجت روحه، قاله أبو عبيد وأبو زيد والفراء، وقال
الأصمعي: لا يقال: فاض الرجل، ولا فاضت نفسه. وإنما يفيض الدمع
والماء، اهـ.
قلت: وعامة أهل اللغة ذكروا في معناه الموت، وهكذا ذكروا في الظاء
المعجمة أيضاً فاظ يفيظ فيظاً مات (نفسه) فهذا هو العمد عند الإمام مالك.
قال الباجي(٢): مذهب مالك - رحمه الله - أن من قتل حراً بآلة يقتل
بمثلها أو قصد القتل وجب عليه القود، سواء شدخه بحجر أو عصا أو غَرّقه
في الماء أو أحرقه بالنار أو خنقه أو دفعه أو طَيَّنَ عليه ببناء، وبه قال الشافعي
وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، وقال أبو حنيفة: لا قود عليه إذا قتل بهذه
الأشياء إلا بالنار، والمحدود من الحديد أو غيره مثل الليطة أو الخشبة
المحددة أو الحجر المحدد، وعنه في مثقل الحديد روايتان.
وإذا ثبت ذلك فإن كل ما تعمّد الرجل من ضربة أو وكزة أو لطمة أو
رمية ببندقية أو بحجر أو قضيب أو بعصاً أو بغير ذلك، فقد قال مالك: إن هذا
كله عمد، وقال أشهب: لم يختلف أهل الحجاز فقد يقصد إلى القتل بغير
حديد، ويكون أوحى(٣) منه، فإن قال: لم أرد الضرب لم يقبل قوله، ولو
(١) وكذا في نسخة ((الاستذكار)) (٢٤٦/٢٥) بالظاء.
(٢) ((المنتقى)) (١١٨/٧).
(٣) يقال: أوحى الذبيحة ذبحها بسرعة ((ش)).
١٠٣

٤١ - كتاب العقول
(٢٠) باب
(١٥١٩) حديث
علمنا أنه كان يحب أن لا يموت، ما أزلنا عنه القود لتعمد الضرب، اهـ.
قلت: وهذا كله مبني على ما تقدم في أول باب دية العمد إذا قبلت أن
العمد وشبه العمد كليهما واحد عند الإمام مالك، بخلاف الجمهور إذا قالوا :
إنهما نوعان، قال صاحب ((المحلى)): اتفقوا على أن لا قصاص إلا في العمد،
وفيما سواه الدية، غير أن العمد عند مالك ما ذكره، وهو قول الليث، وعند
الشافعي هو قصد القتل بما يقتل به غالباً جارحاً أو مثقلاً.
وإن قتل بما لا يقصد به القتل غالباً، كالعصا والسوط واللطمة، فشبه
العمد لا قصاص فيه، وفيه الدية، وهو قول الأوزاعي وأبي يوسف ومحمد
وأحمد والجمهور.
وقال أبو حنيفة: العمد ما تعمد ضربه بسلاح أو بما جرى مجراه
كالمحدد والنار، وشبه العمد أن يتعمد بغير ما ذكر فإذا ضرب بحجر أو خشبة
عظيمة، فهو شبه العمد عنده عمد عند صاحبيه والشافعي، وأما عند مالك فهو
إما عمد أو خطأ فما تعمد فهو عمد ولو بسوط أو عصا، فيجب القود ولا شبه
عمد عنده، اهـ.
قال الموفق(١) في بيان قتل العمد: إن العمد نوعان: أحدهما: أن يضربه
بمحَذَّد، وهو ما يقطع، ويدخل في البدن، كالسيف، والسكين، والسّنان، وما
في معناه مما يُحَدِّد، فيجرح من الحديد والنحاس والرصاص والذهب والفضة
والزجاج والحجر والخشب، فهذا كله إذا جرح به جرحاً كبيراً فمات، فهو قتل
عمد لا خلاف فيه بين العلماء فيما علمناه.
النوع الثاني: القتل بغير المحدد مما يغلب على الظن حصول الزهوق به
عند استعماله، فهذا عمد موجب للقصاص أيضاً. وبه قال النخعي والزهري
وابن سيرين ومالك والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد.
(١) ((المغني)) (٤٤٥/١١).
١٠٤

٤١ - كتاب العقول
(٢٠) باب
(١٥١٩) حديث
وقال الحسن: لا قود في ذلك، وروي ذلك عن الشعبي وقال ابن
المسيب وعطاء وطاووس: العمد ما كان بالسلاح، وقال أبو حنيفة: لا قود في
ذلك إلا أن يكون قتله بالنار، وعنه في مثقل الحديد روايتان، واحتج بقول
النبي ◌ّ: ((ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر، مائة من
الإبل)) (١) فسماه عمد الخطأ، وأوجب فيه الدية دون القصاص، ولنا، قصة
يهودي قتل جاريةً بحجر، فقتله رسول الله وَ له بين حجرين، متفق عليه، وإذا
ثبت هذا، فإن هذا النوع يتنوع أنواعاً .
ثم بسط في أنواعه من القتل بمثقل كبير، كاللت والسندان، والقتل بمثقل
صغير، كالعصا والسوط والحجر الصغير واللكز باليد والقتل بالخنق على
الأرض، أو بأن يجعل في عنقه شيئاً ويعلقه وغير ذلك من الأنواع الكثيرة.
ثم قال: وشبه العمد وهو أن يقصد ضربه بما لا يقتل غالباً، إما لقصد
العدوان عليه أو لقصد التأديب له، فيسرف فيه، كالضرب بالسوط والعصا
والحجر الصغير والوكز واليد وسائر ما لا يقتل غالباً إذا قتل فهو شبه عمد؛
لأنه قصد الضرب دون القتل، ويسمى عمد الخطأ وخطأ العمد لاجتماع
العمد، والخطأ فيه، فإنه عمد الفعل وأخطأ في القتل، فهذا لا قود فيه، والدية
على العاقلة في قول أكثر أهل العلم، وجعله مالك - رضي الله عنه - عمداً
موجباً للقصاص؛ لأنه ليس في كتاب الله إلا العمد، والخطأ، فمن زاد قسماً
ثالثاً فقد زاد على النص، وقال أبو بكر من أصحابنا: تجب الدية في مال
القاتل، وهو قول ابن شبرمة؛ لأنه موجب فعل عمد، فكان في مال القاتل
کسائر الجنايات.
ولنا، ما روى أبو هريرة اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما
(١) أخرجه الإمام أحمد في: ((المسند)) (٤١٠/٣)
١٠٥

٤١ - كتاب العقول
(٢٠) باب
(١٥١٩) حديث
وَمِنَ الْعَمْدِ أَيْضاً أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي النَّائِرَةِ تَكُونُ بَيْنَهُمَا .
ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْهُ وَهُوَ حَيٍّ. فَيُنْزَى فِي ضَرْبِهِ. فَيَمُوتُ. فَتَكُونُ فِي
ذَلِكَ، الْقَسَامَةُ.
الأخرى، فقضى النبي وَل بدية المرأة على عاقلتها، متفق عليه. فأوجب ديتها
على العاقلة، والعاقلة لا تحمل عمداً، وأيضاً قول النبي وهي: ((ألا إن في قتيل
خطأ العمد قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل)) وفي لفظ أن النبي تَليل
قال: ((عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه))، رواه أبو
داود(١)، وهذا نص، وقوله هذا قسم ثالث قلنا: نعم هذا ثبت بالنص،
والقسمان الأولان ثبتا بالكتاب، اهـ.
(ومن العمد أيضاً) عند الإمام مالك (أن يضرب الرجل) فاعل (الرجل)
مفعول (في النّائرة) أي العداوة الشحناء مشتقة من النار، كذا في الزرقاني،
وهي في نسختها بالنون، وفي غيرها من النسخ الهندية والمصرية ((في الثائرة»
بالمثلثة من ثار بمعنى هاج، ومنه ثارت الفتنة بينهم (تكون) النائرة (بينهما) أي
بين الضارب والمضروب.
(ثم ينصرف) المضروب والضارب (عنه) أي عن صاحبه (وهو) أي
المضروب (حَيٍّ فيُنْزَى) بضم أول والزاي في آخره، كذا ضبطه الزرقاني(٢)،
يعني ببناء المجهول، يقال أصابه جرح فنزي منه أي جرى دمه ولم ينقطع (في
ضربه فيموت) المجروح (فتكون في ذلك القسامة) خمسون يميناً، وذلك لما
تقدم في آخر جامع العقل أن ذلك داخل في القسامة عند الإمام مالك ومن
وافقه، وتقدم هناك تفصيل مذاهب الأئمة في ذلك.
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٦٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٣/٤).
١٠٦

٤١ - كتاب العقول
(٢٠) باب
(١٥١٩) حديث
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ، فِي الْعَمْدِ، الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ
بِالرَّجُلِ الْحُرِّ الْوَاحِدِ. وَالنِّسَاءُ بِالْمَرْأَةِ كَذَلِكَ. والْعَبِيدُ بِالْعَبْدِ كَذَلِكَ.
(قال مالك: الأمر عندنا أنه يقتل) ببناء المجهول (في العمد) أي في
قصاص قتل العمد (الرجال الأحرار) المتعددون نائب الفاعل (بالرجل الحر
الواحد) وكذلك تقتل (النساء) المتعددات (بالمرأة) الواحدة (كذلك) أي مثل
الرجال (والعبيد) المتعددون يقتلون (بالعبد) الواحد (كذلك) أي مثل الأحرار
(أيضاً) فتقتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله، وبه قال جمهور العلماء
كما تقدم في الباب السابق تحت قول عمر - رضي الله عنه -: لو تمالأ عليه
أهل صنعاء لقتلتهم به، وتقدم هناك أن في المسألة ثلاثة مذاهب للعلماء
والجمهور، منهم الأئمة الثلاثة، ورواية للإمام أحمد على ما قاله الإمام مالك:
إنهم يقتلون بواحد.
قال الباجي(١): قوله: ((الأمر عندنا)) هو على ما تقدم من قتل الجماعة
بالواحد إذا تكافؤوا في الحرمة، وكذلك النساء بالمرأة، ولم يرد أنه لا يقتل
النساء بالرجال ولا الرجال بالمرأة، بل حكم ذلك على ما تقدم أن من قتل
واحدهم بواحد قتل جميعهم به، ولما كانت المرأة تقتل بالرجل قتل النساء
بالرجل، ولما كان الرجل يقتل بالمرأة فكذلك تقتل جماعة الرجال بالمرأة،
وحكم العبيد كذلك يقتل العبيد بالعبد، ويقتل العبد بالحر، ولا يقتل الأحرار
بالعبد؛ لأنه لا يقتل الحر بالعبد، اهـ.
قلت: وهو كذلك في جميع الأنواع إلا ما في آخره من أنه لا يقتل الحر
بالعبد، فإنه مبني على مذهب الإمام مالك ومن وافقه، والمسألة خلافية ستأتي
قريباً في الباب الآتي.
(١) ((المنتقى)) (١٢٠/٧).
١٠٧

٤١ - كتاب العقول
(٢١) باب
(٢١) باب القصاص في القتل
حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَم كَتَبَ
إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبي سُفْيَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَكْرَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلاً فَكَتَبَ
إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: أَنِ اقْتُلُهُ بِهِ.
(٢١) القصاص في القتل
يعني في بيان بعض فروع الباب
(مالك أنه بلغه أن مروان بن الحكم) أحد أمراء بني أمية (كتب إلى) أمير
المؤمنين (معاوية بن أبي سفيان) كتاباً (يذكر) فيه (أنه) أي مروان (أتي) ببناء
المجهول (بسكران) حال كونه (قد قتل) أي السكران (رجلاً) في حالة السكر
(فكتب إليه معاوية) في جوابه (أن اقتله به) أي اقتل السكران قصاصاً.
قال الباجي(١): ووجه ذلك أن السكران إذا قصد إلى القتل قُتِل؛ لأنه
يبقى معه من الميز ما يَثْبُتُ به عليه القصاصُ وسائرُ الحقوق، ولو بلغ حدَّ
الإغماء الذي لا يصحُّ معه قصدٌ ولا فعلٌ، لكانت جنايته كجناية المغمى عليه،
وفي ((العتبية)) عن ابن القاسم: يقاد من السكران بخلاف المجنون يريد الجنون
المطبق، والصبي الذي لا يعقل ابن سنة أو نصف سنة أو نحوها، فهذان ما
أفسدا من أموال الناس هدر، ولا يتبع به أحد، مثل أن يشعل المجنون ناراً أو
يهدم بيتاً، اهـ.
قال الزرقاني (٢): إن السكران يؤخذ بجنايته لئلا يتساكر الناس، ويقتلون
الأنفس والأموال، ويدعوا عدم العقل بالسكر، والفرق بينه وبين الجنون أنه
أدخله على نفسه، وأنه يتأتى منه القصد بخلاف المجنون، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٧ /١٢٠).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٣/٤).
١٠٨

٤١ - كتاب العقول
(٢١) باب
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي تَأْوِيلِ هُذِهِ
الآيةِ، قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى -
وفي ((المحلى)): روى عبد الرزاق عن ابن عباس ما أصاب السكران في
سكره أقيم عليه. وبه قال أبو حنيفة والشافعي على المختار. وروي عنه أنه لا
یجب عليه كالمجنون، اهـ.
قال الموفق(١): لا خلاف بين أهل العلم أنه لا قصاص على صبي ولا
مجنون، وكذلك كل زائل العقل بسبب يعذر فيه مثل النائم والمغمى عليه
ونحوهما، والأصل في هذا قول النبي ◌َّر: ((رفع القلم عن ثلاثة(٢)، عن
الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق))(٣)،
ولأن القصاص عقوبة مغلظة فلم تجب على الصبي وزائل العقل كالحدود،
ولأنهم ليس لهم قصد صحيح فهم كالقاتل خطأ .
ويجب القصاص على السكران إذا قتل حال سكره، ذكره القاضي، وذكر
أبو الخطاب أن وجوب القصاص عليه مبني على وقوع طلاقه، وفيه روايتان،
فيكون في وجوب القصاص عليه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه؛ لأنه زائل
العقل أشبه المجنون، ولنا، أن الصحابة - رضي الله عنهم - أقاموا سكره مقام
قذفه، فأوجبوا عليه حد القاذف، فلولا أن قذفه موجب للحد لما وجب الحد
بمظنته، وإذا وجب الحدُّ، فالقصاص المتَمخِّضُ حق آدميٍّ أولَى، ولأنه حكم
لو لم يجب القصاص والحدُّ لأفضَى إلى أن من أراد أن يعصي الله تعالى،
شرب ما يسكره، ثم يقتل ويزني ويسرق، ولا يلزمه عقوبة ولا مأثم، ويصير
عصيانه سبباً لسقوط عقوبة الدنيا والآخرة، ولا وجه لهذا، اهـ.
(قال مالك: أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية) الآتية وهي
(قول الله) بالجر على البدلية والرفع على الخبرية (تبارك وتعالى): ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
(١) ((المغني)) (١١ /٤٨١).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٣٤٣٢)، والترمذي (٢٤٢٣)، وابن ماجه (٢٠٤١).
١٠٩

٤١ - كتاب العقول
(٢١) باب
﴿الُّْ بِالْخُرُّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ - فَهُؤُلَاءِ الذُّكُورُ - ﴿وَالْأُنْثَى بِآلْأُنْفَنَّ﴾ - أَنَّ
الْقِصَاصَ يَكُونُ بَيْنَ الْإِنَاثِ كَمَا يَكُونُ بَيْنَ الذُّكُورِ. وَالْمَرْأةُ الْحُرَّةُ
تُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ الحُرَّةِ. كَمَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرُّ. وَالْأَمَةُ تُقْتَلُ بِالْأَمَةِ. كَمَا
يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ. وَالْقِصَاصُ يَكُونُ بَيْنَ النِّسَاءِ كَمَا يَكُونُ بَيْنَ
الرِّجَالِ وَالْقِصَاصُ أَيْضاً يَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ. وَذُلِكَ أَنَّ اللّهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ ﴿وَكَبِّنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ
ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ اٌلْقَنْلِىّ (الْخُ﴾) يقتل (﴿بِآلْحُّ وَاُلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾(١)
فهؤلاء الذكور) من الصنفين الحر والعبد وعَمَّهُما في الإناث، فقال:
(﴿وَالْأُنثَى بِآلْأُنثَىنَ﴾) من الحرة والأمة فدلت الآية المذكورة على (أن القصاص
يكون بين الإناث كما يكون بين الذكور) الحر والعبد (والمرأة الحرة، تقتل)
ببناء المجهول (بالمرأة الحرة، كما يقتل) ببناء المجهول (الحر) الذكر
(بالحر) الذكر (والأمة تقتل بالأمة، كما يقتل العبد بالعبد، والقصاص يكون
بين النساء) سواء كانت حرة أو أمة (كما يكون بين الرجال) لأن عموم قوله
عز اسمه: ﴿وَالْأُنثَى بِالْأُنْقَ﴾ يشمل الحرة والأمة.
(والقصاص أيضاً يكون بين الرجال والنساء) فيقتل الرجل بالأنثى وكذا
العكس (وذلك) أي دليل ذلك الذي ذكرنا أن القصاص يكون بين الرجال
والنساء (أن الله تبارك وتعالى قال في كتابه) في سورة المائدة (٢): (﴿وَكَتَبْنَا﴾)
أي فرضنا (﴿عَلَيِّهِمْ فِيهَا﴾) أي في التوراة، وهذا الحكم وإن كتب عليهم في
التوراة، فإنه مستمر في شريعتنا أيضاً لما ذهب إليه الجمهور من الفقهاء
والأصوليين، أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا حكى متقرراً ولم ينسخ،
وقد احتجّ الأئمة كلهم بهذه الآية على أن الرجل يقتل بالمرأة، قاله
(١) سورة البقرة: الآية ١٧٨.
(٢) سورة المائدة: الآية ٤٥.
١١٠

٤١ - كتاب العقول
(٢١) باب
أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ
وَأَلْسِنَّ بِلِسِنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾، فَذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ. فَنَفْسُ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ بِنَفْسِ الرَّجُلِ الْحُرِّ. وَجُرْحُهَا بِجُرْحِهِ.
الزرقاني(١) (﴿أَنَّ النَّفْسَ﴾) تقتل (﴿بِالنَّفْسِ﴾) إذا قتلها عمداً بغير حق
(﴿﴿وَأَلْعَيْنَ﴾) بالنصب والرفع قراءتان وهكذا في الجمل الآتية تفقأ
(﴿يِاَلْعَيْنِ وَالْأَنْفَ﴾) يجدع (﴿بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ﴾) تقطع (﴿بِاَلْأُذُنِ وَاُلِسِنَّ﴾)
تقلع (﴿يِأَلْسِنِّ وَاَلْجُرُوحَ﴾) كلها (﴿قِصَاصٌ﴾) أي يقتص منها إذا أمكن كيدٍ
ورِجْل وغيرهما على التفاصيل المذكورة في كتب الفقه.
ثم ذكر الإمام مالك مستدله بعد ذكر الآية الشريفة فقال: (فذكر الله
تبارك وتعالى) في الآية المذكورة (أن النفس بالنفس) بالإطلاق ولم يقيده
بالذكر، فعمومه يشمل الذكر والأنثى (فنفس المرأة الحرة) تؤخذ هذا على
سياق النسخ المصرية، وفي الهندية بلفظ: فتقتل المرأة الحرة بدل فنفس
المرأة، فلا حاجة إلى تقدير المحذوف والأوجه الأول؛ لقوله: وجرحها
بجرحه (بنفس الرجل الحر و)كذلك (جرحها) أي جرح المرأة يقتصر
(بجرحه) أي بجرح الرجل.
قال الباجي (٢): قوله: والقصاص يكون بين الرجال والنساء، يريد أن
الرجل يقتل بالمرأة والمرأة بالرجل، وعليه جمهور الفقهاء، وروي عن الحسن
البصري لا يقتل الرجل بالمرأة، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وَكَبَّنَا
عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(٣) الآية.
ثم قال في آخر الآيات: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾ والظاهر أنه
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٤/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٣١/٧).
(٣) سورة المائدة: الآية ٤٥.
١١١

٤١ - كتاب العقول
(٢١) باب
راجع إلى جميع ما تقدم مما ذكر أن الله تعالى أنزله، وقوله: وجرحها بجرحه،
يريد أن القصاص يجري بينهما في الأطراف، وهو قول مالك وجمهور الفقهاء؛
لقوله تعالى: ﴿وَاَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية، ولم يفرق فيها، اهـ
قال الموفق(١): كل شخصين جرى بينهما القصاص في النفس جرى
القصاص بينهما في الأطراف، فيقطع الحر المسلم بالحر المسلم والعبد بالعبد
والذكر بالأنثى والأنثى بالذكر، ويقطع الناقص بالكامل، كالعبد بالحر، والكافر
بالمسلم، ومن لا يقتل بقتله لا يقطع طرفه بطرفه، فلا يقطع مسلم بكافر ولا
حر بعبد، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وإسحق، وقال أبو حنيفة: لا
قصاص في الطرف بين مختلفي البدل، فلا يقطع الكامل بالناقص، ولا الناقص
بالكامل، ولا الرجل بالمرأة، ولا المرأة بالرجل، ولا الحر بالعبد، ولا العبد
بالحر، ويقطع المسلم بالكافر، والكافر بالمسلم؛ لأن التكافؤ معتبر في
الأطراف، بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلّاء، ولا الكاملة بالناقصة، فكذا
لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المرأة ولا طرفها بطرفه، كما لا يؤخذ اليسرى
باليمنى، ولنا، أن من جرى بينهما القصاص في النفس جرى في الطرف
کالحرین، اهـ.
واستدل الفقهاء بهذه الآيات على القصاص بين الرجال والنساء، وأخرج
البيهقي في ((سننه))(٢) بسنده إلى الزهري، قال: قال الله عز وجل: ﴿يَّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية كلها، ثم قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ﴾ الآية كلها، قال ابن شهاب: فلما نزلت هذه الآية أقيدت المرأة من
الرجل وفيما يعمد من الجراح.
(١) ((المغني)) (١١/ ٥٠١).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٢٧/٨).
١١٢

٤١ - كتاب العقول
(٢١) باب
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُمْسِكُ الرَّجُلَ لِلرَّجُلِ فَيَضْرِبُهُ فَيَمُوتُ
مَكَانَهُ: إِنَّهُ، إِنْ أَمْسَكَهُ،
وأخرج أيضاً في موضع آخر عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الْخُّ بِالْخُرُّ﴾
الآية، قال: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل،
والمرأة بالمرأة، فأنزل الله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ قال: فجعل الأحرار في
القصاص سواء فيما بينهم في العمد رجالهم ونساؤهم في النفس، وفيما دون
النفس، وجعل العبيد مستويين فيما بينهم في العمد في النفس، وفيما دون
النفس رجالهم ونساؤهم(١)، اهـ.
قلت: وتقدم في باب جراح العبيد أن ذلك مذهب جمهور العلماء، منهم
الأئمة الأربعة، وكان في ذلك شيء من الخلاف في السلف، وفي رواية
لأحمد وللجمهور قوله ◌َّله في كتاب عمرو بن حزم إلى أهل اليمن: ((إن الرجل
يقتل بالمرأة)).
قال الزرقاني(٢): واحتج أبو حنيفة بعموم هذه الآية على قتل المسلم
بالكافر الذمي وعلى قتل الحر بالعبد، وخالفه الجمهور لحديث الصحيحين،
((لا يقتل مسلم بكافر))، وحكى الإمام الشافعي الإجماع على خلاف قول
الحنفية في ذلك، قال ابن كثير: لكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل
مخصص للآية، قال الزرقاني: والدليل هو الحديث المذكور، اهـ.
قلت: وتقدم اختلاف العلماء في قتل المسلم بالكافر في باب دية أهل
الذمة وأما قتل الحر بالعبد فسيأتي قريباً .
(قال مالك في الرجل) أي زيد مثلاً (يمسك الرجل) الآخر أي عمراً مثلاً
(للرجل) الثالث أي بكر (فيضربه) أي يضرب بكر عمراً (فيموت) عمرو (مكانه)
أي في هذا المحل، فقال مالك في هذه الصورة: (إنه إن أمسكه) أي أمسك
(١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤٠/٨).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٤/٤).
١١٣

٤١ - كتاب العقول
(٢١) باب
وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ قُتِلَا بِهِ جَمِيَعاً. وَإِنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا
يُرِيدُ الضَّرْبَ مِمَّا يَضْرِبُ بِهِ النَّاسُ، لَا يُرَى أَنَّهُ عَمَدَ لِقَتْلِهِ، فَإِنَّهُ
يُقْتَلُ الْقَاتِلُ. وَيُعَاقَبُ الْمُمْسِكُ أَشَدَّ الْعُقُوبَةِ. وَيُسْجَنُ سَنَةً. لِأَنَّهُ
أَمْسَكَهُ. وَلا يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَبْلُ.
زيد عمراً (وهو) أي زيد (يرى) ويعلم (أنه) أي بكر (يريد قتله) أي قتل عمرو
(قتلا به) ببناء المجهول أي قتل زيد وبكر (جميعاً) في قصاص عمرو.
(وإن أمسكه) أي أمسك زيد عمراً (وهو) أي زيد (يرى) ويعتقد (أنه إنما
يريد) بكر (الضرب) المعتاد (مما يضرب به الناس) عادة للتأديب وغيره و(لا
يرى) زيد ذكره تأكيداً لما سبق (أنه) أي بكر (عمد) بفتحتين أي قصد (لقتله) أي
قتل عمرو (فإنه) حينئذ (يقتل) ببناء المجهول (القاتل) أي بكر فقط (ويعاقب)
ببناء المجهول (الممسك) زيد (أشد العقوبة) يجلد بأسواط كثيرة (ويسجن) ببناء
المجهول أي يحبس بعد العقوبة (سنة) كاملة (لأنه أمسكه) حتى قتل (ولا يكون
عليه) أي على زيد (القتل) في هذه الصورة؛ لأنه لم ير أن بكراً يقتل عمراً.
قال الباجي(١): وهذا على ما قال مالك: إن أمسك الرجل لمن قتله،
وهو يرى أنه يريد قتله أن على القاتل والممسك القتل، وقال أبو حنيفة
والشافعي: لا يقتل الممسك، والدليل على ما نقوله أنه أمسكه ظلماً لما يعلم
أنه قاتله، فأشبه إذا أمسكه لسبع حتى أكله أو في نار حتى أحرقته، وقوله: لو
حبسه وهو يرى أنه إنما يريد الضرب، يريد - والله أعلم - الضرب المعتاد على
وجه الأدب الذي لا يخاف منه الموت، فقد قال مالك: يعاقب الممسك أشد
العقوبة ويسجن سنةً، ولم ينص في الكتاب على معنى العقوبة، وقد روي عن
ابن نافع: يجلد بقدر ما يرى السلطان من ذنبه، وما يستريب من أمره، وناحية
صاحبه الذي حبسه، وقال عيسى بن دينار: يجلد مائة فقط، قال ابن مزين:
(أ) («المنتقى)) (١٣١/٧).
١١٤

٤١ - كتاب العقول
(٢١) باب
القول ما قال ابن نافع، لأنه ضرب من لم يتهم بمعنى لو ثبت لوجب قتله،
وإنما هو عقوبة لإمساكه ظالماً، فلم يتقدر بقدر لا يزاد عليه ولا ينقض منه،
وإنما هو بحسب ما اعتقده في إمساكه وانتهى إليه ظلمه فيه، اهـ.
وقال الموفق(١) فيمن أمسك رجلاً، وقتله الآخر: لا خلاف في أن
القاتل يقتل، وأما الممسك فإن لم يعلم أن القاتل يقتله، فلا شيء عليه؛ لأنه
متسبب والقاتل مباشر، فسقط حكم المتسبب به، وإن أمسكه له ليقتله، مثل أن
ضبطه له حتى ذبحه، فاختلفت الرواية فيه عن أحمد، فروي عنه أنه يحبس
حتى يموت. وهذا قول عطاء وربيعة، وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه -،
وروي عن أحمد أنه يقتل أيضاً، وهو قول مالك، وقال سليمان بن موسى:
الاجتماعُ فينا أن يُقْتَلا؛ لأنه لو لم يمسكه، ما قدر على قتله، وبإمساكه تمكن
من قتله، فالقتل حاصل بفعلهما، فيكونان شريكين فيه، فيجب عليهما
القصاص.
وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر: يعاقب ويأثم ولا يقتل؛
لأن النبي وَ ل﴿ قال: ((إنّ أعتى الناس على الله، من قتل غير قاتله))(٢) والممسك
غير قاتل، ولأن الإمساك سبب غير ملجئ، فإذا اجتمعت معه المباشرة، كان
الضمان على المباشر، ولنا، ما رواه الدار قطني(٣) بإسناده عن ابن عمر أن
النبي وَ ل﴿ل قال: ((إذا أمسك الرجل، وقتله الآخر، يقتل الذي قتل، ويحبس
الذي أمسك))، ولأنه حبسه إلى الموت، فيحبس الآخر إلى الموت، كما لو
حبسه عن الطعام والشراب حتى مات، فإنا نفعل به ذلك حتى يموت، اهـ.
(١) ((المغني)) (١١ /٥٩٦).
(٢) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٤١٨٧/٢، ٣٢).
(٣) ((سنن الدارقطني)) (١٤٠/٣).
١١٥

٤١ - كتاب العقول
(٢١) باب
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ عَمْداً. أَوْ يَفْقَأُ عَيْنَهُ عَمْداً.
فَيُقْتَلُ الْقَاتِلُ أَوْ تُفْقَأُ عَيْنُ الْفَاقِئِّ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ
دِيَةٌ وَلَا قِصَاصٌ. وَإِنَّمَا كَانَ حَقُّ الَّذِي قُتِلَ أَوْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ في
الشَّيْءِ، بِالَّذِي ذَهَبَ وَإِنَّمَا ذُلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ عَمْداً. ثُمَّ
يَمُوتُ الْقَاتِلُ. فَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الدَّم، إِذَا مَاتَ الْقَاتِلُ شَيْءٌ. دِيَّةٌ
وَلَا غَيْرُهَا. وَذُلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى
الْقَتْلِ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَاَلْعَبْدُ بِلْعَبْدِ﴾ .
(قال مالك في الرجل) أي زيد مثلاً (يقتل الرجل) عمراً مثلاً (عمداً أو يفقأ) زيد
(عينه) أي عين عمرو (عمداً) قصداً (فيقتل) ببناء المجهول (القاتل) زيد بسبب آخر
قبل القصاص (أو يفقأ) ببناء المجهول (عين الفاقئ) زيد بوجه آخر (قبل أن يقتص)
ببناء المجهول (منه) أي من زيد (إنه ليس عليه) أي على زيد (دية) لعمرو (ولا
قصاص) في قتله عمراً (وإنما كان حق الذي قتل) ببناء المجهول (أو فقئت) ببناء
المجهول (عينه)، يعني إنما كان حق عمرو بسبب قتله أو فقأ عينه (في الشيء الذي)
هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية، وهو أوضح معنى، فإن الشيء موصوف
والموصول صفته، والمراد بالشيء الذي ذهب ذات القاتل أو عين القاتل، ووقع في
نسخة الزرقاني فقط بلفظ ((بالذي)) بزيادة الباء على الموصول وشرحه بقوله: في الشيء
أي الدية أو القصاص بالذي الباء سببية أي بسبب الذي ذهب، اهـ. والأوضح الأول
وعليه سائر النسخ (ذهب) من زيد وهو ذاته في صورة قتله أو عينه في حال فقا عينه.
(وإنما ذلك) أي توضيح الصورة المذكورة ونظيرها (بمنزلة الرجل) زيد
(يقتل الرجل) عمراً (ثم يموت القاتل) زيد (فلا يكون لصاحب الدم) أي لأولياء
عمرو (إذا مات القاتل) زيد (شيء) على زيد لا (دية ولا غيرها) تأكيد لقوله:
شيء وبيان له (وذلك) أي دليل ذلك (لقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾﴾ أي
فرض عليكم (﴿اَلْقِصَاصُ فِ الْقَتْلِ﴾) جمع قتيل (﴿ الُّْ بِالْخُ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى
بِآلْأُنثَىَ ﴾) فعلم من الآية الشريفة أن الفاعل مأخوذ بفعله.
١١٦

٤١ - كتاب العقول
(٢١) باب
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي قَتَلَهُ.
وَإِذَا هَلَكَ قَاتِلُهُ الَّذِي قَتَلَهُ، فَلَيْسَ لَهُ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ.
(قال مالك) في توضيح الاستدلال: (فإنما يكون له) أي لعمرو (القصاص
على صاحبه الذي قتله) وهو زيد (فإذا هلك قاتله) زيد (الذي قتله) أي قتل عمراً
(فليس له) أي لعمروٍ (قصاص) لعدم إمكانه بموت زيد، قال صاحب
((المحلى)): وبه قال أبو حنيفة والشافعي: إنه يسقط القود بموت القاتل، اهـ.
(ولا دية) في ماله لموته.
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: لأن حق المقتول متعلق بنفس
القاتل، فإذا تلف بأمر السماء أو بقتل غيره له في القصاص أو غيره بطل حقه؛
لأن ما تعلق به حقه قد عدم، فلا سبيل إلى القصاص لعدم محله، ولا إلى
الدية؛ لأن الدية إنما هي عند من يرى التخيير بين القصاص والدية لاستيفاء
النفس، فإذا لم تكن هناك نفس تستبقى ببذل الدية لم يكن سبيل إلى الدية،
وكذلك لو فقأ عين رجل أو أعين جماعة أو قطع أنامل جماعة، ثم قام رجل
منهم فاقتص منه بقطع يمينه، ثم قام غيره ببينة أو بإقراره فلا شيء عليه؛ لأن
محل حقه قد ذهب، وكذلك لو ذهبت عينه أو يمينه بأمر من السماء. قاله
مالك من رواية ابن القاسم وغيره، ووجه ذلك ما قدمناه من أن ما تعلق به
حقهم قد تلف، فبطل حقهم لعدمه، اهـ.
وفي ((الشرح الكبير)) لابن قدامة: إن مات القاتل وجبت الدية في تركته؛
لأنه تعذر استيفاء القصاص من غير إسقاط، فوجبت الدية، كقتل غير المكافئ،
وإن لم يخلف تركة، سقط الحق لتعذر استيفائه، اهـ.
قال الموفق (٢): إذا قتل القاتل غير ولي الدم، فعلى قاتله القصاص،
(١) ((المنتقى)) (١٢٢/٧).
(٢) («المغني)) (٤٨٠/١١).
١١٧

٤١ - كتاب العقول
(٢١) باب
ولورثة الأول الدية في تركة الجاني الأول، وبهذا قال الشافعي، وقال الحسن
ومالك: يقتل قاتله، ويبطل دم الأول؛ لأنه فات محله، وروي عن قتادة وأبي
هاشم: لا قود على الثاني؛ لأنه قتل مباح الدم، فلم يجب بقتله قصاص، ولنا
على وجوب القصاص على قاتله، أنه محل لم يتحتم قتله، ولم يبح لغير ولي
الدم قتله، فوجب القصاص بقتله، ولنا على وجوب الدية في تركة الجاني
الأول، أن القصاص إذا تعذر وجبت الدية، كما لو مات أو عفا عنه بعض
الشركاء أو حدث مانع، وإن مات القاتل عمداً وجبت الدية في تركته، وبهذا
قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط حق ولي الجناية، اهـ.
ثم قال(١): إذا قتل رجل اثنين، فاتفق أولياؤهما على قتله بهما، قُتِل
بهما، وإن أراد أحدهما القود والآخر الديةَ قُتِلَ لمن أراد القود، وأعطي لأولياء
الثاني الدية من ماله، سواء كان المختار للقود الثاني أو الأول، وسواء قتلهما
دفعة واحدة أو دفعتين، فإن بادر أحدهما فقتله، وجب للآخر الدية في ماله أيهما
كان، وقال أبو حنيفة ومالك: يقتل بالجماعة، ليس لهم إلا ذلك، فإن طلب
بعضهم الدية فليس له، وإن بادر أحدهم فقتل سقط حق الباقين؛ لأن الجماعة لو
قتلوا واحداً قتلوا به، فكذلك إذا قتلهم واحد قتل بهم، وقال الشافعي: لا يقتل
إلا بواحد، سواء اتفقوا على طلب القصاص أو لم يتفقوا؛ لأنه إذا كان لكل
واحد استيفاء القصاص، فاشتراكهم في المطالبة لا يوجب تداخل حقوقهم.
ثم قال: وإن قطع يُمْنَى رجلين فالحكم فيه كالحكم في الأنفس على ما
ذكرنا من التفصيل والاختلاف، إلا أن أصحاب الرأي قالوا: يقاد لهما جميعاً
ويغرم لهما دية اليد في ماله نصفين، وهذا لا يصح؛ لأنه يفضي إلى إيجاب
القود في بعض العضو والدية في بعضه، والجمع بين البدل والمبدل في محل
واحد لم يرد الشرع به، اهـ.
(١) ((المغني)) (٥٢٦/١١).
١١٨

٤١ - كتاب العقول
(٢١) باب
قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ قَوَدٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْجِرَاحِ.
وفي ((الهداية))(١): إذا قتل واحد جماعة، فحضر أولياء المقتول قتل
لجماعتهم، ولا شيء لهم غير ذلك، فإن حضر واحد منهم قتل له وسقط حق
الباقين، وقال الشافعي: يقتل بالأول منهم، ويجب للباقين المال، وإن اجتمعوا ولم
يعرف الأول قتل لهم وقسمت الديات بينهم، وقيل: يقرع بينهم فيقتل لمن خرجت
قرعته، ومن وجب عليه القصاص إذا مات سقط القصاص لفوات محل الاستيفاء،
فأشبه موت العبد الجاني، ويتأتى فيه خلاف الشافعي إذ الواجب أحدهما عنده، اهـ.
يعني لما كان الواجب عند الشافعي أحد الشيئين من القصاص والدية،
فإذا فات أحدهما وهو القصاص بقي الثاني وهو الدية، بخلاف الحنفية ومن
وافقهم، فإن الواجب عندهم القصاص لا غير، فإذا فات محله فات القصاص
وبدله، قال ابن عابدين: يسقط القود بموت القاتل، ولا يجب للولي شيء من
التركة، وكذا يسقط فيما دون النفس كما هو ظاهر، اهـ.
(قال مالك: وليس بين العبد والحر قود) أي قصاص (في شيء من
الجراح) أي في الأطراف، قال الباجي(٢): وذلك على وجهين: أحدهما:
يجني الحر على العبد، فإنه لا يقتص له منه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي،
ووجهه أن نقص دية العبد عن دية الحر يمنع أن يقتص له منه، وإنما عليه قيمته
إن قتله، أو قيمة ما جنى عليه، وإن جنى العبد على الحر ففقأ عينه أو قطع
يده، فالمشهور من مذهب مالك أنه لا قصاص بينهما. ثم قال بعد ذكر
الأقوال: والصحيح أن يقاد منه، وجه القول الأول نقص يد العبد عن يد الحر
فلم يقد منها كاليد الشلّاء لا تقطع بالصحيحة، ووجه القول الثاني أن كل
شخصين جرى بينهما القصاص في الأنفس، فإنه يجري بينهما القصاص في
الأطراف كالحرين، اهـ.
(١) (٤٥٢/٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٢٢/٧).
١١٩

٤١ - كتاب العقول
(٢١) باب
وَالْعَبْدُ يُقْتَلُ بِالْحُرِّ إِذَا قَتَلَهُ عَمْداً. وَلَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَإِنْ قَتَلَهُ
عَمْداً، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ.
وقال الموفق(١): لا يقطع طرف الحر بطرف العبد بغير خلاف علمناه
بينهم، اهـ. وتقدم في القصاص في القتل ما قال: إنه يقطع الناقص بالكامل
كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم، ومن لا يقتل بقتله لا يقطع طرفه بطرفه، فلا
يقطع مسلم بكافر، ولا حر بعبد، وبهذا قال مالك والثوري والشافعي وأبو ثور
وإسحاق وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: لا قصاص في الطرف بين مختلفي
البدل، فلا يقطع الكامل بالناقص، ولا الناقص بالكامل، ولا الرجل بالمرأة،
ولا المرأة بالرجل، ولا الحر بالعبد، ولا العبد بالحر إلى آخر ما تقدم من
کلا مه .
(والعبد يقتل) ببناء المجهول (بالحر إذا قتله عمداً) أي إذا قتل العبد حراً
بالعمد يقتل العبد قصاصاً لقتل الأدنى بالأعلى، قال الموفق: يقتل العبد بالحر
ويقتل بسيده؛ لأنه إذا قتل بمثله فيمن هو أكمل منه أولى مع عموم النصوص
الواردة في ذلك.
(ولا يقتل) ببناء المجهول (الحر بالعبد وإن) وصلية (قتله عمداً) أي قتل
الحر عبداً عمداً (وهذا) الذي ذكرته من عدم قتل الحر بالعبد (أحسن ما
سمعت) من الأقاويل (في ذلك) وعلى هذا، فيكون على الحر قيمة العبد،
سواء قتله عمداً أو خطأ، قال الباجي: قوله: يقتل العبد بالحر، ولا يقتل الحر
بالعبد على ما قاله، لأن الأدون يُقْتَلُ بالأعلى، ولا يقتل به الأعلى، وبهذا قال
الشافعي، وقال أبو حنيفة: يقتل الحر بالعبد ولا يقتل بعبده، اهـ.
قال الموفق(٢): لا يقتل حر بعبد، رُوي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي
(١) ((المغني)) (٤٧٥/١١).
(٢) ((المغني)) (٤٧٣/١١).
١٢٠