Indexed OCR Text
Pages 61-80
٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حدیث إِلَّا أَنْ تَرْمَحَ الدَّابَةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا شَيْءٌ تَرْمَحُ لَهُ. وَقَدْ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الَّذِي أَجْرَى فَرَسَهُ بِالْعَقْلِ. قَالَ مَالِكٌ: فَالْقَائِدُ وَالرَّاكِبُ وَالسَّائِقُ أَحْرَى، أَنْ يَغْرَمُوا، مِنَ الَّذِي أَجْرَى فَرَسَهُ. تطؤه، فإن ذلك من فعل القائد والسائق؛ لأنه مقتضى السوق والقود، ولا صنع للراكب في ذلك إذا كان ممسكاً، فإن شاركهما بركض أو زجر أو ضرب أو إشارة كان شريكهما في الجناية. (إلا أن ترمح) بفتح المثناة الفوقية وضم الميم على ما ضبطه الزرقاني، وفتح الميم على ما في ((المحلى))، قال: وفي ((القاموس)): رمحه الفرس كمنعه رفسه، أي ركضه برجله، اهـ. (الدابة من غير أن يفعل) ببناء المجهول (بها) أي بالدابة (شيء ترمح له) فلا ضمان حينئذ (وقد قضى) أي حكم (عمر بن الخطاب في) الرجل (الذي أجرى فرسه) فوطئ على أصبع رجل من جهينة (بالعقل) أي بالدية متعلق بقوله: قضى، وتقدم ذلك في أول دية الخطأ في القتل. (قال مالك: فالقائد والسائق والراكب أحرى) بالحاء المهملة، أي أولى وأجدر (أن يغرموا) ببناء الفاعل أي يؤدوا الغرامة، ويقضى عليهم بالدية (من الذي أجرى فرسه) قال الزرقاني(١): لأنه إذا أجراها لا يستطيع غالباً منعها بخلافهم، قال صاحب ((المحلى)): لا خلاف بين الأئمة الأربعة أنه يضمن الراكب والسائق والقائد ما وطئت دابته، فتلفت نفساً أو مالاً، ولو بالت أو راثت فتلف به نفس، أو مال، لا يضمن، وأما ما نفحت برجلها أو ذنبها، فلا يضمن عند أبي حنيفة وأحمد في رواية، وهو الظاهر من قول مالك. وقال الشافعي وأحمد في رواية: يضمن، والرديف كالراكب عند أبي حنيفة ومالك، وقال الشافعي وإسحاق: لا يضمن الرديف، وذكر بعضهم أنه (١) ((شرح الزرقاني)) (١٩٩/٤). ٦١ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث قال أبو حنيفة: يضمن صاحبها ما أتلفته بيدها، فأما ما أتلفته برجلها، فإن كان بوطئها جميعاً ضمن الراكب، وإن رمحت برجلها فإن كانت بموضع مأذون فيه شرعاً، كالتي في الطريق والوقوف في ملك الراكب، أو سوق الدواب، لم يضمن، فإن كان بموضع ليس بمأذون فيه كالوقوف على الدابة في الطريق والدخول في دار إنسان بغير إذنه، ضمن. وقال مالك: يدها ورجلها سواء، فلا ضمان في شيء من ذلك، إذا لم يكن من جهة راكبها أو سائقها أو قائدها، وقال الشافعي: يضمن ما جنت بفمها ويدها ورجلها وذنبها سواء، كما في راكبها وسائقها بسبب(١) من ذلك أو لم يكن، وقال أحمد: ما أتلفت برجلها، وصاحبها عليها، فلا ضمان عليه فيه، وما جنت بفمها أو يدها، ففيه الضمان، اهـ. قال الموفق(٢): ما جنت الدابة بيدها ضَمِنَ راكبُها ما أصابت من نفس أو جرح أو مال، وكذلك إن قادها أو ساقها، وهذا قول شريح وأبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: لا ضمان عليه؛ لقول النبي ◌َّل: (العجماء جبار))، ولنا، قول النبي ◌ّ: ((الرجل جبار))، وتخصيص الرجل بكونه جباراً دليل على وجوب الضمان في جناية غيرها، ولأنه يمكنه حفظها عن الجناية إذا كان راكبها أو يده عليها، بخلاف من لا يد له عليها، وحديثه محمول على من لا يد له عليها، وما جنت برجلها فلا ضمان عليه، وبهذا قال أبو حنيفة، وعن أحمد رواية أخرى أنه يضمنها، وهو قول شريح والشافعي؛ لأنه من جناية بهيمة، يده عليها فيضمنها، كجناية يده. ولنا، قول النبي وَ له: ((الرجل جبار)) (٣) ولا يمكنه حفظ رجلها عن (١) كذا في الأصل، والمعنى ظاهر. ((ش)). (٢) ((المغني)) (٥٤٣/١٢). (٣) أخرجه أبو داود في الديات، ح (٤٥٩٢) وانظر ((التمهيد)) (١٩/٧ - ٣٥). ٦٢ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَحْفِرُ الْبِثْرَ عَلَى الطَّرِيقِ، أَوْ يَرْبِطُ الدَّابَّةَ، أَوْ يَصْنَعُ الجناية فلم يضمنها، كما لو لم تكن يده عليها، فأما إن كانت جنايتها بفعله، مثل أن كبحها بلجامها أو ضربها ونحو ذلك، ضمن جناية رجلها؛ لأنه السبب في جنايتها، فكان ضمانها عليه، اهـ. قلت: ما حكي من خلاف الإمام مالك في ذلك يخالفه ما تقدم من كلام ((الموطأ)» ووافقه الزرقاني والباجي ولم يحكيا فيه خلاف مسلكهم، وحكى صاحب ((المحلى)) اتفاق الأئمة الأربعة على ذلك، ويؤيده ما في ((البداية)) ومن أنواع الخطأ المختلف فيه اختلافهم في تضمين الراكب والسائق والقائد، فقال الجمهور: هم ضامنون لما أصابت الدابة، واحتجوا في ذلك بقضاء عمر - رضي الله عنه - على الذي أجرى فرسه فوطئ آخر بالعقل، وقال أهل الظاهر: لا ضمان على أحد في جرح العجماء، واعتمدوا الأثر الثابت فيه عن النبي 18 من حديث أبي هريرة أنه قال الر: ((جرح العجماء جبار))، فحمل الجمهور الحديث على أنه إذا لم يكن للدابة راكب، ولا سائق، ولا قائد. واختلف الجمهور فيما أصابت الدابة برجلها، فقال مالك: لا شيء فيه إن لم يفعل صاحبها شيئاً يبعثها به على أن ترمح برجلها، وقال الشافعي: يضمن الراكب ما أصابت بيدها أو رجلها. وبه قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى، وسوّيا بين الضمان برجلها أو بغير رجلها، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه استثنى الرمحة بالرجل أو بالذنب، وربما احتج من لم يضمن رجل الدابة بما روي عنه وّير (الرجل جبار)) ولم يصح هذا الحديث عند الشافعي وردّه، اهـ. (قال مالك: والأمر) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (المجتمع عليه) وليس هذا اللفظ في النسخ المصرية (عندنا في الذي يحفر) بكسر الفاء (البئر على الطريق) أي بممر الناس (أو يربط الدابة) على الطريق (أو يصنع) أموراً أخر ٦٣ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث أَشْبَاهَ هُذَا عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ. أَنَّ مَا صَنَعَ مِنْ ذُلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْنَعَهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أُصِيبَ فِي ذُلِكَ مِنْ جَرْحٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَمَا كَانَ مِنْ ذُلِكَ عَقْلُهُ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَهُوَ فِي مَالِهِ خَاصَّةً. وَمَا بَلَغَ الثُّلُثَ فَصَاعِداً، فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَمَا صَنَعَ مِنْ ذُلِكَ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْنَعَهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا غُرْمَ. وَمِنْ ذُلِكَ، الْبِثْرُ يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ لِلْمَطَرِ. وَالدَّابَّةُ، يَنْزِلُ عَنْهَا الرَّجُلِ (أشباه هذا) أي أمثال ذلك (على طريق المسلمين) فقال مالك في الأمور المذكورة: (إن ما صنع) أحد (من ذلك) الذي ذكر (مما لا يجوز له أن يضعه على طريق المسلمين) مثلاً يصنع هذه الأمور في الطريق الضيقة (فهو ضامن لما أصيب) أحد (في ذلك من جرح أو غيره) قال صاحب ((المحلى)): وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يضمن إن لم يأذن الإمام. (فما كان من ذلك عقله دون ثلث الدية، فهو في ماله خاصة) لا يتحمله العاقلة (وما بلغ) عقله (الثلث) بالنصب (فصاعداً) أي أكثر من الثلث (فهو على العاقلة) وهذا بناء على مختار الإمام مالك وأحمد ومن وافقهما، أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، وقال أبو حنيفة: يتحمل العاقلة أرش الموضحة لا ما دونه، وقال الشافعي: تحمل القليل، وتقدم الكلام على ذلك قريباً في ((ما يوجب العقل على الرجل في خاصة ماله)). (و) إن كان (ما صنع من ذلك) الذي ذكر من الأمور (مما) أي من الأمر الذي (يجوز له أن يصنعه على طريق المسلمين) مثلاً يصنع هذه الأمور المذكورة في الطريق الواسعة (فلا ضمان عليه فيه ولا غرم) - بضم الغين - هو المال الذي يلزم الرجل أداءه. (ومن ذلك) مثال للأمر الذي يجوز له أن يصنعه (البئر يحفرها الرجل للمطر) أي ليجمع فيها ماء المطر (و) من ذلك (الدابة) مثلاً (ينزل عنها الرجل ٦٤ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث لِلْحَاجَةِ. فَيَقِفُهَا عَلَى الطَّرِيقِ. فَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي هُذَا غُرْمٌ. للحاجة) اليسيرة (فيقفها على الطريق، فليس على أحد في هذا غرم) قال الزرقاني: لا على الرجل، ولا على بيت المال، ولا غيرهما، اهـ. قال صاحب ((المحلى)): وبه قال الشافعي في ((المنهاج))، فإن حفر لمصلحة عامة كالحفر للاستقاء أو لجمع ماء المطر، فلا ضمان فيه في الأظهر، اهـ. قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن كل ما صنعه الإنسان مما هذا سبيله ينقسم على قسمين، أحدهما: ما هو ممنوع منه مثل أن يحفر بئراً على الطريق لغير غرض مباح، فإنه يضمن ما أصيب به، أو يحفر في ملكه أو ملك غيره ليتلف به سارقاً، فقد روى ابن وهب عن مالك يضمن السارق وغيره، وكذلك لو حدد قصباً أو عيداناً يجعلها في بابه ليدخل في رجل الداخل في حائطه من سارق أو غيره فإنه يضمن، وكذلك من جعل على حائطه شوكاً يستضرّ بها من يدخل أو رش فناءه ليذلق من يمر به من إنسان أو غيره، فهذا يضمن؛ لأنه متعد في هذا كله، وكذلك من اتخذ كلباً لداره ليعقر من دخلها أو في غنمه ليعدو من أرادها، فإنه يضمن. أما من عمل من ذلك ما يجوز له قال ابن القاسم: من بئر حفرها للمطر أو مرحاض يحفره إلى جانب حائطه، قال أشهب: ما لم تضر البئر أو المرحاض بالطريق أو يرش فناءه تبرداً وتنظيفاً، فيزلق به أحد فيهلك، أو ارتبط كلباً في داره للصيد أو في غنمه للسباع فعقرت، فلا ضمان عليه، وأصل ذلك أن ما كان على الوجه المباح فلا ضمان فيه، وما كان غير مباح، فهو يضمن ما تلف به، انتهى مختصراً . وتقدم في أول الباب ما قال الموفق في مسألة البئر، من أنه يجب الضمان بالسبب كما يجب بالمباشرة، فإذا حفر بئراً في طريق لغير مصلحة (١) ((المنتقى)) (١١٠/٧). ٦٥ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث المسلمين، أو وضع في ذلك حجراً، أو صب فيه ماء، أو وضع فيه قشر بطيخ، أو نحوه، وهلك فيه إنسان أو دابة، ضمنه، وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق، ثم قال: وإن حفر بئراً في ملكه أو في ملك غيره بإذنه، فلا ضمان عليه؛ لأنه غير متعد بحفرها، وإن حفرها في موات لم يضمن؛ لأنه غير متعد بحفرها . وكذلك إن وضع حجراً أو نصب شركاً أو شبكة ليصيد بها، وإن فعل شيئاً من ذلك في طريق ضيق، فعليه ضمان من هلك به؛ لأنه متعد، سواء أذن الإمام فيه أو لم يأذن، فإنه ليس للإمام الإذن فيما يضر بالمسلمين، وإن كان الطريق واسعاً فحفر في مكان منها ما يضر بالمسلمين، فعليه الضمان، وإن حفر في موضع لا ضرر فيه نظرنا، فإن حفرها لنفسه ضمن ما تلف بها، سواء حفرها بإذن الإمام أو بغير إذنه، وقال أصحاب الشافعي: إن حفرها بإذن الإمام لم يضمن؛ لأن للإمام أن يأذن في الانتفاع بما لا ضرر فيه. ولنا، أنه تلف بحفر حفره في حق مشترك بغير إذن أهله لغير مصلحتهم فضمن، ولا نسلم أن للإمام أن يأذن في هذا، وإنما يأذن في القعود؛ لأن ذلك لا يدوم، وتمكن إزالته في الحال، وإن حفر بئراً لنفع المسلمين، مثل أن يحفره لينزل فيه ماء المطر من الطريق، أو لتشرب منه المارة، فلا ضمان عليه، لأنه محسن بفعله غير متعد، وذكر بعض أصحابنا أنه لا يضمن إذا كان بإذن الإمام، وإن كان بغير إذنه، ففيه روايتان؛ إحداهما: لا يضمن، والثانية: يضمن، ولم يذكر القاضي سوى هذه الرواية، والصحيح الأول؛ لأن هذا ما تدعو الحاجة إليه، ويشق استئذان الإمام فيه، وتعم به البلوى، ففي وجوب استئذان الإمام فيه تفويت لهذه المصلحة العامة، اهـ. وفي ((الهداية))(١): من حفر بئراً في طريق المسلمين، أو وضع حجراً (١) (٤٧٤/٢). ٦٦ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث وقَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَنْزِلُ فِي الْبِثْرِ، فَيُدْرِكُهُ رَجُلٌ آخَرُ فِي أَثَرِهِ. فَيَجْبِذُ الْأَسْفَلُ الْأَعْلَى. فَيَخِرَّانِ فِي الْبِثْرِ. فَيَهْلِكَانِ جَمِيعاً: إِنَّ عَلَى عَاقِلَةِ الَّذِي جَبَذَهُ، الدِّيَةَ. فتلف بذلك إنسان، فديته على عاقلته، وإن تلفت بهيمة، فضمانها في ماله؛ لأنه متعدٍ فيه، فيضمن ما يتولد منه غير أن العاقلة تتحمل النفس دون المال، فكان ضمان البهيمة في ماله، وفي ((الجامع الصغير)): في البالوعة يحفرها الرجل في الطريق، فإن أمره السلطان بذلك لم يضمن؛ لأنه غير متعد حيث فعل ما فعل بأمر من له الولاية في حقوق العامة، وإن كان بغير أمره فهو متعد، وكذا إن حفر في ملكه لم يضمن؛ لأنه غير متعد، وكذا إذا حفر في فناء داره؛ لأن له ذلك لمصلحة داره والفناء في تصرفه، وقيل: هذا إذا كان الفناء مملوكاً له، أو كان حق الحفر فيه؛ لأنه غير متعدٍ أما إذا كان لجماعة المسلمين أو مشتركاً بأن كان في سكة غير نافذة، فإنه يضمنه؛ لأنه مسبب متعد وهذا صحيح، اهـ. (قال مالك في رجل ينزل في البئر) وفي الهندية: في بئرٍ بالتنكير (فيدركه) أي يتبعه (رجل آخر) أي ينزل بعده لضرورة (في أثره) بفتحتين أو بكسر فسكون أي عقبه (فيجبذ) بجيم فموحدة مكسورة فذال معجمة، قال الزرقاني: لغة صحيحة ليس مقلوب جذب (الأسفل) فاعل يجبذ، وهو النازل أولاً (الأعلى) مفعوله وهو النازل آخراً (فيخرَّان) بكسر الخاء المعجمة وشد الراء المهملة أي يسقطان (في البئر) كلاهما (فيهلكان جميعاً) فقال مالك في الصورة المذكورة: (إن على عاقلة الذي جبذه) وهو الأسفل الذي جبذ الأعلى (الدية) أي دية الأعلى لجبذه إياه، وأما دية الأسفل فهدر؛ لأنه هلك بفعل نفسه. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن على عاقلة الجابذ دية الأعلى؛ لأنه (١) ((المنتقى)) (١١١/٧). ٦٧ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الصَّبِيِّ يَأْمُرُهُ الرَّجُلُ يَنْزِلُ فِي الْبِثْرِ، أَوْ يَرْقَى النَّخْلَةِ، فَيَهْلِكُ فِي ذَلِكَ: إِنَّ مات بسبب جبذه، وأما دية الجابذ، فروى ابن المواز عن عيسى أن ديته هدر؛ لأنه قتل غيره وقتل نفسه، ومعنى ذلك أنه متعدٍ في جبذه له، ولو قاد بصير أعمى، فوقع البصير في بئر، ووقع عليه الأعمى، فمات البصير، روى ابن وهب عن مالك ديته على عاقلة الأعمى، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، ومعنى ذلك أن البصير لم يكن يجذب الأعمى، وإنما كان الأعمى يتبعه، وكان سقوطه عليه لا صنع فيه للبصير، وإنما هو من فعل الأعمى خاصة، اهـ. قال الموفق(١): إن سقط رجل في بئر فتعلق بآخر، فوقعا معاً، فدم الأول هدر؛ لأنه مات بفعله، وعلى عاقلته دية الثاني إن مات؛ لأنه قتله بجبذته، وقال في موضع آخر: إذا سقط رجل في بئر فسقط عليه آخر فقتله، فعليه ضمانه، وإن وقع خطأ، فالدية على عاقلته، وقد روى علي بن رباح اللخمي، أن رجلاً كان يقود أعمى فوقع في بئر؛ خَرَّ البصير، ووقع الأعمى فوق البصير، فقتله، فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى، فكان الأعمى ينشد في الموسم: يا أيها الناس لقيتُ منكراً هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا (٢) وهذا قول ابن الزبير وشريح والنخعي والشافعي وإسحاق، ولو قال قائل: ليس على الأعمى ضمان البصير؛ لأنه الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه لكان له وجه إلا أن يكون مجمعاً عليه، فلا تجوز مخالفة الإجماع. (قال مالك في الصبي يأمره الرجل) البالغ بأن (ينزل) الصبي (في البئر، أو) يأمره بأن (يرقى) أي يصعد (في النخلة) ففعل الصبي بأمره (فيهلك) الصبي (في ذلك) الذي فعله من نزول البئر أو الصعود على النخلة، فقال مالك: (إن) (١) ((المغني)) (٨٤/١٢). (٢) أخرجه الدارقطني في «سننه)) (٩٨/٣، ٩٩) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١١٢/٨). ٦٨ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث الَّذِي أَمَرَهُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَهُ مِنْ هَلَاكِ أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا. أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ عَقْلٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْقِلُوهُ مَعَ الْعَاقِلَةِ. فِيمَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ مِنَ الدِّيَاتِ. وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَقْلُ عَلَى مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ مِنَ الرِّجَالِ . الرجل (الذي أمره) أي أمر الصبي بفعل ذلك (ضامن لما أصابه) أي الصبي (من هلاك أو غيره) ككسر بعض أعضائه، قال الباجي(١): وهذا على ما قال: وذلك أنه إذا استعان صغيراً أو عبداً في شيء له بال، فهو ضامن لما أصابه، وذلك أنه أمره بغير إذن من له الإذن، أما العبد فيعتبر فيه إذن سيده، وأما الصبي فيعتبر فيه إذن أبيه إذا كان له أب، فقد قال ابن القاسم: فيمن كان له ولد يجري الخيل، فأمر له رجل يجري له فرسه، وأذن في ذلك أبوه، فوقع عنه فمات، لا شيء على الآمر إلا عتقُ رقبة، ورأي الأب كالعفو عن الدية، اهـ. وفي ((المحلى)) بعد قول المصنف: وهو قول أبي حنيفة، ففي ((الأشباه)) عن ((الخانية)): لو أمر صبياً بالوقوع عن شجرة فوقع، ضمن ديته، ولو أرسله في حاجة فعطب، ضمنه، وكذا لو أمره بصعود شجرة لنقض ثمارها له فوقع، وكذا لو أمره بكسر الحطب، اهـ. (قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أنه ليس على النساء والصبيان عقل) أي دية اسم ليس (يجب عليهم أن يعقلوه) أي يودوه (مع العاقلة فيما) أي في المواضع التي (تعقله العاقلة من الديات) بيان لما (وإنما يجب العقل على من بلغ الحلم) بضم الحاء مفعول بلغ (من الرجال) قال صاحب ((المحلى)): وبه قال أبو حنيفة والشافعي. ففي ((الهداية))(٢): ليس على النساء والذرية ممن كان له حظ في الديوان (١) ((المنتقى)) (١١٢/٧). (٢) (٥٠٨/٢). ٦٩ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حدیث وَقَالَ مَالِكٌ، فِي عَقْلِ الْمَوَالِي تُلْزَمُهُ الْعَاقِلَةُ إِنْ شَاؤُوا. وَإِنَّ أَبَوا كَانُوا أَهْلَ دِيوَانٍ أَوْ مُقْطَعِينَ عقل، لقول عمر - رضي الله عنه -: لا يعقل مع العاقلة صبي ولا امرأة، ولأن العقل إنما يجب على أهل النصرة لتركهم مراقبته، والناس لا يتناصرون بالصبيان والنساء، وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان مع العاقلة، كذا في ((المغني)). (قال مالك في عقل الموالي) جمع المولى (تلزمه) بضم أوله، وسكون اللام، وفتح الزاي على بناء المجهول (العاقلة) نائب الفاعل، قال الباجي(١): قوله: عقل المولى تلزمه العاقلة، يريد يؤخذ به عاقلة مواليه، كما لو جنى رجل من أنفسهم، سواء كان المولى من العرب أو غيرهم، فإن مواليه يعقلون عنه، اهـ. (إن شاؤوا) بطيب خاطرهم (وإن أبوا) وصلية، قال الباجي: يعني أنهم يجبرون على ذلك، ولا يكون ذلك مصروفاً إلى اختيارهم، ووجه ذلك أنه أمر قد لزمهم بالشرع غرمه كالجاني، اهـ. (كانوا أهل ديوان) بكسر الدال المهملة مجتمع الصحف، والكتاب يكتب فيه أهل العطية والجيش، كما في هامش ((الهداية)) عن ((القاموس))، وفي ((المحلى)): هم الجيش الذين كتبت أساميهم في الديوان (أو مقطعين) بضم ميم وسكون قاف وفتح طاء مهملة، أي سواء كانوا من أهل الديوان أو منقطعين عنه لا یجمعهم دیوان واحد. قال الباجي: يريد أن مواليه يعقلون معه إن كان المولى ومعتقوه أهل ديوان يشملهم أو كانوا غير أهل ديوان، فإن كان المولى من أهل ديوان، ومعتقوه أهل ديوان آخر، أو لم يكونوا أهل ديوان، ففي ((الموازية)): أن أهل ديوانه يعقلون معه وإن لم يكونوا من قبيلة، قال أشهب: وإن كان منهم من (١) ((المنتقى)) (١١٣/٧). ٧٠ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث وَقَدْ تَعَاقَلَ النَّاسُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ وَ. وَفِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. قَبْلَ أَنْ يَكُونَ دِيوَانٌ. وَإِنَّمَا كَانَ الدِّيوَانُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ غَيْرُ قَوْمِهِ وَمَوَالِيهِ. لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَنْتَقِلُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). قَالَ مالِكٌ: وَالْوَلَاءُ نَسَبٌ ثَابِتٌ. ليس من أهل الديوان لم يدخلوا مع من في الديوان، وليضم إليهم أقرب القبائل إليهم من أهل ديوانه، قال أشهب: هذا إذا كانوا أهل ديوان، وأما إذا انقطع، فإنما ذلك على قومه كانوا أهل ديوان أو منقطعين، ولعله الذي أراده مالك بقوله: كانوا أهل ديوان أو منقطعين، أن قومه يعقلون عنه إذا كان الجاني وعاقلته عليه، اهـ. (وقد تعاقل الناس) أي أدوا الديات (في زمان رسول الله وَّطيل وفي زمان أبي بكر الصديق قبل أن يكون) أي قبل أن يوجد ويحدث (ديوان) وإذا لم يكن الديوان في زمنه ◌َل*، وقد أدى الناس الديات، فكيف يعتبر الديوان في الديات (وإنما كان) أي حدث (الديوان في زمان عمر بن الخطاب) فإنه أول من دون الدواوين في العرب في خامس عشر من الهجرة بعد فتح بيت المقدس (فليس لأحد أن يعقل عنه غير قومه ومواليه) سواء كانوا في ديوان واحد أو دواوين مختلفة أو لم يكونوا في ديوان (لأن الولاء لا ينتقل) عمن هو له، والدیوان ينتقل من ديوان إلى غيره (ولأن النبي ◌َّ قال: الولاء لمن أعتق) فالمعتقون أحق بالدية المتفرعة على النصرة. (قال مالك: والولاء نسب ثابت) وهذا القول ليس في النسخ الهندية، وهو يوجد في النسخ المصرية وبعض الهندية، قال الزرقاني (١): تشبيه بليغ للحديث الآخر ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٠/٤). ٧١ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث قال الباجي(١): قوله: في زمن أبي بكر قبل أن يكون ديوان، يريد أنه ليس من شرط التعاقل الديوان؛ لأن التعاقل يكون بالأنساب، وإنما يعتبر الديوان إذا وجد وثبت حكمه بالعطاء مذ حدث رسم الديوان من زمن عمر بن الخطاب؛ لأنه أخص من النسب لجمعه أهل الديوان في موضع واحد على عطاء واحد، ولمحاماة واحدة، فإذا عدم الديوان رجع الاعتبار إلى الأنساب، والولاء؛ لأنها لا تنتقل، ولا تغير، ولذلك قال مالك: الولاء نسب ثابت، اهـ. ولا يذهب عليك أن للمالكية في هذه المسألة قولين؛ أحدهما: اعتبار الديوان، وإليه ميل العلامة الباجي، والثاني: عدم اعتباره، وهو مؤدى كلام الإمام في ((الموطأ))، لكن العلامة الباجي لما اختار القول الأول، فأول إليه كلام ((الموطأ)) وإلا فظاهر كلام الإمام ههنا يأبى اعتبار الديوان مطلقاً، نعم أصحاب المتون المعروفة من المالكية مالوا إلى اعتبار الديوان. قال الدردير(٢) في بيان العاقلة: هي العاقلة عدة أمور: العصبة وأهل الديوان، والموالى الأعلون والأسفلون فبيت المال، وبدئ بالديوان على عصبة الجاني، يعني يبدأ بالدية بأهل الديوان حيث كان الجاني من الجند، ولو كانوا من قبائل شتى، ثم إن لم يكن ديوان أو كان، وليس الجاني منهم، بدأ بالعصبة الأقرب فالأقرب، قال الدسوقي: قوله: بدئ بالديوان نحوه لابن حاجب وابن شاس، وهو لمالك في ((الموازية)) و((العتبية))، وقال اللخمي: القول بأن الدية تكون على أهل الديوان ضعيف، والمعتمد أنهم ليسوا من العاقلة، وإنما يراعى عصبة القاتل كانوا أهل ديوان أم لا، كما هو مذهب («المدونة»، أهـ. وفي ((الهداية))(٣): العاقلة أهل الديوان إن كان القاتل من أهل الديوان (١) ((المنتقى)) (١١٤/٧). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢٨٢/٤). (٣) (٥٠٦/٢). ٧٢ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حدیث يؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين، وهذا عندنا، وقال الشافعي: الدية على أهل العشيرة؛ لأنه كان كذلك على عهد رسول الله وَّر ولا نسخ بعده، ولنا، قضية عمر فإنه لما دَوَّنَ الدواوين جعل العقل على أهل الديوان، وكان ذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير، وليس ذلك بنسخ بل هو تقرير معنى؛ لأن العقل كان على أهل النصرة، وقد كانت بأنواع بالقرابة والحلف والولاء والعد (١)، وفي عهد عمر - رضي الله عنه - قد صارت بالديوان، فجعلها على أهله اتباعاً للمعنى، ولهذا قالوا: لو كان اليوم قوم تناصروا بالحرف، فعاقلتهم أهل الحرفة، والدية صلة، فإيجابها فيما هو صلة، وهو العطاء أولى منه في أصول أموالهم، اهـ مختصراً. قال الدسوقي(٢): فينزل ضبط عددهم أي الجند وعطاؤهم بدفتر بمنزلة النسب لما جبلوا عليه من التعاون والتناصر، وقوله: الأقرب فالأقرب، يعني أن الجاني إذا لم يكن من أهل ديوان، فعصبته يعقلون عنه، ويبدأ بالعشيرة، وهم الإخوة، ثم الفصيلة، ثم بالفخذ، ثم بالبطن، ثم بالعمارة، ثم بالقبيلة، ثم بالشعب، ثم بأقرب القبائل، قاله ابن حاجب، وهو مراد المصنف بقوله: الأقرب فالأقرب، فإن طبقات قبائل العرب ستة: الشعب بالفتح، ثم القبيلة، ثم العمارة بالكسر والفتح، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، وزاد بعضهم العشيرة، اهـ. وقال الموفق(٣): لا مدخل لأهل الديوان في العاقلة، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يتحملون جمیع الدیة، فإن عدموا فالأقارب حينئذ يعقلون، لأن عمر - رضي الله عنه - جعل الدية على أهل الديوان في الأعطية (١) أي يعد منهم، يقال: فلان عديد بني فلان. ((ش)). (٢) ((حاشية الدسوقي)) (٢٨٣/٤). (٣) («المغني)) (١٢ / ٤٢). ٧٣ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا أُصِيبَ مِنَ الْبَهَائِم؛ أَنَّ عَلَى مَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئاً، قَدْرَ مَا نَقصَ مِنْ ثَمَنِهَا . في ثلاث سنين، ولنا، أن النبي وَ لهول قضى بالدية على العاقلة، ولأنه معنى لا يستحق به الميراث فلم يحمل العقل كالجوار، واتفاق المذاهب وقضاء النبي وَال أولى من قضاء عمر - رضي الله عنه -، على أنه إن صح ما ذكر عنه، فيحتمل أنهم كانوا عشيرة القاتل، اهـ. (قال مالك: والأمر) المحقق (عندنا فيما أصيب شيئاً من البهائم) جمع بهيمة، وهو كل ذوات أربع قوائم من دواب البر والبحر ما عدا السباع والطيور، ولفظ من بيان لما، أي قال مالك في الجروح التي تصاب البهائم: (إن على من أصاب منها) أي من البهائم (شيئاً) من الجرح والهلاك (قدر ما نقص من ثمنها) قال صاحب ((المحلى)): وبه قال الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة كما في ((الهداية)) في فقأ عين شاة القصاب ما نقص؛ لأن المقصود هو اللحم، فلا يعتبر إلا النقصان، وفي عين بقرة الجزار وجزوره والحمار والبغل والفرس ربع قيمته، وقال الشافعي: فيه النقصان أيضاً اعتباراً بالشاة. ولنا، ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قضى في عين الدابة بربع القيمة، وهكذا قضى عمر - رضي الله عنه -، ولأن فيها مقاصد سوى اللحم كالحمل والركوب والزينة والجمال، فمن هذا الوجه تشبه الآدمي، وقد تمسك للأكل، فمن هذا الوجه تشبه المأكولات، فعملنا بالشبهين فبشبه الآدمي في إيجاب الربع، وبالشبه الآخر في نفي النصف، ولأنه إنما يمكن إقامة العمل بها بأربعة أعين: عيناها، وعينا المستعمل فكأنها ذات أعين أربعة، فيجب الربع بفوات إحداهما، والحديث المشار إليه، رواه الطبراني عن زيد بن ثابت أنه وق له﴿ قضى في عين الدابة بربع ثمنها، والأثر رواه عبد الرزاق بسنده عن شريح أن عمر - رضي الله عنه - كتب إليه في عين الدابة بربع ثمنها، اهـ مع زيادة من أصل ((الهداية))(١). (١) (٤٨٣/٢). ٧٤ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ. فَيُصِيبُ حَدًّا مِنْ الْحُدُودِ: إِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ. إِلَّ الْفِرْيَةِ، فَإِنَّهَا وقال الموفق(١): قدر الأرش قدر نقص القيمة في جميع الأعيان، وبهذا قال الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى أن عين الدابة تضمن بربع قيمتها، فقيل له: فقأ العينين؟ فقال: إذا كانت واحدة، فقال عمر: ربع القيمة، وأما العينان فما سمعت فيهما شيئاً، قيل له: فإن كان بعيراً أو بقرة أو شاة؟ فقال: هذا غير الدابة، هذا ينتفع بلحمه، ننظر ما نقصها، وهذا يدل على أن أحمد إنما أوجب مقدراً في العين الواحدة من الدابة، وهي الفرس والبغل والحمار خاصة للأثر الوارد فيه، وما عدا يرجع إلى القياس. واحتج أصحابنا لهذه الرواية بما روى زيد بن ثابت أن النبي ◌ُّ قضى في عين الدابة بربع قيمتها، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كتب إلى شريح لما كتب يسأله عن عين الدابة: إنا كنا ننزلها منزلة الآدمي إلا أنه أجمع رأينا أن قيمتها ربع الثمن، وهذا إجماع يقدم على القياس، ذكر هذين أبو الخطاب في ((رؤوس المسائل))، وقال أبو حنيفة: إذا قلع عيني بهيمة تنتفع بها من وجهين كالدابة والبعير والبقرة وجب نصف قيمتها، وفي إحداهما ربع قيمتها؛ لقول عمر - رضي الله عنه - أجمع رأينا أن قيمتها ربع الثمن، اهـ. (قال مالك في الرجل) وكذا المرأة (يكون عليه القتل) أي ثبت عليه القتل بوجه من الوجوه (فيصيب حداً من الحدود) كالزنا مثلاً، فقال مالك: (إنه لا يؤخذ) ببناء المجهول (به) أي بالحد (وذلك) أي سبب ذلك (أن القتل يأتي على ذلك كله) يعني أنه إذا وجب قتله، ويقتل قريباً فيندرج الحد فيه فليس عليه أن يحد أولاً ثم يقتل (إلا) حد (الفرية) بكسر الفاء وسكون الراء أي إلا حد القذف، فإنه لا يندرج في القتل، بل يحد المفتري أولاً ثم يقتل (فإنها) أي (١) «المغني)) (٣٧١/٧). ٧٥ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث تَثْبُتُ عَلَى مَنْ قِيلَتْ لَهُ. يُقَالُ لَهُ: مَالَكَ لَمْ تَجْلِدْ مَنِ افْتَرَى عَلَيْكَ؟ فَأَرِى أَنْ يُجْلدَ الْمَقْتُولُ الْحَدَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْتَلَ. ثُمَّ يُقْتَلَ. وَلَا أَرَى أن يُقَادَ مِنْهُ في شَيْءٍ مِنَ الْجِرَاحِ إِلَّ الْقَتْلِ. لِأَنَّ الْقَتْلَ يَأْتِي عَلَى ذُلِكَ كُلِّه. الفرية (تثبت) بفتح أوله وضم ثالثه (على من قيلت) ببناء المجهول من القول (له) أي تلزم العار على المقذوف، فإنه إن لم يحد المفتري (يقال له) أي للمقذوف: إن كنت بريئاً من الزنا (مالك) بفتحتين أي فلأي شيء (لم تجلد) أي لم تطالب الحد (على من افترى عليك) فتلحقه المعرة بذلك. (فأرى أن يجلد) ببناء المجهول (المقتول) أي الذي سيقتل قريباً (الحد) أي حدّ الفرية أولاً (من قبل أن يقتل) ببناء المجهول (ثم يقتل) بعد حدّ الفرية (ولا أرى أن يقاد) أي يقتصَّ (منه) أي من الذي ثبت عليه القتل (شيء من الجراح) في الأطراف (إلا القتل) الذي ثبت عليه (لأن القتل يأتي على ذلك كله) من الحدود والجروح غير حد الفرية. قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن الحدود تدخل في القتل، فمن وجب عليه حدّ الله تعالى من زنا أو شرب خمر، ووجب عليه القتل في قصاص، فإن القتل يأتي على ذلك كله، ولا يؤخذ بالحد؛ لأنه من حقوق الله تعالى، وأما حدُّ الفرية فيؤخذ به؛ لأنه من حقوق الآدميين، فلا تؤخذ باستيفاء حق الله تعالى، ولما يلحق المقذوف من العار والتعيير بتحقيق ما قيل له حين لم يحد قاذفه، وأما القصاص في الأطراف، فسقط أيضاً مع القتل؛ لأن القتل يأتي على إتلاف ذلك العضو أيضاً، اهـ. وقال الدردير(٢): واندرج طرف كيدٍ ورِجْلٍ في قتل النفس إن تعمده (١) ((المنتقى)) (١١٤/٧). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢٦٦/٤). ٧٦ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث الجاني ثم قتله، وإن كان الطرف لغير المقتول، كقطع يد شخص وفقا عين آخر، وقتل آخر، فيندرجان في النفس؛ لأنها تأتي على الجميع إن لم يقصد القاتل المثلة بالمقتول، فإن قصدها فعل به ما فعل ثم يقتل، واحترز بقوله: إن تعمد عن الخطأ فإن فيه الدية. وقال في موضع آخر: وكل حدّ يدخل في القتل لردّة أو قصاص أو حرابة إلا حد القذف فلا بد منه، ثم يقتل، قال الدسوقي: فإذا زنى وكان بكراً أو سرق أو شرب وترتب عليه القتل لردة أو قصاص أو لحرابة، قتل، ولا يقام عليه قبل القتل حدّ الزنا أو الشرب أو السرقة لاندماج حده في القتل، وهذا كقول ((المدونة)): كل حق الله اجتمع مع القتل فالقتل يأتي على ذلك كله إلا حد القذف، اهـ. وقال الموفق(١): إذا اجتمعت الحدود لم تخلُ من ثلاثة أقسام: الأول: أن تكون خالصة لله تعالى، فهي نوعان: إحداهما: أن يكون فيها قتل مثل أن يسرق ويزني وهو محصن ويشرب الخمر ويقتل في المحاربة، فهذا يقتل، ويسقط سائرها، وهذا قول ابن مسعود وعطاء والنخعي والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة، وقال الشافعي: يستوفى جميعها؛ لأن ما وجب مع غير القتل وجب مع القتل. ولنا، ما قال ابن مسعود: إذا اجتمع حدّان أحدهما القتل أحاط القتل بذلك، وقال إبراهيم: يكفيه القتل، وعن إبراهيم والشعبي وعطاء أنهم قالوا مثل ذلك، وهذه أقوال انتشرت في زمان الصحابة والتابعين، ولم يظهر لها مخالف، فكانت إجماعاً، وإذا ثبت هذا، فإنه إذا وجد ما يوجب الرجم والقتل للمحاربة، فينبغي أن يقتل للمحاربة ويسقط الرجم؛ لأن في القتل للمحاربة حق آدمي في القصاص، وحق الآدمي يجب تقديمه. (١) («المغني)) (٤٨٧/١٢). ٧٧ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث وثانيهما: أن لا يكون فيها قتل، فإن جميعها يستوفى من غير خلاف نعلمه، ويبدأ بالأخف فالأخف، فإذا شرب وزنى وسرق حدّ للشرب أولاً، ثم للزنا، ثم قطع للسرقة. وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يتخير بين البداية بحدِّ الزنا وقطع السرقة؛ لأن كل واحد منهما ثبت بنص القرآن، ثم يحدُّ للشرب. ولنا، أن حدَّ الشرب أخف فيقدم، وهذا التقديم على الاستحباب، ولو بدئ بغيره جاز، ولا يوالي بين هذه الحدود؛ لأنه ربما أفضى إلى التلف، بل متی برئ من حد أقيم الذي یلیه. قلت: ويبدأ عند المالكية بالأشد فالأشد، فقد قال الدردير(١): وتؤخر الموالاة في قطع الأطراف إذا خيف التلف من جمعها في آنٍ واحد، فيفرق كحدين وجبا لله تعالى، كشرب وزنا بكر لم يقدر عليهما في وقت واحد، وبدئ بأشد لم يخف عليه الموت منه، فيبدأ بحد الزنا على حد الشرب، فإن خیف علیه بدئ بالأخف، اهـ. ثم قال الموفق(٢): والقسم الثاني: الحدود الخالصة للآدمي، وهو القصاص وحد القذف، فهذه تستوفى كلها، ويبدأ بأخفها، فيحد للقذف، ثم يقطع(٣) ثم يقتل؛ لأنها حقوق الآدميين أمكن استيفاؤها، فوجب كسائر حقوقهم، وهذا قول الأوزاعي والشافعي، وقال أبو حنيفة: يدخل ما دون القتل فيه احتجاجاً بقول ابن مسعود، ولنا، أن ما دون القتل حق لادمي فلا يسقط. والقسم الثالث: أن تجتمع حدود الله وحدود الآدميين، وهذه ثلاثة أنواع: (١) ((الشرح الكبير)) (٣٦٠/٤). (٢) «المغني)) (٤٨٩/١٢). (٣) وفيه: أن في القسم الأول دمج القطع في القتل، فتأمل ((ش)). ٧٨ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حدیث أحدها: أن لا يكون فيها قتل، فهذه تستوفى كلها. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وعن مالك، أن حدَّي الشرب والقذف يتداخلان، ولنا، أنهما حذَّان من جنسين، فلم يتداخلا، النوع الثاني: أن تجتمع حدود الله وحدود الآدميين، وفيها قتل، فإن حدود الله تدخل في القتل، وأما حقوق الآدميين فتستوفى كلها، والنوع الثالث: أن يتفق الحقان في محل واحد، ويكون تفويتاً كالقتل قصاصاً وحدّاً ففيه تفصيل بسطه، اهـ مختصراً. وفي ((الأشباه والنظائر)) في القاعدة الثامنة: إذا اجتمع أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر، فلو زنى أو سرق أو شرب مراراً كفى حدٍّ واحد، سواء كان الأول موجباً لما أوجبه الثاني أو لا، فلو زنى بكراً ثم ثيباً كفى الرجم، ولو قذف مراراً واحداً أو جماعة في مجلس أو مجالس كفى حد واحد، ولو زنى وشرب وسرق أقيم الكل لاختلاف الجنس . ثم قال: وأما الجناية إذا تعددت بقطع عضوه، ثم قتله، فإنها لا يتداخل فيها، إلا إذا كان خطأين على واحد، ولم يتخللهما برء، وصورها ستة عشر قد أوضحناها في ((شرح المنار))، اهـ. قلت: وذكرها صاحب ((الدر المختار)) في الفصل في الفعلين، فارجع إليه. وفي ((الهداية))(١): من قطع يد رجل خطأ، ثم قتله عمداً قبل أن تبرأ، أو قطع يده عمداً، ثم قتله خطأ، أو قطع يده خطأ، فبرأت يده، ثم قتله خطأ، أو قطع يده عمداً فبرأت، ثم قتله عمداً، فإنه يؤخذ بالأمرين جميعاً، ثم قال: وإن كان قطع يده عمداً، ثم قتله عمداً قبل أن تبرأ، فإن شاء الإمام قال: اقطعوه ثم اقتلوه، وإن شاء قال: اقتلوه، هذا عند أبي حنيفة، وقالا: يقتل ولا تقطع يده، وبسط في وجوه هذه الأحكام، فارجع إليه. (١) (٤٥٣/٢). ٧٩ ٤١ - كتاب العقول (١٨) باب (١٥١٦) حديث وَقَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرَ عِنْدَنَا أَنَّ الْقَتِيلَ إذَا وُجِدَ بَيْنَ ظَهْرَاني قَوم فِي قَرْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ دَاراً. وَلَا مَكَاناً . وَذُلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ الْقَتِيلُ. ثُمَّ يُلْقَى عَلَى بَابِ قَوْمِ لِيُلَطَّخُوا بِهِ. فَلَيْسَ يُؤَاخَذُ أَحَدٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ. (قال مالك: الأمر عندنا أن القتيل) بلفظ المفعول في أكثر النسخ، وفي بعضها بلفظ المصدر فلو صَحَّ فهو بمعنى المفعول (إذا وجد) ببناء المجهول (بين ظهراني) بفتح النون، وفي نسخة بين ظهري بدون الألف والنون وعلى كلتا النسختين هذا اللفظ مقحم (قوم) أي وجد بين قوم (في قرية أو غيرها) كبساتين (لم يؤخذ) ببناء المجهول (أقرب الناس إليه) أي إلى ذلك المحل (داراً ولا مكاناً) فالبعيد بالأولى لا يؤخذ. (وذلك) أي وجه عدم أخذهم (أنه قد يقتل) ببناء المجهول (القتيل، ثم يلقى) ببناء المجهول (على باب قوم ليلطخوا به) كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية ليطلخوا به، أي ليرموا به، يقال: لطخه بسوء رماه به، وقال المجد: الطلخ اللطخ بالقذر (فليس يؤاخذ) ببناء المجهول (أحد بمثل ذلك) وأيضاً فإن العادة أن القاتل يرمي بالقتيل بعيداً عنه. قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن وجود القتيل في محلة قوم أو عند دارهم لا يوجب لطخاً، ولا يعلق بهم تهمة، قال ابن القاسم وأشهب: فلا يوجب ذلك قوداً ولا دية، وقال مالك: ودمه هدر، ووجه ذلك ما احتج به مالك من أن القاتل قد يبعده من محلته، ويلقيه في محلة غيره، وعند دار من يريد إذايته(٢)، وربما ألقاه القاتل عند دار أولياء المقتول، وفي محلتهم، فتجتمع الجناية عليهم، وأخذ القود أو الدية منهم، اهـ. (١) ((المنتقى)) (١١٤/٧). (٢) كذا في الأصل. والظاهر أذاته. ٨٠