Indexed OCR Text
Pages 601-620
٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حديث ٦/١٥١٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ؛ قال الحافظ (١): وعلى قول الجمهور فأقل ما يجزئ من العبد والأمة ما سلم من العيوب التي يثبت بها الرد في البيع؛ لأن المعيب ليس من الخيار، واستنبط الشافعي من ذلك أن يكون منتفعاً به، فشرط أن لا ينقص عن سبع سنين؛ لأن من لم يبلغها لا يستقل بنفسه، فيحتاج إلى التعهد بالتربية، فلا يجبر المستحق على أخذه، وأخذ بعضهم من لفظ الغلام أن لا يزيد على خمس عشرة، ولا تزيد الجارية على عشرين، ومنهم من جعل الحدَّ ما بين السبع والعشرين، والراجح كما قال ابن دقيق العيد: إنه يجزئ، ولو بلغ الستين أو أكثر منها ما لم يصل إلى عدم الاستقلال بالهرم، اهـ. قال الزرقاني(٢): زاد الليث عن ابن شهاب بسنده في هذا الحديث: ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت، فقضى وي لو أن ميراثها لبنيها وزوجها، وعقلها على عصبتها، وقريب منه في رواية يونس عن الزهري وكلاهما في البخاري ومسلم، قال ابن عبد البر: ترك ذلك مالك؛ لأن فيه إثبات شبه العمد، وهو لا يقول به؛ لأنه وجد الفتوى وعمل المدينة على خلافه، فكره أن يذكر ما لا يقول به، واقتصر على قصة الجنين؛ لأنه أمر مجمع عليه في الغرة، هكذا قال في شرح الحديث الثاني. وقال في شرح هذا الحديث: لم يختلف على مالك في إسناده ومتنه، ولم يذكر فيه قتل المرأة لما فيه من الاختلاف والاضطراب بين أهل النقل والفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وذكر قصة الجنين التي لم يختلف فيها الإخبار عن النبي ◌َّر، اهـ. ٦/١٥١٠ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب) (١) (فتح الباري)) (٢٥٠/١٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٨٢/٤). ٦٠١ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ. فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ : مرسلاً عند رواة ((الموطأ))، ووصله مطرف وأبو عاصم النبيل كلاهما عن مالك عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة، قال ابن عبد البر: والحديث عند ابن شهاب عنهما جميعاً عن أبي هريرة، فطائفة من أصحابه يحدثون به عنه هكذا، وطائفة يحدثونه عنه عن سعيد وحده، وطائفة عن أبي سلمة وحده، ومالك أرسل عنه حديث سعيد هذا، ووصل حديث أبي سلمة، واقتصر فيهما على قصة الجنين دون قتل المرأة لما ذكرنا من العلة، ولما شاء الله مما هو أعلم به، اهـ. والمراد بالعلة ما تقدم في آخر الحديث السابق من الاختلاف فيه. (أن رسول الله (مَّير قضى) أي حكم (في الجنين) حال كونه (يقتل في بطن أمه) قال الزرقاني: ذكر أو أنثى أو خنثى، ولو مضغة أو علقة، أو ما يعلم أنه ولد عند مالك، اهـ (بغرة) بالتنوين على الراجح كما تقدم (عبد أو وليدة) بالجر على البدلية، و((أو)) للتخيير لا للشك (فقال الذي قُضِيَ عليه) بضم القاف وكسر الضاد المعجمة أي حكم عليه بالغرة، وفي رواية للبخاري، فقال ولي المرأة التي غرت بضم المعجمة وفتح الراء المهملة الثقيلة أي التي قضي عليها بالغرة، ووليها ابنها مسروح، كما رواه عبد الغني، والأكثر أن القائل زوجها حمل بن النابغة الهذلي، وللطبراني أنه عمران بن عويم أخو مليكة. قال الحافظ(١): فيحتمل تعدد القائلين، فإسناد هذه صحيح. قال الزرقاني(٢): فيه دلالة قوية لقول مالك وأصحابه ومن وافقهم: إن الغرة على الجاني لا على العاقلة، كما يقوله أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما؛ (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢١٨/١٠). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ١٨٢). ٦٠٢ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حديث لأن المفهوم من اللفظ أن المقضي عليه واحد معين، وهو الجاني، إذ لو قضي بها على العاقلة لقيل: فقال الذين قضي عليهم، اهـ. قلت: ما ذكره العلامة الزرقاني مبني على مسألة أخرى، وهي أن الدية كلها على العاقلة أو فيها تفصيل، قال الموفق(١): إن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث من الدية، وبهذا قال ابن المسيب وعطاء ومالك وإسحاق، وقال الزهري: لا تحمل الثلث أيضاً، وقال الثوري وأبو حنيفة: تحمل السنَّ، والموضحة، وما فوقها؛ لأن النبي وسلم جعل الغرة التي في الجنين على العاقلة، وقيمتُها نصف عشر الدية، ولا تحمل ما دون ذلك عند أبي حنيفة والثوري؛ لأنه ليس فيه أرش مقدر، والصحيح عن الشافعي - رحمه الله - أنها تحمل الكثير والقليل. ولنا، ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في الدية أن لا يحمل منها شيء حتى تبلغ المأمومة، ولأن الأصل وجوب الضمان على الجاني؛ لأنه موجب جنايته، وإنما خولف في الثلث فصاعداً تخفيفاً عن الجاني، وأما دية الجنين فلا تحملها العاقلة إلا إذا مات مع أمه؛ لكون ديتهما جميعاً تزيد على الثلث، وإن سلمنا وجوب الغرة على العاقلة فلأنها دية آدمي كاملة، اهـ. وقال في موضع آخر: تحمل العاقلة دية الجنين إذا مات مع أمه، نص عليه أحمد، وقال الشافعي: تحمله العاقلة بناء على قوله: إن العاقلة تحمل القليل والكثير، اهـ. وقال الدردير(٢): في إلقاء الجنين عشرُ واجبٍ أمه، ويكون في مال الجاني، إلا أن تبلغ ثلث ديته فعلى العاقلة، كما لو ضرب مجوسي حرة مسلمة، (١) ((المغني)) (٣٠/١٢). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢٦٨/٤). ٦٠٣ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حديث فألقت جنيناً ميتاً، قال الدسوقي: فديته على عاقلة الجاني؛ لأنه أكثر من ثلث دیته؛ لأن دية الجاني المجوسي ستة وستون ديناراً وثلثا دينار، ودية الأم خمسمائة دينار، عشرها خمسون ديناراً، وهي أكثر من ثلث دية الجاني، اهـ. وفي ((الهداية))(١): وهي أي الغرة على العاقلة عندنا، وقال مالك: في ماله؛ لأنه بدل الجزء، ولنا، أنه عليه الصلاة والسلام قضى بالغرة على العاقلة، ولأنه بدل النفس، ولهذا سماه عليه الصلاة والسلام دية، حيث قال: ((دُوْه)) وقالوا: ((أَنَدِي من لا صاح ولا استهل؟)) الحديث. قال الحافظ في ((الدراية))(٢): حديث أن النبي وَ لّ قضى بالغرة على العاقلة، رواه ابن أبي شيبة عن جابر أن النبي ◌ّير جعل في الجنين غرة على عاقلة الزوجة، وَبَرَّأ زوجها وولدها، ومن حديث ابن المغيرة قال: قضى رسول الله وَّ على عاقلتها بالدية وغُرَّةٍ في الحمل، ومن مرسل ابن سيرين بلفظ: ((جعل الغرة على العاقلة))، وأخرجه الدارقطني مطولاً، ولأبي داود والترمذي من حديث المغيرة بن شعبة: ((أن امرأتين كانتا تحت رجل من هذيل)) الحديث . وفيه: فقضى بغرة، وجعله على عاقلة المرأة، وحديث أن النبي وَّر قال في الجنين: ((دُوْه)) قالوا: ((أَنَدِي من لا صاح ولا استهل؟))، رواه الطبراني من حديث حمل بن النابغة أنه كان عنده امرأة، فتزوج عليها أخرى، الحديث، وفيه: فقال لهم: ((دوه)). فجاؤوا بها، وقالوا: ((أندي من لا أكل))، الحديث، وفي حديث أبي المليح عن أبيه عنده أيضاً، فقال لهم: ((دوه)). ولأبي داود والنسائي وابن حبان من حديث أبي هريرة في هذه القصة (١) (٢/ ٤٧١). (٢) (٣٨١/٣)، وانظر ((نصب الراية)) (٨٢/٤). ٦٠٤ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حدیث كَيْفَ أَغْرَمُ مَا لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلْ. وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلْ. وَمِثْلُ ذَلِكَ بَطَلْ. قالوا: ((أنَدِي من لا صاح))، وكذا لأحمد وأبي داود والطبراني من حديث المغيرة، وللبزار من حديث ابن عباس: قالوا: ((كيف نَدِيه وما استهل))، وله من حديث جابر فقالت العاقلة: ((أنَدِي من لا شرب ولا أكل))، اهـ. وقال أيضاً في ((الفتح)) (١): وفي رواية المغيرة أي عند مسلم: فجعل رسول الله ﴿هدية المقتولة على عصبة القاتلة وغرةً لما في بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: ((أنغرم من لا أكل))، وفي آخره: ((أسجعٌ كسجعِ الأعراب؟)) وجعل عليهم الدية، وفي حديث عويم عند الطبراني فقال أخوها العلاء بن مسروح: يا رسول الله! أنغرم من لا شرب؟، الحديث. ونحوه عند أبي يعلى من حديث جابر بلفظ: فقالت عاقلة القاتلة. ويجمع الاختلاف بأن كلاً من أبيها وأخيها وزوجها قالوا ذلك؛ لأنهم كلهم من عصبتها، اهـ. فهذه الروايات المصرحة بالغرة على العاقلة، وعصبة المرأة مقدمة على المفهوم الذي أشار إليها العلامة الزرقاني، ونسبة الجناية إليها فيما ذكره الزرقاني لكونها سبب الغرامة. (كيف أغرم) أي أضمن (من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل) من الاستهلال، وهو رفع الصبي صوته عند الولادة. وكأنه تعجب من إيجاب الدية. فإنها عوض عن النفس الحية، والجنين لم يوجد فيه شيء من أثر الحياة (ومثل ذلك بطل) كذا في جميع النسخ المصرية والهندية بالموحدة، قال الزرقاني(٢): بموحدة وطاء مهملة مفتوحتين ولام خفيفة من البطلان، وفي رواية ((يطل)) بتحتية مضمومة بدل الموحدة وشدة لام، أي يهدر من الأفعال التي لا تستعمل (١) ((فتح الباري)) (٢٤٨/١٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٨٢/٤). ٦٠٥ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حديث فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ: ((إِنَّمَا هُذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ)). مرسل عند رواة مالك. وقد وصله البخاريّ عن أبي هريرة في: ٧٦ - كتاب الطب، ٤٦ - باب الكهانة. ومسلم فى: ٢٨ - كتاب القسامة، ١١ - باب دية الجنين، حديث ٣١ . إلا مبنية للمفعول، قال المنذري: وأكثر الروايات بالموحدة، وإن رجح الخطابي التحتية، اهـ. قال الباجي(١): اعترض على نص النبي وَل بالحكم عليه، ولعله ظن أن ما أورده ◌َّ عاماً يجوز تخصيصه بما ظهر من حال الجنين، واعتقد أن حكم النبي وَل﴿ إنما خرج على ظن أن الجنين خرج حياً، فأنكر عليه النبي وقليل بقوله الآتي: (فقال رسول الله وَل: إنما هذا من إخوان الكهان) بضم الكاف وتشديد الهاء جمع كاهن، زاد مسلم من أجل سجعه الذي سجع فيه، شَبَّهَه بهم لمشابهة كلامه كلامهم. قال الزرقاني: شبه بالإخوان لأن الأخوة تقتضي المشابهة، وذَمّه؛ لأنه أراد بسجعه دفع ما أوجبه وَله، ولم يعاقبه؛ لأنه مأمور بالصفح عن الجاهلين، وهو کان أعرابياً، لا علم له بأحكام الدين. قال الباجي: قوله وَلجر: ((إنما هذا من إخوان الكهان)) يريد - والله أعلم - أنه لا علم عنده إلا ما أورد من الأسجاع التي يستعملها الكهان على وجه الإلباس على الناس، والتمويه عليهم، وقال عيسى بن دينار: لا علم لي بذلك، وقال محمد بن عيسى: شَبَّهه بالكاهن في سجعه، وغير مالك يرويه أنه ليس بقول شاعر، وأقرّ الحكم عليه على ما حكم به النبي ◌َّ وهو الحق، فإنه ما ينطق عن الهوى، اهـ. ثم قال الزرقاني(٢): في الحديث حجة لقول مالك والشافعي (١) ((المنتقى)) (٨٠/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٨٣/٤). ٦٠٦ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْغُرَّةُ تُقَوَّمُ خَمْسِينَ دِينَاراً أوْ سِتَّمِائَةِ دِرْهَم. وأصحابهما: إنها تورث الغرة عن الجنين على فرائض الله تعالى، واحتج الشافعي بقوله: كيف أغرم إلخ، قال: فالمضمون الجنين لا العضو؛ لأن العضو لا يعترض فيه بهذا، وقال أبو حنيفة وأصحابه: تختص بها الأم؛ لأنها بمنزلة قطع عضو من أعضائها، ولذا لم يعتبر فيها هل ذكر أو أنثى، وكذا قال الظاهرية، واحتج إمامهم داود، بأن الغرة لم يملكها الجنين، فتورث عنه، ويرد عليه دية المقتول خطأ، فإنه لم يملكها، وهي تورث عنه، قاله أبو عمر ملخصاً، اهـ. قلت: ما حكي من خلاف الحنفية في ذلك ليس بصحيح، قال صاحب ((الهداية)) (١): وما يجب في الجنين موروث عنه؛ لأنه بدل نفسه، فيرثه ورثته. وقال الموفق(٢): إن الغرة موروثة عن الجنين، كأنه سقط حياً؛ لأنها دية له، وبدل عنه، فيرثها ورثته، كما لو قتل بعد الولادة، وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال الليث: لا تورث، بل تكون بدله لأمه؛ لأنه كعضو من أعضائها، فأشبه يدها، ولنا، أنها دية آدمي حر، فوجب أن تكون موروثة عنه، وقوله: إنه عضو من أعضائها لا يصح؛ لأنه لو كان عضواً لدخل دیته في دية أمه، اهـ. (مالك عن ربيعة) الرأي (بن أبي عبد الرحمن أنه كان يقول: الغرة) المذكورة مبتدأ خبره تقوم، وسياق النسخ الهندية بلفظ: ((في الغرة)) فهو يتعلق بقوله: يقول، ويقدر لفظ أنها للابتداء (تقوم) ببناء المجهول من التقويم (خمسين ديناراً أو ستمائة درهم) يعني أن العبد أو الأمة لا يكفي إلا أن يساوي ذلك، (١) (٢/ ٤٧٢). (٢) ((المغني)) (١٢ /٦٧). ٦٠٧ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حدیث وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ خَمْسُمائَةِ دِينَارٍ أَوْ سِتَّةُ آلاَفِ دِرْهَم. قَالَ مَالِكٌ: فَدِيَةُ جَنِينِ الْحُرَّةِ عُشْرُ دِيَتِهَا. والْعُشْرُ خَمْسُونَ دِينَاراً أوْ سِتُّمَائَةِ دِرْهَم. قال صاحب ((المحلى)): وبه أخذ أبو حنيفة ومالك والشافعي أنه يشترط في الغرة بلوغها نصف عشر الدية، اهـ. قلت: ولكنهم اختلفوا في مقدار نصف العشر من الفضة خاصة، كما سيأتي. (ودية المرأة الحرة المسلمة) على النصف من دية الرجل وهي كأنها إجماعية، كما تقدم في أول عقل المرأة وهي (خمسمائة دينار) على أهل الذهب إجماعاً (أو ستة آلاف درهم) على أهل الورقِ، وتقدم الخلاف في دية الرجل في الورقِ هل هي عشرة آلاف، كما قاله الثوري والحنفية، أو اثنا عشر ألفاً، كما قالته الأئمة الثلاثة، وما في المتن مبني على مسلك الإمام مالك على أن الأئمة الأربعة أجمعوا على أن دية المرأة نصف دية الرجل . (قال مالك: فدية جنين الحرة) المسلمة (عشر) بضم فسكون (ديتها) لأن ديتها نصف دية الرجل، فنصف عشر دية الرجل يكون عشر دية المرأة (والعشر) أي عشر ديتها (خمسون ديناراً) إجماعاً (أو ستمائة درهم) عند الإمام مالك ومن وافقه. قال الزرقاني(١): وبهذا قال الزهري وسائر أهل المدينة، وقال أبو حنيفة والكوفيون: قيمة الغرة خمسمائة درهم، وقال داود: وكل ما وقع عليه اسم الغرة، اهـ. وفي ((المحلى)): قال أبو حنيفة أيضاً: إن دية الجنين عشر ديتها غير أن العشر عنده يكون خمسمائة درهم؛ لأن ديتها عنده خمسة آلاف نصف دية الرجل، وهي عشرة آلاف درهم، اهـ. قال الباجي(٢): يريد خمسين ديناراً على أهل الذهب، أو ستمائة درهم (١) (شرح الزرقاني)) (١٨٣/٤). (٢) («المنتقى)) (٨١/٧). ٦٠٨ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حديث على أهل الورق، ولم يذكر الإبل في أهل الإبل، قال ابن المواز: على أهل الإبل خمس فرائض: بنت مخاض، وبنت لبون، وابنها، وحقة، وجذعة، وقاله ربيعة، ولم يبلغنا عن مالك في ذلك شيء، ووقف عنه ابن القاسم، وقال: لا مدخل للإبل فيها . ووجه قوله: أنّ الدنانير والدراهم هي قيم المتلفات، فلذلك قومت بها الغرة، والإبل ليست بقيم المتلفات، فلذلك لم تعتبر بها الغرة، ولذلك كان أصل الدية الإبل، لكنها ردت إلى العين، وما كان أصله العين، لا يرد إلى الإبل، اهـ. ثم قال: وقال عيسى: القاتل مخير بين أن يعطي غرة قيمتها خمسون ديناراً أو ستمائة درهم، وبين أن يعطيه الدنانير أو الدراهم، اهـ. قال محمد في ((موطئه))(١) بعد حديثي ابن المسيب المرسل وأبي هريرة المتصل: وبهذا نأخذ، إذاضرب بطن المرأة الحرة فألقت جنيناً ميتاً، ففيه غرة: عبد أو أمة أو خمسون ديناراً أو خمسمائة درهم نصف عشر الدية، فإن كان من أهل الإبل، أخذ منه خمس من الإبل، وإن كان من أهل الغنم، أخذ منه مائة من الشاة نصف عشر الدية، اهـ. وقال الموفق(٢): إن الغرة قيمتها نصف عشر الدية، وهي خمس من الإبل، روي ذلك عن عمر وزيد - رضي الله عنهما -، وبه قال النخعي والشعبي وربيعة وقتادة ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، وإذا اتفق نصف عشر الدية من الأصول كلها بأن تكون قيمتها خمساً من الإبل وخمسين ديناراً أو ستمائة درهم، فلا كلام، وإن اختلفت، فظاهر كلام الخرقي أنها تُقَوَّمُ بالإبل؛ لأنها الأصل، وعلى قول غيره من أصحابنا تقوم بالذهب أو الورق، فجعل قيمتها خمسين ديناراً أو ستمائة درهم، اهـ مختصراً. (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٥/٣). (٢) («المغني)) (٦٦/١٢). ٦٠٩ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَداً يُخَالِفُ فِي أَنَّ الْجَنِينَ لَا تَكُونُ فِيهِ الْغُرَّةُ، حَتَّى يُزَايِلَ بَظْنَ أُمِّهِ وَيَسْقُطُ مِنْ بَطْنِهَا مَيِّناً . وفي ((الهداية)) (١): في الجنين غرة، وهي نصف عشر دية الرجل وعشر دية المرأة، وكل منهما خمسمائة درهم، والقياس أن لا يجب شيء؛ لأنه لم يتيقن بحياته، وجه الاستحسان ما روي عن النبي ◌ّيم أنه قال: ((في الجنين غرة، عبد أو أمة قيمته خمسمائة))، ويروى ((أو خمسمائة))، فتركنا القياس بالأثر، وهو حجة على من قدرها بستمائة، اهـ مختصراً. قال الحافظ في ((الدراية))(٢): رواه الطبراني من حديث أبي المليح عن أبيه قال: كان فينا رجل يقال له: حمل بن مالك، فذكر القصة، وفيها: غرة عبد أو أمة أو خمسمائة، وروى البزار من طريق ابن بريدة عن أبيه: أن امرأة خذفت امرأة، فقضى رسول الله بصير في ولدها بخمسمائة، ونهى عن الخذف، وأصل الحديث في ((الصحيحين)) ليس فيه ذكر الخمسمائة، ولابن أبي شيبة من طريق زيد بن أسلم: أن عمر - رضي الله عنه - قَوَّمَ الغُرَّةَ خمسين ديناراً، ولأبي داود عن إبراهيم النخعي قال: الغرة خمسمائة، ولإبراهيم الحرمي بإسناد صحيح عن الشعبي قال: الغرة خمسمائة، اهـ. (قال مالك: ولم أسمع أحداً يخالف) يعني أنهم لا يختلفون فيما بينهم (في أن الجنين لا تكون) ولا تجب (فيه الغرة، حتى يزايل) أي يفارق (بطن أمه ويسقط من بطنها) عطف تفسير لقوله: يزايل، يعني يشترط فيه مفارقة البطن والخروج عنه عند مالك ومن وافقه، والمسألة خلافية كما سيأتي (ميتاً) بشرط أن تكون أمه حية عند مالك والحنفية ومن وافقهم. (١) (٤٧١/٢). (٢) انظر: ((نصب الراية)) (٣٨١/٤). ٦١٠ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حديث قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن الجنين لا تثبت فيه الغرة حتى يزايل بطن أمه، وهي حية، فإن ماتت ثم خرج الجنين، فالذي عليه مالك وجمهور أصحابه أنه لا شيء فيه، وإنما تجب في أمه الدية خاصة، وقال ابن شهاب: فيه الغرة، وبه قال أشهب والشافعي، والدليل على ما نقوله أن هذا حكم يتبع فيه أمه، فلا حكم له كالزكاة، وأيضاً فإن تلفه قبل الانفصال بمنزلة عضو منها، ولو تلف عضو منها قبل موتها كانت فيه الدية، ولو تلف بعد موتها فلا دية فيه، اهـ. قال الموفق (٢): الغرة إنما تجب إذا سقط من الضربة، ويعلم ذلك بأن يسقط عقيب الضرب، أو ببقائها متألمة إلى أن يسقط. ولو قتل حاملاً لم يسقط جنينها، أو ضرب من في جوفها حركة أو انتفاخ، فسكن الحركة لم يضمن الجنين، وبهذا قال مالك والأوزاعي وإسحاق وابن المنذر، وحكي عن الزهري أن عليه الغرة، لأن الظاهر أنه قتل الجنين. ولنا، أنه لا يثبت حكم الولد إلا بخروجه، ولذا لا تصح له وصية ولا ميراث، ولأن الحركة يجوز أن تكون لريح في البطن سكنت، ولا يجب الضمان بالشك، أما إذا ألقته ميتاً فقد تحقق، وسواء ألقته في حياتها أو بعد موتها، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: إن ألقته بعد موتها لم يضمنه؛ لأنه يجري مجرى أعضائها، وبموتها سقط حكم أعضائها . ولنا، أنه جنين تلف بجنايته، وعلم ذلك بخروجه، فوجب ضمانه، كما لو سقط في حياتها، ثم إن ظهر بعضه من بطن أمه ولم يخرج باقيه ففيه الغرة، وبه قال الشافعي، وقال مالك وابن المنذر: لا تجب الغرة حتى تلقيه؛ لأن (١) ((المنتقى)) (٨١/٧). (٢) («المغني)) (٦٢/١٢). ٦١١ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَسَمِعْتُ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ الْجَنِينُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ كَامِلَةً. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا حَيَاةَ لِلْجَنِينِ إِلَّ بِالاسْتِهْلَالِ. فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَاسْتَهَلَّ ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً. النبي ◌ّليّ أوجب الغرة في الجنين الذي ألقته المرأة، وهذه لم تلق شيئاً، ولنا، أنه قاتل لجنينها، فلزمته الغرة، اهـ. وفي ((الهداية))(١): وإن ماتت، ثم ألقت ميتاً، فعليه دية في الأم، ولا شيء في الجنين، وقال الشافعي: تجب الغرة في الجنين؛ لأن الظاهر موته بالضرب، فصار كما إذا ألقته ميتاً وهي حية، ولنا، أن موت الأم أحد سببي موته؛ لأنه يختنق بموتها إذا تنفسه بتنفسها، فلا يجب الضمان بالشك، اهـ. (قال مالك: وسمعت) أهل العلم (أنه إذا خرج الجنين من بطن أمه حياً ثم مات) بقرب خروجه، وعلم أن موته كان مما فعل بأمه حال كونه في بطنها (أن فيه الدية كاملة) قال الزرقاني: ويعتبر فيه الذكر والأنثى وهذا اجتماع، اهـ. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن في الجنين يسقط حياً من الضربة دية كاملة، منهم زيد بن ثابت وعروة وغيرهما ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، وذلك لأنه مات من جنايته بعد ولادته في وقت يعيش لمثله، فأشبه قتله بعد وضعه، كذا في ((المغني))(٢). (قال مالك: ولا حياة للجنين) أي لا تعتبر حياته (إلا بالاستهلال) وهو رفع الصوت عند الولادة (فإذا خرج من بطن أمه فاستهل، ثم مات ففيه الدية كاملة) قال الباجي: وهذا على ما قال: إنه لا حياة الجنين إلا بالاستهلال، وهو (١) (٤٧٢/٢). (٢) انظر: ((المغني)) (١٢ /٧٤). ٦١٢ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حدیث الصياح، والاستهلال رفع الصوت، قاله أشهب عن مالك، اهـ. قال الزرقاني: وقال الشافعي وباقي الفقهاء: إذا علمت حياته بحركة أو عطاس أو استهلال أو غير ذلك مما يتيقن به حياته، ثم مات، فالدية كاملة، اهـ. وقال الموفق(١): ومتى علمت حياته ثبت له هذا الحكم، سواء ثبتت باستهلاله أو ارتضاعه أو بنفسه أو عطاسه أو غيره من الأمارات التي تعلم بها حياته، هذا ظاهر قول الخرقي، وهو مذهب الشافعي، وروي عن أحمد أنه لا يثبت له حكم الحياة إلا بالاستهلال، وهذا قول الزهري وقتادة ومالك وإسحاق، وروي معنى ذلك عن عمر وابن عباس والحسن بن علي وجابر - رضي الله عنهم -؛ لقول النبي ◌َّ: ((إذا استهلّ المولود ورث وورث))(٢). ومفهومه أنه لا يرث إذا لم يستهلّ، والاستهلال الصياح، قاله ابن عباس والقاسم والنخعي، لقوله وَّ: ((ما من مولود يولد إلا مَسَّه الشيطانُ، فيستهلّ صارخاً، إلا مريم وابنها))(٣)، فلا يجوز غير ما قاله رسول الله وَعليه، ولنا، أنه علمت حياته، فأشبه المستهلّ، والخبر يدل بمعناه وتنبيهه على ثبوت الحكم في سائر الصور، اهـ. وفي ((المحلى)) تحت قول مالك: إذا خرج من البطن حياً، ثم مات أن فيه الدية كاملة: قال ابن المنذر: لا خلاف في ذلك، إنما الخلاف في أن حياته تثبت بكل ما يدل على الحياة من الاستهلال والرضاع وغيرهما. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وقال مالك: لا حياة إلا بالاستهلال، وهو قول أحمد في رواية وإسحاق والزهري وغيرهما، اهـ. (١) انظر («المغني)) (١٢ /٧٤). (٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٨/٩). (٣) أخرجه الدارقطني (٣٩٣/٢). ٦١٣ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب ( ١٥١٠) حديث وَنَرَى أَنَّ فِي جَنِيْنِ الْأَمَةِ عُشْرَ ثَمَنِ أُمِّهِ. (قال) مالك: (ونرى أن في جنين الأمة عشر) بضم العين وسكون الشين (ثمن أمه) قال الباجي(١): هذا إذا كان ابنها من غير سيدها، فإذا كان ابنها من سيدها، فحكمه حكم ولد الحرة. قال الزرقاني(٢): سواء كان الجنين ذكراً أو أنثى، وبه قال أهل المدينة والشافعي وغيرهم، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: كذلك إن كان أنثى، وإن كان ذكراً فنصف عشر قيمة نفسه، وقال داود: لا شيء في جنين الأمة مطلقاً، اهـ. وقال الموفق(٣): إذا كان جنين الأمة مملوكاً فسقط من الضربة ميتاً، ففيه عشر قيمة أمه، سواء كان الجنين ذكراً أو أنثى، وهو قول الحسن وقتادة ومالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وقال زيد بن أسلم: يجب فيه نصف عشر غرة وهو خمسة دنانير، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يجب فيه نصف عشر قيمته إن كان ذكراً، وعشر قيمته إن كان أنثى، لأن الغرة واجبة في جنين الحرة نصف عشر دية الرجل وعشر دية الأنثى، وهذا متلف فاعتباره بنفسه أولى من اعتباره بأمه، ولأنه جنين متلف بالضربة، فكان فيه نصف العشر الواجب فيه إذا كان ذكراً كبيراً، وعشر الواجب إذا كان أنثى كجنين الحرة، وقال محمد بن الحسن: مذهب أهل المدينة يفضي إلى أن يجب في الجنين الميت أكثر من قیمته إذا كان حياً . ولنا، أنه جنين مات بالجناية في بطن أمه فلم يختلف ضمانه بالذكورة والأنوثة كجنين الحرة، وما ذكروه من مخالفة الأصل معارض بأن مذهبهم يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذكر، وهو مخالف الأصل، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٨٢/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٨٣/٤). (٣) ((المغني)) (٦٩/١٢). ٦١٤ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا قَتَلَتِ الْمَرْأَةُ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً عَمْداً. وَالَّتِي قَتَلَتْ حَامِلٌ. لَمْ يُقَدْ مِنْهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، وفي ((الهداية)) (١): في جنين الأمة إذا كان ذكراً نصف عشر قيمته لو كان حياً، وعشر قيمته لو كان أنثى، وقال الشافعي: فيه عشر قيمة الأم؛ لأنه جزء من وجه، وضمان الأجزاء يؤخذ مقدارها من الأصل، ولنا، أنه بدل نفسه؛ لأن ضمان الطرف لا يجب إلا عند ظهور النقصان من الأصل، ولا معتبر به في ضمان الجنين، فكان بدل نفسه، فيقدر بها، وقال أبو يوسف: يجب ضمان النقصان لو انتقصت الأم اعتباراً بجنين البهائم، اهـ. يعني لا يجب عند أبي يوسف إلا ضمان نقصان الأم إن تمكن فيه نقص، فإن لم يتمكن لا يجب فيه شيء، كما في جنين البهائم، وعلم من هذا أيضاً أن ما حكى العلامة الزرقاني من مذهب الحنفية فيه تسامح. (قال مالك: وإذا قتلت) ببناء الفاعل (المرأة) فاعله (رجلاً أو امرأة) أي ذكراً أو أنثى (عمداً و) الحال أن (التي قتلت) ببناء الفاعل (حامل لم يقد) ببناء المفعول أي لم يقتص (منها حتى تضع) المرأة المذكورة القاتلة (حملها) لئلا تؤخذ نفسان في نفس واحدة. قال الموفق(٢): لا يجوز أن يقتصّ من حامل قبل وضعها، سواء كانت حاملاً وقت الجناية، أو حملت بعدها قبل الاستيفاء، وسواء كان القصاص في النفس أو في الطرف، أما في النفس فلقوله تعالى: ﴿فَلاَ يُسْرِفِ فِىِ الْقَتْلِ﴾(٣)، وقتل الحامل قتل لغير القاتل فيكون إسرافاً . وروى ابن ماجه(٤) بسنده عن عبد الرحمن بن غنم قال: ثنا معاذ بن جبل (١) (٢/ ٤٧٢). (٢) ((المغني)) (١١/ ٥٦٧). (٣) سورة الإسراء: الآية ٣٣. (٤) ((سنن ابن ماجه)) (٨٩٨/٢). ٦١٥ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حديث وَإِنْ قُتِلَتْ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ، عَمْداً أَوْ خَطَأَ. فَلَيْسَ عَلَى مَنْ قَتَلَهَا فِي جَنِينِهَا شَيْءٌ. فَإِنْ قُتِلَتْ عَمْدَاً قُتِلَ الَّذِي قَتَلَهَا، وَلَيْسَ فِي جَنِينِهَا دِيَةٌ، وَإِنْ قُتِلَتْ خَطَأَ فَعَلَى عَاقِلَةٍ قَاتِلِهَا دِيَتُهَا . وَلَيْسَ فِي جَنِينِهَا دِيَةٌ. وأبو عبيدة بن الجراح وعبادة بن الصامت وشدّاد بن أوس قالوا: إن رسول الله وَ﴿ قال: ((إذا قتلت المرأة عمداً، لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملاً، وحتى تَكْفُلَ وَلَدَها، وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها، وحتى تكفل ولدها))، وهذا نص، ولأن النبي وَ لل قال للغامدية المقرة بالزنا: ((ارجعي حتى تضعي ما في بطنك، ثم قال لها: ارجعي حتى ترضعيه))، ولأن هذا إجماع من أهل العلم لا نعلم بينهم فيه اختلافاً، اهـ. (وإن قتلت) ببناء المجهول (المرأة) أي هند مثلاً (وهي) أي هند المقتولة (حامل) سواء قتلت (عمداً أو خطأ فليس على من قتلها) أي على قاتل هند (في جنينها) أي في ولد هند (شيء) اسم ليس. ثم فصل قتل العمد والخطأ فقال: (فإن قتلت) ببناء المجهول (عمداً قتل) ببناء المجهول (الذي قتلها) ببناء الفاعل أي قتل القاتل قصاصاً (وليس) على القاتل (في جنينها) أي في جنين هند (دية) وإلى ههنا تم الكلام في جميع النسخ المصرية غير الزرقاني، وليس فيها الكلام الآتي المتعلق بقتل الخطأ، وزاد في نسخة الزرقاني وجميع النسخ الهندية (وإن قتلت) ببناء المجهول أي قتلت هند (خطأ فعلى عاقلة قاتلها ديتها) لأنها وظيفة قتل الخطأ (وليس) في هذه الصورة أيضاً (في جنينها) أي في جنين هند المقتولة (دية) كما لم تكن في قتل العمد. قال الباجي(١): يريد إن بقي في بطنها، ولم يخرج حياً ولا ميتاً قبل موتها؛ لأنها إذا ماتت ومات قبل أن يفارقها، فإنما هو عضو من أعضائها فليس فيه شيء، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٨٢/٧). ٦١٦ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حديث وحدّثني يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ جَنِينِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ يُطْرَحُ؟ فَقَالَ: أَرَى أَنَّ فِيهِ عُشْرَ دِيَةٍ أُمِّهِ . قال صاحب ((المحلى)): وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يجب الغرة مع دية الأم، وهو قول أحمد؛ لأن الظاهر موته بالضرب، فيكون متعلقاً بنفسين، فيلزم بدل كل منهما، واحتج الأولون بأن موت الجنين يحتمل أن یکون بموت الأم، فلا یجب ضمانه بالشك، اهـ. قال الموفق(١): لو قتل حاملاً لم يسقط جنينها لم يضمن الجنين، وبهذا قال مالك وقتادة والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وحكي عن الزهري أن عليه الغرة؛ لأن الظاهر أنه قتل الجنين، فلزمته الغرة كما لو أسقطت، ولنا، أنه لا يثبت حكم الولد إلا بخروجه، ولذا لا تصح له وصية ولا ميراث، ولا يجب الضمان بالشك، فأما إذا ألقته ميتاً فقد تحقق، والظاهر تلفه من الضربة فيجب ضمانه، سواء ألقته في حياتها أو بعد موتها، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: إن ألقته بعد موتها لم يضمنه؛ لأنه يجري مجرى أعضائها، وبموتها سقط حكم أعضائها، ولنا، أنه جنين تلف لجنايته. وعلم ذلك بخروجه، فوجب ضمانه، كما لو سقط في حياتها، اهـ. وقد عرفت ما في ((المحلى)): أنهم لم يوجبوا الضمان لاحتمال أن موت الجنين وقع لموت أمه، وعلم منه أيضاً أن المسألة خلافية، فما في الزرقاني من إجماع الفقهاء على ذلك ما خلا الليث وأهل الظاهر مشكل. (وسئل) ببناء المجهول، الإمام (مالك عن) الواجب في (جنين اليهودية والنصرانية يطرح؟) ببناء المجهول أي يلقى بالضرب وغيره (فقال) مالك: (أرى أن فيه) أي في الجنين المذكور (عشر) بضم العين وسكون الشين (دية أمه) قال الزرقاني(٢): وهي نصف دية المسلمة. (١) «المغني)) (٦٢/١٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٨٤/٤). ٦١٧ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حديث قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن هذا حكم دية اليهودية والنصرانية الحرة، إذا كان ابنها من يهودي أو نصراني، قال في ((المجموعة)): وكذلك في المجوسية، وذلك إذا كان حملها من زوج، سواء كان عبداً أو حراً كافراً، أما إن كان من سيدها فإنما فيه ما في جنين الحرة المسلمة؛ لأنه حر ومسلم لكونه لأبيه وهو مسلم؛ لأنه تبع في الدين لأبيه، وكذلك إن كانت الكتابية حرة تحت مسلم كان فيه الغرة؛ لأنه حر لكون أمه حرة، ومسلم لكون أبيه مسلماً، قاله في ((المجموعة))، اهـ. قال الموفق(٢): إن جنين الحرة المسلمة لا يكون إلا حراً مسلماً، فمتى كان الجنين حراً مسلماً ففيه الغرة، وإن كانت أمة كافرة أو أمة، مثل أن يتزوج المسلم كتابية، فإن جنينها منه محكوم بإسلامه، وفيه الغرة ولا يرث منها شيئاً؛ لأنه مسلم، وولد السيد من أمته حر، وفيه غرة، فأما إن كان الجنين محكوماً برقه لم تجب فيه الغرة، وتقدم بيانه قريباً. قال: وأما جنين الكتابية والمجوسية إذا كان محكوماً بكفره، ففيه عشر دية أمه، وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، قال ابن المنذر: ولم أحفظ عن غيرهم خلافهم، وذلك لأن جنين الحرة المسلمة مضمون بعشر دية أمه، فكذلك جنين الكافرة، إلا أن أصحاب الرأي يرون أن دية الكافرة كدية المسلمة، فلا يتحقق عندهم بينهما اختلاف، ولا فرق فيما ذكرناه بين كون الجنين ذكراً أو أنثى؛ لأن السنة لم تفرق بينهما، وبه يقول الشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وعامة أهل العلم، اهـ. قلت: ما حكى ابن المنذر من الإجماع على ذلك لا يخالف من نقل (١) ((المنتقى)) (٨٢/٧). (٢) ((المغني)) (٦٠/١٢). ٦١٨ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥١٠) حديث اختلاف الأئمة في ذلك، فإن اختلافهم مبني على الاختلاف في دية الكتابية، قال صاحب ((المحلى)) بعد قول مالك: أرى أن فيه عشر دية أمه: وهي في الفضة عنده على نصف دية المسلمة، فيكون عشره ثلثمائة درهم، وعند الشافعي على أصح أقواله ديتها ثلث دية المسلمة، فعشره مائتا درهم، وأما عند أبي حنيفة فدية الكتابية مثل دية المسلمة، اهـ. قال الموفق(١): دية الحر الكتابي نصف دية الحر المسلم، ونساؤهم على النصف من دياتهم، وهذا ظاهر المذهب وهو مذهب مالك، وعن أحمد أنها ثلث دية المسلم إلا أنه رجع عنها، فإن صالحاً روى عنه أنه قال: كنت أقول: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، وأنا اليوم أذهبُ إلى نصف دية المسلم، وهذا صريح في الرجوع عنه، وروي عن عمر وعثمان أن ديته أربعة آلاف درهم، وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور وغيرهم، وقال علقمة ومجاهد والشعبي والنخعي والثوري وأبو حنيفة، ديته كدية المسلم، وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن مسعود ومعاوية، وهو قول ابن المسيب والزهري، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي وَلري قال: ((دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم)). ولنا، ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله وَل ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف، وهذا من حديث عمرو بن شعيب أصح مما رووه، اهـ. وفيه أن هذا الحديث ليس معمولاً به عندهم أيضاً، فإنهم قالوا: إن الدية اثنا عشر ألفاً . (١) ((المغني)) (٥١/١٢). ٦١٩ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب (٨) باب ما فيه الدية كاملة (٨) ما فيه الدية كاملة يعني الجنايات التي تجب فيها الدية التامة، قال الموفق(١): وجملة ذلك أن كل عضو لم يخلق الله تعالى في الإنسان منه إلا واحداً كاللسان والأنف والذكر، ففيه دية كاملة؛ لأنَّ إتلافه إذهاب منفعة الجنس، وإذهابها كإتلاف النفس، وما فيه منه شيئان كاليدين والرجلين والعينين والأذنين والشفتين والمنخرين والخصيتين والثديين والأليتين ففيهما الدية كاملة؛ لأن في إتلافهما إذهاب منفعة الجنس، وفي إحداهما النصف؛ لأن في إتلافه إذهاب نصف منفعة الجنس، وهذه الجملة مذهب الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفاً، وفي كتابه 18 لعمرو بن حزم: ((في اللسان الدية، وفي الشفتين الدية))، الحديث، أخرجه النسائي(٢) وغيره، ورواه ابن عبد البر، وقال: كتاب عمرو بن حزم معروف عند الفقهاء، وما فيه متفقٌ عليه عند العلماء إلا قليلاً. ثم قال: وما في الإنسان منه أربعة أشياء ففيها الدية، وفي كل واحد منها ربع الدية، وهو أجفان العينين، وأهدابها، وما فيه منه عشرة، ففيها الدية، وفي كل واحد منها عشرها، وهي أصابع اليدين وأصابع الرجلين، وليس في البدن شيء من جنس يزيد على الدية إلا الأسنان، فإن في كل سن خمس من الإبل فتزيد على الدية، وقد روي أنه ليس فيها إلا الدية قياساً على سائر البدن، والصحيح الأول؛ لأن الخبر عن النبي و 18 ورد بإيجاب خمس في كل سن، فيجب العمل به وإن خالف القياس، اهـ. وسيأتي الكلام على دية الإنسان في محله، وما حكى الموفق من الأصول مروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، ففي ((مجمع الزوائد))(٣) عن (١). انظر: ((المغني)) (١٠٥/١٢). (٢) ((المجتبى)) (٥٢/٨)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٨٣/٨، ١٠٠). (٣) (٤٦٧/٦) (١٠٧٧٧). ٦٢٠