Indexed OCR Text

Pages 561-580

٤١ - كتاب العقول
(٣) باب
حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَانَ يَقُولُ فِي دِيَةِ
الْعَمْدِ إِذَا قُبِلَتْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ. وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ
لَبُونٍ. وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً. وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً.
وما حكي الإجماع على أن هذه الدية منجمة، يخالفه ما سيأتي قريباً من
مشهور مذهب مالك أنها حالَّةٌ يجب في مال الجاني لا على العاقلة.
(مالك أن ابن شهاب) الزهري (كان يقول في) ليس في النسخ الهندية لفظ
في (دية) القتل (العمد إذا قبلت) الدية برضا الفريقين عند أبي حنيفة والمشهور
عن مالك، أو برضا ولي المقتول فقط عند الشافعي وأحمد، كما تقدم قريباً
(خمس وعشرون بنت مخاض) بفتح الميم والمعجمة الخفيفة ذو سنة كاملة
(وخمس وعشرون بنت لبون) ذو سنتين (وخمس وعشرون حقة) بكسر المهملة
وشدة القاف ذو ثلاث سنين (وخمس وعشرون جذعة) بفتح الجيم والذال
المعجمة ذو أربع سنين، تقدم البسط في هذه الأسنان في كتاب الزكاة.
قال الباجي(١): يريد أنها أرباع، فتعلق التغليظ للعمد بالزيادة في السن
دون العدد، والمشهور من قول مالك أن دية العمد أرباع على ما تقدم من قول
ابن شهاب، وقال الشافعي: دية العمد أثلاثاً كدية التغليظ، وما قلنا هو
المشهور عن مالك، وقال ابن نافع في ((المجموعة)): إنما ذلك إذا قبلت في
العمد دية مبهمة، وأما إن اصطلحوا على شيء بعينه فهو ماضٍ، ومن(٢)
(الموازية)): إن اصطلحوا على شيء فهو ذلك، وإن وقع الصلح على دية
مبهمة، أو عفا بعض الأولياء، فرجع الأمر إلى الدية، فهي مثل دية الخطأ.
وجه قول ابن نافع أن العمد يقتضي التغليظ بمجرده، فإذا أبهمت الدية
حملت على ذلك، وجه رواية ابن المواز أن الدية على الإطلاق إنما هي لدية
(١) ((المنتقى)) (٧/ ٧٠).
(٢) كذا في الأصل.
٥٦١

٤١ - كتاب العقول
(٣) باب
الخطأ، فإذا أطلق لفظ الدية اقتضاها، ثم دية العمد لا تحملها العاقلة، وهي في
مال الجاني، وهل تكون حالةً أو منجمةً؟ ففي ((المجموعة)) و((الموازية)) عن
مالك: هي حالةٌ غير منجمة، وفي ((الموازية)): أنها منجمة في ثلاث سنين، وجه
القول الأول أنها دية لا تحملها العاقلة، فكانت حالّةً، ووجه الرواية الثانية أنها
دية كاملة، فكانت منجمة على ثلاثة أعوام كالتي تحملها العاقلة، اهـ.
قال الدردير(١): دية الخطأ على البادي مخمسة: بنت مخاض، وبنت
لبون، وابن لبون، وحقة، وجذعة، وربِّعت بحذف ابن لبون في عمدٍ لا
قصاص فيه، كأن يحصل عفو عليها مبهمة، أو يعفو بعض الأولياء مجاناً،
فللباقي نصيبه من دية عمد، قال الدسوقي: قوله: وربعت أي على أهل البادية،
والمشهور أن دية العمد حالة إلا أن يشترط الأجل، وقيل: إنها تنجم كدية
الخطأ، اهـ. قلت: وصرح الدردير بأن هذه الدية في مال الجاني حالًا .
قال صاحب ((المحلى)) بعد أثر الباب: وهذا قول ربيعة، وإليه ذهب
مالك وأبو حنيفة وأحمد، وقال محمد بن الحسن والشافعي: الدية في قتل
العمد، وشبه العمد مغلظة أثلاثاً، كما رواه الترمذي، وقال: حسن غريب عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً. ((من قتل متعمداً دفع إلى أولياء
المقتول، فإن شاؤُوا قَتَلُوه، وإن شاؤُوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة،
وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صالحوا عليه فهو لهم)).
قال في ((الهداية)): وما رواه الشافعي ومحمد غير ثابت لاختلاف
الصحابة، زاد في ((الكفاية)): وهذا الحديث قاله النبي ◌ّ في حجة الوداع
بمحضرٍ من الصحابة، فلو كان صحيحاً عندهم لما اختلفوا فيه، وابن مسعود
قال بالتغليظ أرباعاً، كما ذكرنا، فهو كالمرفوع فيعارض به، اهـ.
(١) ((الشرح الكبير)) (٢٦٦/٤).
٥٦٢

٤١ - كتاب العقول
(٣) باب
(١٥٠٧) حدیث
٣/١٥٠٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَم كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّهُ أُتِيَ بِمَجْنُونٍ
قَتَلَ رَجُلاً. فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: أَنِ اعْقِلْهُ وَلَا تُقِدْ مِنْهُ. فَإِنَّهُ لَيْسَ
عَلَى مَجْنُونٍ قَوَدٌ.
واستدل له الموفق بما روي عن السائب بن يزيد قال: كانت الديةُ على
عهد رسول الله وَل أرباعاً، خمساً وعشرين جذعة، الحديث.
٣/١٥٠٧ - (مالك، عن يحيى بن سعيد أن مروان بن الحكم) أمير المدينة
(كتب إلى) أمير المؤمنين (معاوية بن أبي سفيان) كتاباً وأرسله إليه بالشام (أنه
أتي) ببناء المجهول أي عنده (بمجنون قتل) ببناء الفاعل (رجلاً) فكيف يفعل به؟
(فكتب إليه) أي إلى مروان (معاوية أن اعقله) قال الزرقاني(١): بهمزة وصل،
وسكون العين، وكسر القاف، احبسه بالعقال القيد، اهـ. هكذا قال، وليس
بوجيه عندي، بل الظاهر ما في ((المحلى)): أي أدِّ الدية (ولا تُقِد) بضم فكسر
أي لا تقتص (منه فإنه ليس على مجنون قود) بفتحتين أي قصاص.
قال الباجي(٢): إن مروان كتب إلى معاوية، يسأله على ما يلزم الأمراء
والحكام من الرجوع فيما أشكل عليهم إلى قول الأئمة، لا سيما من كان منهم
صحب النبي ◌ّير، فأجابه معاوية بأن حكم المجنون القاتل أن يعقل ولا يقاد
منه، ووجه ذلك أن فعله هذا من غير قصد، فأشبه قتل الخطأ، وقتل الخطأ
يختص بالعقل دون القصاص، اهـ.
قال الموفق(٣): لا خلاف بين أهل العلم أنه لا قصاص على صبي ولا
مجنون، وكذلك كل زائل العقل بسبب يعذر فيه، كالنائم والمغمى عليه،
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٧٧/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٧١/٧).
(٣) ((المغني)) (١١ /٤٨١).
٥٦٣

٤١ - كتاب العقول
(٣) باب
(١٥٠٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ إِذَا قَتَلَا رَجُلاً جَمِيعاً عَمْداً:
إِنَّ عَلَى الْكَبِيرِ أَنْ يُقْتَلَ. وَعَلَى الصَّغِيرِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
ونحوهما، والأصل فيه، قول النبي ◌ّلجر: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي
حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق))(١)، ولأن
القصاص عقوبة مغلظة، فلم تجب على الصبيّ، وزائل العقل، كالحدود،
ولأنهم ليس لهم قصد صحيح، فهم كالقاتل خطأ، اهـ.
وفي ((الهداية))(٢): عمد الصبي والمجنون خطأ، وفيه الدية على العاقلة،
والمعتوه كالمجنون، وقال الشافعي: عمده عمد حتى تجب الدية في ماله؛ لأنه
عمدٌ حقيقة، غير أنه تخلف عنه أحد حكميه، وهو القصاص، فيستحب عليه
حكمه الآخر، وهو الوجوب في ماله، ولنا، ما روي عن علي - رضي الله عنه -
أنه جعل عقل المجنون على عاقلته، وقال: عمده وخطؤه سواءٌ، ولأن الصبي
مَظِنَةُ الرحمة، والعاقل الخاطئ لما استحق التخفيف حتى وجبت الدية على
العاقلة، فالصبي وهو أعذر أولى بهذا التخفيف، اهـ.
(قال مالك في الكبير والصغير إذا قتلا رجلاً جميعاً) تأكيد لضمير قتلا أي
اشتركا في قتله (عمداً) فإن الخطأ لا قود فيه، فقال مالك في الصورة
المذكورة: (إن على الكبير أن يقتل) ببناء المجهول؛ لأن موجب القتل العمد
القصاص (وعلى الصغير) هكذا في النسخ المصرية بلفظ الواو، وهو الصواب،
فما في النسخ الهندية بلفظ ((أو)) تحريف من الناسخ (نصف الدية) لأنه لا قود
على الصغير إجماعاً، كما تقدم في القول السابق.
قال الباجي(٣): وهذا كما قال مالك: وذلك أن الكبير والصغير إذا قتلا
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)، والترمذي (١٤٢٣)، وابن ماجه (٢٠٤١)، والنسائي
(١٥٦/٦)، والدارمي (٢٢٩٦).
(٢) (٤٧٠/٢).
(٣) ((المنتقى)) (٧١/٧).
٥٦٤

٤١ - كتاب العقول
(٣) باب
(١٥٠٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذْلِكَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ
رجلاً جميعاً، فلا يخلو أن يقتلاه خطأ أو عمداً، أو يقتله أحدهما خطأ والآخر
عمداً، فإن قتلاه خطأ، فلا خلاف أن على عاقلة كل واحد منهما الدية، وإن
قتلاه عمداً. فقد قال مالك: يقتل الكبير، وعلى الصغير نصف الدية، وقال أبو
حنيفة والشافعي: لا يقتل الكبير.
والدليل على ما نقوله أن القتل كله عمداً، وإنما يسقط القتل عن الصغير
لصغره وعدم تكليفه، وإن كان قتل أحدهما خطأ، والآخر عمداً، فإن كان
الخطأ من الكبير، فعلى كل واحد منهما نصف الدية، وإن كان الخطأ من
الصغير والعمد من الكبير، فقد قال ابن القاسم: عليهما الدية، ولا يقتل
الكبير، قال في ((الموازية)): فلا يدرى من أيهما مات، وقال أشهب: يقتل
الكبير، واختاره ابن المواز، اهـ.
قال الخرقي: إذا اشترك في القتل صبي ومجنون وبالغ، لم يقتل واحد
منهم، وعلى العاقل ثلث الدية في ماله، وعلى عاقلة كل واحد من الصبي
والمجنون ثلث الدية، وعتق رقبتين في أموالهما؛ لأن عمدهما خطأ.
قال الموفق(١): هذا هو الصحيح في المذهب، وبه قال الحسن،
والأوزاعي، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأصحابه، وهو أحد قولي الشافعي، وعن
أحمد رواية أخرى أن القود يجب على البالغ العاقل، حكاها ابن المنذر عن
أحمد، وحكي ذلك عن مالك، وهو القول الثاني للشافعي، وروي ذلك عن
قتادة والزهري وحماد؛ لأن القصاص عقوبة تجب عليه بفعله، فمتى كان فعله
عمداً عدواناً، وجب القصاص عليه، ولا ننظر إلى فعل شريكه بحال، ولنا،
أنه شارك من لا إثم عليه في فعله، فلم يلزمه قصاص كشريك الخاطئ، اهـ.
(قال مالك: وكذلك) أي مثل اشتراك الكبير والصغير (الحر والعبد
(١) ((المغني)) (٤٩٨/١١).
٥٦٥

٤١ - كتاب العقول
(٤) باب
(١٥٠٧) حديث
يُقْتَلانِ الْعَبْدَ فَيُقْتَلُ الْعَبُدُ وَيَكُونُ عَلَى الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَتِهِ.
(٤) باب دية الخطأ في القتل
يقتلان) جميعاً (العبد) أي الرقيق عمداً (فيقتل) ببناء المجهول (العبد) القاتل
قصاصاً لمساواته بالمقتول (ويكون على الحر) القاتل (نصف قيمته) قال
الزرقاني(١): ولو زادت على الدية ولا يقتل لعدم المساواة، اهـ.
قال الباجي(٢): وهذا على ما قاله، وذلك أن من مذهب مالك أن الحر
لا يقتل بالعبد، ويقتل العبد بالحر، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يقتل
بعبد غيره، فإذا ثبت أن الحر لا يقتل بالعبد، وقتل عبداً حر وعبد، فإنه لا
يقتل الحر، ويقتل العبد؛ لأن القتل كله قتل عمد، فما سقط من القصاص عن
الحر لنقص المقتول بالرق، لا يسقط ذلك عن العبد القاتل؛ لأنه مساو له في
الحرمة، اهـ.
وحكى الموفق(٣) عن عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن حر وعبد
قتلا عبداً عمداً؟ قال: أما الحر، فلا يقتل بالعبد، وعلى الحر نصف قيمة العبد
في ماله، والعبد إن شاء سيده، أسلمه، وإلا فداه بنصف قيمة العبد، وظاهر
هذا أنه لا قصاص على العبد، اهـ. وأما اختلافهم في قتل الحر بالعبد،
فسيأتي في آخر باب القصاص في القتل.
(٤) دية الخطأ في القتل
قال الموفق(٤): لا يختلف المذهب في أن دية الخطأ أخماساً: عشرون
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ١٧٧).
(٢) ((المنتقى)) (٧٢/٧).
(٣) («المغني)) (٤٩٨/١١).
(٤) («المغني)) (١٩/١٢).
٥٦٦

٤١ - كتاب العقول
(٤) باب
بنت مخاض، وعشرون بنو مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقة،
وعشرون جذعة، وهذا قول ابن مسعود والنخعي وأصحاب الرأي وابن المنذر،
وقال عمر بن عبد العزيز والزهري والليث وربيعة ومالك والشافعي: هي
أخماس إلا أنهم جعلوا مكان بني مخاض بني لبون، وهكذا روي عن ابن
مسعود، وروي عن علي والحسن والشعبي والحارث العكلي وإسحاق أنها
أرباع، كدية العمد سواء.
وعن زيد أنها ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون ابن لبون،
وعشرون بنت مخاض، وقال طاووس: ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون،
وثلاثون بنت مخاض، وعشر بني لبون، كما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده مرفوعاً عند أبي داود وابن ماجه، وقال أبو ثور: الديات كلها أخماس
كدية الخطأ، لأنها بدل متلف، فلا تختلف بالعمد والخطأ كسائر المتلفات،
وحكي عنه أن دية العمد مغلَّظة، ودية شبه العمد والخطأ أخماس؛ لأن شبه
العمد تحمله العاقلة، فكان أخماساً كدية الخطأ.
ولنا، ما روى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَلور: ((في دية
الخطأ عشرون حقة))، فذكر مثل قولنا، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه(١)،
ولأن ابن لبون يجب على طريق البدل عن ابنة مخاض في الزكاة إذا لم
يجدها، فلا يجمع بين البدل والمبدل في واجب، ولأن موجبهما واحد، فيصير
كأنه أوجب أربعين بنت مخاض، ولأن ما قلناه الأقل، فالزيادة عليه لا تثبت
إلا بتوقيف، يجب على من ادّعاه الدليل، فأما دية قتيل خيبر، فلا حجة لهم
فيه؛ لأنهم ادّعوا عليهم قتله عمداً، فتكون ديته دية العمد، وهي من أسنان
الصدقة، والخلاف في دية الخطأ، وقول أبي ثور يخالف الآثار التي ذكرناها
فلا يعول عليه.
(١) أخرجه أبو داود (٤٩١/٢)، والنسائي (٣٩/٨)، وابن ماجه (٨٧٩/٢).
٥٦٧

٤١ - كتاب العقول
(٤) باب
(١٥٠٨) حدیث
٤/١٥٠٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ
أَجْرَى فَرَساً فَوَطِئَ عَلَى إِصْبَعِ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ. فَنُزِيَ مِنْهَا
ثم قال: ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن دية الخطأ على العاقلة،
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وقد ثبتت
الأخبار عن رسول الله وَ ل﴿ أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة، وأجمع أهل العلم
على القول به، وأيضاً لا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين، فإن عمر
وعلياً جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين، ولا نعرف لهما في الصحابة
مخالفاً، فاتبعهم على ذلك أهل العلم، ولا يلزم القاتل شيء من الدية، وبهذا
قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: هو كواحد من أهل العاقلة، أهـ.
٤/١٥٠٨ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عراك) بكسر العين
المهملة فراء خفيفة فألف وكاف، هكذا ضبطه الزرقاني وغيره، قال صاحب
((التعليق الممجد))(١): وليس هو بفتح العين وتشديد الراء، كما ظنه القاري، اهـ.
(ابن مالك) الغفاري (وسليمان بن يسار) بفتح التحتية وخفة المهملة، أحد
الفقهاء السبعة، زاد محمد في ((موطئه)): أنهما حدثاه، يعني الزهري (أن رجلاً)
لم يسم (من بني سعد بن ليث) بن بكر بن عبد مناف، والنسبة إليه السعدي
(أجرى) بفتح الألف وسكون الجيم (فرساً) أي أسرعه جرياً وسيراً (فوطئ) أي
مشى حافر فرسه، وليس في أكثر النسخ المصرية لفظ: فوطئ، بل فيها أجرى
فرساً على أصبع، وهو موجود في ((موطأ محمد)) أيضاً (على أصبع رجل من
جهينة) بضم الجيم وفتح الهاء قبيلة من قضاعة، والنسبة إليه الجهني، ولفظ
محمد: رجل من بني جهينة.
(فنُزِي) بضم النون وكسر الزاي (منها) أي سال منها الدم، يقال: أصابه
(١) (٣٥/٣).
٥٦٨

٤١ - كتاب العقول
(٤) باب
(١٥٠٨) حديث
فَمَاتَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلَّذِي ادُّعِيَ عَلَيْهِمْ: أَتَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
خَمْسِينَ يَمِيناً مَا مَاتَ مِنْهَا؟ فَأَبَوْا وَتَحَرَّجُوا. وَقَالَ لِلْآخَرِينَ:
أَتَحْلِفُونَ أَنْتُمْ؟ فَأَبُوا فَقَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِشَطْرِ الدِّيَةِ عَلَى
السَّعْدِيِّينَ .
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا.
جرح، فنزي منه: إذا أصابته جراحة، فجرى دمه ولم ينقطع، ولفظ محمد:
((فنزف منها))، وفي هامشه يقال: نزف الدم بفتح الزاي أي سَالَ (فمات)
الجهني (فقال عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (الذي) هكذا في جميع النسخ
الهندية والمصرية بلفظ المفرد (ادُعِيَ) ببناء المجهول (عليهم) بضمير الجمع في
النسخ الهندية وبعض المصرية، وفي أكثرها بلفظ عليه بالإفراد، والمراد أولياء
السعدي الذي أجرى الفرس (أتحلفون) بهمزة الاستفهام (بالله خمسين يميناً) بأن
الجهني (ما مات منها) أي من الفعلة المذكورة، ولأجل ذلك ذكر محمد في
(«موطئه)) الأثر المذكور في باب القسامة.
قال الباجي: أمر عمر - رضي الله عنه - السَّعديين أن يحلفوا بالله ما مات
منها على باب القسامة، إلا أن عمر - رضي الله عنه - رأى أن يبدأ المدعى
عليهم بالأيمان، ومذهب مالك وغيره من العلماء أن يبدأ المدّعون، ولذا قال
مالك: ليس العمل على هذا، اهـ.
(فأبوا) أي أنكر السعديون أن يحلفوا (وتحرجوا) بالحاء المهملة والجيم
بينهما راء مشددة، يقال: تحرج فلان، أي تجنب الحرج، وهو الإثم (فقال)
عمر - رضي الله عنه - (للآخرين) أي المدعيين، وهم الجهنيون أولياء المقتول
(أتحلفون أنتم) أنه مات منها (فأبوا) أي امتنعوا من الحلف (فقضى عمر)
رضي الله عنه (بشطر) أي نصف (الدية على السعديين) أي على عاقلة الذي
أجرى الفرس.
(قال مالك: وليس العمل على هذا) الذي ذكر، قال الزرقاني: يعني
٥٦٩

٤١ - كتاب العقول
(٤) باب
(١٥٠٨) حديث
القضاء بشطر الدية، وتبدئة المدعى عليهم بالحلف، والمصير إلى الأحاديث
الدالة على تبدئة المدعين في القسامة أولى في الحجة من قول الصاحب،
ويعضده إجماع أهل المدينة والحجازيين عليه، كما يأتي بسطه، اهـ.
قال الباجي(١): لما أبى المدعى عليهم والمدّعون من الأيمان، قضى
عمر - رضي الله عنه - بشطر الدية على أنه أصلح بينهم على هذا، فسماه قضاء
بما يوجد من جهته، وإلا فالقضاء يجب أن يكون من ردت عليه اليمين،
فنكل، قضى عليه، وفي مسألتنا إذا ردت الأيمان على المدعى عليهم فنكلوا،
فعن مالك روايتان: إحداهما، أنهم يحبسون حتى يحلفوا، فإن طال حبسهم
خلوا، والرواية الثانية، أن الدية تلزمهم بالنكول، وأبو حنيفة يقول: يبدأ
المدعی علیھم بالیمین، ولا یری رد الیمین.
ويحتمل أن يكون قول مالك: ليس العمل على هذا، يريد ما تقدم من
تبدئة المدعى عليهم، والقضاء بينهم بنصف الدية إن حمل قوله: فقضى عمر
على أن ذلك حكم قضى به بينهم من غير أن يعتبر في ذلك برضاهم، اهـ.
وفي (التعليق الممجد)): (٢) هذا بظاهره مشكلٌ، لأنه إن ثبت عنده كون
القتل بسببه، يجب أن يحكم بكل الدية، وإن لم يثبت يلزم أن لا يحكم بشيء،
فما معنى إيجاب الشطر؟ وجوابه أنه حكم مصلحة رفعاً للنزاع واستطابةً
للأنفس على وجه القضاء.
قال مولانا الشاه ولي الله الدهلوي في رسالته ((تدوين مذهب عمر)) المدرجة
في كتابه ((إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء)) بعد ذكر هذا الأثر: قال مالك: ليس
العمل على هذا، وقال الشافعي نحواً من ذلك، قلت: إن البداية أما بالمدعى
(١) ((المنتقى)) (٧٣/٧).
(٢) (٣٧/٣).
٥٧٠

٤١ - كتاب العقول
(٤) باب
(١٥٠٨) حدیث
وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أنَّ ابْنَ شِهَابِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ
وَرَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ كَانُوا يَقُولُونَ: دِيَّةُ الْخَطَإِ
عليهم، فأظن أن عمر - رضي الله عنه - كان عنده أنه يجوز أن يبدأ بهؤلاء وهؤلاء،
فالبداية بالمدعى عليهم هو القياس، والبداية بالمدعين محوّل عن القياس احتياطاً
لأمر القتل.
وأما قضاؤه بنصف الدية على السعديين، فيجري فيه ما قال البغوي في
حديث جرير بن عبد الله البجليّ، بعث رسول الله وَلّ سرية إلى خثعم،
فاعتصم ناسٌ منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي وَّةٍ، فأمر
بنصف العقل، الحديث، أخرجه أبو داود وغيره، فقال أي البغوي: أمر
بنصف الدية استطابة لأنفس أهليهم، أو زجراً للمسلمين في ترك التثبت عند
وقوع الشبهة.
والأوجه عندي أنه على طريق الصلح يشهد له كتاب عمر - رضي الله
عنه - إلى أبي عبيدة بن الجراح: واحرص على الصلح إذا لم يستبن لك
القضاء، انتهى ما في ((الإزالة))(١).
(مالك أن ابن شهاب) الزهري (وسليمان بن يسار) الهلالي هكذا في
جميع النسخ الهندية والمصرية من المتون والشروح في ((موطأ يحيى)) بواو
العطف بين الزهري وسليمان، وفي ((موطأ محمد))(٢) بلفظ ((عن)) بين ابن شهاب
وسليمان، وسياقه: مالك أخبرنا ابن شهاب عن سليمان بن يسار أنه كان
يقول: في دية الخطأ، الحديث. وأخرجه البيهقي بسنديه إلى عبد الله بن
وهب، والشافعي كلاهما عن مالك عن ابن شهاب وربيعة، وبلغه عن
سليمان بن يسار أنهم كانوا يقولون: دية الخطأ، الحديث.
(وربيعة بن أبي عبد الرحمن) الرأي أنهم (كانوا يقولون: دية الخطأ) على
(١) ((إزالة الخفاء)) (٤٥٦/٣).
(٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١١/٣).
٥٧١

٤١ - كتاب العقول
(٤) باب
(١٥٠٨) حدیث
عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ. وَعِشْرِونَ بِنْتَ لَبُونٍ. وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ
ذَكَراً. وَعِشْرُونَ حِقَّةً. وَعِشْرُونَ جَذَعَةً.
أهل البادية مخمسة (عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن
لبون).
قال الزرقاني(١): وبنت في الموضعين، وابن بالنصب على التمييز للعدد،
ويؤيده قوله: (ذكراً) بالنصب، زيادة بيان، وإن كان لفظ ابن لا يكون إلا
ذكراً، أو لأن من الحيوان ما يطلق على ذكره، وأنثاه لفظ ابن، كابن عرس
وابن آوى (وعشرون حقة، وعشرون جذعة) قال الباجي(٢): هو مذهب مالك
والشافعي، وبه قال الليث بخلاف ما قال أبو حنيفة من بني مخاض بدل بني
لبون، والدليل على ما نقوله أنه سن لا مدخل له في الزكاة فلم يكن له مدخل
في دية الخطأ، انتهى بتغير.
وقال محمد في ((موطئه))(٣) بعد أثر الباب: لسنا نأخذ بهذا، ولكنا نأخذ
بقول عبد الله بن مسعود، وقد رواه ابن مسعود عن النبي وَل9، أنه قال: ((دية
الخطأ أخماس»، الحديث، وإنما خالفنا سليمان بن يسار في الذكور، فجعلها
من بني اللبون وجعلها عبد الله بن مسعود من بني مخاض، وهو قول أبي حنيفة
مثل قول ابن مسعود، اهـ.
وفي ((المحلى)): حديث ابن مسعود رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن
خشف بن مالك عن ابن مسعود: قضى النبي 180 في دية الخطأ عشرين بنت
مخاض وعشرين ابن مخاض، الحديث. قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من
هذا الوجه وقد روي عنه موقوفاً.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٧٨/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٧٣/٧).
(٣) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)» (١٢/٣).
٥٧٢

٤١ - كتاب العقول
(٤) باب
(١٥٠٨) حديث
قال محيي السنة: الصحيح أنه موقوف على ابن مسعود، وخشف
مجهول، وتعقبه التوربشتي بأن من جملة من أخذ بحديث ابن مسعود أحمد،
وهو من علم الرجال بمكان لا ينازعه أحد فيه، وذكر البخاري أن خشف بن
مالك سمع ابن عمر وابن مسعود، ووثقه النسائي، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وروى عنه ابن ماجه حديثاً آخر، اهـ.
قال الحافظ في ((التلخيص))(١): بسط الدارقطني في ((السنن)) في هذا
الحديث، ورواه من طريق أبي عبيدة عن أبيه موقوفاً، وفيه عشرون بني لبون،
وقال: هذا إسناد حسن، وضعف الأول من أوجه عديدة، وتعقبه البيهقي بأن
الدارقطني وهم فيه، والجواد قد يعثر، اهـ.
قلت: وقال البيهقي: مذهب عبد الله مشهور في بني المخاض، وقد
اختار أبو بكر بن المنذر في هذا مذهبه، واحتجّ بأن الشافعي - رحمه الله - إنما
صار إلى قول أهل المدينة في دية الخطأ؛ لأن الناس قد اختلفوا فيها، والسنة
عن النبي وَلجر وردت مطلقة بمائة من الإبل غير مفسرة، واسم الإبل يتناول
الصغار والكبار، فألزم القاتل أقل ما قالوا فيه أنه يلزمه، فكان عنده قول أهل
المدينة أقل ما قيل فيها، وكأنه لم يبلغه قول عبد الله بن مسعود، فوجدنا قول
عبد الله بن مسعود أقل ما قيل فيها، لأن بني المخاض أقل من بني اللبون،
واسم الإبل يتناوله، فكان هو الواجب دون ما زاد عليه، وهو قول صحابيّ،
فهو أولى من غيره، اهـ.
وحكى ابن التركماني(٢) عن ((أحكام القرآن)» للرازي: لم يرو عن أحد من
الصحابة ممن قال بالأخماس خلاف قول ابن مسعود، وقول الشافعي
- رحمه الله - لم يرو عن أحد من الصحابة.
(١) ((تلخيص الحبير)) (٢١/٤).
(٢) ((الجوهر النقي على هامش سنن البيهقي)) (٧٥/٨).
٥٧٣

٤١ - كتاب العقول
(٤) باب
(١٥٠٨) حديث
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لا قَوَدَ بَيْنَ
الصِّبْيَانِ، وَإِنَّ عَمْدَهُمْ خَطَأُ. مَالَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمُ الْحُدُودُ وَيَبْلُغُوا
الْحُلُمَ. وَإِنَّ قَتْلَ الصَّبِيِّ لَا يَكُونُ إِلَّا خَطَأَ. وَذُلِكَ لَوْ أَنَّ صَبِيًّا
وَكَبِيراً قَتَلَا رَجُلاً حُرَّا خَطَأَ. كَانَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ
الدِّيَةِ .
(قال مالك: والأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا قود) أي لا قصاص (بين
الصبيان) في أنفسهم (وإن عمدهم) أيضاً (خطأ) أي في حكمه لرفع القلم عنهم
(ما لم تجب) بمعنى ما دام (عليهم الحدود) وما لم (يبلغوا الحلم).
قال الباجي(١): يريد الاحتلام، وقد يحتمل أن يكون ذلك بمعنى واحد،
وفي ((الموازية)): ما جنى غلام لم يحتلم، وصبية لم تحض من عمد، فهو
كالخطأ، وما كان بعد الحيض والاحتلام أقيد منها، فعلى هذا، يكون معنى لم
تجب عليهم الحدود ولم يبلغوا الحلم سواء، ويحتمل أن تجب عليهم الحدود
بالإنبات؛ لأنه أمر ظاهر، وأما الاحتلام فهو مما ينفرد بمعرفته المحتلم،
فيحتمل أن ينكره إذا جنى، أو أتى بما يجب عليه فيه حد، اهـ.
(وإن قتل الصبيّ) وإن كان عمداً (لا يكون إلا خطأ) أي في حكمه، وقد
تقدم في الباب السابق: أنه لا خلاف بين أهل العلم أن لا قصاص على الصبي
لقوله وسلم: ((رفع القلم عن ثلاث))، الحديث (وذلك لو أن صبياً وكبيراً قتلا) معاً
(رجلاً حراً خطأ، كان على عاقلة كل واحد منهما) أي من الصغير والكبير
(نصف الدية).
قال الباجي: يريد أن العقل كله لما كان خطأ كان مما تجب به الدية،
فلزم كل واحد منهما نصف الدية؛ لأن الاعتبار في ذلك بعدد القاتلين، وعلى
حسب ذلك تكون الدية مقسومة على عواقلهم، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٧٤/٧).
٥٧٤

٤١ - كتاب العقول
(٤) باب
(١٥٠٨) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ قَتَلَ خَطَأَ. فَإِنَّمَا عَقْلُهُ مَالٌ لَا قَوَدَ فِيهِ. وَإِنَّمَا
هُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ مَالِهِ. يُقْضَى بِهِ دَيْنُهُ. وَيُجَوَّزُ فِيهِ وَصِيَّتُهُ. فَإِنْ كَانَ لَهُ
مَالٌ تَكُونُ الدِّيَةُ قَدْرَ ثُلُثِهِ، ثُمَّ عُفِيَ عَنْ دِيَتِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ. وَإِنْ
لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَیْرَ دِیَتِهِ جَازَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ،
وقال الموفق(١) في ثلاثة اشتركوا في قتل، وانتفى عنهم القصاص
لعارض: إن الدية تجب عليهم أثلاثاً، على كل واحد منهم ثلثها؛ لأن الدية
بدل المحل، ولذلك اختلفت باختلافه، والمحل المتلف واحد، فكانت ديته
واحدة، ولأنها تتقدر بقدره، وأما القصاص، فإنما كمل في كل واحد؛ لأنه
جزاء الفعل، وأفعالهم متعددة، فتتعدد في حقهم، وكمل في حق كل واحد،
كما لو قذف جماعة واحداً، اهـ.
(قال مالك: من قتل) أحداً (خطأ فإنما عقله) أي جزاؤه (مال) وهو الدية
(لا قود) أي لا قصاص، هكذا سياق النسخ المصرية بلفظ ((مال لا قود)» وفي
النسخ الهندية بلفظ ((ما لا قود))، فيكون لفظ ما موصولة (فيه) على القاتل؛
لقوله تعالى: ﴿وَمَن قََّلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَ
أَهْلِهِ﴾(٢) (وإنما هو) أي المال المأخوذ في الدية (كغيره من ماله) أي من مال
المقتول (يقضى) ببناء المجهول (فيه دينه) أي دين المقتول (ويجوز فيه) أي في
مال الدية (وصيته) أي وصية المقتول.
(فإن كان له) أي للمقتول (مال) آخر بمقدار (تكون الدية قدر ثلثه) يعني
يكون ماله الآخر ضعف الدية (ثم عفا) المقتول القاتل (عن ديته فذلك جائز له)
أي للمقتول؛ لأن للميت حقاً في ثلث ماله، والدية المذكورة فرضت كونها
ثلث ماله (وإن لم يكن له) أي للمقتول (مال) آخر (غير ديته جاز له من ذلك)
(١) انظر: ((المغني)) (٤٩٩/١١).
(٢) سورة النساء: الآية ٩٢.
٥٧٥

٤١ - كتاب العقول
(٤) باب
(١٥٠٨) حديث
الثُّلُثُ، إِذَا عُفِيَ عَنْهُ، وَأَوْصَى بِهِ.
المال الحاصل في الدية (الثلث) فقط لا أكثر، فيجوز له (إذا عفي عنه) القاتل
أن يعفو الثلث فقط لا أكثر.
(و) كذلك إذا (أوصى به) أي بمال الدية أحداً أن يوصي بالثلث فقط، لا
أكثر منه، فإن الثلثين حق الورثة، قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن
العوض من قتل الخطأ، إنما هو الدية خاصة دون القصاص، وهو مال حكمه
حكم مال المقتول، يقضى به دينه، ويدخل فيه وصاياه، وإذا عفا المقتول عن
القاتل، فإنما ذلك بمنزلة أن يوصى له بذلك القدر من مال بعد موته، فإن كان
ثلث ماله ودينه يحمل ديته، جاز عفوه عنها، وإن لم يكن له مال غير الدية
سقط عن عاقلة القاتل ثلثها، وقال في ((الموازية)): يحاصّ بها أهل الوصايا.
قال أشهب: فما أصاب أهل الوصايا أخذوه في ثلاث سنين من العاقلة، وأخذ
الورثة ثلثيها كذلك، اهـ.
وقال الموفق(٢): دية المقتول موروثةٌ عنه كسائر أمواله، إلا أنه اختُلف
فيها عن علي، فرُوِيَ عنه مثلُ قول الجماعة، وروي عنه لا يرثُها إلا عَصَبَاتُه
الذين يعقلون عنه، وكان عمر - رضي الله عنه - يذهب إلى هذا، ثم رجع عنه،
لما بلغه عن النبي وَ لّ توريثُ المرأة من دية زوجها، قال سعيد بن المسيب:
كان عمر - رضي الله عنه - يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها
شيئاً، فقال له الضحاك الكلابي: كتب إليّ رسول الله وَالر: ((أن أورث امرأة
أشيم الضبابي من دية زوجها))، قال الترمذي(٣): هذا حديث حسن صحيح،
وقال أبو ثور: هي على الميراث، ولا تقضى منه ديونه، ولا تنفذ فيه وصاياه،
وعن أحمد نحو من هذا، وقد ذكر الخرقي فيمن أوصى بثلث ماله لرجل، فقتل،
(١) ((المنتقى)) (٧٥/٧).
(٢) («المغني)) (١٨٤/٩).
(٣) ((سنن الترمذي)) (٢١١٠).
٥٧٦

٤١ - كتاب العقول
(٤) باب
(١٥٠٨) حديث
وأخذت ديته، فللموصى له بالثلث ثلث الدية، في إحدى الروايتين عن أحمد،
والأخرى، ليس لمن أوصى له بالثلث من الدية شيء.
ومبنى هذا على أن الدية ملك الميت، أو على ملك الورثة ابتداء؟ وفيه
روايتان: إحداهما: أنها تحدُث على ملك الميت ابتداءً؛ لأنها بدلُ نفسه،
فيكون بدلها له، كدية أطرافه المقطوعة، ولأنه لو أسقطها عن القاتل بعد جرحه
إياه، كان صحيحاً، وليس له إسقاط حق الورثة، والأخرى: أنها تحدث على
ملك الورثة ابتداء، لأنها إنما تستحق بعد الموت، وبالموت تزول أملاك الميت
الثابتة له، ويخرج عن أن يكون أهلاً لذلك، اهـ.
وقال أيضاً في موضع آخر: أما جناية الخطأ، إذا أعفى المجني عليه
عنها، وعما يحدث منها، اعتبر خروجها من الثلث، سواء عفا عنه بلفظ العفو
أو الوصية أو الإبراء أو غيرها، فإن خرجت من الثلث، صحَّ عفوه في
الجميع، وإن لم تخرج من الثلث، سقط عنه من ديتها ما احتمله الثلث، وبهذا
قال مالك والثوري وأصحاب الرأي، ونحوه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي
وإسحاق؛ لأن الوصية هاهنا بمال اهـ.
وقال ابن رشد (١): أما اختلافهم في عفو المقتول خطأ عن الدية، فقال
مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور فقهاء الأمصار: إن عفوه من ذلك في ثلثه
إلا أن يجيزه الورثة، وقال قوم: يجوز في جميع ماله، وممن قال به طاووس
والحسن، وعمدتهم أنه إذا كان له أن يعفو عن الدم، فهو أحرى أن يعفو عن
المال، وعمدة الجمهور أنه واهب مالاً له بعد موته، فلم يجز إلا في الثلث،
أصله الوصية، اهـ.
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٠٣/٢).
٥٧٧

٤١ - كتاب العقول
(٥) باب
(٥) باب عقل الجراح في الخطأ
حدّثني مَالَكٌ: أَنَّ الْأَمْرَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ فِي الْخَطَإٍ أَنَّهُ
لَا يُعْقَلُ حَتَّى يَبْرَأَ الْمَجْرُوحُ وَيَصِحَّ
(٥) عقل الجراح في الخطأ
والجراح جمع جرح، والمراد بيان حكم دية الجروح التي تكون فيما
دون النفس.
(مالك: أن الأمر المجتمع عليه عندنا) كذا في النسخ الهندية وفي جميع
النسخ المصرية بدله ((المجتمع عليه عندهم)) (في الخطأ) أي في جرح الخطأ (أن
لا يعقل) أي لا يؤخذ ديته (حتى يبرأ المجروح ويصح) عطف تفسير لقوله:
يبرأ، أي يشفي من هذا الجرح أعم من أن يعود العضو المجروح على هيئته،
أو لم يعد.
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: وذلك أنه إذا أخذ دية جرحه قبل
البرء ربما ترامى إلى ما هو أكثر منه، فيحتاج إلى تكرار الحكم، وربما انتقل
أرش الجناية عن الجاني إلى العاقلة بأن يكون أرش الجناية الأولى أقل من
الثلث، فيكون في مال الجاني، ثم يترامى إلى أن يبلغ الثلث ويزيد عليه،
فيجب على العاقلة، فإن طال أمر المجروح ولم يبرأ، فقد روي عن مالك أنه
لا يحكم بديته حتى يبرأ، وإن مضت لذلك سنة، واختاره ابن القاسم، وروي
عنه أنه إذا انقضت سنة حكم له بالدية، وإن لم يبرأ، واختاره أشهب، اهـ.
وفي ((الشرح الكبير)) لابن قدامة: لا تجب دية الجرح حتى يندمل، لأنه
لا يدري أقتل هو أم ليس بقتل، فينبغي أن ينتظر حكمه، وما الواجب فيه،
ولهذا لا يجوز الاستيفاء في العمد قبل الاندمال، فكذلك لا يجوز أخذ الدية
قبله، اهـ. قلت: وسيأتي اختلافهم في الاستيفاء في العمد في باب القصاص في
(١) ((المنتقى)) (٧/ ٧٥).
٥٧٨

٤١ - كتاب العقول
(٥) باب
وَأَنَّهُ إِنْ كُسِرَ عَظْمٌ مِنَ الْإِنِسَانِ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ أَوْ غَيْرُ ذُلِكَ مِنَ الْجَسَدِ،
خَطَأَ. فَبَرَأَ وَصَحَّ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ. فَلَيْسَ فِيهِ عَقْلٌ.
الجراح. وقال الموفق في حكومة العدل: ولا يكون التقويم إلا بعد برء الجرح؛
لأن أرش الجرح المقدر إنما يستقر بعد برئه، اهـ.
(وأنه إن كسر) ببناء المجهول (عظم من الإنسان) نائب الفاعل (يد أو
رجل) بدل من عظم (أو غير ذلك) في أي موضع كان (من الجسد خطأ فبرأ)
الكسر (وصح) عطف تفسير لبرأ (وعاد لهيئته) أي صار بعد الصحة على الهيئة
التي كانت قبل الكسر (فليس فيه) أي في هذا الكسر (عقل) أي دية.
قال الموفق(١) في دية الأسنان: إنما يجب هذا الضمان في سن من قد
ثغر، وهو الذي أبدل أسنانه، وبلغ حداً إذا قلعت سنه لم يعد بدلها، فأما سن
الصبي الذي لم يُثْغِر، فلا يجب بقلعها في الحال بشيء، هذا قول مالك
والشافعي وأصحاب الرأي، ولا أعلم فيه خلافاً، وذلك لأن العادة عودها، فلم
يجب فيها في الحال شيء، كنتف شعره، ولكن ينتظر عودها، فإن مضت مدة
يئس من عودها وجبت ديتها، قال أحمد: يتوقف سنة؛ لأنه الغالب في نباتها،
وقال القاضي: إذا سقطت أخواتها ولم تعد هي، أخذت الدية، وإن نبتت
مكانها أخرى لم تجب ديتها، كما لو نتف شعره فعاد مثله، لكن إن عادت
قصيرة أو مشوهة، ففيها حكومة؛ لأن الظاهر أن ذلك سبب الجناية عليها، اهـ.
وقال أيضاً في الجناية على البصر: وإذا علم ذهاب بصره، وقال أهل
الخبرة: لا يرجى عوده وجبت الدية، وإن قالوا: يرجى عوده إلى مدة عينوها
انتظر إليها ولم يعط الدية، حتى تنقضي المدة، فإن عاد البصر سقطت عن
الجاني، وإن لم يعد استقرت الدية.
وقال في الجناية على الأذنين: فإن قال أهل الخبرة: إنه يرجى عود
(١) ((المغني)) (١٣٢/١٢، ١٣٣).
٥٧٩

٤١ - كتاب العقول
(٥) باب
فَإِنْ نَقَصَ أَوْ كَانَ فِيهِ عَثَلٌ فَفِيهِ مِنْ عَقْلِهِ بِحِسَابٍ مَا نَقَصَ مِنْهُ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ كَانَ ذُلِكَ الْعَظْمُ مِمَّا جَاءَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ
وست
عَقْلٌ مُسَمَّى، فَبِحِسَابٍ مَا فَرَضَ فِيهِ النَّبِيُّ وَل ◌َهِ. وَمَا كَانَ مِمَّا لَمْ
يَأْتِ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ بَ عَقْلٌ مُسَمَّى، وَلَمْ تَمْضِ فِيهِ سُنَّةٌ وَلَا عَقْلٌ
مُسَمَّى، فَإِنَّهُ يُجْتَهَدُ فِيهِ.
سمعه إلى مدة انتظر إليها، فإن لم يكن لذلك غاية لم ينتظر، ومتى عاد السمع،
فإن كان قبل أخذ الدية سقطت، وإن كان بعد أخذ الدية ردت، على ما قلنا في
البصر، اهـ
(فإن نقص) أي برئ وشفا المجروح على غير هيئته، بل حدث في
المكسور شيء من النقص والعيب (أو كان) أي حدث (فيه) أي في المكسور
(عثل) بفتح العين المهملة والمثلثة برأ على غير هيئته، يقال: عثلت يده إذا
انجبرت على غير استواء (ففيه من عقله بحساب ما نقص منه) قال الباجي(١):
ووجه ذلك أن جناية الخطأ لا جرم وجد من فاعلها ما يقتضي القصاص، وإنما
عليه غرم ما نقص، فإن عاد لهيئته فلم يتلف شيئاً فلا أرش عليه، وإن وقع فيه
عثل، قال في ((المزنية)): العثل أن تنقص اليد أو الرجل فلا تعود لحالتها
الأولى، فينظر إلى حالها اليوم كم نقص من حالها الأولى؟ فإن كان ثلثا فله
ثلث الدية، وإن كان أقل أو أكثر فبحساب ذلك.
(قال) مالك: (فإن كان ذلك العظم) الذي وقع فيه العثل (مما جاء فيه)
أي من العظام التي وردت فيها (عن النبي وكلّ عقل مسمى) أي دية معينة
(فبحساب ما فرض فيه النبي ◌َّة) ثم كرره للإيضاح (وما كان) ما ذكر (مما لم
يأت فيه عن النبي ◌َ ◌ّ عقل مسمى و) أيضاً (لم تمض فيه سنة) أي طريقة
مسلوكة للسلف (ولا عقل مسمى) ومعين (فإنه يجتهد فيه) ببناء المجهول.
(١) ((المنتقى)) (٧٦/٧).
٥٨٠