Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٦) حديث فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَلْمَانُ: إِنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَداً. وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الْإِنْسَانَ عَمَلُهُ. وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ جُعِلْتَ طَبِيباً تُدَاوِي. فَإِنْ كُنْتَ تُبْرِئُ فَتَعِمَّا لَكَ. وَإِنْ كُنْتَ مُتَطَيِّباً فَاحْذَرْ أَنْ تَقْتُلَ إِنْسَاناً ثانيه، وتخفيف الدال وكسرها، وقال: أي البيت المقدس المطهر الذي يتطهر به من الذنوب. (فكتب إليه) أي إلى أبي الدرداء (سلمان) في جوابه: (إن الأرض لا تقدس) أي لا تطهر (أحداً) أي لا تطهره من الذنوب (وإنما يُقَدِّسُ الإنسان) بالنصب مفعوله (عملهُ) الصَّالحُ في أيّ مكانٍ عمل، وزاد سلمان في كتابه إلى أبي الدرداء فقال: (وقد بلغني أنك جعلت) ببناء المجهول (طبيباً) أي قاضياً، وكان أبو الدرداء ولي قاضياً بدمشق عن معاوية في خلافة عثمان - رضي الله عنه -، ومات بها سنة ٣٢هـ، وهو أول من ولي القضاء بها، وكان معاوية استشاره فيمن يولي بعده، فأشار إلى فضالة بن عبيد الأنصاري، فولاه الشام بعده، فقد أخرج البيهقي في ((سننه)) (١): أن أبا الدرداء لما حضرته الوفاة، كان يقضي بين أهل دمشق، قال له معاوية: من ترى لهذا الأمر؟ قال: فضالة بن عبيد، انتهى. والطبيب في الأصل الحاذق بالأمور العارف بها، وبه سمي المعالج للمرض، وكني به هاهنا عن الفصال بين الخصوم؛ لأن منزلة القاضي في إصلاح الأحوال بين الخصوم بمنزلة المعالج في إصلاح البدن، وإليه أشار بقوله (تداوي) من الأمراض المعنوية (فإن كنت تبرئ) من الإبراء، يريد به إصابة الحق ودفع الباطل، فإن الباطل داء لا بد من إزالته (فنعمًا لك) بكسر النون وفتحها وبعين مكسورة وميم مشددة، وبهما قُرِئَ في التنزيل أي نعم شيئاً لك هذا الإبراء (وإن كنت متطبباً) بموحدتين أي متكلفاً في الطب بدون العلم (فاحذر أن تقتل إنساناً) أي تحكم بغير الحق، فيزيد بذلك الباطل إلى حَدِّ لا (١) ((السنن الكبرى)) (٨٧/١٠). ٣٨١ ٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٦) حديث فَتَدْخُلَ النَّارَ. فَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، إِذَا قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنٍ ثُمَّ أَدْبَرَا عَنْهُ، نَظَرَ إِلَيْهِمَا. وَقَالَ: ارْجِعَا إِلَيَّ. أَعِيدًا عَلَيَّ قِصَّتَكُمَا. مُتَطَبِّبٌ، وَاللَّهِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: مَنِ اسْتَعَانَ عَبْداً بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ .... فِي شَيْءٍ لَهُ بَالٌ. وَلِمِثْلِهِ إِجَارَةٌ. فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ الْعَبْدَ. يمكن استرجاعه، فيكون ذلك بمنزلة قتل الطبيب، لمن رام برأه، ويحتمل أن يريد به حقيقة القتل بأن يقضي بقتل من لا يجب قتله (فتدخل النار) بذلك، أي تستحق دخولها إن لم يعف عنك، وهذا ظاهر فيمن قضى بدون تكميل ما يقف عليه القضاء. أما من استكمل شرائطه فيرجَى أن لا يأثم بذلك، وقد أخرج أبو داود(١) عن بريدة مرفوعاً: ((القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق، فقضى به، ورجل عرف الحق، فجار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)). (فكان أبو الدرداء) - رضي الله عنه - (إذا قضى بين اثنين) في خصومة (ثم أدبرا عنه) أي رجع الخصمان من بين يديه (نظر إليهما، وقال: ارجعا إليّ) بتشديد الياء (أعيدا عليّ) بتشديد الياء (قصتكما) لكي أتثبت مرة أخرى في أمركما، فأعاد النظر في أمرهما مبالغة في الاجتهاد، ثم قال: أنا (متطبب والله) يصف بذلك نفسه على معنى الإشفاق والخوف من الله عز اسمه. (قال مالك: من استعان عبداً) لغيره (بغير إذن سيده في شيء له بالٌ) أي شأن يهتم به، ومنه حديث ((كل أمر ذي بال لم يبدأ بحمد الله)) الحديث (ولمثله إجارة) يعني يستأجر لمثل هذه الأمور في المعتاد، والأغلب عند الناس (فهو) أي المستعين (ضامن لما أصاب العبد) الجملة دالة على الجزاء لقوله: (١) أخرجه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي بنحوه (١٣٢٢)، وابن ماجه (٢٣١٥). ٣٨٢ ٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٦) حديث إِنْ أُصِيبَ الْعَبْدُ بِشَيْءٍ. وَإِنْ سَلِمَ الْعَبْدُ، فَطَلَبَ سَيِّدُهُ إِجَارَتَهُ لِمَا عَمِلَ، فَذْلِكَ لِسَيِّدِهِ. وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا. (إن أصيب العبد بشيء) من الجروح وغيره (وإن سلم العبد فطلب سيده إجارته) أي أجرة عبده (لما عمل فذلك) جائز (لسيده) أي يجوز له أخذ الأجرة على عبده (وهو الأمر) المختار (عندنا) بدار الهجرة. قال الباجي(١): هذا هو المشهور من مذهب مالك، وقد روى ابن وهب: ليس في العبيد يستأجرون ضمان ما أصابهم، وإن قال ساداتهم: لم نأمرهم بالإجارة إلا أن يستعملوا في أمر مخوف، كالبئر الحمئة، والهدم تحت جدار، فيضمن إن لم يكن بإذن السيد، فإن أذن له السيد على الإطلاق في العمل، فاستعمله المستأجر، فإن الأعمال على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يستعلمه في مخوف أو سفر، فإنه يضمن ما أصابه. قال مالك في ((المدونة)): لأنه لم يؤذن له في الغرر، وإنما أذن له في العمل المأمون، يريد المعتاد، ولو أذن له فيه بعينه لم يضمن. والضرب الثاني: أن يستعمله في عمل معتاد له إجارة، فهذا في ضمان العبد، فيه الخلاف المتقدم مع عدم الإذن. والضرب الثالث: أن يستعمله في عمل معتاد، ولا أجر له، كمناولة القدح، والنعل، فلا ضمان فيه، قاله ربيعة، وحكى القاضي أبو محمد عن المذهب: ولا أجرة فيه مع السلامة، ولا ضمان فيه مع التلف، انتهى. ثم قال: وما وجب فيه الضمان فإن السيد مُخَيَّرٌ بين أن يضمنه قيمة العبد، أو قيمة عمله، قاله ابن القاسم، ووجهه أنه قد تعدّى على الرقبة واستوفى العمل. وضمانها متنافٍ، فكان له أن يطلب أيهما شاء، انتهى. (١) ((المنتقى)) (١٩٣/٦). ٣٨٣ ٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٦) حديث وقال ابن حزم في ((المحلى))(١): من غصب شيئاً، أو أخذه بغير حق، لكن ببيع محرم، أو هبة محرمة، أو بعقد فاسد، أو هو يظن أنه له، ففرض عليه أن يردّه، إن كان حاضراً، أو ما بقي منه إن تلف بعضه، ومثل ما تلف منه، أو يردّه ومثل ما نقص من صفاته، وأن يردّ كل ما اغتلَّ منه، وكل ما تولّد منه، سواء الحيوان، والدور، والشجر، والأرض، والرقيق، وغير ذلك، فمن خالف ما قلنا فقد أباح أكل المال بالباطل، وأباح المال الحرام. وقد اختلف الناس في ذلك، فقال بعض التابعين وبعض المتأخرين: كل ذلك للغاصب وللمستحق عليه بضمانه، وقال آخرون: ما تولد من لبن، أو صوف، أو إجارة فهو للغاصب، والمستحق عليه، وأما الولد فللمستحق. وفَرَّقَ آخرون في ذلك بين المستحق عليه وبين الغاصب، فجعلوا كل ذلك للمستحق عليه، ولم يجعلوه للغاصب، وفَرَّقَ آخرون بين ما وجد من ذلك قائماً وبينما هلك منه، فلم يضمنوه ما هلك، وهذه كلها آراء فاسدة، وحجة جميعهم الحديث الذي لا يصح: ((الخراج بالضمان)) إلى آخر ما بسطه. وقال الموفق(٢): إن غصب عبداً فصاد صيداً، أو كسب شيئاً، فهو لسيده، وإن غصب جارحاً كالفهد، فصاد به، فالصيد لمالكه؛ لأنه من كسب ماله، فأشبه صيد العبد، ويحتمل أنه للغاصب؛ لأنه الصائد، والجارحة آلة له، ولهذا يكتفي بتسميته عند إرساله الجارح، وإن غصب قوساً أو سهماً، فصاد به، ففيه وجهان: أنه لصاحب القوس؛ لأنه حاصل به، فأشبه نماء ملكه، وكسب عبده، والثاني: للغاصب، لأن الصيد حصل بفعله، فإن قلنا: هو للغاصب، فعليه أجر ذلك كله، مدة مقامه في يده إن كان له أجر، وإن قلنا : هو للمالك لم يكن له أجر في مدة اصطياده في أحد الوجهين، لأن الأجر في (١) (٤٣٠/٦). (٢) انظر: ((المغني)) (٣٩٠/٧). ٣٨٤ ٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٦) حديث قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِي الْعَبْدِ يَكُونُ بَعْضُهُ حُرًّا وَبَعْضُهُ مُسْتَرَقًّا: إِنَّهُ يُوقَفُ مَالُهُ بِيَدِهِ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ شَيْئاً. وَلْكِنَّهُ يَأْكُلُ فِيهِ وَيَكْتَسِي بِالْمَعْرُوفِ. مقابلة منافعه. والثاني: عليه أجر مثله؛ لأنه استوفى منافعه أشبه ما لو لم يصد شيئاً، انتهى مختصراً. (قال مالك في العبد) الذي (يكون بعضه حراً) بأن عتق بعضه (وبعضه مسترقاً) أي بقي بعضه رقيقاً (إنه يوقف) ببناء المجهول أي يبقى (ماله) نائب الفاعل (بيده) قال الباجي(١): وهذا على حسب ما قال: إن العبد قد يكون بعضه حراً، وذلك بوجوهٍ؛ منها، أن يعتق المعسر حظه منه، فلا يقوم عليه حظ شريكه لعسره، ومنها؛ أن يوصي بعتقه، ولا يترك مالاً غيره، فيعتق ثلثه، وغير ذلك من الوجوه، فإن ماله يوقف بيده، ما كان له قبل عتقه، وما اكتسبه بعد، ولا له أن يفوت شيئاً منه بغير عوض، إلا برضا سيده، إلا في كسوته ونفقته من كتاب ابن المواز، وابن سحنون عن أبيه. (وليس له أن يحدث) بيناء الفاعل والضميران للعبد أو لسيده (فيه) أي في ماله (شيئاً) قال الباجي: يريد ليس لمن له بعضه أن يزيله، ولا للعبد أن يفوته، وله أن يتّجر فيه، ويُنَمِّيه في التجارة المأمونة في أيامه التي له، رواه ابن نافع عن مالك في ((العتبية))، ووجه ذلك أن تصرفه في تلك الأيام له، وله أن يُنَمِّي ماله لحقه، وليس للسيد إزالته من يده، ولا أن يأخذ من ماله شيئاً، وإن احتاج إليه، ووجه ذلك أنه مال للجزء الحر الذي فيه حق، فليس لأحد أن يفوته عليه، انتهى مختصراً. (ولكنه) أي العبد (يأكل فيه) ولابن وضّاح منه (ويكتسي بالمعروف) أي بلا سرف، قال الباجي: ظاهر اللفظ أنه يقتضي أنه ينفق منه على جملته دون (١) ((المنتقى)) (١٩٤/٦). ٣٨٥ ٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٦) حديث فَإِذَا هَلَكَ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَقِىَ لَهُ فِيهِ الرِّقُّ. حصة الحرية، وذلك أن المال مشترك، ولذلك منع منه لحق سيده، فلم يكن له أن ينفق منه دون سيده، انتهى (فإذا هلك) أي مات العبد المذكور (فماله للذي بقي له فيه الرق) ولو فَلَّ جزءُ رِقُه. قال الباجي(١): وبه قال أبو حنيفة والزهري، وقال الشافعي في أحد قوليه: ماله بين المعتق لنصفه، وبين المستمسك برقه، إن لم يكن له ولد، فإن كان له ولد، فميراثه للمستمسك بالرق ولولده، وبه قال عطاء وطاووس، والدليل على ما نقوله أنه موروث بالرق، فلم يورث بالنسب ولا بالولاء کالمسترق جمیعه، انتھی. وقال الموفق(٢): المعتق بعضه إذا كسب مالاً ثم مات، وخلَّفه نُظِرَ فيه، فإن كان كسبه بجزئه الحرِّ، مثل إن كان قد هَايا سيّدُه على منفعته، فاكتسب في أيامه أو ورث شيئاً، فإن الميراث يستحقه بجزئه الحر، أو كان قد قاسم سيده في حياته، فتركتُه كلها لورثته، لا حق لمالك باقيه فيها، وقال قوم: جميع ما خلفه بينه وبين سيده، قال ابن اللبان: هذا غلط؛ لأن الشريك إذا استوفى حقه من كسبه مرة، لم يبق له حق في الباقي، ولا سبيل له على ما كسبه بنصفه الحر، كما لو كان بين شريكين، فاقتسما كسبه، لم يكن لأحدهما حق في حصة الآخر. فأما إن لم يكن كسبه بجزئه الحر خاصة، ولا اقتسما كسبه، فلمالكِ باقِيهِ من تركته بقدر ملكه فيه، والباقي لورثته، وإن مات له من يرثه، فإنه يرثُ ويُورَثُ، ويَحْجُبُ على قدر ما فيه من الحرّية، وهذا قول علي وابن مسعود - رضي الله عنهما -، وبه قال ابنُ المبارك، والمزني، وأهل الظاهر، وقال زيد بن (١) ((المنتقى)) (١٩٦/٦). (٢) («المغني)) (١٢٦/٩، ١٢٧). ٣٨٦ ٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٦) حديث قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْوَالِدَ يُحَاسِبُ وَلَدَهُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمٍ يَكُونُ لِلْوَلَدِ مَالٌ. نَاضًّا كَانَ أَوْ عَرْضاً. إِنْ أَرَادَ الْوَالِدُ ذُلِكَ. ثابت: لا يرث ولا يورث، وأحكامه أحكام العبد، وبه قال مالك والشافعي في القديم، جعلا ماله لمالكِ باقيه، قال ابن اللَّبَّان: هذا غلط؛ لأنه ليس لمالك باقيه على ما عتق منه ملك، ولا ولاء، ولا هو ذو رحم. وقال ابن سُرَيج: يحتمل على قول الشافعي القديم، أن يُجْعل في بيت المال؛ لأنه لا حق له فيما كسبه بجزئه الحر، وقال الشافعي - رحمه الله - في الجديد: ما كسبه بجزئه الحُرِّ لورثته، ولا يرث هو ممّن مات شيئاً، وبه قال طاووس، وعمرو بن دينار، وأبو ثور، وقال ابن عباس: هو كالحر في جميع أحكامه في توريثه والإرث منه وغيرهما، وبه قال الحسن وجابر بن زيد والشعبي والنخعي والحكم وحماد وابن أبي ليلى والثوري وأبو يوسف ومحمد وداود. وقال أبو حنيفة: إن كان الذي لم يَعْتِقِ استسعى العبدَ، فله من تركته سعايته، وله نصف ولائه، وإن كان أغرم الشريك، فولاؤه كله للذي أعتق، انتھی . وفي حواشي ((السراجية)): المبعض: وهو من أعتق بعضه، مثل المكاتب عند الإمام أبي حنيفة عبدٌ ما بقي عليه درهم، فيَسْعَى في فكاك باقيه، وهو عنده بمنزلة المملوك، وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: هو حرٌّ مديونٌ، يرث ويحجب بناءً على تجزئ الإعتاق عنده، لا عندهما، انتهى. (قال مالك: الأمر) المختار (عندنا أن الوالد) يجوز له أن (يحاسب ولده) بالنصب مفعول يحاسب (بما أنفق) الوالد (عليه) أي على الولد (من يوم يكون للولد مال) إذ لا يجب على الوالد نفقة الولد الغني (ناضّاً) أي نقداً (كان) مال الولد (أو عرضاً إن أراد الوالد ذلك) لا إن لم يرده يعني المحاسبة ليست بواجبة ٣٨٧ ٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٧) حديث ٨/١٤٨٧ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ عليه، قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن من كان ينفق على ولده الصغير حتى صار له مال بميراث كان أو غيره، فإن له ذلك، سواء كان مال الابن عيناً أو عرضاً، قاله مالك، هكذا على الإطلاق. قال القاضي أبو الوليد: ومعناه عندي أن يقول الأب: إنما أنفقت عليه من مالي لأرجع عليه، فله الرجوع عليه بما أنفق عليه من يوم أفاد المال، دون ما أنفق عليه قبل ذلك، انتهى. قال الموفق(٢): قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم. ثم قال: ويُشْتَرط لوجوب الإنفاق ثلاثة شروط: أحدها: أن يكونوا فقراء لا مال لهم ولا كسب، يستغنون به عن إنفاق غيرهم، فإن كانوا موسرين بمال أو كسب يستغنون به فلا نفقة لهم، لأنها على سبيل المواساة، والموسر مستغنٍ عن المواساة، انتهى. وفي ((الهداية))(٣): نفقة الأولاد الصغار على الأب لا يشاركه فيها أحد، كما لا يشاركه في نفقة الزوجة، ثم قال: وإنما تجب النفقة عليه إذا لم يكن للصغير مال، أما إذا كان فالأصل أن نفقة الإنسان في مال نفسه، صغيراً كان أو كبيراً، انتهى. ٨/١٤٨٧ - (مالك عن عمر) هكذا في النسخ المصرية معدولاً، وضبطه (١) ((المنتقى)) (١٩٦/٦). (٢) ((المغني)) (٣٧٣/١١). (٣) (٢٩١/١). ٣٨٨ ٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٧) حديث ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ دَلَافِ الْمُزَنِيِّ، الزرقاني بضم العين، وفي النسخ الهندية عمرو بالواو، والصواب الأول، فإن الحافظ في ((التعجيل))، والحسيني في ((الإكمال في رجال المسند)) ذكراه في عمر يعني بضم العين (ابن عبد الرحمن) بن عطية (بن دلاف) هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية بلفظ ابن، وهكذا ذكره في ((الإكمال)) بلفظ الابن، وذكره في ((التعجيل))(١) بلفظ أبي دلاف، قال الزرقاني: بفتح الدال مضبوط في النسخ الصحيحة، وضبطه بعضهم بضمها آخره فاء، انتهى. وفي ((المحلى)): بكسر الدال المهملة لابن وضّاح، وبفتحها لعبيد الله بن يحيى، وفي ((هامش البيهقي)) حكى القاضي عياض: أن دلافاً بتخفيف اللام، وهو عند الأكثر بدال يابسة مفتوحة، وعند بعضهم هي مكسورة، ووقع بخط المصنف دلاف بضم الدال، انتهى. (المزني) نسبة إلى قبيلة مزينة المدني، قال الحافظ في ((التعجيل)): وقد يسقط عطية من نسبه، روى عن أبيه وعن أبي أمامة في خروج الدابة، وأخرج مالك عنه عن أبيه قصة عمر - رضي الله عنه - مع أسيفع جهينة، وغير ذلك. ومن الرواة عن مالك من لم يقل في روايته عن أبيه، قال ابن الحذاء: والصواب إثباته، وذكره البخاري، ولم یذکر فیه جرحاً. قال الزرقاني(٢): وكفى برواية مالك عنه توثيقاً، وفي ((المحلى)): أخرج الدارقطني في ((غرائب مالك)) من طريق ابن مهدي عن مالك عن ابن دُلاف عن أبيه عن جده عن عمر - رضي الله عنه -، وله من طريق زهير بن معاوية عن عبيد الله بن عمر بن عبد الرحمن بن عطية بن دلاف عن أبيه عن بلال بن الحارث عن عمر ـ رضي الله عنه -، انتهى. (١) ((تعجيل المنفعة)) (ص٢٩٨). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٧٥). ٣٨٩ ٣٩ - کتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٧) حديث عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ يَسْبِقُ الْحَاجَّ. فَيَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ فَيُغْلِي بِهَا. ثُمَّ يُسْرِعُ فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ. فَأَفْلَسَ. (عن أبيه) هكذا في نسخة ((الزرقاني)) و((التنوير))، وليس في جميع النسخ الهندية، ولا في نسخة الباجي، ولا في أكثر النسخ المصرية لفظ عن أبيه، وتقدم ما قال ابن الحذّاء: الصواب إثباته، وهو موجود في رواية البيهقي وابن حزم في ((المحلى))، ولم يذكر ترجمة عبد الرحمن هذا في ((التعجيل)). قال الزرقاني: وقد وصله الدارقطني وابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن عمر عن ابن دُلاف عن أبيه عن بلال بن الحارث عن عمر - رضي الله عنه -، وأخرجه البيهقي في ((سننه)) من طريق ابن بكير عن مالك عن عمر بن عبد الرحمن بن دلاف عن أبيه أن رجلاً من جهينة، الحديث. (أن رجلاً) هو الأسيفع الآتي بيانه (من جهينة) بضم الجيم وفتح الهاء قبيلة من خزاعة (كان) يسعى أن (يسبق الحاج) بالقدوم إلى مكة (فيشتري) لذلك (الرواحل) جمع راحلة الناقة الصالحة للرحل، قال صاحب ((المحلى)): الفاء للتفصيل لا للتعقيب، والمراد بقوله: يسبق، إرادة السبق (فيغلي بها) ضبطه الزرقاني بضم التحتية، وإسكان المعجمة، وقال صاحب ((المحلى)) شارح ((الموطأ)): من الإغلاء أو الغلا، فالباء على الأول زائدة، وعلى الثاني للتعدية، وفي رواية ابن حزم في ((المحلى))، و((البيهقي)) فيغالي بها. (ثم يسرع السير، فيسبق الحاج) أي يصل بمكة قبلهم (فأفلس) أي صار مفلساً لذلك، قال الباجي(١): يريد أنه كان يقصد أن يسبق الحاج. ويجهد نفسه فيه، ويشتري له الرواحل السابقة، فيزيد في ثمنها، إما لأن قيمتها أغلى من قيمة غيرها. أو لأنه كان يزيد قيمتها؛ لأن من كانت عنده كان لا يسمح بها إلا بأكثر من قيمتها لضنانته بها لا سيما من يشتريها بالدين، ثم كان يسرع (١) ((المنتقى)) (١٩٧/٦). ٣٩٠ ٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٧) حدیث فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ. فَإِنَّ الْأَسَيْفِعَ، أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ، رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ سَبَقَ الْحَاجَّ. أَلَا وَإِنَّهُ قَدْ دَانَ مُعْرِضاً. السير عليها، ليسبق جميع الحاج، فكان يتعبها ويجهدها حتى إنه ربما أعجفها، وأهلكها، فتلف بذلك ماله، وقام عليه غرماؤه، وضاق ماله عن أداء ما عليه من الدين. (فرفع) ببناء المجهول (أمره إلى) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (فقال) وفي رواية عبد الرزاق ((فدار عليه دين حتى أفلس، فقام عمر على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: لا يغُرَّنكم صيام رجل ولا صلاته، ولكن انظروا إلى صدقه، إذا حدث، وإلى أمانته إذا اؤتمن، وإلى ورعه إذا استغنى)) (أما بعد: أيها الناس فإن الأسيفع) بضم الهمزة وفتح السين المهملة وبالفاء مصغراً . قال الباجي: قيل: إن ذلك كان اسمه، وقال ابن مزين عن ابن وهب وابن نافع: هو لقب لزمه، وقال ابن مزين: عن ابن وهب هو تصغير أسفع، وهو الضارب إلى السواد، وصفه بذلك للونه، وقال العتبي: الأسفع الذي أصاب خده لون مخالف لسائر لونه من سواد (أسيفع جهينة) بدل من قوله: الأسيفع، ذكره الحافظ في القسم الثالث من ((الإصابة))(١). وقال الزرقاني(٢): أدرك النبي ◌َّليل ولم يره (رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج) قال الباجي: يريد أنه رضي بذلك عوضاً مما أتلفه من دينه وأمانته بإتلاف أموال فيما لم تكن له ثمرة إلَّا قولُ الناس: إنه سبق الحاج (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام كلمة تنبيه (وإنه قد إدّان) بكسر الهمزة وتشديد الدال أي اشترى بالدين، كذا في ((المحلى)) (معرضاً) عن أدائه، كذا في ((المحلى)). (١) (١٠٩/١/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٧٦/٤). ٣٩١ ٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٧) حدیث فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ. و((الزرقاني)) زاد: وقال الهروي: أي اشترى بدين ولم يهتم بقضائه. وقال الباجي(١): يقال: إدان الرجل فهو مدان، إذا اشترى بالدين، وأما المعرض، فقال أبو زيد: هو الذي يعترض الناس فيشتري ممن أمكنه، سمي المعرض هاهنا بمعنى المعترض، يعني أنه اعترض لكل من يقرضه، قال: ومن جعله بمعنى المتمكن على ما فسره أبو زيد فهو بعيدٌ؛ لأن ((معرضاً)) منصوب على الحال، فإذا فسرته بمن يمكنه، فالمعترض هو الذي يعرض؛ لأنه هو المتمكن، قال أبو عبيد: ويروى معرض بالرفع، وقال ابن شميل: إدان معرضاً معناه يعرض إذا قيل له لا تستدن، وروى أبو حاتم عن الأصمعي أنه قال: معناه أنه أخذ الدين، ولم يبال أنه لا يؤديه، وقال العتبي: لا يجوز إدان معرضاً، إلا أن يكون أراد استدان معرضاً عن الأداء، وهو قول أبي حاتم، وقال ابن وهب: معنى إدان معرضاً أي اغترق الدين ماله، فأعرض بأموال الناس مستهلكاً لها متهاوناً، رواه ابن مزين عنه وعن ابن نافع، انتهى. (فأصبح) أي صار (قد رين به) هكذا في جميع النسخ المصرية، وكذا في رواية البيهقي، وضبطه الزرقاني بكسر الراء، وتحتية ساكنة ونون، قال أبو عبيد الهروي: معناه قد أحاط الدين بماله، وقال شمر: رين به، ورين عليه، وريم عليه واحد، معناه مات، وقال أبو زيد: رين بالرجل إذا أوقع في أمر لا يستطيع الخروج منه، قال ابن مزين: وقال ابن نافع وابن وهب: قد شهر به، وقال غيره: قد أحيط به، وقال في قوله تعالى: ﴿بَلِّ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ يقول: طبع على قلوبهم، وأحاط بها سوء أعمالهم، وقال العتابي: رين به انقطع، وقال السلمي: رين به تحير، وقال سابق البربري: وترك الهوى للمرأ فاعلم سعادة وطاعته رين على القلب رائن (١) ((المنتقى)) (١٩٧/٦). ٣٩٢ ٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٧) حديث فَمَنَ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ. نَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَهُمْ. وهذه المعاني متقاربة، كذا في ((المنتقى)) (١). وفي جميع النسخ الهندية: قد دين به، يعني بالدال المهملة في أوله، قال صاحب ((المحلى)): من دان يدين، أي جُوْزي بالإفلاس، أو جوزي الإفلاس بعمله السوء، وهو الشراء بالدين معرضاً عن الأداء للرياء بأن يقال: سبق الحاج، انتهى، وهو بالدال في رواية ابن حزم في ((المحلى)). (فمن كان له عليه) أي على الأسيفع (دين فليأتنا بالغداة نقسم)، قال صاحب ((الموازية)): بالجزم على أنه جواب الأمر (ماله فيما بينهم) أي بين غرمائه بالحصص، وقد أخرج البيهقي في سننه (٢) أثر الباب بلفظ ((الموطأ))، ثم أخرج بعده بسنده عن أيوب قال: نُبِّئْت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بمثل ذلك، وقال: نقسم ماله بينهم بالحصص. انتهى. قال الباجي: يريد أنه قد ضاق ماله عن ديونه، فحجر عليه عمر - رضي الله عنه - التصرف فيه، وجمعه ليوزعه على غرمائه بقدر حصصهم مما لهم عنده، انتھی . قال صاحب ((المحلى)): وبه قال أهل العلم يقسم مال المفلس بين غرمائه على قدر ديونهم، فإن أخذوا وفضل الدين فنظرةٌ إلى الميسرة، انتهى. وفي ((المرقاة))(٣) تحت حديث مسلم عن أبي سعيد قال: ((أصيب رجل في عهد النبي صل# في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله وَ لّ لغرمائه: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك))، قال القاري: المعنى ليس لكم إلا أخذ ما وجدتم، والإمهال بمطالبته الباقي إلى الميسرة، وقال المظهر: معناه (١) (٦ / ١٩٧). (٢) ((السنن الكبرى)) (٤٩/٦). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٩٧/٦). ٣٩٣ ٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٧) حديث ليس لكم زجره، وحبسه؛ لأنه ظهر إفلاسه، وإذا ثبت إفلاس الرجل لا يجوز حبسه بالدين، بل يُخَلَّى، ويُمهَلُ إلى أن يحصل له مال، فيأخذه الغرماء، وليس معناه أنه ليس لكم إلا ما وجدتم. وبطلَ ما بقي من ديونكم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، انتهى. قلت: وترجم في مسلم على حديث أبي سعيد المذكور ((باب استحباب الوضع من الدين))، وقال الحافظ في ((الفتح))(١): ذهب الجمهور إلى أن من ظهر فلسه، فعلى الحاكم الحجر عليه في ماله، حتى يبيعه عليه، ويقسمه بين غرمائه على نسبة ديونهم، وخالف الحنفية، واحتجّوا بقصة جابر حيث قال في دين أبيه: ((فلم يعطهم الحائط، ولم يكسره لهم))، اهـ. وقال ابن رشد (٢): إذا ظهر عند الحاكم فلسه، فاختلف العلماء في ذلك، هل للحاكم أن يحجر عليه التصرف في ماله، حتى يبيعه عليه، ويقسمه على الغرماء على نسبة ديونهم، أم ليس له ذلك؟ بل يحبسه حتى يدفع إليهم جميع ماله على أي نسبة اتفقت، أو لمن اتفق منهم، وهذا الخلاف بعينه يتصور فيمن كان له مال، يفي بدينه، فأبى أن ينصف غرماءه، هل يبيع عليه الحاكم، فيقسمه عليهم أم يحبسه حتى يعطيهم بيده ما عليه؟ فالجمهور يقولون: يبيع الحاكم ماله عليه، فينصف منه غرماءه، وبه قال مالك والشافعي، وبالقول الآخر قال أبو حنيفة وجماعة من أهل العراق. وحجة مالك والشافعي حديث معاذ بن جبل أنه كثر دينه في عهد رسول الله ونَ﴾، فلم يزد غرماؤه على أن جعله لهم، وحديث أبي سعيد الخدري (١) ((فتح الباري)) (٩٦/٥). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٨٤/٢). ٣٩٤ ٣٩ - كتاب الوصية (٨) باب (١٤٨٧) حديث وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ. فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمّ وَآخِرَهُ حَرْبٌ. يعني المذكور قريباً، وحديث عمر في القضاء على الأسيفع هذا، وأما حجج الفريق الثاني الذين قالوا بالحبس حتى يعطي ما عليه، أو يموت محبوساً، فيبيع القاضي حينئذٍ ماله، ويقسمه على الغرماء، فمنها حديث جابر حيث استشهد أبوه بأحد، فلم يعطهم رسول الله وَ ر حائطه، وبما روي أنه مات أسيد بن الحضير، وعليه عشرة آلاف درهم، فدعا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - غرماءه، فقبلهم أرضه أربع سنين بمالهم عليه. قالوا: فهذه الآثار كلها ليس فيها أنه بيع فيها أصل في دين، قالوا: ويدل على حبسه قوله بَله: ((ليُّ الواجد يُحِلُّ عِرضَه وعقوبته))، قالوا: والعقوبة هي حبسه، انتهى. (وإياكم والدين) على معنى النهي عنه والتحذير من سوء عاقبته في الدين والدنيا (فإن أوله) أي أول الدين (هَمِّ) أي حزنٌ (وآخره حربٌ) بسكون الراء أي نزاع. وقال الزرقاني(١): بفتح الراء وسكونها أخذ مال الإنسان، وتركه لا شيء له، قال الباجي(٢): قوله: حرب بتحريك الراء السلب، ورجل محروب بمعنى مسلوب، يريد أن أول أمر من عليه الدين الهَمُّ بأدائه مع ضيق يده عنه، وآخِرُ أمرِه أن يسلب ماله، وما يضن به من عقار وحيوان وغير ذلك، ويشفق من بعده، فیباع علیه، ويقضى منه غرماؤه، انتهى. وفي ((المجمع)): قوله: آخره حرب بسكون الراء أي يعقب الخصومة والنزاع، وبفتحها أي السلب، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٧٦/٤). (٢) ((المنتقى)) (١٩٧/٦). ٣٩٥ ٣٩ - كتاب الوصية (٩) باب (٩) باب ما جاء فيما أفسد العبيد أو جرحوا قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: السُّنّةُ عِنْدَنَا فِي جِنَايَةِ الْعَبِيدِ. أَنَّ كُلَّ مَا أَصَابَ الْعَبْدُ مِنْ جُرْحِ جَرَحَ بِهِ إِنْسَاناً. أَوْ شَيْءٍ اخْتَلَسَهُ. أَوْ حَرِيسَةٍ احْتَرَسَهَا. أَوْ ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ جَذَّهُ أَوْ أَفْسَدَهُ أَوْ سَرِقَةٍ سَرَقَهَا لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِيهَا. إِنَّ ذُلِكَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ . (٩) ما جاء فيما أفسد، هكذا في النسخ المصرية، وفي الهندية ما أفسد، العبيد أو جرحوا (قال مالك: السنّة) أي الطريقة الشرعية المسلوكة (عندنا) في المدينة (في جناية العبيد) وإفسادهم (أن كل ما أصاب العبد) بالضم فاعل أصاب (من جرح) بالضم مصدر، ومن بيانية (جرح) فعل ماض (به إنساناً أو) أصابه من (شيء) بالجر عطف على جرح (اختلسه) أي أخذه بخفية (أو حريسة) بالجر عطف على جرح، فعيلة بمعنى محروسة (احترسها) أي سرقها، يقال: حرس يحرس حرساً إذا سرق، فهو حارس ومحترس، كذا في ((المجمع))، وفيه أيضاً: الاحتراس أن يسرق الشيء من المرعى. وقال الزرقاني(١): حريسة الجبل: الشاة يدركها الليل قبل رجوعها إلى مأواها، فتسرق من الجبل، وفي ((المجمع)): لا قطع في حريسة، أي ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطعٌ؛ لأنه ليس بحرزٍ، فعيلة بمعنى مفعولة، ويقال للشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلى مراحها: حريسة. (أو ثمر) بالجر (معلق) على الشجر (جده) بالدال المهملة والمعجمة نسختان أي قطعه (أو أفسده) وإن لم يجده (أو) أصاب العبد من (سرقة سرقها) بأي شيء كان (لا قطع عليه) أي على العبد (فيها) أي في الأمور المذكورة لفقدان شرط القطع (إن ذلك) المذكور من الجنايات كلها لازمة (في رقبة العبد (١) ((شرح الزرقاني)) (٧٦/٤). ٣٩٦ ٣٩ - كتاب الوصية (٩) باب لَا يَعْدُو ذُلِكَ، الرَّقَبَةَ. قَلَّ ذُلِكَ أَوْ كَثُرَ. فَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَنْ يُعْطِيَ قِيمَةَ مَا أَخَذَ غُلَامُهُ، أَوْ أَفْسَدَ. أَوْ عَقْلَ مَا جَرَحَ، أَعْطَاهُ. وَأَمْسَكَ غُلَامَهُ. وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُسْلِمَهُ، أَسْلَمَهُ. وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُ ذُلِكَ. فَسَيِّدُهُ فِي ذُلِكَ بِالْخِيَارِ . لا يعدو) أي لا يتجاوز (ذلك) الذي وجب عليه عن قيمة (الرقبة) إلى شيء آخر (قَلَّ) ذلك الذي لزم (أو كَثُرَ) عن قيمة رقبته. (فإن شاء سيده أن يعطي) ببناء الفاعل، أي السيد (قيمة ما أخذ غلامه أو) قيمة (ما أفسد أو) شاء السيد أن يعطي (عقل) بالنصب عطف على قيمة، أي يعطي دية (ما جرح) العبد (أعطاه) جزاءً لقوله: فإن شاء سيده (وأمسك غلامه، وإن شاء) السيد (أن يسلمه) أي يعطي العبد (أسلمه) أي أعطاه (وليس عليه) أي على السيد (شيء) آخر (غير ذلك) الذي قلنا (فسيده في ذلك بالخيار) بين أداء القيمة أو إعطاء العبد إياه. قال الباجي(١): وهذا على حسب ما قال: إن ما أصاب العبد على هذه الوجوه التي ذكرناها، فإن ذلك كله في رقبته لا يعدوها، ومعنى تعلق ذلك برقبته أن رقبته تسلم في هذه الجنايات، إلا أن يشاء سيده أن يفتديه منها بأرش الجناية، قلّت الجناية أو كثُرت، انتهى. وفي ((الشرح الكبير))(٢): أما أروش جناياته وقيم متلفاته، فهي متعلقة برقبة العبد، سواء كان مأذوناً له أو لا، رواية واحدة. وبه يقول أبو حنيفة والشافعي، وكل ما تعلق برقبة العبد خُيِّرَ السيد بين تسليمه للبيع وبين فدائه. فإذا بيع، وكان ثمنه أقلّ مما عليه فليس لرب الدين إلا ذلك؛ لأن العبد هو الجاني، فلم يجب على غيره شيء وإن كان ثمنه أكثر، فالفضل للسيد. (١) ((المنتقى)) (١٩٨/٦). (٢) (٤/ ٢٩٧). ٣٩٧ ٣٩ - كتاب الوصية (٩) باب وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد أن السيد لا يرجع بالفضل، ولعله يذهب إلى أنّه دفعه إليه عوضاً عن الجناية، فلم يبق لسيده فيه شيء، كما لو ملكه إياه عوضاً عن الجناية، وليس هذا صحيحاً، فإن المجني عليه لا يستحق أكثر من قدر أرش الجناية عليه، انتهى. وقال الموفق(١): لا يخلو أرش الجناية من أن يكون بقدر قيمته فما دون، أو أكثر، فإن كان بقدرها فما دون، فالسيد مُخَيَّر بين أن يفديه بأرش جنايته، أو يسلمه إلى وليّ الجناية، فيملكه، وبهذا قال الثوري ومحمد بن الحسن وإسحاق، وروي ذلك عن الشعبي وعطاء والزهري والحسن وغيرهم. وإن كانت الجناية أكثر من قيمته، ففيه روايتان: إحداهما: أن سيده مخيّر بين أن يفديه بقيمته أو أرش جنايته وبين أن يسلمه؛ لأنه إذا أدّى قيمته، فقد أدّى قدر الواجب عليه، فإن حق المجني عليه لا يزيد على العبد، فلم يلزمه أكثر من ذلك، كما لو كانت الجناية بقدر قيمته، والرواية الثانية: يلزمه تسليمه إلا أن يفديه بأرش جنايته بالغة ما بلغت، وهذا قول مالك؛ لأنه ربما إذا عرض للبيع رغب فيه راغب بأكثر من قيمته، فإذا أمسكه فقد فوت تلك الزيادة على المجني عليه، وللشافعي قولان کالروایتین، انتهى. وفي ((الهداية))(٢): إذا جنى العبد جناية خطأ، قيل لمولاه: إما أن تدفعه بها أو تفديه، وقال الشافعي: جنايته في رقبته يباع فيها إلا أن يقضي المولى الأرش، وفائدة الاختلاف في اتباع الجاني بعد العتق، والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضوان الله عليهم -، ثم قال: فإن دفعه ملكه وليّ الجناية، وإن فداه فداه بأرشها، وأيهما اختاره المولى وفعله، لا شيء لولي الجناية غيره، انتهى. (١) ((المغني)) (٣٦/١٢). (٢) (٤٨٤/٢). ٣٩٨ ٣٩ - كتاب الوصية (١٠) باب (١٤٨٨) حديث (١٠) باب ما يجوز من النحل ٩/١٤٨٨ - حدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ قَالَ: مَنْ نَحَلَ وَلَداً لَهُ صَغِيراً. لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَحُوزَ نُحْلَهُ. فَأَعْلَنَ ذُلِكَ لَهُ. وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا. فَهِيَ جَائِزَةٌ. وَإِنْ وَلِيْهَا أَبُوهُ. (١٠) ما يجوز من النحل تقدم الكلام على لفظه في أول ((باب ما لا يجوز من النحل)) ٩/١٤٨٨ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب أن عثمان بن عفان) رضي الله عنه (قال: من نحل) أي أعطى (ولداً له صغيراً) صفةٌ أولى لولدٍ (لم يبلغ) صفةٌ ثانيةٌ له (أن يحوز) بالحاء والزاي أي يقبض، في جميع النسخ المصرية، وفي الهندية بالجيم والزاي (نحله) أي لم يبلغ الولد لصغره إلى مرتبة قبض أمواله (فأعلن) الوالد (ذلك) النحل (له) أي للولد (وأشهد) الناس (عليها) أي على نحلته (فهي) العطية (جائزة) للولد (وإن وليها أبوه). قال صاحب ((التعليق الممجد)) (١): الظاهر أن ((إنّ)) مشددةٌ مكسورةٌ، واسمها وليها وخبره أبوه، أي: إن وليَّ هذه النحلة هو أبوه الواهب، فإن قبضه ينوب مناب قبض الصغير، ويحتمل أن يكون إن وصلية، وولي فعل ماض، وفاعله أبوه، يعني وإن كان وليها أبوه، انتهى. قال محمد في ((موطئه)) بعد ذكر الأثر المذكور والآثار التي تقدمت في (باب ما لا يجوز من النحل)): قال محمد: وبهذا كله نأخذ، ينبغي للرجل أن يُسوِّي بين ولده في النحلة، ولا يفضل بعضهم على بعض، فمن نحل نُحلة (١) (٢٨١/٣). ٣٩٩ ٣٩ - كتاب الوصية (١٠) باب (١٤٨٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا. أَنَّ مَنْ نَحَلَ ابْنَاً لَهُ صَغِيراً، ذَهَباً أَوْ وَرِقاً، ثُمَّ هَلَكَ. وَهُوَ يَلِيهِ. إِنَّهُ لَا شَيْءٍ لِلِاِبْنِ مِنْ ذُلِكَ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ عَزَلَهَا بِعَيْنِهَا. أَوْ دَفَعَهَا إِلَى رَجُلِ وَضَعَهَا لِاِبْنِهِ عِنْدَ ذُلِكَ الرَّجُلِ. فَإِنْ فَعَلَ ذُلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ لِلاِبْنِ. ولداً أو غيره، فلم يقبضها الذي نُحِلَها حتى مات الناحل، و(١) المنحول، فهي مردودٌ على الناحل، وعلى ورثته، ولا يجوز للمنحول حتى يقبضها إلا الولد الصغير، فإنّ قبض والده له قبضٌ، فإذا أعلنها، وأشهد بها فهي جائزة لولده، ولا سبيل للوالد إلى الرجعة فيها، ولا إلى اغتصابها بعد أن أشهد عليها، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. (قال مالك: الأمر عندنا أن من نحل ابناً له صغيراً) عيناً سواء كان (ذهباً أو وَرِقاً) أي فضة (ثم هلك) أي مات الوالد (وهو يليه) أي كان الوالد متولياً لماله (إنه لا شيء للابن من ذلك) المال (إلا أن يكون الأب عزلها بعينها) أي فصلها عن ماله (أو دفعها إلى رجل) آخر يعني (وضعها لابنه عند ذلك الرجل، فإن فعل ذلك فهو جائز للابن) لتمام ملکه. قال الباجي(٢): وقول عثمان: من نحل ابناً له صغيراً إلخ يحتمل أن يريد به كل نحل من عرض أو عين قد ختم عليه الأب، وأشهد، فيجوز ذلك على رواية عن مالك، ويحتمل أن يريد به العرض خاصة، فيجوز على القولين، ويحتمل من جهة اللفظ أن يريد العرض والعين مختوماً أو غير مختوم، فلا يجوز في غير المختوم في قول مالك، وأما قول مالك: إن من نحل ابنه الصغير إلخ فأما وضعها عند غيره فلا خلاف في المذهب في جواز ذلك، وأما عزلها فهو أن يجعلها في شيء، ويختم عليها، ويشهد على ذلك، ففيه خلاف في المذهب، انتهى بتغير. (١) الواو بمعنى أو. (٢) ((المنتقى)) (١٩٩/٦). ٤٠٠