Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٤) حديث
بالمدينة ثلاثة من المخنثين، يدخلون على النساء، هيت، وهرم، وماتع.
قال الزرقاني(١): فكأن الإشارة بهؤلاء إليهم، وذكر عبد الملك بن حبيب
عن حبيب كاتب مالك، قلت لمالك: إن سفيان زاد في حديث ابنة غيلان أن
مخنثاً، يقال له: هيت، فقال مالك: صدق، قال حبيب: وقلت لمالك: وقال
سفيان في الحديث: إذا قعدت تثنت، وإذا تكلمت تغنت، فقال: صدق، كذلك
هو في الحديث، قال ابن عبد البر: هذا غير معروف عن مالك، ولا سفيان،
ولم يقل في نسق الحديث إن مخنثاً يدعى هيتاً، وإنما قاله عن ابن جريج بعد
تمام الحديث، وأما إذا قعدت إلخ فلم يقله أحد في حديث هشام، ولا يحفظ
إلا من رواية الواقدي، وابن الكلبي، فعجب من حبيب يحكيه عن سفيان، وأن
مالكاً صدقه، فصار رواية عنهما، ولم يروه أحد عنهما غير حبيب، وهو
ضعيف، متروك باتفاق، لا یکتب حديثه، ولا يلتفت إليه.
قال ابن الكلبي: ولم يزل هيت بالمكان الذي نفي إليه، حتى ولي أبو
بكر، فكلّم فيه، فأبى ردّه، فلما ولي عمر، كلم فيه، فأبى، ثم كلم فيه بعد،
وقيل: إنه كبر وضعف، واحتاج، فأذن له يدخل في كل جمعة، يسأل، ويرجع
إلى مكانه، وذكر ابن وهب في ((جامعه)) عمن سمع أبا معشر قال: أمر به وَ لآت،
فَغَرَّبَ إلى عير - جبل بالمدينة عند ذي الحليفة - فشفع له ناس من الصحابة،
فقالوا: إنه يموت جوعاً، فأذن له أن يدخل كل جمعة، يستطعم، ثم يلحق
بمكانه، فلم يزل هناك حتى مات، ويحتمل الجمع بينهما بأن الأصل الإذن في
دخوله كل جمعة، وقع منه وَ لّ بشفاعة الصحابة.
ثم لما تُؤُفِّي كلم أبو بكر - رضي الله عنه - ثم عمر - رضي الله عنه - في
ردّه إلى المدينة رأساً، نظراً لمن تكلم إلى أن تعزيره بالنفي قد استوفى بتلك
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٧١).
٣٦١

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٥) حديث
٦/١٤٨٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ:
سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ امْرَأَةٌ
مِنَ الْأَنْصَارِ .
المدة، فامتنع العمران من ذلك؛ لأنهما لم يريا نقض فعل المصطفى، ولعل
عمر - رضي الله عنه - زاد في منعه حتى عن يوم الجمعة لقطع طمع من أراد
إدخاله رأساً إلى أن وصف له حاله، فأذن له في الدخول يومها، فنسب إليه
لذلك، وإن كان أصله منه وَله، قاله الزرقاني.
قلت: ويحتمل تعدد الأحوال باختلاف المخنثين، فإنهم كانوا ثلاثة، كما
تقدم، وقد أخرج أبو داود في هذه القصة في حديث الزهري عن عروة،
وأخرجه ((فكان بالبيداء يدخل كل جمعة، يستطعم))، ثم ذكر في حديث
الأوزاعي، فقيل: يا رسول الله إذاً يموت من الجوع، فأذن له أن يدخل في كل
جمعة مرتین، فیسأل، ثم يرجع.
٦/١٤٨٥ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: سمعت
القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق (يقول: كانت عند) أي في نكاح (عمر بن
الخطاب) - رضي الله عنه - (امرأة من الأنصار) هي جميلة بفتح الجيم وكسر
الميم بنت ثابت بن أبي الأقلح بالقاف واللام والحاء المهملة الأنصارية، قال
الباجي(١): وقد قيل: بنت عاصم بن ثابت، والأول أكثر، انتهى.
وفي ((المحلى)): هي أم جميلة بنت عاصم بن ثابت الأوسي، كذا رواه
ابن أبي شيبة، وقال ابن عبد البر: هي جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح، قال
في ((الإصابة)): والثاني أكثر، فولدت له عاصم بن عمر، وبه كانت تكنى أم
عاصم، انتهى. وهي أخت عاصم، كان اسمها عاصية، فسماها النبي وَثيم
جميلة، تزوّجها عمر - رضي الله عنه - سنة سبع.
(١) ((المنتقى)) (١٨٥/٦).
٣٦٢

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٥) حديث
فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ. ثُمَّ إِنَّهُ فَارَقَهَا. فَجَاءَ عُمَرُ قُبَاءَ. فَوَجَدَ
ابْنَهُ عَاصِماً يَلْعَبُ بِفَنَاءِ الْمَسْجِدِ. فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ. فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ
عَلَى الدَّابَّةِ. فَأَدْرَكَتْهُ جَدَّةُ الْغُلَامِ.
(فولدت له عاصم بن عمر) بن الخطاب، ولد في حياة النبي
ومات ◌َ﴿ل وله سنتان، قاله كله في ((الاستيعاب))، وقال أبو أحمد العسكري:
ولد في السادسة، فعليه يكون عمر - رضي الله عنه - تزوج أمه قبل ذلك (ثم
إنه) أي عمر - رضي الله عنه - (فارقها) أي طلقها فتزوجها يزيد بن جارية،
بالجيم، فولدت له عبد الرحمن، قال صاحب ((المحلى)): فتزوجها زيد بن
جارية بالجيم والتحتية، كذا في ((جامع الأصول))، انتهى.
(فجاء عمر بن الخطاب) في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - (قباء) بضم
القاف والمد مذكرٌ (فوجد ابنه عاصماً) وهو إذ ذاك ابن أربع سنين، كما عند
أبي عمر، وذكر البخاري في ((التاريخ)) أنه كان له يومئذٍ ثمان سنين، كذا في
((الإصابة)) (يلعب مع الصبيان) الأخر (بفناء المسجد) بكسر الفاء والمد أي في
صحن مسجد قباء، قال الباجي: يقتضي أنه كان هناك عند أمه أو جدته، ولعله
كان عند جدته زائراً لها، أو لعله كانت أمه تزوجت، فانتقلت الحضانة إلى
الجدة أم الأم.
(فأخذ) عمر - رضي الله عنه - (بعضده) أي عضد عاصم (فوضعه بين
يديه على الدابة) التي كان عمر - رضي الله عنه - راكبها (فأدركته جدة الغلام)
لأمه الشموس - بفتح الشين المعجمة وضم الميم وسكون الواو آخره سين
مهملة - بنت أبي عامر بن صيفي الأنصارية من بني عمرو بن عوف من أول من
بايع النبي ◌َّ من نساء الأنصار، هي وبنتها، كذا في ((الزرقاني))(١)، وذكرهما
ابن سعد في ((الطبقات)) في أول من بايع من النساء، كما في ((الإصابة))، وسماها
(١) ((شرح الزرقاني)) (٧٣/٤).
٣٦٣

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٥) حديث
فَنَازَعَتْهُ إِيَّاهُ. حَتَّى أَتَّيَا أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ. فَقَالَ عُمَرُ: ابْنِي. وَقَالَتِ
الْمَرْأَةُ :
الباجي سمراء بنت أبي عامر، ولعله تصحيف من الناسخ، ولم أجد في كتب
الرجال سمراء بنت أبي عامر.
(فنازعته إياه) أي نازعت الشموس عمر - رضي الله عنه - فطلبته منه،
وأبى عمر - رضي الله عنه - أن يعطيه، ولعله - رضي الله عنه - ظنه أحق
بحضانته .
قال الباجي: يحتمل أن يكون أراد حمله على وجه الزيارة، وذلك لا
يمنع منه لقرب الموضع على وجه المعروف، ويحتمل أن يعتقد أنه ضيع تضييعاً
يخاف أن يَضُرَّ به، ويرى أن ذلك يبيح له أخذه، ويجعله أحق بحضانته،
ويحتمل أن تكون أمه قد كانت تزوجت، فصار الصبيّ إلى جدته، ولم يعلم
عمر - رضي الله عنه - أن الجدة تبتغي حضانته، أو لعله اعتقد أنه أحق
بالحضانة من الجدة، فأدركته جدة الغلام، ونازعته، فقد روى سفيان عن
عاصم بن عبيد الله بن عاصم عن أبيه عن جده أن جدته خاصمت فيه جده،
وهو ابن ثمان.
قال الباجي(١): فيه نظر، لأنه ولد قبل وفاة رسول الله وَل بسنتين، فلا
يتصور أن يكمل في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - ثمان سنين، انتهى.
قلت: الإيراد مبنيٌّ على قول ابن عبد البر، وقد تقدم أن البخاري في
(التاريخ)) جزم بأنه كان إذ ذاك ابن ثمان سنين، ويؤيده ما تقدم عن أبي أحمد
العسكري أنه ولد في السادسة.
(حتى أتيا أبا بكر الصديق) - رضي الله عنه - لأنه كان حينئذٍ الإمام،
والخليفة (فقال عمر) - رضي الله عنه -: هو (ابني) فأنا أحق به (وقالت المرأة)
(١) ((المنتقى)) (١٩٠/٦).
٣٦٤

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٥) حديث
ابْنِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ. قَالَ، فَمَا رَاجَعَهُ عُمَرُ
الْكَلَامَ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: وَهذَا الْأَمْرُ الَّذِي آخُذُ بِهِ فِي
ذُلِكَ.
الجدة المذكورة: (ابني) فأنا أحق بحضانته، وأظهر كل واحد منهما حجته،
وسببه الذي يقتضي ترجيحه (فقال أبو بكر) - رضي الله عنه - لعمر - رضي الله
عنه -: (خلّ) بصيغة الأمر من التخلية (بينها وبينه) قال الباجي: يريد أنها لما
استوعبت حجتها، ورأى أبو بكر - رضي الله عنه - أن المرأة أحق به، قضى
على عمر - رضي الله عنه - أن يخلي بينه وبينها (قال فما راجعه عمر) -
رضي الله عنه - (الكلام) (١) وخَلَّى بينهما انقياداً لأمر أبي بكر رضي الله عنه.
قال الباجي: يريد أنه سلم حكمه والتزم ما يلزم من طاعته والرضا
بما قضى به، وإن كان يرى هو غيره، قال صاحب ((المحلى)): ورواه
البيهقي، وزاد قال أبو بكر: سمعته وَّ يقول: لا تفرق والدة عن ولدها،
وزاد ابن أبي شيبة ((فأخذته المرأة))، وله عن ابن المسيب أن عمر -
رضي الله عنه - طلّق أم عاصم، ثم أتى عليها، وفي حجرها عاصم، فأراد
أن يأخذه منها، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلقا إلى أبي بكر،
فقال له أبو بكر: يا عمر ثديها وحجرها وريحها خيرٌ له منك حتى يشِبَّ
الصبيُّ، فيختار لنفسه، انتهى.
(قال مالك: وهذا) الأمر الذي حكم به أبو بكر - رضي الله عنه - (هو
الذي آخذ) بصيغة المتكلم (به في ذلك) يريد أن الجدة للأم أحق بالحضانة من
الأب، قال الباجي: والأصل في ذلك أن الفقهاء متفقون على أن الأم أحق
(١) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٦٦/٢٣): هذا خبر منقطع في هذه الرواية، ولكنه
مرويٍّ من وجوه منقطعة ومتصلة، تلقاه أهل العلم بالقبول والعمل.
٣٦٥

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٥) حديث
بحضانة الولد من أبيه وغيره، وممن له حق في الحضانة ما لم تتزوج، وقد
روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة قالت: يا رسول الله إنه
ابني، كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحجري له حواءً، وإن أباه
طَلَّقني، وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله وَّهَ: ((أنتِ أحقُّ به ما لم
تنکحي»(١).
ومن جهة المعنى أن الأم أرفق بالابن، وأحسن تناولاً لغسله وتنظيفه
والقيام بشأنه كله، مع ملازمتها ذلك، واشتغال الأب عنه في تصرفه، فكان
ذلك أرفق بالابن، وهل ذلك من حقوق الأم أو الولد؟ فقد اختلف عن مالك
في ذلك، فقال الشيخ أبو القاسم: هو من حقوق المرأة، فإن شاءته أخذته،
وإن شاءت تركته. قال القاضي أبو محمد: إذا قلنا: إنه من حقوق الأم، فلقوله
عليه السلام: ((أنتِ أحق به ما لم تنكحي))، ومن جهة المعنى أنه يلحقه الضرر
بالتفرقة منها، مع ما جبل عليه النساء من الإشفاق في ذلك، وإذا قلنا: إنه من
حق الولد، فلأنَّ الغرض حفظه، ومصالحه، ولذلك يؤخذ منها إذا تزوجت،
وإن لحقها الضرر بأخذه.
قال الباجي(٢): والذي عندي أن فيه حقاً لكل منهما، وقد روي عن
سحنون: إن رضي الأب والأم والولد أن يكون الولد عند أبيه، ولم تتزوج
أمه، فلا بأس بذلك، فاعتبر رضا الولد والأم، ونهاية هذه الحضانة في قول
مالك البلوغ في الذكور، ورأيت في بعض الكتب لابن وهب عن مالك: أن حَدَّها
في الذكور الإثغار(٣)، وقال الشيخ أبو القاسم في تفريعه: حد الحضانة الاحتلام،
وقيل: حتى يثغر، وأما في الإناث فلا نعلم أنه اختلف قوله بأن لها الحضانة
(١) أخرجه أبو داود (٢٢٧٦).
(٢) ((المنتقى)) (١٨٥/٦).
(٣) أثغر الغلام: نبتت أسنانه.
٣٦٦

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٥) حدیث
إلى أن تتزوج، ويدخل بها زوجها إلا أن يكون موضع الأب أصون لها،
وأمنع.
وقال أبو حنيفة: إن كان الولد أنثى، فحتى يبلغ، وإن كان ذكراً فحتى
يستغني عمن يحضنه، ويقوم بنفسه، وقال الشافعي: إذا بلغ الولد سبع سنين أو
ثمانياً خُيِّرَ بين أبويه، ثم إذا كان الابن في حضانة أمه لم يمنع من الاختلاف
إلى أبيه يُعَلِّمُه، ويأوي إلى الأم؛ لأن الابن محتاج إلى أن يُعَلَّمَه أبوه، ويُؤَدِّبه
ويسلمه إلى من يعلمه القرآن، والكتابة، والصنائع، وتلك معانٍ تستفاد من
الأب، فكان الأب أولى بالابن في الأوقات التي يحتاج فيها إلى التعلم،
وذلك لا يمنع الحضانة، لأن الحضانة تختص بالمبيت، ومباشرة عمل الطعام،
وغسل الثياب وغيرها، وهذا ما لم تتزوج الأم، فإن تزوجت، فالحضانة لها ما
لم يدخل بها زوجها، فإذا دخل بها بطلت حضانتها .
ووجه ذلك أن الصبي يلحقه الضرر بتكرّه الزوج له وضجره به، والأم
تدعوها الضرورة إلى التقصير في تعاهده، طلباً لمرضاة الزوج واشتغالاً به،
وذلك كله مضرٌّ بالصبيّ، فبطل حقها من الحضانة.
وقال الدردير(١): حضانة الذكر للبلوغ، وحضانة الأنثى حتى يدخل بها
الزوج للأم، ولو كافرة، وللأب وغيره من الأولياء تعهده عند أمه، وأدبه،
وبعثه للمكتب، ثم بعد الأم أمها، ثم جدة الأم، أي الجدة من قبل الأم
الصادق بها من جهة أمها، أو أبيها، وجهة الإناث مقدمة، إن انفردت الأم أو
الجدة بالسكنى عن أم سقطت حق حضانته بتزويج أو غيره، وكذا كل أنثى
ثبتت حضانتها لا بد أن تنفرد بالسكنى، عمن سقطت حضانتها، ثم الخالة، ثم
خالة الأم، ثم جدة الأب أي الجدة من جهة الأب، فيشمل أم الأب، وأم
(١) ((الشرح الكبير)) (٥٣٦/٣).
٣٦٧

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٥) حديث
أمه، وأم أبيه، والقُربى تُقَدَّمُ على البُعدى، ثم بعد الجدة الأب، ثم الأخت،
إلى آخر ما بسطه.
وقال الموفق(١): إن الزوجين إذا افترقا، ولهما ولدٌ طفلٌ، فأمه أولى
الناس بكفالته، إذا كملت الشرائط فيها ذكراً كان أو أنثى، وهذا قول الثوري،
ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ولا نعلم أحداً خالفهم،
والأصل فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن امرأة قالت: يا رسول الله
إن ابني هذا كان بطني له وعاء، الحديث، رواه أبو داود(٢)، وقد تقدم في أول
كلام الباجي، ويروى أن أبا بكر - رضي الله عنه - حكم على عمر - رضي الله
عنه - بعاصم لأمه، وقال: ريحها وشُّها ولطفها خيرٌ له منك، رواه سعيد في
(سنته)(٣) ...
ولا تثبت الحضانة إلا على الطفل، أو المعتوه، أما البالغ الرشيد فلا
حضانة عليه، وإليه الخيرة في الإقامة عند من شاء من أبويه. فإن كان رجلاً،
فله الانفراد بنفسه، لاستغنائه عنهما، ويستحب أن لا ينفرد عنهما، ولا يقطع
بره عنهما، وإن كانت جارية لم يكن لها الانفراد، ولأبيها منعها منه، لأنه لا
يُؤْمَن أن يدخل عليها من يفسدها، ويلحق العار بها وبأهلها، وإن لم يكن لها
أب، فلوليِّها وأهلها منْعها من ذلك.
ثم إذا بلغ الغلام سبع سنين، ولم يكن معتوهاً خُيِّرَ بين أبويه إذا تنازعا
فيه، فمن اختاره منهما، فهو أولى به، قضى بذلك عمر وعلي - رضي الله
عنهما - وشريح، وهو مذهب الشافعي، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يخير،
(١) («المغني)) (٤١٣/١١).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٥٢٩/١) من ((كتاب الطلاق)) في باب من أحق بالولد.
(٣) ((سنن سعيد بن منصور)) (١٠٩/٢، ١١٠).
٣٦٨

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٥) حديث
لكن قال أبو حنيفة: إذا استقلّ بنفسه، فأكل بنفسه، ولبس بنفسه، واستنجى
بنفسه، فالأب أحق به، ومالك يقول: الأم أحق به حتى يُثْغِرَ، وأما التخيير فلا
يصحُّ؛ لأن الغلام لا قول له، ولا يعرف حظه، وربما اختار من يلعب عنده،
ويترك تأديبه، فيؤدي إلى فساده.
ولنا؛ ما روى أبو هريرة أن النبي وَلّهِ: خَيَّرَ غلاماً بين أبيه وأمه، رواه
سعيد بإسناده، والشافعي، وفي لفظ عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة إلى
النبي ◌َّير، فقالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني
من بئر أبي عنبة، فقال النبي ◌َسر: هذا أبوك، وهذه أمك فخذ بيد أيِّهما شئت،
فأخذ بيد أمه، فانطلقت به، رواه أبو داود، ولأنه إجماع الصحابة، فُرُوِي عن
عمر رضي الله عنه أنه خَيَّر غلاماً بين أبيه وأمه، رواه سعيد(١).
وروي عن عُمارة الجرمي أنه قال: خَيَّرَني عليٍّ - رضي الله عنه - بين
عمي وأمي، وكنت ابن سبع سنين، أو ثمان سنين(٢)، وروي نحو ذلك عن أبي
هريرة، وهذه قصص في مَظِنَّةِ الشهرة. ولم تُنْكر، فكانت إجماعاً.
ومتى اختار أحدهما، فسُلِّم إليه، ثم اختار الآخر، رُدَّ إليه، فإن عاد
فاختار الأوّل، أعيد إليه، هكذا أبداً، كلما اختار أحَدَهما صار إليه، فإن لم
يختر أحدهما، أو اختارهما معاً، قُدِّمَ أحدُهما بالقرعة؛ لأنه لا مزية لأحدهما
على صاحبه، ولا يمكن اجتماعهما على حضانته.
وإنما يُخَيَّرُ الغلامُ بشرطين؛ أحدهما: أن يكونا جميعاً من أهل الحضانة، فإن
كان أحدهما من غير أهل الحضانة، كان كالمعدوم، والثاني: أن لا يكون الغلام
معتوهاً، فإن كان معتوهاً كان عند الأم، ولا يُخَيَّر؛ لأن المعتوه بمنزلة الطفل.
وإذا بلغت الجارية سبع سنين فالأب أحق بها. وقال الشافعي: تُخَيَّر
(١) ((السنن)) (١١٠/٢، ١١١).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٤/٨).
٤
٣٦٩

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٥) حديث
كالغلام، لأن كل سن خُيِّرَ فيه الغلام خُيِّرَت فيه الجارية، كسن البلوغ، وقال
أبو حنيفة: الأم أحق بها، حتى تزوج أو تحيض، وقال مالك: الأم أحق بها
حتى تزوج، ويدخل بها الزوج، لأنها لا حكم لاختيارها، ولا يمكن انفرادها،
فكانت الأم أحق بها، كما قبل السبع.
ولنا، أن الغرض بالحضانة الحظُ، والحظُ للجارية بعد السبع في الكون
عند أبيها، لأنها تحتاج إلى حفظ، والأب أولى بذلك، فإن الأم تحتاج إلى من
يحفظها ويصونها، انتهى مختصراً.
قال صاحب ((المحلى)): وهذا الذي أخذ به مالك في ذلك أن الحضانة
للأم ما لم تنكح إلى احتلام الصبيّ، ونكاح الأنثى، ولا يُخَيَّرُ طفلٌ، هو قول
إمامنا أبي حنيفة، والأثر حجةٌ على الشافعي، في قوله: إنه يُخَيَّرُ في سبع أو
ثمان، وعلى أحمد في سبع، وفيه إنما يكون حجة إذا ثبت أنه كان في سن
ثمان، وقد اخْتُلِفَ فيه، قال ابن عبد البر: خاصمت فيه أمه أباه عمر - رضي الله
عنه - إلى أبي بكر، وهو ابن أربع سنين، وذكر البخاري أنها خاصمته، وهو
ابن ثمان، واحتجَّ لمالك وأبي حنيفة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
المذكور قبل.
وأجابوا عن حديث أبي هريرة بأنه وَّ دعا لأن يوفق لاختيار الأنظر على
ما رواه أبو داود(١) والنسائي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن
سنان أنه أسلم، وأبت أمه أن تسلم، فجاء بابن لها صغير، لم يبلغ، فأجلس
النبيِ وَّ الأب هاهنا، والأم هاهنا، ثم خَيَّرَه، وقال: «اللّهم اهدِه))، فذهب
إلى أبيه.
وفي ((البذل)) (٢) عن ((البدائع)): ولنا ما روينا عن النبي وَّ أنه قال للأم:
(١) أخرجه أبو داود (٢٢٤٤)، والنسائي (٣٢٩٥).
(٢) («بذل المجهود)) (٣٨٨/١٠).
٣٧٠

٣٩ - كتاب الوصية
(٦) باب
(١٤٨٥) حديث
أنتِ أحق ما لم تنكحي، ولم يُخَيِّرْ، ولأن تخيير الصبيّ ليس بحكمة؛ لأنه
لغلبة هواه يميل إلى اللذة الحاضرة من الفراغ، والكسل، والهرب من الكتاب،
وتعلم آداب النفس، فيختار شرَّ الأبوين، وأما حديث أبي هريرة - رضي الله
عنه -، فالمراد منه التخيير في حق البالغ؛ لأنها قالت: نفعني وسقاني من بئر
أبي عنبة، ومعنى قولها: نفعني أي كسب عليّ، والبالغ هو الذي يقدر على
الكسب، وقد قيل: إن بئر أبي عنبة، لا يمكن الصغير الاستقاء منه، فدل على
أن المراد منه التخيير في حق البالغ، ونحن به نقول.
والدليل عليه ما روي عن عمارة بن ربيعة المخزومي أنه قال: غزا أبي
نحو البحرين، فقتل، فجاء عَمّي ليذهب بي، فخاصمته أمي إلى عليٍّ - رضي الله
عنه - ومعي أخٌ لي صغيرٌ، فَخَيَّرني عليّ - رضي الله عنه - ثلاثاً، فاخترت أمي،
فأبى عمي أن يرضى، فوكزه عليٍّ - رضي الله عنه - بيده، وضربه بدرته، وقال:
لو بلغ هذا الصبي أيضاً خُيِّر، فهذا يدل على أن التخيير لا يكون إلا بعد
البلوغ، وقضى أبو بكر - رضي الله عنه - بعاصم بن عمر - رضي الله عنه - لأمه
ما لم يشِب، أو تتزوج، وقال: إن ريحها، وفراشها خير له، حتى يشِبَّ أو
تتزوج، وذلك بمحضر من الصحابة، انتهى مختصراً .
وأخرج البيهقي(١) حديث عمارة الجرمي قال: خيرني عليّ - رضي الله
عنه - بين أمي وعمي، ثم قال لأخ لي أصغر مني: وهذا أيضاً لو بلغ مبلغ هذا
لخيرته، وفي أخرى ((وكنت ابن سبع أو ثمان سنين))، وأخرج أيضاً عن أبي
الزناد عن الفقهاء الذين ينتهى إلى قولهم من أهل المدينة أنهم كانوا يقولون:
قضى أبو بكر - رضي الله عنه - على عمر - رضي الله عنه - لجدة ابنه عاصم بن
عمر - رضي الله عنه - بحضانته حتى يبلغ، وأم عاصم يومئذٍ حية متزوجة.
(١) ((السنن الكبرى)) (٤/٨).
٣٧١

٣٩ - كتاب الوصية
(٧) باب
(٧) باب العيب في السلعة وضمانها
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ مِنَ
الْحَيَوانِ أَوِ الِّيَابِ أَوِ الْعُرُوضِ فَيُوجَدُ ذُلِكَ الْبَيْعُ غَيْرَ جَائِزِ. فَيُرَدُّ
وَيُؤْمَرُ الَّذِي قَبَضَ السِّلْعَةَ أَنْ يَرُدَّ إِلَى صَاحِبِهِ سِلْعَتَهُ.
قَالَ مَالِكٌ :
(٧) العيب في السلعة وضمانها
قال الباجي(١): معنى هذه الترجمة - والله أعلم - أن العيب يحدث
بالسلعة بعد ابتياع المبتاع لها بيعاً فاسداً يجب ردّه، فإن ضمان ذلك العيب،
وما يحدث فيها من نقص وهلاك من المشتري الذي قبضها، وكذلك ما يحدث
فيها من زيادة ونماء، فإن ذلك كله للمشتري، انتهى.
(قال مالك في الرجل يبتاع السلعة من الحيوان) مثلاً (أو الثياب أو
العروض) أو غير ذلك مما لا مثل له (فيوجد) ببناء المجهول (ذلك البيع غير
جائز) أي يظهر بعد ذلك أن البيع المذكور كان فاسداً (فيرد) ببناء المجهول
(ويؤمر) ببناء المجهول أيضاً (الذي قبض السلعة) أي المشتري (أن يَرُدَّ) ببناء
الفاعل (إلى صاحبه) أي إلى البائع (سلعتَه) المذكورة لفساد البيع، فإن البيع
الفاسد یجب ردّه.
قال الباجي: وهذا على ما قال: إن من ابتاع شيئاً من الحيوان وغيره
ابتياعاً غير جائز، يريد فاسداً، فيرد لأجل فساده، فإن المبتاع يردّ على البائع،
وهذا يقتضي رد البيع الفاسد، ولا خلاف في ذلك، والأصل فيه ما روى
القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال النبي وَلّر: ((من أحدث في أمرنا هذا
ما ليس منه فهو رد»، انتھی.
(قال مالك) في الصورة المذكورة: إن السلعة إذا دخلها زيادةٌ أو نقصانٌ
(١) ((المنتقى)) (١٩٠/٦).
٣٧٢

٣٩ - كتاب الوصية
(٧) باب
فَلَيْسَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ إِلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ قُبِضَتْ مِنْهُ. وَلَيْسَ يَوْمَ يَرُدُّ
ذُلِكَ إِلَيْهِ. وَذُلِكَ أَنَّهُ ضَمِنَهَا مِنْ يَوْمَ قَبَضَهَا. فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ
نُقْصَانٍ بَعْدَ ذُلِكَ كانَ عَلَيْهِ. فَبِذْلِكَ كَانَ نِمَاؤُهَا وَزِيَادَتُهَا لَهُ. وَإِنَّ
الرَّجُلَ يَقْبِضُ السِّلْعَةَ فِي زَمَانِ هِيَ فِيهِ نَافِقَةٌ. مَرْغُوبٌ فِيهَا. ثُمَّ
يَرُدُّهَا فِي زِمَانٍ هِيَ فِيهِ سَاقِطَةٌ. لَا يُرِيدُهَا أَحَدٌ. فَيَقْبِضُ الرَّجُلُ
السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ. فَيَبِيعُهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ. وَيُمْسِكُهَا وَثَمَنُهَا ذُلِكَ. ثُمَّ
لتغير سوقها، ونحوه (فليس لصاحب السلعة) أي للبائع (إلا قيمتها) التي كانت
(يوم قبضت) السلعة (منه، وليس) له قيمتها (يوم يردّ ذلك) المبيع (إليه) يعني
يكون للبائع قيمة السلعة يوم القبض، لا يوم الرد.
(وذلك) أي وجه إيجاب القيمة يوم القبض (أنه) أي المشتري (ضمنها من
يوم قبضها) فكان في ضمانه من يوم القبض، لأن ضمان البيع الفاسد بالقبض
(فما كان فيها) أي في السلعة (من نقصان بعد ذلك) أي بعد القبض (كان عليه)
أي على المشتري.
(فبذلك) أي بسبب أن النقص عليه (كان نماؤها) أي نماء السلعة
(وزيادتها) عطف تفسير للنماء (له) أي للمشتري، يعني ما كان في السلعة من
نقص بعد يوم القبض، فعلى المشتري، كذلك ما كان فيها من نماء فللمشتري.
(و) توضيح المسألة المذكورة (إن الرجل) المشتري (يقبض السلعة في
زمان هي فيه نافقة) بالفاء والقاف أي رائجة (مرغوب فيها) تأكيد لقوله: رائجة
(ثم يردّها في زمان هي فيه ساقطة) عن العيون، كاسدة غير مرغوب فيها (لا
يريدها أحد) ولا يميل إلى شرائها (فيقبض الرجل) المشتري (السلعة من الرجل)
البائع (فيبيعها بعشرة دنانير) مثلاً (أو يمسكها) هكذا في جميع النسخ الهندية
بلفظ أو، وفي جميع النسخ المصرية بالواو هاهنا، أي يمسك المشتري السلعة
(وثمنها ذلك) جملة حالية أي يمسكها عنده حال كون ثمنها عشرة دنانير. (ثم
٣٧٣

٣٩ - كتاب الوصية
(٧) باب
يَرُدُّهَا وَإِنَّمَا ثَمَنُهَا دِينَارٌ. فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ بِتِسْعَةِ
دَنَانِيرَ. أَوْ يَقْبِضُهَا مِنْهُ الرَّجُلُ فَيَبِيعُهَا بِدِينَارٍ. أَوْ يُمْسِكُهَا. وَإِنَّمَا
ثَمَنُهَا دِينَارٌ. ثُمَّ يرُدُّهَا وَقِيمتُهَا يَوْمَ يَرُدُّهَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ. فَلَيْسَ عَلَى
الَّذِي قَبَضَهَا أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهَا مِنْ مَالِهِ تِسْعَةَ دَنَانِيرَ .
يردّها) بعد ذلك (وإنما ثمنها دينار واحد) مثلاً جملة حالية أيضاً، أي يردّها بعد
ذلك حال كون ثمنها ديناراً لكسادها، فكأنه أضَرَّ البائع بإمساكه تسعة دنانير.
(فليس له) أي للمشتري (أن يذهب من مال الرجل) البائع (بتسعة دنانير)
لأن المشتري لو لم يمسكها عنده لباعه البائع في زمان النفاق بعشرة دنانير،
فلا بد أن يؤدي المشتري إلى البائع عشرة دنانير، وهذا مثال الكساد.
ثم مَثَّلَ عكسَه بمثال النفاق، فقال: (أو يقبضها) أي السلعة (منه) أي من
البائع (الرجل) المشتري (فيبيعها بدينار) أي قيمتها إذ ذاك دينار (أو يمسكها)
هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية بلفظ أو هاهنا، وكان الأوجه أن يكون
نسق الكلامين واحداً، إما بلفظ أو في الموضعين كما في النسخ الهندية، وهو
الأوجه، أو بلفظ الواو في كليهما (وإنما ثمنها) حال القبض (دينار ثم يردها)
على البائع (وقيمتها يوم يردها عشرة دنانير، فليس على الذي قبضها) أي على
المشتري (أن يغرم لصاحبها) البائع (من ماله) أي مال المشتري (تسعة دنانير)
لأنه إذا ردّها حال كونها عشرة دنانير، فكأنه أعطى البائع من عنده تسعة دنانير.
قال الباجي(١): يريد أن تغيير القيمة كتغيير البدن، فكما ليس له أن
يأخذها سليمة قيمتها عشرة، ثم يردّها معيبة، فكذلك ليس عليه أن يأخذها
ناقصة في بدنها، وقيمتها دينار، ويردها بعد تمامها ونمائها وقيمتها عشرة،
وكذلك الزيادة والنقصان في القيمة، انتهى. يعني إذا زادت قيمتها ففات عنه
ردّها؛ لأن حوالة الأسواق مؤثر عند مالك. فلا يردها حينئذٍ عنده، بل يرد
قيمتها ديناراً واحداً .
(١) ((المنتقى)) (١٩١/٦).
٣٧٤

٣٩ - كتاب الوصية
(٧) باب
إِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا قَبَضَ يَوْمَ قَبْضِهِ.
ثم أجمل الحكم فقال: (إنما عليه) أي على المشتري (قيمة ما قبض يوم
قبضه) قال الباجي(١): إن المبيع كله على ضربين: ضربٌ له مثل، كالمكيل
والموزون، والمعدود، وضربٌ لا مثل له، كالحيوان والثياب والعروض، أما
ماله مثل، فإن هذا رده بأن يرد إلى البائع ما أخذ منه، إن كان باقياً، فإن
عدمت تلك العين، فمثلها، ووجه ذلك أنه لا يفوت بفوات عينه؛ لأن وجود
مثلها يقوم مقام وجودها، ولا تفوت بتغير أسواقها؛ لأن تغير عينها لا يفيت
ردها، فبأن لا يفيتها تغير قيمتها مع سلامة العين أولى، وأحرى، وأما ما لا
مثل له، كالحيوان والثياب والأرضين والأشجار، فلا يخلو أن يكون مما
ينقل، ويحول، كالحيوان، والثياب، أو مما لا ينقل كالدور والأشجار.
فأما ما ينقل ويحول، فإذا فات عند المبتاع كانت عليه قيمته يوم قبضه،
وفواته يكون بالزيادة في عينه، أو النقصان منها، أو بتغيير سوقه على وجه
تصحيح البيع الفاسد، وبهذا قال مالك وأصحابه، وقال أبو حنيفة والشافعي :
يرد ما كانت عينه موجودة، فإن فات رد قيمتها، وقوله: فليس لصاحب السلعة
إلا قيمة سلعته يوم قبضت، يريد أنه لما قبضها على الضمان كان له نماؤها،
وعليه نقصها، وذلك يشتمل على تغيير البدن، والقيمة، وقال الشافعي: يلزمه
قيمتها يوم التلف.
ثم قال: وهذا فيما ينقل ويحول، فأما ما لا ينقل ولا يحول كالدور
والأرضين، فعند ابن القاسم لا يفوت بحوالة الأسواق، وتغير القيمة، ويفوت
البيع الفاسد بالبيع الصحيح، فمن اشترى سلعة شراءً فاسداً ثم باعها بيعاً
صحیحاً لم يرد بيعه، وصحح بیعه الأول، انتهى.
وقال ابن رشد (٢): اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت، ولم
(١) ((المنتقى)) (١٩١/٦).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٢/ ١٩٣).
٣٧٥

٣٩ - كتاب الوصية
(٧) باب
تفت بإحداث عقد فيها أو نماء أو نقصان أو حوالة سوق، أن حكمها الردُّ
أعني أن يَرُدَّ البائع الثمنَ، والمشتري المثمون.
واختلفوا إذا قبضت، وتصرف فيها بعتق، أو هبة، أو بيع، أو غير ذلك،
من سائر التصرفات هل ذلك فوت، يوجب القيمة؟ وكذلك إذا نمت أو
نقصت، فقال الشافعي: ليس ذلك كله فوتاً، ولا شبهة ملك في البيع الفاسد،
وأن الواجب الردُّ، وقال مالك: كل ذلك فوتٌ يوجب القيمة، إلا ما روى عنه
ابنُ وهب في الربا، أنه ليس بفوت، ومثل ذلك قال أبو حنيفة.
والبيوع الفاسدة عند مالك تنقسم إلى محرمة، وإلى مكروهة، فالمحرمة
إذا فاتت مضيت بالقيمة، والمكروهة إذا فاتت صحت عنده، وربما صحّ عنده
بعض البيوع الفاسدة بالقبض لخفة الكراهة، فالشافعية تشبه المبيع الفاسد
لمكان الربا والغرر بالفاسد لمكان تحريم عينه كبيع الخمر والخنزير، فليس
عندها فيه فوات، ومالك يرى أن النهي في هذه الأمور إنما هو لمكان عدم
العدل، فإذا فاتت السلعة فالعدل فيها هو الرجوع بالقيمة؛ لأنه قد تقبض
السلعة، وهي تساوي ألفاً، وتردّ، وهي تساوي خمسمائة أو بالعكس، ولذلك
يرى مالك حوالة الأسواق فوتاً في المبيع الفاسد، انتهى.
وبمثل قول الشافعي - رحمه الله - قال أحمد، قال الموفق(١) في بحث
البيع بشرط: فإن حكمنا بفساد العقد لم يحصل به ملك، سواء اتصل به القبض
أو لم يتصل، ولا ينفذ تصرف المشتري فيه ببيع، ولا هبة، ولا عتق، ولا
غيره، وبهذا قال الشافعي، وذهب أبو حنيفة إلى أن الملك يثبت فيه إذا اتّصل
به القبض، وللبائع الرجوع فيه، فيأخذه مع الزيادة المنفصلة إلا أن يتصرف فيه
المشتري تصرفاً يمنع الرجوع فيه، فيأخذ قيمته، واحتجّ بحديث بريرة، فإن
(١) («المغني)) (٣٣٧/٦).
٣٧٦

٣٩ - كتاب الوصية
(٧) باب
عائشة - رضي الله عنها - اشترتها بشرط الولاء، فأعتقتها، فأجاز النبي
العتق .
ولنا، أنه مقبوض بعقد فاسد، فلم يملكه كما لو كان الثمن ميتة، أو
دماً، وأما حديث بريرة - رضي الله عنها - فليس فيه أن عائشة - رضي الله عنها -
اشترتها بهذا الشرط، بل الظاهر أن أهل بريرة حين بلغهم إنكار النبي وَّ هذا
الشرط تَرَكُوْه.
وعليه رد المبيع مع نمائه المتصل، والمنفصل، وأجرة مثله مدة بقائه في
يده، وإن نقص ضمن نقصه، لأنها جملة مضمونة، فأجزاؤها تكون مضمونة
أيضاً، فإن تلف المبيع في يد المشتري، فعليه ضمانه بقيمته يوم التَّلَفِ، انتهى.
وفي ((الهداية))(١): إذا قبض المشتري المبيع في البيع الفاسد ملك المبيع،
ولزمته قيمته، وقال الشافعي: لا يملكه وإن قبضه؛ لأنه محظور، فلا ينال به
نعمة الملك، وصار كما إذا باع بالميتة، ولنا، أن ركن البيع صدر من أهله
مضافاً إلى محله، فوجب القول بانعقاده، فنفس البيع مشروع، وبه تنال نعمة
الملك، وإنما المحظور ما يجاوره كما في البيع وقت النداء، والميتة ليست
بمال، فانعدم الركن، ثم قال: ولكل واحد من المتعاقدين فسخه رفعاً للفساد،
انتهى مختصراً .
وفي ((الدر المختار))(٢): إذا قبض المشتري المبيع برضا بائعه ملكه بمثله
إن مثلياً، وإلا فبقيمته يوم قبضه؛ لأن به يدخل في ضمانه فلا تعتبر زيادة قيمته
كالمغصوب، انتهى.
قلت: ومعنى قوله: ملكه أي ملكاً خبيثاً، ولذا صرح المصنف وغيره من
(١) (٥١/٢).
(٢) (٢١٠/٥، ٢١١).
٣٧٧

٣٩ - كتاب الوصية
(٧) باب
قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذُلِكَ. أَنَّ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ السِّلْعَةَ. فَإِنَّمَا
يُنْظَرُ إِلَى ثَمَنِهَا يَوْمَ يَسْرِقُهَا. فَإِنْ كَانَ يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ. كَانَ ذُلِكَ
عَلَيْهِ. وَإِنِ اسْتَأْخَرَ قَطْعُهُ. إِمَّا فِي سِجْنٍ يُحْبَسُ فِيهِ حَتَّى يُنْظَرَ فِي
شَأْنِهِ وَإِمَّا أَنْ يَهْرُبَ السَّارِقُ ثُمَّ يُؤْخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ اسْتِئْخَارُ قَطْعِهِ
بِالَّذِي يَضَعُ عَنْهُ حَدًّا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ سَرَقَ وَإِنْ رَخُصَتْ تِلْكَ
السِّلْعَةُ بَعْدَ ذُلِكَ. وَلَا بِالَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ قَطْعاً لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَيْهِ
يَوْمَ أَخَذَهَا. إِنْ غَلَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ بَعْدَ ذُلِكَ.
أهل الفروع أنه يجب على العاقدين فسخ البيع، ومعنى قوله: بمثله أنه إن هلك أو
تعذر الرد يجب مثله إن مثلياً، وإلا فقيمته يوم القبض، كما صرح به أهل الفروع.
(قال مالك) في توضيح المسألة السابقة بذكر نظيرها (ومما يبين ذلك) أي
الحكم المذكور في المسألة السابقة من أن العبرة للقيمة يوم القبض (أن السارق
إذا سرق السلعة فإنما ينظر) في بلوغ نصاب القطع (إلى ثمنها يوم يسرقها فإن
كان) ثمنها يوم السرقة بمقدار (يجب فيه القطع) أي بلغ ثمنها نصاب القطع
(كان ذلك) أي قطع اليد (عليه) ثابتاً (وإن استأخر قطعه) لأسباب ذكر منها اثنين
تمثيلاً. (إما في سجن) أي بسبب سجن (يحبس) المشتري ببناء المجهول (فيه
حتى ينظر في شأنه) أي يلزمه القطع أم لا، وهذا غاية الحبس (وإما أن يهرُب)
بضم الراء (السارق) فتأخر القطع لهربه (ثم يؤخذ) السارق (بعد ذلك) بزمان.
(فليس استئخار) أي تأخير (قطعه) لواحد من الأمرين المذكورين (بالذي
يضع) أي يسقط خبر ليس (عنه حداً قد وجب عليه) سابقاً (يوم سرق) لبلوغ ثمنه
يومئذٍ حد النصاب (وإن رخصت) أي صارت رخيصاً (تلك السلعة بعد ذلك)
أي بعد السرقة (ولا بالذي) عطف على قوله: بالذي يضع (يوجب عليه قطعاً)
موصوف صفته (لم يكن وجب عليه) لنقصان ثمنها عن حد النصاب (يوم
أخذها) أي يوم السرقة (إن غلت تلك السلعة بعد ذلك) اليوم، فالعبرة في قطع
اليد بيوم السرقة .
٣٧٨

٣٩ - كتاب الوصية
(٨) باب
(١٤٨٦) حديث
(٨) باب جامع القضاء وكراهيته
٧/١٤٨٦ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ
قال الباجي(١): يريد أن القبض في البيع الفاسد قبض يعتبر فيه القيمة،
فكان الاعتبار في ذلك بقيمته يوم القبض، دون يوم الحكم كقيمة ما سرق،
وتأثيره في وجوب القطع؛ لأنه لو سرق ما قيمته أقل من النصاب، ثم زاد عنده
على قيمة النصاب لم يجب به القطع، ولو سرق ما قيمته النصاب، ثم نقص
عن ذلك، لم يسقط عنه القطع، كذلك إن أخذ بالبيع الفاسد ما قيمته عشرة
دنانير، ثم نقصت قيمته عن ذلك لم يسقط عنه، غرم عشرة دنانير، ولو قبض ما
قيمته دينار، ثم بلغت قيمته عشرة دنانير، لم يجب عليه غرم ما زاد على الدينار
لزيادة قيمة المقبوض بعد القبض، انتهى.
قال الموفق(٢): لو أخرجها وقيمتها ثلاثة دراهم، فلم يقطع حتى نقصت
قيمتها قطع، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يسقط القطع؛ لأن
النصاب شرط، فتعتبر استدامته، ولنا، أنه نقص حدث في العين، فلم يمنع
القطع، كما لو حدث باستعماله، انتهى. وبقول الأئمة الثلاثة قال محمد وزفر،
كما في ((الهداية)) وغيره.
(٨) جامع القضاء وكراهته
أي الأحاديث المتفرقة في القضاء وكراهة اختيار القضاء.
١٤٨٦/ ٧ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن أبا الدرداء)
عويمراً بالتصغير، وقيل: عامر، الصحابي الجليل، قال الزرقاني(٣): هذا
منقطع، لكن أخرجه الدينوري في ((المجالسة)) من وجه آخر عن يحيى بن سعيد
(١) ((المنتقى)) (١٩١/٦).
(٢) ((المغني)) (٤٥٣/١٢).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٧٤/٤).
٣٧٩

٣٩ - كتاب الوصية
(٨) باب
(١٤٨٦) حديث
كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيّ: أَنْ هَلُمَّ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ.
عن عبد الله بن هبيرة، انتهى. وفي ((التهذيب)): قال ابن المديني في ((العلل)):
لا أعلم يحيى بن سعيد سمع من صحابي غير أنس، انتهى.
(كتب) أي أبو الدرداء من دمشق حين صار قاضياً هناك، كذا في
(المحلى)) (إلى سلمان الفارسي) أبي عبد الله الرامهرمزي، ويقال له: سلمان
الخير، الصحابي الشهير أصله من أصبهان، وقيل: من رامهرمز، أول مشاهده
الخندق، مات سنة ٣٥هـ، يقال: بلغ ثلثمائة سنة، وقيل أكثر من ذلك.
(أن) بفتح الهمزة وتخفيف النون (هلم) بشد الميم المفتوحة أي تعال (إلى
الأرض المقدسة) زاد الدينوري ((وأرض الجهاد)). قال الباجي (١): يريد المطهرة،
والمقدس في كلام العرب المطهر، وإنما أراد موضعاً من الشام، يسمى
المقدس، ومن سمى مسجد إيلياء البيت المقدس يريد المطهر، ومعناه أنه مطهر
مما كان في غيره من المواضع من الكفر، وكان ذلك في وقت من الأوقات،
فلزمه الاسم والوصف بذلك، ويحتمل أن يكون معنى تقديسها تطهيرها أن فيها
يطهر من الذنوب والخطايا، فيكون معنى المقدس المقدس أهلها .
ويدل على صحة هذا التأويل قول سلمان: إن الأرض لا تقدس أحداً،
ولا تطهره من ذنوبه، وإنما يقدسه عمله، فيكون على هذا التأويل إنما وصف
أهل بيت المقدس بذلك في وقت عملوا فيه بطاعة الله، وكان كثير منهم أنبياء،
وسائرهم أتباعاً للأنبياء، ولعله كان ذلك في وقت أمروا بملازمته، كما أمر
المسلمون بالهجرة إلى المدينة. فكأن سكناها في ذلك الوقت تُقدِّسُ أهلها،
وتُطَهِّرُهم من الذنوب، انتھی.
وبسط الحموي(٢) في أحوال بيت المقدس، وضبطه بفتح أوله وسكون
(١) ((المنتقى)) (١٩٢/٦).
(٢) انظر: ((معجم البلدان)) (١٦٦/٥).
٣٨٠