Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٩ - كتاب الوصية (٢) باب (١٤٨٢) حديث قال الحافظ: فظهر بهذا أن عمرو بن سليم ليس هو الزرقي، فظن البيهقي أنه الزرقي، فقال: لم يدرك عمر - رضي الله عنه - إلا أنه منتسب لصاحب القصة، انتهى. قلت: الظاهر عندي أن حديث عمرو بن سليم الغسّاني غير قصة عمرو بن سليم الزرقي، فإن الموصى له في حديث الغساني إن كان حديث معمر والثوري واحداً بالشام، وفي حديث الزرقي بالمدينة المنوّرة، وفي ((المغني)): أن صبياً من غسان له عشر سنين أوصى لأخوال له، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأجاز وصيته رواه سعيد، انتهى. وقال ابن حزم في ((المحلى)) (١): روينا من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه أن عمر بن الخطاب أجاز لها وصية غلام لم يحتلم ببئر جشم، قال عمرو بن سليم: فبعتها أنا بثلاثين ألف درهم، ثم قال: لا يصح هذا عن عمر - رضي الله عنه -؛ لأن أم عمرو بن سليم مجهولةٌ، وعمرو بن سليم لم يدرك عمر - رضي الله عنه -. وتعقب ابن التركماني(٢) قول البيهقي: إن عمراً لم يدرك عمر - رضي الله عنه -، فقال: وفي ((الثقات)) لابن حبان: قيل: إنه كان يوم قتل عمر بن الخطاب، قد جاوز الحلم، وقال أبو نصر الكلابازي: قال الواقدي: كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر - رضي الله عنه -، وظهر بهذا أنه ممكن لقاؤه لعمر - رضي الله عنه -، فتحمل روايته على الاتصال على مذهب الجمهور كما عرف، انتھی. قال الباجي(٣): أجمع علماء المدينة بأن وصية من يميز، ويفهم ما يوصي (١) (٣٧٥/٨). (٢) انظر: ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٢٨٢/٦). (٣) ((المنتقى)) (١٥٤/٦). ٣٠١ ٣٩ - كتاب الوصية (٢) باب (١٤٨٢) حديث به من السفيه والصغير جائزة، وقال أبو حنيفة والشافعي: تجوز وصية السفيه، ولا تجوز وصية من لم يحتلم، والدليل على ما نقوله أن الصغر حجر، فلا يمنع صحة الوصية مع التمييز، كالسفه، وإذا ثبت ذلك فقد قال مالك: تجوز وصية اليفاع، وقال ابن المواز: أجاز مالك وأصحابه وصية الصغير الذي يعقل ما يوصي به ابن تسع سنين وشبهه، وقال أصبغ: تجوز وصية الصبي والصبية إذا عقلا ما يفعلان، وأما الصغير الذي لا يميز، فلا خلاف بين العلماء في أنه لا تجوز وصیته، ووجه ذلك أنه لا یصح قصده کالمغمی علیه، انتهى. قال الزرقاني(١): في الحديث صحة وصية الصبي المميز، وبه قال مالك، وقيّده بما إذا عقل، ولم يخلط، وأحمد وقيده بابن سبع، وعنه بعشر، والشافعي في قول، ورجحه جماعة، ومال إليه السبكي، وأَيَّدَه بأن الوارث لا حق له في الثلث، فلا وجه لمنع وصية الصبي المميز، ومنعها الحنفية، والشافعي في الأظهر عنه، انتهى. وقال الموفق(٢): من جاوز العشر سنين، فوصيته جائزةٌ إذا وافق الحقَ، هذا المنصوص عن أحمد، فإنه قال في رواية حنبل وصالح: تجوز، إذا بلغ عشر سنين تصح وصيته، ومن له دون السبع لا تصح وصيته، وما بين السبع والعشر فعلى روايتين، وقال ابن أبي موسى: لا تصح وصية الغلام لدون العشر، ولا الجارية، قولاً واحداً، وما زاد على العشر، فتصح على المنصوص. وفيه وجهٌ آخر لا تصح حتى يبلغ، وقال القاضي وأبو الخطاب: تصح وصية الصبي إذا عقل. وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه أجاز وصية (١) (شرح الزرقاني)) (٤/ ٦١). (٢) ((المغني)) (٥٠٨/٨). ٣٠٢ ٣٩ - كتاب الوصية (٢) باب (١٤٨٢) حديث الصبي، وهو قول عمر بن عبد العزيز وشريح وعطاء والزهري، والشعبي، والنخعي، ومالك، وإسحاق، وقال إسحاق: إذا بلغ اثنتي عشرة سنة، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وعن ابن عباس لا تصح وصيته حتى يبلغ، وبه قال الحسن، ومجاهد، وأصحاب الرأي، وللشافعي قولان كالمذهبين، واحتجوا بأنه تبرع بالمال، فلا يصح من الصبي، كالهبة والعتق، ولأنه لا يقبل إقراره، فلا تصح وصيته، كالطفل . ولنا في ((الموطأ)» وغيره، فذكر حديث الباب، وهذه قِصَّةٌ انتشرت، ولم تُنْكَرْ، ولأنه تَصَرُّفِّ تَمَخَّضَ نفعاً للصبي، فصح منه، كالإسلام، والصلاة، وذلك؛ لأن الوصية صدقة، يحصل ثوابها له بعد غناه عن ملكه، وماله، فلا يلحقه ضرر في عاجل دنياه، ولا أخراه، بخلاف الهبة، والعتق المُنْجَزِ، فإنه يفوت من ماله ما يحتاج إليه، وإذا رُدَّتْ رجعت إليه، وهاهنا لا يرجع إليه بالردِّ، والطفل وهو من له دون السبع، لا عقل له، ولا يصِحُّ إسلامه ولا عباداته، انتهى. وفي ((الهداية))(١): لا تصح وصية الصبي، وقال الشافعي: تصحُّ إذا كان في وجوه الخير؛ لأن عمر - رضي الله عنه - أجاز وصية يفاع - وهو الذي رَاهَقَ الحُلم - ولأنه نظرٌ له بصرفه إلى نفسه في نيل الزُّلْفَى، ولو لم تنفذ يبقى على غيره، ولنا أنه تَبَرُّعْ، والصبيّ ليس من أهله، ولأن قوله غير ملزم، وفي تصحيح وصيته قول بإلزام قوله. والأثر محمولٌ على أنه كان قريب العهد بالحُلم مجازاً، أو كانت وصيته في تجهيزه، وأمر دفنه، وذلك جائز عندنا، وهو يُخْرِزُ الثوابَ بالترك على ورثته، والمعتبر في النفع والضرر النظر إلى أوضاع التصرفات، لا إلى ما يتفق بحكم الحال. (١) (٢٣٧/٨/٤). ٣٠٣ ٣٩ - كتاب الوصية (٢) باب (١٤٨٢) حديث قال صاحب ((العناية)): قوله: كان قريب العهد بالحلم يعني كان بالغاً لم يمضِ على بلوغه زمان كثير، ومثله يسمى يافعاً مجازاً، تسمية الشيء باسم ما كان عليه، ورُدَّ بأنه صَحَّ في رواية الحديث أنه كان غلاماً لم يحتلم، وأنه أوصى لابنة عمٍ له بمال، فكيف يصحّ التأويلُ بكونه يافعاً مجازاً، أو بكون الوصية في التجهيز، وأمر الدفن، وأجيب بأن قوله: كان غلاماً لم يحتلم، معنى اليافع حقيقةً، فيجوز أن يكون الراوي نقله بمعناه، وقوله: أوصى لابنة عم له بمالٍ لا ينافي أن يكون مما يتعلق بتجهيزه وأمر دفنه. وقال الطحاوي: الاحتجاج بهذا الأثر لا يصحُّ عن الشافعي، لأنه مرسلٌ وعمرو بن سليم لم يلق عمر - رضي الله عنه -، وعندنا المرسل، وإن كان حجة، لكنه يخالف قوله عليه السلام: ((رفع القلم عن ثلاث)) وفيه نظر؛ لأن المراد بالقلم التكليف، وما نحن فيه ليس منه، وقال ابن حزم: هو مخالف لقوله تعالى: ﴿وَأَبْلُواْ الْيَى﴾ الآية، فإنها تدل على أن الصبيّ ممنوع من ماله، انتھی . قلت: شَدَّد ابنُ حزم كما هو دأبه في منع جواز وصية الصبي، وقال: فيه: إن الرواية لا تصحُّ عن عمر - رضي الله عنه -، وقد خالفه ابنُ عباس، وقال صاحب ((المحلى)) بعدما ذكر كلام صاحب ((الهداية)): إن لفظ ((الموطأ)) يقطع التأويلين، نعم، روى الدارقطني من طريق عطاء عن ابن عباس قال: لا يجوز طلاق الصبيّ، ولا عتقُه، ولا وصيتُه ولا شراؤُه ولا بيعهُ ولا هبتهُ، وله عن الحسن مثله، وعن الزهري وصيته ليست بجائزة، انتهى. وفي ((المحلى)): روينا من طريق عبد الرزاق بسنده عن عطاء عن ابن عباس لا تجوز وصية الغلام حتى يحتلم، وصحّ هذا عن الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وأبي سليمان، وأصحابهم، انتھی. ٣٠٤ ٣٩ - كتاب الوصية (٢) باب (١٤٨٢) حديث قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. أَنَّ الضَّعِيفَ فِي عَقْلِهِ. وَالسَّفِيهَ. وَالْمُصَابَ الَّذِي يُفِيقُ أَحْيَاناً. تَجُوزُ وَصَايَاهُمْ. إِذَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ عُقُولِهِمْ، مَا يَعْرِفُونَ مَا يُوصُونَ بِهِ. فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ عَقْلِهِ مَا يَعْرِفُ بِذْلِكَ مَا يُوصِي بِهِ، وَكَانَ مَغْلُوباً عَلَى عَقْلِهِ، فَلَا وَصِيَّةً لَهُ. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) بالمدينة المنوّرة (أن الضعيف في عقله) أي ضعيف العقل (والسفيه) قال الزرقاني(١): المبذر للمال (والمصاب) أي الذي أصاب عقله آفة، وفسره الزرقاني بالمجنون (الذي يفيق أحياناً) يعني لم يزل عقله بالكلية (تجوز وصاياهم إذا كان معهم) عند الإيصاء (من عقولهم ما) أي القدر الذي (يعرفون) به ولفظ ما اسم كان (ما يوصون به) مفعول يعرفون (فأما من) كان منهم (ليس معه من عقله ما يعرف بذلك ما يوصي به، وكان) إذ ذاك (مغلوباً على عقله) أي لا يعقل شيئاً (فلا وصية له). قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إنه تجوز وصية الضعيف العقل، وهو الذي لا يستقل بنفسه، ويحتاج إلى من يلي أمره، لعجزه عن مباشرة أحواله، وهو مع ذلك يُمَيِّزُ، ويفهم، وقد روى ابن وهب وأشهب عن مالك تجوز وصية الأحمق، يريد بذلك الذي وصفناه بضعف العقل، وأما السفيه، فإنه يريد به الذي يتلف ماله في وجوه السفه، أو يشتغل عن تثميره، وحفظه بالبطالة. وأما المصاب فهو الذي أصيب بعقله إما بصرع أو بما شاء الله، فإذا كان يفيق أحياناً، وكانت وصيته حين إفاقته، فهي جائزة، قال عبد الملك: تجوز وصية المجنون حین إفاقته، انتهى. وقال الموفق(٣): أما الطفل، وهو من له دون السبع، والمجنون، (١) ((شرح الزرقاني)) (٦١/٤). (٢) («المنتقى)) (١٥٥/٦). (٣) ((المغني)) (٥١٠/٨). ٣٠٥ ٣٩ - كتاب الوصية (٢) باب (١٤٨٢) حديث والمبرسَمُ فلا وصية لهم، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم مالك، والأوزاعي، والشافعي وأصحاب الرأي ومن تبعهم، ولا نعلم أحداً خالفهم إلا إياس بن معاوية، قال: في الصبي والمجنون إذا وافقت وصيتهم الحقَّ جازت. وأما المحجور عليه لسفهٍ، فإن وصيته تصحُّ في قياس قول أحمد، قال الخبري: وهو قول الأكثرين، وقال أبو الخطاب: في وصيته وجهان. ولنا؛ أنه عاقِلٌ تصح وصيّتُه، كالصَّبِيّ العاقل، ولأن وصيتَّه تمحّضَتْ نفعاً له من غير ضرر، فصحّت كعباداته، وأما الذي يُجَنُّ أحياناً، ويُفيق أحياناً، فإن وَصّى حال جنونه لم تصحّ، وإن وصَّى في حال عقله صحت وصيته؛ لأنه بمنزلة العقلاء في شهادته، ووجوب العبادة عليه، فكذلك في وصيته وتصرفاته، ولا تصحُّ وصية السكران، وقال أبو بكر: فيه قولان يعني وجهين، ولنا، أنه ليس بعاقل فلا تصح وصيته كالمجنون، وأما الضعيف في عقله، فإن مَنَعَ ذلك رُشْدَه في ماله، فهو كالسفيه وإلا فهو كالعاقل، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (١): وشرائطها كون الموصي أهلاً للتمليك، فلم تجز من صغير ومجنون، ثم قال: أوصى بوصية، ثم جن، إن أطبق الجنون حتى بلغ ستة أشهر بطلت، وإلا لا، وكذا لو أوصى ثم أخذ بالوسواس فصار معتوهاً، حتى مات، بطلت، قال ابن عابدين: وعبارة ((الخانية)): فصار معتوهاً، فمكث كذلك زماناً، ثم مات بعد ذلك، قال محمد: وصيته باطلة، انتهى. وقال(٢) أيضاً في ((كتاب الحجر)): ولا يحجر حر مكلف بسفهٍ، وهو تبذير المال، وتضييعه على خلاف مقتضى الشرع أو العقل، إلى أن قال: وهو في صحة وصاياه بالقرب من الثلث، كبالغ، قال ابن عابدين: قوله: بالقرب (١) (٣٥٥/١٠). (٢) ((الدر المختار)) (٢٤٧/٩). ٣٠٦ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (٣) باب الوصية في الثلث لا تتعدى من الثلث يعني إذا كان له وارث، والقياس أن لا تجوز وصيته كتبرعاته، وجه الاستحسان أن الحجر عليه لمعنى النظر له كي لا يتلف ماله، ويبقى كلّا على غيره، وذلك في حياته لا فيما ينفذ من الثلث بعد وفاته حال استغناء، وقوله: کبالغ أي غیر محجور عليه وإلا فهو بالغ، انتهى. (٣) الوصية - تكون - في الثلث لا تتعدى بالتأنيث في النسخ الهندية، والتذكير في المصرية، أي لا يتجاوز الوصية عن الثلث أصلاً . قال ابن حزم في ((المحلى)) (١): لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث، كان له وارث أو لم يكن له وارث، أجاز الورثة أو لم يجيزوا، صحَّ من طرق عن سعد بن أبي وقاص أنه قال له رسول الله وَله: ((الثلث، والثلث كثير))، وقال مالك: إن زادت وصيته عن الثلث بيسير كالدرهمين، ونحو ذلك، جازت الوصية في الكل، وهذا خلاف الخبر، وقالت طائفة: من لا وارث له، فله أن يوصي بماله كله، صَحَّ ذلك عن ابن مسعود وغيره، وروي عن مسروق أنه قال: فيمن ليس له مولى عتاقة أنه يضع ماله حيث يشاء، فإن لم يفعل، فهو لبيت المال. وعن عبيدة السلماني أنه قال: إذا مات، وليس عليه عقد لأحد، ولا عصبة يرثونه، فإنه يوصي بماله كله حيث شاء، وهو قول الحسن البصري، وأبي حنيفة، وأصحابه، وشريك القاضي، وإسحاق بن راهويه، وقال مالك، وابن شُبْرمة، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو سليمان: ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث، كان له وارث أو لم يكن، انتهى. (١) (٣٥٦/٨). ٣٠٧ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب وقال الموفق(١): إن الإنسان إذا وَصَّى لوارثه بوصية، فلم يُجِزْها سائرُ الورثة لم تصحّ بغير خلاف بين العلماء، قال ابن المنذر وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على هذا، وإن أجازها جازت في قول جمهور العلماء. وقال بعض أصحابنا: الوصية باطلة، وإن أجازها سائر الورثة إلا أن يعطوه عطية مُبْتَدَأةً أخذاً من ظاهر قول أحمد، في رواية حنبل لا وصية لوارث، وهذا قول المزني، وأهل الظاهر، وهو قول للشافعي لظاهر قوله وَ ل: ((لا وصية لوارث)»، وظاهر مذهب أحمد والشافعي أن الوصية صحيحة في نفسها، وهو قول جمهور العلماء، والخبر قد روي فيه ((إلَّا أن يُجِيز الورثةُ)) فيكون دليلاً على صحة الوصية عند الإجازة، وإن أجاز بعض الورثة دون بعض نفذ في نصيب من أجاز. ومن أوصى لغير وارثٍ بأكثر من الثلث، فأجاز ذلك الورثة بعد موت الموصي جاز، وإن لم يُجيزوا رُدَّ إلى الثلث، يعني أن الوصية لغير الوارث تلزم في الثلث من غير إجازة، وما زاد على الثلث يقف على إجازتهم، فإن أجازوا جاز، وإن ردُّوه بطل في قول جميع العلماء، والأصل في ذلك قول النبي وَلّ لسعد: ((الثلث كثير))، وغير ذلك من الروايات. ولا يعتبر الردُّ والإجازة إلا بعد موت الموصي، فلو أجازوا قبل ذلك، ثم رَدُّوا أو أذنوا لموروثهم في حياته بالوصية بجميع المال، أو بالوصية لبعض ورثته، ثم بدا لهم، فرَدُّؤُه بعد وفاته، فلهم الردُّ، سواء كانت الإجازة في صحة الموصي، أو مرضه، نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، وروي ذلك عن ابن مسعود وهو قول شريح، وطاووس، والحكم، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وأبي حنيفة، وأصحابه. (١) (المغني)) (٣٩٦/٨). ٣٠٨ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب وقال الحسن وعطاء، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، وابن أبي ليلى: ذلك جائز عليهم؛ لأن الحق للورثة، فإذا رضوا بتركه سقط حقهم، كما لو رضي المشتري بالعيب، وقال مالك: إن أذنوا له في صحته فلهم أن يرجعوا وإن كان ذلك في مرضه، وحين يحجب عن ماله، فذلك جائز عليهم، ولنا، أنهم أسقطوا حقوقهم فيما لم يَملِكوه، فلم يلزمهم. كالمرأة إذا أسقطت صداقها قبل النكاح، انتهى. قال الباجي(١): اتفق العلماء على أن من كان له وارث فليس له أن يوصي بأكثر من الثلث، فإن لم يكن له وارث، فهل له أن يوصي بماله كله، فمذهب مالك أنه لا يجوز، وبه قال الشافعي، وهو قول زيد بن ثابت، وجَوَّز ذلك أبو حنيفة، وروي ذلك عن ابن مسعود وعلي - رضي الله عنهما -، فإذا أوصى الميت بأكثر من الثلث فأجازته الورثة جاز، ويكون ذلك تنفيذاً منهم الفعل الموصي، ولم يكن ذلك ابتداءً عطيةً للموصى له، خلافاً للشافعي في قوله: إنها ابتداء عطية، والدليل على ذلك أن المنع إنما هو لحق الورثة، فإذا أجازوا، فقد تركوا ما كان لهم من الاعتراض والفسخ لفعل الميت، انتهى. قال الدردير (٢): بطل الإيصاء لوارث، ولو بقليل، كغير وارث بزائد الثلث، وإن أجاز الورثة ما أوصى به للوارث أو الزائد على الثلث، فعطية ابتداء، انتهى بتغير. قال الدسوقي: قوله كغيره بزائد الثلث، أي كما تبطل الوصية لغير الوارث بزائد الثلث، فإذا أوصى لأجنبي بنصف ماله نفذت الوصية بالثلث، ورُدَّ ما زاد علیه، ولو لم یکن له وارث لحق بيت المال، وهذا مذهب مالك، والجمهور، (١) ((المنتقى)) (١٥٦/٦). (٢) ((الشرح الكبير)) (٤٢٧/٤). ٣٠٩ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث ٤/١٤٨٣ - حدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهُ يَعُودُنِي وذهب أبو حنيفة وأحمد في أحد قوليه إلى صحتها بجميع ماله، إذا كان الموصى له أجنبياً، وكان لا وارث للموصي، وقوله: فعطية ابتداءً هذا هو المشهور، وهو مذهب ((المدونة)). وذهب ابن القصّار، وابن العطار إلى أنه ليس ابتداء عطية، إنما هو تنفيذ لما فعله الميت، وهو الذي نقله أبو محمد والباجي عن المذهب. والحاصل أن الوصية بزائد الثلث أو لوارثه على هذا القول صحيحةٌ متوقفة على الإجازة، انتهى. وفي ((الهداية))(١): لا تجوز بما زاد على الثلث؛ لقول النبي وَ لّ في حديث سعد: ((الثلث، والثلث كثير))، بعد ما نفى وصيته بالكل، والنصف، ولأنه حق الورثة إلا أن يُجيزه الورثة بعد موته؛ لأن الامتناع لحقهم، ولا معتبر بإجازتهم في حال حياته؛ لأنها قبل ثبوت الحق، إذ الحق يثبت عند الموت، وكذا إن كانت الوصية للوارث، وأجازه البقية، وكل ما جاز بإجازة الوارث يتملَّكُه المجاز له من قبل الموصي عندنا، وعند الشافعي من قبل الوارث، والصحيح قولنا؛ لأن السبب صدر من المُؤْصِي والإجازة رفع المانع، انتهى. ٤/١٤٨٣ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عامر بن سعد بن أبي وقاص) الزهري المدني (عن أبيه سعد بن أبي وقاص) أحد العشرة (أنه قال: جاءني رسول الله بِّ) زاد في رواية للبخاري: ((وأنا بمكة)) (يعودني) بدال مهملة، من العيادة، زاد الزهري في رواية عند البخاري: ((من وجع اشتدّ بي))، وفي أخرى له: ((من وجع أشفيت منه على الموت،)) كذا في ((الفتح)) (٢)، قال (١) (٥١٣/٢). ط بيروت. (٢) ((فتح الباري)) (٣٦٤/٥). ٣١٠ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. العيني(١): ((يعودني)) جملة وقعت حالاً. (عام حجة الوداع) نصب على الظرف، أي في السنة العاشرة من الهجرة، قال الحافظ: اتفق أصحاب الزهري على أن ذلك كان في حجة الوداع، إلا ابن عيينة، فإنه قال: في فتح مكة، أخرجه الترمذي وغيره، واتفق الحفاظ على أنه وهم فيه. قلت: وكذا جزم بوهم ابنِ عيينة في ذلك العينيُّ، وغيره من الحفاظ . قال الحافظ(٢): وقد وجدت لابن عيينة مستنداً فيه، وذلك فيما أخرجه أحمد، والبزّار، والطبراني، والبخاري في ((التاريخ))، وابن سعد من حديث عمرو بن القاري أن رسول الله وَ ر قدم، فخلف سعداً مريضاً حيث خرج إلى حنين، فلما قدم من الجعرانة معتمراً دخل عليه، وهو مغلوب، فقال: يا رسول الله؛ إن لي مالاً، وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي؟ الحديث، وفيه، فقلت: يا رسول الله أمَيِّتُ أنا بالدار الذي خرجتُ منها مهاجراً؟ قال: ((لا، إني لأرجو أن يرفعك الله حتى ينتفع بك أقوام))، الحديث، فلعل ابن عيينة انتقل ذهنه من حدیث إلی حدیث. ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكن وقع ذلك له مرتين مرة عام الفتح، ومرة عام حجة الوداع، ففي الأولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلاً، وفي الثانية كانت له ابنة فقط، انتهى. قلت: وبهذا جمع العيني أيضاً، ويشكل على هذا الجمع ما أخرجه الترمذي(٣) من رواية سفيان عن الزهري بلفظ: مرضتُ عام الفتح مرضاً، الحديث، وفيه: ليس يرثني إلا ابنتي، ففيه ذكر البنت في عام الفتح. (١) ((عمدة القاري)) (١٢٢/٦). (٢) (فتح الباري)) (٣٦٣/٥). (٣) أخرجه الترمذي من ((كتاب الوصايا)) رقم الحديث (٣١١٦)، (٤٣٠/٤). ٣١١ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث مِنْ وَجَع اشْتَدَّ بِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى. وَأَنَا ذُو مَالٍ. ولا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَّةٌ لِي. (من وجع) اسم لكل مرض (اشتدّ بي) أي قوي عليّ، وفي رواية كما تقدم ((أشفيتُ منه على الموت)) (فقلت: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع) فيه كون من زائدة في الإثبات كما ذهب إليه الأخفش، واختاره ابن مالك، وفي القرآن ﴿وَقَدْ بَغْتُ مِنَ اُلْكِبَرِ﴾ ويحتمل أن يكون الفاعل محذوفاً، والتقدير قد بلغني جهد من الوجع، ثم حذف الموصوف ، وأقيم الصفة مقامه، قال ابن مالك: وهذا الحذف يكثر قبل ((من)) لدلالتها على التبعيض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن تَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي نبأ من أنبائهم، كذا في ((المحلى)) (ما ترى) أي الغاية القصوى، والرؤية بصرية، ومفعوله، وهو العائد إلى ((ما)) محذوف. قال الباجي(١): فيه دليل على جواز إخبار العليل بشدة حاله إذا تسبب بذلك إلى النظر في دينه، ويجوز ذلك إذا تَسَبَّبَ بذلك إلى معاناة ألمه، ويجوز أن يخبر بذلك من يرجو بركة دعائه، ويخبر بذلك من يعلم إشفاقه، وقد روى الحارث بن سويد عن عبد الله ((دخلت على النبي وَ ل﴾ وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكاً؟ قال: أجل، إني أُوْعَكُ كما يُوْعَكُ رجلان منكم))، وروي أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: وارأساه، فقال رسول الله ومدير: («بل أنا وارأساه))، وإنما يكره ما كان من ذلك على وجه التشكي والتسخط، وذلك مُحبط للأجر أو مؤثر فيه، انتهى. (وأنا ذو مال) كثير؛ لأن التنوين للكثرة، وقد جاء مصرحاً في بعض طرقه ((ذو مال كثير)) (ولا يرثني) إذ ذاك (إلا ابنة لي) قال الحافظ(٢): قال النووي وغيره: معناه لا يرثني من الولد أو من خواص الورثة أو من النساء، وإلا فقد (١) ((المنتقى)) (١٥٦/٦). (٢) ((فتح الباري)) (٣٦٧/٥). ٣١٢ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث كان لسعد عصبات؛ لأنه من بني زهرة، وكانوا كثيراً، وقيل: معناه لا يرثني من أصحاب الفروض، أو خصها بالذكر على تقدير لا يرثني ممن أخاف عليه الضياع والعجز إلا هي، أو ظن أنها ترث جميع المال، أو استكثر لها نصف التركة، انتهى. وفي ((المحلى)): المراد بالحصر حصرٌ خاصٌ، فإنه كان له ورثة بالتعصيب من بني عمه، انتهى. قلت: بل من بني أخيه عتبة، كما سيأتي قريباً تحت قوله عليه السلام: ((أن تذر ورثتك)) الحديث. وقال العيني(١): وهذا قاله قبل أن يولد له الذكور، قال الحافظ: وهذه البنت زعم بعض من أدركناه أن اسمها عائشة، فإن كان محفوظاً فهي غير عائشة بنت سعد التي روت هذا الحديث عند البخاري في الوصايا، والطب، وهي تابعيةٌ عمرت حتى أدركها مالكٌ، وروى عنها، وماتت سنة سبع عشرة ومائة، لكن لم يذكر أحد من النَسَّابين لسعد بنتاً تُسَمَّى عائشة غير هذه، وذكروا أن أكبر بناته أم الحكم الكبرى، وأمها بنت شهاب بن عبد الله، وذكروا له بنات أخرى، أمهاتهن متأخرات الإسلام بعد الوفاة النبوية، فالظاهر أن البنت المشار إليها هي أم الحكم المذكورة لتقدم تزويج سعد بأمها، ولم أر من حرر ذلك، انتهى. وقال العيني: اسمها عائشة، كذا ذكرها الخطيب وغيره، وليست هي بالتي روى عنها مالك تيك أخت هذه، وهي تابعية، وزعم بعضُ من لا علم عنده أن مالكاً تابعيُّ بروايته عنها، ولیس کذلك، انتھی. وحكى الزرقاني(٢) عن مقدمة ((الفتح)): وهم من قال: هي عائشة؛ لأنها (١) ((عمدة القاري)) (١٢٢/٦). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٦٢/٤). ٣١٣ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حدیث أَفَأَ تَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((لَا)) فَقُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: (لَا)) أصغر أولاده، لكنه ذكره في القسم الأول من ((الإصابة))، فقال في ترجمة عائشة بنت سعد بن أبي وقاص بعد ذكر حديث الباب: قال النووي في ((المبهمات)): اسمها عائشة، وتعقبه في ((التجريد)) بأن عائشة بنت سعد تابعية تأخرت حتى لقيها مالك، وهذا التعقب غير مرضي، فإن عائشة التي ذكرها سعد بن أبي وقاص هي الكبرى، وأما التي أدركها مالكٌ فهي الصغرى، إنما ولدت بعد النبي ﴾ بدهر، انتهى. (أفأتصدق) بهمزة الاستفهام للاستخبار والفاء عاطفة أو زائدة (بثلثي مالي) بتثنية الثلث هكذا في رواية الزهري، ومثله في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في الصحيح، وفيه من رواية عامر بن سعد عن أبيه، قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ وجُمِعَ بينهما بأنه سأل أولاً عن الكل، ثم عن الثلثين، ثم عن النصف، ثم عن الثلث، وقد وقع مجموع ذلك في رواية جرير بن يزيد عند أحمد، وفي رواية بكير بن مسمار عند النسائي كلاهما عن عامر بن سعد، وكذا لهما من طريق محمد بن سعد عن أبيه، كذا في ((الفتح))، ثم الوارد في حديث الباب بلفظ التصدق، وفي حديث عامر بن سعد عند البخاري ((أفأوصي)) قال الحافظ: قوله: ((أفأتصدق)) يحتمل التنجيز، والتعليق بخلاف ((أفأوصي))، لكن المخرج متّحدٌ، فيحمل على التعليق للجمع بين الروايتين، انتهى. (فقال رسول الله وَالطيار: لا) يعني لا تصدق بالثلثين، قال سعد: (فقلت: فَالشَّطْر) بالخفض عطفاً على ثلثي مالي، وهذا رجحه السهيلي، وقال الزمخشري في ((الفائق)): هو بالنصب على تقدير فعلٍ، أي أسَمِّي أو أُعَيِّنُ الشَطْرَ، ويجوز الرفع على تقدير أيجوز الشطر، كذا في ((الفتح))(١). (قال) وَّر: (لا) زاد في رواية عامر بن سعد عن أبيه عند البخاري، (١) «فتح الباري)) (٣٦٥/٥). ٣١٤ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ. ((قلت: الثلث، قال: فالثلث))، الحديث (ثم قال رسول الله وَله) بعد أن سألت عن الثلث (الثلث) بالنصب على الإغراء، أو بفعل مُضْمَرٍ نحو عين الثلث، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي المشروع الثلث، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي الثلث كافٍ، أو فاعل فعل مقدر أي يكفيك الثلث (والثلث كثير) بمثلثة، كذا في أكثر الروايات، وفي رواية عائشة بنت سعد عن أبيه عند البخاري ((الثلث كبير أو كثير))، يعني بالمثلثة أو بالموحدة بالشك من الراوي، والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلثة، كذا في ((الفتح)). قال الزرقاني: وبه يُعلَمُ تَسمُّحُ مَنْ قال: روي بمثلثة وبموحدة، وكلاهما صحیح؛ لأنه إنما جاء بالشك، انتهى. قال الباجي(١): ومعنى ذلك عندي أنه كثير ما أباح للمريض التصرف في ماله، وذلك يمنع الزيادة عليه، فإن حملناه على الوصية، فقد اتفق العلماء على أن له الوصية بالثلث، انتهى. وقال الحافظ(٢): معناه كثير بالنسبة إلى ما دونه، ويحتمل أن يكون مسوقاً لبيان الجواز بالثلث، والأولى أن ينقص عنه، ولا يزيد عليه، وهو ما يبتدره الفهم، ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي كثير أجره، ويحتمل أن يكون معناه كثير غير قليل، قال الشافعي: وهذا أولى معانيه يعني أن الكثرة أمر نسبيٌّ، وعلى الأول عَوَّل ابنُ عباس، فقال: لو غَضَّ الناسُ إلى الربع؛ لأن رسول الله وَ لّ قال: ((الثلث، والثلث كثير)) أخرجه عنه البخاري. قال العيني(٣): والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون أن يوصي (١) ((المنتقى)) (١٥٦/٦). (٢) ((فتح الباري)) (٣٦٥/٥). (٣) ((عمدة القاري)) (١٣٥/٦)، و((الاستذكار)) (٢٤/٢٣)، و((التمهيد)) (٣٨٢/٨). ٣١٥ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث الرجل بأكثر من الثلث، ويستحبون أن ينقص من الثلث، وقال الثوري: كانوا يستحبون في الوصية الخمس بعد الربع، والربع دون الثلث، فمن أوصى بالثلث، فلم يترك شيئاً، وكره جماعة من أهل العلم الوصية بالثلث، قال طاووس: إذا كان ورثته قليلاً، وماله كثيراً، فلا بأس أن يبلغ الثلث، واستحب طائفة الوصية بالربع، وهو مرويٌ عن ابن عباس، وقال إسحاق: السنة الربع، لقوله عليه: الثلث كثير، إلا أن يكون رجل عرف في ماله شبهةٌ، فيجوز له الثلث . قال أبو عمر: لا أعلم لإسحاق حجةً في قوله: السُنَّةُ الربعُ، وقال ابن بطال: أوصى عمر - رضي الله عنه - بالربع، واختار آخرون السدس، وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يوصوا بمثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل، رواه عنه ابنُ أبي شيبة بسند صحيح، وكان السدس أحبَّ إليه من الثلث، وأوصى أنس بمثل نصيب أحد ولده، وعن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه يفضل الوصية بالخمس، وبذلك أوصى، وقال: رضيت لنفسي ما رضي الله لنفسه، يعني خمس الغنيمة، انتهى. وحكى عنه الباجي: رضيت في وصيتي بما رضي الله لنبيه من الغنيمة، انتھی . قال العيني: واستحب جماعة الوصية بالثلث لحديث الباب، ولحديث ضعيف رواه ابنُ وهب بسنده عن أبي هريرة عن النبي ◌ّ ((جعل الله لكم في الوصية ثلث أموالكم زيادةً في أعمالكم)، انتهى. قال الحافظ (١): واختلفوا أيضاً هل يعتبر ثلث المال حال الوصية أو حال الموت على قولين، وهما وجهان للشافعية، أصحهما الثاني، وبالأول قال (١) ((فتح الباري)) (٣٦٩/٥). ٣١٦ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثْنَكَ مالك وأكثر العراقيين، وهو قول النخعي وعمر بن عبد العزيز، وقال بالثاني أبو حنيفة وأحمد، والباقون، وهو قول علي - رضي الله عنه - وجماعة من التابعين، انتهى. (إنك) بالكسر على الاستئناف، وبالفتح بتقدير حرف الجر أي لأنك (أن تذر) بالذال المعجمة المفتوحة بمعنى تترك، ولفظ ((أن)) بفتح الهمزة مصدريّةٌ ناصبةٌ للفعل، والموضع رفع بالابتداء، وخير خبره، والجملة خبر إنك، ويجوز كسر ((أن))، فهي حرف شرط، فالفعل بعدها مجزوم، فحينئذٍ جواب الشرط محذوف، أي فهو خير، فيكون قد حذف المبتدأ مقروناً بالفاء، وأبقي الخبر، وليس هذا مخصوصاً بالضرورة، كما زعمه النحويون، قاله ابن مالك، كذا في ((المحلی)). وقال النووي(١): فتح ((إن)) وكسرها صحيحان، يعني بالفتح تكون للتعليل، وبالكسر للشرط، وقال القرطبي: لا معنى للشرط هاهنا؛ لأنه يصير لا جواب له، ويبقى خير لا رافع له، وقال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث بالكسر، وأنكره ابن الخشاب، وقال: لا يجوز الكسر؛ لأنه لا جواب له لخلو الخبر من فاء، وتعقبه العيني بأنه كلام ساقط؛ لأن الفاء حذفت وتقديره ((فهو خير)) وحذف الفاء من الجزاء شائع غير مختص بالضرورة، انتهى. (ورثتك) قال الزين بن المنير: إنما عَبَّرَ له - نَّله - بلفظ الورثة، ولم يقل أن تدع بنتك مع أنه لم يكن له يومئذٍ إلا ابنة واحدة، لكون الوارث حينئذٍ لم يتحقق؛ لأن سعداً إنما قال ذلك بناءً على موته في ذلك المرض، فأجاب وَليه بكلام كليٍّ مطابقٍ لكل حالة، وهو قوله: ((ورثتك))، ولم يخص بنتاً من غيرها، وقال الفاكهي ((شارح العمدة)): إنما عَبَّرَ بَّهَ بالورثة؛ لأنه اطلع على أن سعداً (١) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١١/٦/ ٧٧). ٣١٧ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ. وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ ... سيعيش، ويأتيه أولاد غير البنت المذكورة، فكان كذلك، وولد له بعد ذلك أربعة بنين، ولا أعرف أسماءهم. قال الحافظ(١): وليس قوله: ((أن تدع بنتك)) متعيناً؛ لأن ميراثه لم يكن منحصراً فيها، فقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقاص أولادٌ إذ ذاك، منهم هاشم بن عتبة الصحابيّ الذي قتل بصِفِّين، فجاز التعبير بالورثة، لتدخل البنت وغيرها ممن يرث إذ ذاك أو بعده، وأما قول الفاكهي: إنه ولد له بعد ذلك أربعة بنين، وإنه لا يعرف أسماءهم، ففيه قصورٌ شديدٌ، فإن أسماءهم في رواية هذا الحديث بعينه عند مسلم من طريق عامر ومصعب ومحمد ثلاثتهم عن سعد، ووقع ذكر عمر بن سعد فيه في موضع آخر، واقتصر القرطبي على ذكر الثلاثة. وتعقب عليه بعض شيوخنا بأن له أربعةً من الذكور غير الثلاثة، وفاته أنّ ابن سعد ذكر له من الذكور غير السبعة أكثر من عشرة، ذكر أسماءهم الحافظ في ((الفتح))(١) ثم قال: وذكر له من البنات اثنتي عشرة بنتاً، انتهى. قلت وهاشم بن عتبة، وكذا أخوه نافع بن عتبة كلاهما من مسلمي الفتح. (أغنياء) جمع غني أي بما تترك لهم من المال (خير) لك (من أن تذرهم) أي تتركهم بعدك (عالةً) أي فقراء جمع عائل، من عال يعيل إذا افتقر، وقيل: العائل الكثير العيال، حكاه الكسائي، قال العيني: وليس بمعروف، بل العائل الفقير (يتكَفَّفُون الناس) أي يسألونهم بأَكُفِّهم، يقال: تكفف الناس، واستكف إذا بسط كفه للسؤال، أو سأل ما يكُفُّ عنه الجوعَ، أو سأل كفا كفاً من طعام، كذا في ((الفتح)). (وإنك لن تنفق) عطف على قوله: إنك أن تذر، وهو علة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث، كأنه قيل: لا تفعل؛ لأنك إن مت تركت ورثتك (١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٦٦/٥). ٣١٨ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا أُجِرْتَ. حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي في امْرَأَتِكَ)) قَالَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ أغنياء، وإن عشت تصدقت، وأنفقت، فالأجر حاصل لك في الحالين (نفقة) موصوف صفته (تبتغي بها وجه الله) عز اسمه (إلا أجرت) بضم الهمزة مبنيٌّ للمفعول، زاد في النسخ الهندية بعد ذلك لفظ (بها عليها) وليس هذا في النسخ المصرية، والظاهر عندي أن لفظي بها وعليها نسختان، جمعهما أحد من النساخ، ونَبَّهَ بالنفقة على غيرها من وجوه البر والإحسان. (حتى ما تجعل) أي الذي تجعله، وقول ابن بطال: تجعل بالرفع، وما كافة كَفَّتْ حتى عملها، تعقبه في ((المصابيح)) بأنه لا معنى للتركيب حينئذٍ، بل هي اسم موصول، وحتى عاطفة، أي أجرت بتلك النفقة حتى بالشيء الذي تجعله في فم امرأتك، (في في) أي في فم (امرأتك) ولفظ البخاري: ((حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك)). ويستفاد منه (١) أن أجر الواجب يزداد بالنية؛ لأن الإنفاق على الزوجة واجبٌ وفي فعله الأجر، فإذا نوى به ابتغاء وجه الله ازداد أجره بذلك، ووجه تعلق قوله: إنك لن تنفق إلخ، بقصة الوصية أن سؤال سعد يشعر بأنه رغب في تكثير الأجر، فلما منعه الشارع من الزيادة على الثلث، قال له على سبيل التسلية: إن جميع ما تفعله في مالك من صدقة ناجزة، ومن نفقة، ولو كانت واجبة تؤجر بها، إذا ابتغيت بذلك وجه الله، ولعله خص المرأة بذلك؛ لأن نفقتها مستمرة بخلاف غيرها . (قال) سعد: (فقلت: يا رسول الله أأخلف) بهمزة الاستفهام، وبعدها همزة مضمومة ولام مفتوحة مشددة ببناء المجهول (بعد أصحابي) الذين ينصرفون معك، فأبقى بمكة للمرض، وكانوا يكرهون الإقامة بها، لكونهم (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٦٤/٤). ٣١٩ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ، فَتَعْمَلَ. عَمَلاً صَالِحاً، إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً . هاجروا منها، قال القرطبي: هذا الاستفهام إنما صدر من سعد مخافة المقام بمكة إلى الوفاة، فيكون قادحاً في هجرته، كما نص عليه في بعض الروايات إذ قال: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، فأجابه وليه بأن ذلك لا يكون، وأنه يطول عمره. وقال عياض: كان حكم الهجرة باقياً بعد الفتح بهذا الحديث، وقيل: إنما كان ذلك لمن كان هاجر قبل الفتح، فأما من هاجر بعده فلا، كذا في ((العيني)). (فقال رسول الله وَ له: إنك لن تُخَلَّف) أي بعد أصحابك، وهكذا الرواية في جنائز البخاري، قال القسطلاني: وللكشميهني ((أن تخلف)) (فتعمل عملاً صالحاً إلا ازددت به) أي بالعمل الصالح (درجة ورفعة) عند الله تعالى. قال الباجي(١): يريد - والله أعلم - أنك إن خلفت فعملت عملاً صالحاً، ازددت به درجة، ويحتمل أن يريد بقوله هاهنا: إنك لن تخلف، وجهين؛ أحدهما: أن يخلف بمعنى أن ينسأ في أجلك، فتعمل عملاً صالحاً، والثاني: أن يخلف بمكة التخلف الذي أشفق هو منه، فيكون معناه أن بقاءه بالأرض التي هاجر منها لضرورة المرض لا يبطل شيئاً من هجرته، بل ما عمل فيها من الأعمال الصالحة مكتوبة، يزيد في درجاته، وإنما يحبط فضل الهجرة البقاء فيها على وجه الاختيار دون الضرورة إلى الموت فيها على قول قوم. فعلى هذا التأويل فيه إخبار لسعد أنه لن يموت بمكة، لقوله وَله: إنه يزداد بالأعمال الصالحة مع المقام بمكة درجة ورفعة على ما كان عليه بعد الهجرة، وإلى (٢) أن من مرض بمكة وهو على حكم الهجرة، ولو كان بمكة (١) ((المنتقى)) (١٥٩/٦). (٢) كذا في الأصل. اهـ. ((ش)). ٣٢٠