Indexed OCR Text
Pages 201-220
٣٨ - كتاب الأقضية (٣٦) باب عموم قول النبي وَلّر: ((إلا الوالد فيما يعطي ولده))، وهذا يقدم على قول عمر، ثم هو خاص في الوالد، وحديث عمر عامٌّ، فيجب تقديم الخاص. ثم للرجوع في هبة الوالد شروطٌ أربعةٌ(١). أحدها: أن تكون باقية في ملك الابن، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو هبة أو إرث أو غير ذلك لم يكن له الرجوع فيها؛ لأنه إبطال لملك غير الوالد، وإن عادت إليه بسبب جديد، كبيع أو هبة أو إرث أو نحو ذلك، لم يملك الرجوع فيها؛ لأنها عادت بملك، لم يستفده من قِبَل أبيه، فلا يملك فسخه. الشرط الثاني: أن تكون العين باقية في تصرف الولد، بحيث يملك التصرف في رقبتها، فإن استولدَ الأمة لم يملك الأبُ الرجوع فيها، وإن رهن العينَ، أو أفلس لم يملك الرجوع؛ لأن في ذلك إيطالاً لحق غير الولد، فإن زال المانع من التصرف فله الرجوع؛ لأن ملك الابن لم يزل والكتابة كذلك عند من لا يرى بيع المكاتب، وهو مذهب الشافعي وجماعة سواه، فأما من أجاز بيع المكاتب فحكمه حكم المستأجر والمزوج. الثالث: لا يتعلق بها رغبة لغير الولد، فإن تعلق بها رغبة لغيره، مثل أن يهب ولده شيئاً، فيرغب الناس في معاملته، وأدانوه ديوناً، أو رغبوا في مناكحته، فزوّجوه، إن كان ذكراً، أو تزوجت الأنثى لذلك، فعن أحمد روايتان: إحداهما: ليس له الرجوع، وهذا مذهب مالك، لأنه تعلق به حق غير الولد، ففي الرجوع إبطال حقه، وقد قال عليه السلام: ((لا ضرر ولا ضرار))، والثانية: له الرجوع لعموم الخبر، ولأن حق المتزوج والغريم لم يتعلق بعين هذا المال، فلم يمنع الرجوع فيه . الرابع: أن لا تزيد زيادة متصلة، كالسمن والكبر وتعلم صنعةٍ، فإن زادت (١) انظر: ((المغني)) (٢٦٤/٨ - ٢٦٧). ٢٠١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٦) باب فعن أحمد روايتان: إحداهما: لا تمنع الرجوع، وهو مذهب الشافعي، والثانية: تمنع، وهو مذهب أبي حنيفة، وعلى هذا لا فرق بين الزيادة في العين، كالسمن والطول، أو في المعاني كتعلم الصناعة والكتابة، وبهذا قال محمد بن الحسن، وقال أبو حنيفة: الزيادة بتعليم القرآن وقضاء الدين عنه لا تمنع الرجوع. وإن كانت الزيادة منفصلة كولد البهيمة، وثمرة الشجرة، وكسب العبد، فلا تمنع الرجوع بغير خلاف نعلمه، والزيادة للولد لأنها حادثة في ملكه. وذكر القاضي وجهاً آخر أنها للأب، وهو بعيد. والرجوع في الهبة أن يقول: قد رجعت فيها أو نحو ذلك من الألفاظ الدالة على الرجوع، ولا يحتاج إلى حكم حاكم، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يصحّ الرجوع إلا بقضاء قاضٍ؛ لأن ملك الموهوب له مستقر. ولنا، أنه إخبار في فسخ عقد، فلم يفتقر إلى قضاء. ثم قال: أما غير الأب فليس له الرجوع في هبته، ولا هديته، وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وقال النخعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي: من وهب لغير ذي رحم، فله الرجوع ما لم يثب عليها، ومن وهب لذي رحم، فليس له الرجوع، وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه -، واحتجُّوا بما روى أبو هريرة، قال رسول الله وَالر: ((الرجل أحق بهبته ما لم يُثَبْ منها))، رواه ابن ماجه في ((سننه))، وبقول عمر - رضي الله عنه -، ولأنه لم يحصل له عنها عوض، فجاز له الرجوع فيها كالعارية. ولنا قوله ◌َّلة: ((العائد في هبته، كالعائد في قيئه))، متفق عليه. وأيضاً قوله وير: ((ليس لأحد أن يعطي عطية، فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده))، وأحاديثنا أصح من أحاديثهم. وقول عمر - رضي الله عنه - قد روي عن ابنه وابن عباس خلافه، فحصل الاتفاق على أنَّ مَا وهبه الإنسان لذي رحمه ٢٠٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٦) باب المحرم غير ولده لا رجوع فيه، وكذلك ما وهب الزوج لامرأته. والخلاف فيما عدا هؤلاء فعندنا لا يرجع إلا الوالد، وعندهم لا يرجع إلا الأجنبي، وأما هبة المرأة لزوجها، فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما: لا رجوع لها، وهذا قول عمر بن عبد العزيز والنخعي وربيعة ومالك والثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، وهو قول عطاء وقتادة، والثانية: لها الرجوع، وهذا قول شريح والشعبي، وحكاه الزهري عن القضاة. وعن أحمد رواية ثالثة، نقلها أبو طالب إذا وهبت له مهرها، فإن كان سألها ذلك، ردّه إليها، رضيت أو كرهت؛ لأنها لا تهب إلا مخافة غضبه، أو إضرار بها بأن يتزوج عليها، وإن لم يكن سألها، وتبرعت به فهو جائز، فظاهر هذه الرواية أنه متى كانت مع الهبة قرينة من مسألته لها، أو غضبه عليها، أو ما يدل على خوفها منه، فلها الرجوع؛ لأن شاهد الحال يدل على أنها لم تطب بها نفسها، اهـ. وفي ((المحلى)): قال أبو حنيفة: لا يصح الرجوع في الهبة إلا بأحد سبعة أمور: القرابة، والموت، والزوجية، والهلاك، والخروج عن الملك، والعوض، والزيادة. واحتجَّ لذلك بقوله وَّر: ((الواهب أحق بهبته ما لم يُثَبْ منها))(١)، أي لم يعوض، رواه البيهقي وابن ماجه والدارقطني، عن أبي هريرة، وضَعَّفَه ابنُ حجر وغيره. وروى الحاكم والبيهقي(٢) عن ابن عمر: ((من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب عنها))، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، وقال الذهبي: موضوع، (١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٨١/٦)، وابن ماجه (٢٣٨٧)، والدارقطني (٤٤/٣). (٢) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٥٢/٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٨١/٦). ٢٠٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٦) باب وقال الدارقطني: مساهلة الحاكم في تصحيحه مشهورة، لكن نقل العيني أنه صَخَّحَه ابنُ حزم، ورواته ثقاتٌ، قاله عبد الحق في ((الأحكام)). وروى الدارقطني، والبيهقي، والحاكم، وصحّحه على شرطهما عن أنس عن سمرة مرفوعاً: ((إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها)) (١)، فدل بمفهومه أنها إذا كانت لغيره فله الرجوع، فهو حجة على من قال بالمفهوم، وقد صرح به في أثر عمر - رضي الله عنه - على ما رواه عبد الرزاق(٢) عن إبراهيم. قال: قال عمر: من وهب هبة لذي رحم محرم، فليس له أن يرجع فيها، ومن وهب لغير ذي رحم فله أن يرجع فيها إلا أن يثاب فيها، ذكره الشُّمُنِّي، والزوجية في معنى القرابة، لأن المقصود فيها الصلة، ويمكن أن يكون تلك الأخبار متمسكاً لمالك، وهو ظاهر. وقال الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه: لا يصح الرجوع في الهبة، إلا للوالد فيما وهبه لولده، والجد كالأب على أصح القولين للشافعي، واحتجّوا بحديث ((العائد في الهبة كالعائد في قيئه))(٣)، رواه الجماعة إلا الترمذي، وبحديث ((لا يحلّ لرجل أن يعطي عطية، أو يهب هبة، فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي))(٤). رواه الأربعة عن ابن عباس وابن عمر، وَصَحَّحَهُ الترمذي والحاكم. وأجاب الحنفية عنه بأن المراد نفي الاستبداد بالرجوع، أي لا ينفرد أحد (١) أخرجه الدارقطني (٤٤/٣)، والبيهقي (٦/ ١٨١)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢/ ٥٢). . (٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٠٦/٩)، (١٦٥٢٥). (٣) أخرجه البخاري (٢٦٢١ - ٢٥٨٩)، ومسلم (١٦٢٢)، وأبو داود (٣٥٣٨)، والنسائي (٣٦٩٨، ٣٦٩٩)، وابن ماجه (٢٣٨٥ - ٢٣٩١). (٤) أخرجه أبو داود (٣٥٣٩)، والترمذي (١٢٩٩ - ٢١٣٢)، والنسائي (٣٦٩٢ - ٣٧٠٥)، وابن ماجه (٢٣٧٧). ٢٠٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٦) باب بالرجوع في هبته من غير قضاء ولا تراض إلا الوالد، فيملكه للحاجة، وذلك يسمى رجوعاً، أو المراد لا يحل له الرجوع ديانة ومروءةً، لا أنه لا يحلّ له قضاءً وحكماً، فيكون مكروهاً، وعلى الكراهة يحمل تشبيه الراجع في الهبة بالعائد في القيء، وقال في ((البحر)): الكراهة تنزيهية على ظاهر كلام ((المبسوط))، وتبعه في ((النهاية))، ومقتضى قوله وَ﴾: ((لا يحل)) أنها كراهة تحريم، ويدل عليه قول الزيلعي: إن الرجوع قبيح، اهـ بتغير. قال العيني(١): قوله ◌َّير: ((العائد في هبته)) الحديث. احتجَّ به طاووس وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق على أنه ليس للواهب أن يرجع فيما وهبه إلا الذي ينحله الأب لابنه، وعند مالك له أن يرجع في الأجنبي الذي قصد منه الثواب ولم يثبه، وبه قال أحمد في رواية، وقال أبو حنيفة وأصحابه: للواحد الرجوع عن هبته ما دامت قائمة، ولم يعوض منها، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وشريح القاضي والأسود بن يزيد والحسن البصري والنخعي والشعبي، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وفضالة بن عبيد. وأجابوا عن الحديث بأنه ول# جعل العائد في هبته كالعائد في قيئه بالتشبيه من حيث أنه ظاهر القبح مروءةً وخلقاً لا شرعاً، والكلب غير متعبد بالحلال والحرام، فيكون العائد في هبته عائداً في أمر قذر، كالقذر الذي يعود فيه الكلب، فلا يثبت بذلك منع الرجوع في الهبة، ولكنه يوصف بالقبح، وبه نقول، فلذلك نقول بكراهة الرجوع، اهـ. قلت: ويمكن أن يستدل للحنفية بما أخرجه أبو داود في ((باب العرافة)) من حديث رجل، قال: إن أبي جعل لقومه مائةً من الإبل على أن يسلموا، (١) ((عمدة القاري)) (٤٠٩/٩). ٢٠٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٧) باب (٣٧) باب القضاء في العمري فأسلموا، وحسنَ إسلامهم، ثم بدا له أن يرتجعها منهم، أفهو أحقُّ بها أم هم؟ فقال ◌َله: ((إن بدا له أن يسلمها لهم فليسلمها، وإن بدا له أن يرتجعها فهو أحقُّ بها منهم))، الحديث. وبما أخرجه أبو داود(١) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً، ((مثل الذي يستردّ ما وهب كمثل الكلب يقيء، فيأكل قيئاً، فإذا استردّ الواهب فليوقف، فليعرف بما استردّ، ثم ليدفع إليه ما وهب))، فلو كان حراماً كيف أمر بالردّ بعد التعريف . (٣٧) القضاء في العمرى قال العيني(٢): العمرى بضم العين المهملة وسكون الميم مقصوراً، وحكي بضم العين والميم جميعاً، وبفتح العين وسكون الميم، قال ابن سيده: العمرى مصدرٌ كالرُّجْعَى، وأصله مأخوذ من العمر، قال البخاري: أعمرته الدار، فهي عمرى جعلتها له، قال العيني: أشار بهذا إلى تفسير العمرى، وهو أن يقول الرجل لغيره: أعمرته داري أي جعلتها له مدة عمري، وقال أبو عبيد: العمرى؛ أن يقول الرجل للرجل: داري لك عمرك، أو يقول: داري هذه لك عمري، فإذا قال ذلك، وسلَّمها إليه كانت للمعمر، ولم ترجع إليه إن مات، وكذا إذا قال: أعمرتك هذه الدار، أو جعلتها لك حياتك، أو ما بقيت، أو ما عشت، وما يفيد هذا المعنى. وقال شيخنا: العمرى على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقول: أعمرتُك هذه الدار، فإذا مِتُّ فهي لعقبك، أو ورثتك، فهذه صحيحة عند عامة العلماء، وذكر النووي أنه لا خلاف في صحتها، وإنما الخلاف هل يملك الرقبة أو المنفعة فقط، كما سيجيء. (١) ((سنن أبي داود)) (٣٥٤٠). (٢) ((عمدة القاري)) (٩/ ٤٥٠). ٢٠٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٧) باب الثاني: أن لا يذكر ورثته ولا عقبه، بل يقول: أعمرتك هذه الدار، ففيها أربعة أقوال: أصحها: الصحة كالأولى، ويكون له ولورثته من بعده، وهو قول الشافعي في الجديد، وبه قال أحمد والثوري وأبو عبيد وآخرون. الثاني: أنها لا تصح لأنه تمليك مُوقتٌ، فأشبه ما لو وهبه أو باعه إلى وقت معين، وهو قول الشافعي في القديم، الثالث: أنها تصح، ويكون للمعمر في حياته فقط، فإذا مات رجع إلى المعمر، أو ورثته، إن كان قد مات، وحكي هذا أيضاً عن القديم، الرابع: أنها عارية يستردّها المعمر متى شاء، فإذا مات عادت إلى الورثة . القسم الثالث: أن لا يقتصر على الإطلاق، بل يقول: فإذا مت رجعت إليّ أو إلى ورثتي، فإن قلنا بالبطلان في حالة الإطلاق فههنا أولى، وكذلك في الإطلاق بالصحة، وعودها بعد موت المعمر إلى المعمر، وإن قلنا: إنها تصح في الإطلاق، ويتأبد الملك، ففيه وجهان لأصحاب الشافعي: أحدهما: عدم الصحة، ورَجّحه صاحب ((التتمة)) وغيره، وبه جزم الماوردي، والثاني: يصح ويلغو الشرط، وعزاه الرافعي للأكثرين. ثم اختلف العلماء فيما ينتقل إلى المعمر، هل ينتقل إليه ملك الرقبة حتى يجوز له البيع والشراء والهبة وغير ذلك من التصرفات، أو إنما تنتقل إليه المنفعة فقط كالوقف؟ فذهب الجمهور إلى أن ذلك تمليك للرقبة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وذهب مالك إلى أنه إنما يملك المنفعة فقط، فعلى هذا ترجع إلى المعمر إذا مات المعمر عن غير وارث، أو انقرضت ورثته ولا يرجع إلى بيت المال، اهـ. وقال الموفق(١): العُمْرى والرُّقبى نوعان من الهبة، يفتقران إلى ما يفتقر (١) ((المغني)) (٢٨١/٨ - ٢٨٦). ٢٠٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٧) باب إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول والقبض، أو ما يقوم مقام ذلك عند من اعتبر. سُمِّيَتْ عُمْرَى لتقييدها بالعمر، والرقبى أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو هي لك حياتك على أنك إن مت قبلي عادت إليّ، وإن مِت قبلك فهي لك ولعقبك، فكأنه يقول: هي لآخرنا موتاً، وبذلك سميت رقبى؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، وكلاهما جائز في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن بعضهم أنها لا تصحُّ؛ لأن النبيِ وَلَّ قال: ((لا تُعْمِرُوْا ولا تُرْقِبُوْ))(١). ولنا، ما روى جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَله: ((العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها)). رواه أبو داود والترمذي(٢)، وقال: حديث حسن، وأما النهي، فإنما ورد على سبيل الإعلام لهم أنكم إن أعمرتم أو أرقبتم يَعُدْ للمعمر والمرقب، ولم يَعُدْ إليكم منه شيءٌ، وسياق الحديث يدل عليه، فإنه قال: ((فمن أعمر عمرى، فهي لمن أعمرها حياً وميتاً وعقبه)) إذا ثبت هذا، فإن العمرى تنقل الملك إلى المعمر، وبهذا قال جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس وشريح ومجاهد وطاووس والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن علي. وقال مالك والليث: العمرى تمليك المنافع، لا تملك بها رقبة المعمر بحالٍ، ويكون للمعمر السكنى، فإذا مات عاد إلى المعمر، وإن قال: له ولعقبه كان سكناها لهم، فإذا انقرضوا عادت إلى المعمر، واحتجًا بما روي عن القاسم بن محمد الآتي في ((الموطأ)). وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي عن ابن الأعرابي: لم يختلف العرب في العمرى، والرقبى، والإفقارِ (٣)، (١) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٦٤). (٢) أخرجه أبو داود (٣٥٥٨)، والترمذي (١٣٥١)، والنسائي (٣٧٣٩)، وابن ماجه (٢٣٨٣). (٣) الإفقار: أن يعطي الرجل الرجل دابته، فيركبها ما أحب في سفر أو حضر، ثم يردها عليه . ٢٠٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٧) باب والإخبالِ(١)، والمِنْحَةِ(٢)، والعَرِيَّةِ، والسكنى، والإْرَاقِ، أنّها على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت له، ولأن التمليك لا يَتَأَقَّتُ كما لو باعه إلى مدة، فإذا كان لا يتأقَّتُ، حُمِلَ قوله على تمليك المنافع؛ لأنه يصحّ توقيتُه. ولنا، ما روى جابر ((قضى رسول الله ( # بالعمرى لمن وهبت له))، متفق عليه. وعن زيد بن ثابت أن النبي وَلّر جعل العمرى للوارث. وقد روى مالك حديث العمرى في ((موطئه)) وهو صحيح، رواه جابر، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة. وقول القاسم لا يقبل في مخالفة من سمينا من الصحابة والتابعين. فكيف يقبل في مخالفة قول سيد المرسلين. ولا يصحُّ أن يُدَّعى إجماعُ أهل المدينة لكثرة من قال بها منهم، وقضى بها طارق بالمدينة بأمر عبد الملك بن مروان، وقول ابن الأعرابي: إنها عند العرب تمليك المنافع لا يَضُر إذا نقلها الشارع إلى تمليك الرقبة، كما نقل الصلاة من الدعاء إلى الأفعال المنظومة، ونقل الظهار والإيلاء من الطلاق إلى أحكام مخصوصة، وقولهم: إن التمليك لا يتأقتّ، قُلنا: فلذلك أبطل الشرع تأقيتها . فإذا شرط في العمرى أنها للمعمر وعقبه، فهذا تأكيد لحكمها، وتكون للمعمر وورثته، وهذا قول جميع القائلين بها، وإذا أطلقها فهي للمعمر وورثته أيضاً، فإن شرط أنك إذا مُتَّ فهي لي. فعن أحمد فيه روايتان، إحداهما: صحة العقد والشرط، ومتى مات المعمر رجعت إلى المعمر، وبه قال القاسم بن محمد، وزيد بن قسيط، والزهري، ومالك، وأبو سلمة، وأبو ثور، وداود، وأحد قولي الشافعي، لما روى جابر قال: ((إنما العمرى التي أجاز رسول الله وَلقوله (١) الإخبال: أن يعطي الرجل الرجل البعير والناقة ليركبها، فيجتز ويرها، وينتفع بها، ثم يردها . (٢) المنحة: أي يمنح الرجل أخاه ناقة أو شاة، فيحلبها عاماً أو أقل أو أكثر. ٢٠٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٧) باب أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها))، متفق عليه. والثانية: أنها تكون للمعمر ولورثته، ويسقط الشرط، وهذا قول الشافعي الجديد، وقول أبي حنيفة، وهو ظاهر المذهب، نصّ عليه أحمد، للأحاديث المطلقة، وروى الإمام أحمد بإسناده عن النبي ◌َر أنه قال: ((لا عمرى ولا رقبى، فمن أعمر شيئاً أو أرقبه، فهو له حياته وموته))، وهذا صريح في إبطال الشرط؛ لأن الرقبى يشترط فيها عودها إلى المرقب، إن مات الآخر قبله. وأما حديثهم الذي احتجوا به فمن قول جابر نفسه، ولما نقل لفظ النبي وَلّه قال: ((أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى، فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه)) (١)، ولأنا لو أجزنا هذا الشرط كانت هبة مؤقتة، والهبة لا يجوز فيها التأقيت، ولم يفسدها الشرط؛ لأنه ليس بشرط على المعمر، وإنما شرط ذلك على ورثته، ومتى لم يكن الشرط مع المعقود معه لم يؤثر فيه، اهـ. قال الزرقاني(٢): قال الباجي: هي هبة منافع الملك عمر الموهوب له، أو مدة عمره وعمر عقبه، لا هبة الرقبة. قال ابن عبد البر: سواء عند مالك وأصحابه ذكر ذلك بلفظ العمرى، أو الاعتمار، أو السكنى، أو الاغتلال، أو الإرفاق، أو الإنحال، أو نحو ذلك من ألفاظ العطايا، اهـ. قال صاحب ((المحلى)): العمرى يتوجَّهُ إلى المنفعة دون الرقبة، وهل يسلك مسلك العارية أو الوقف؟ روايتان عن مالك، اهـ. وهكذا حكى عنه الحافظ في ((الفتح))(٣) الروايتين. (١) أخرجه مسلم (١٢٤٦/٣، ١٢٤٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤٨/٤). (٣) ((فتح الباري)) (٢٣٨/٥). ٢١٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٧) باب (١٤٦٨) حديث ١٤٦٨/ ٤٣ - حدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((أَيُّمَا رَجُلِ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ. فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا. لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَغَطَاهَا أَبَداً)) لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ. أخرجه مسلم في: ٢٤ - كتاب الهبات، ٤ - باب العمرى، حديث ٢٠. ٤٣/١٤٦٨ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله وَليلةٍ قال: أيما) مركب من ((أي)) اسم ينوب مناب حرف الشرط، ومن ((ما)) الزائد للتعميم. (رجل) بالجر بإضافة أي إليه، وبالرفع بدل من ((أي))، و((ما)) زائدة، وتخصيص الرجل أكثري، والمراد الإنسان، هذا كله على سياق النسخ المصرية، وأما على سياق النسخ الهندية بلفظ ((من أعمر))، فلا تخصيص، فإن لفظ ((مَنْ)) عام للرجل والمرأة. (أعمر) ببناء المفعول (عمرى) كأعمرتك هذه الدار مثلاً (له ولعقبه) بكسر القاف، ويجوز إسكانها مع فتح العين وكسرها، أولاد الإنسان ما تناسلوا (فإنها) تكون (للذي يعطاها) وفي رواية: ((أعطيها))، وفي النسخ الهندية: ((للذي يعطيها)). وهو أوضح، ثم أكده بقوله: (لا ترجع إلى الذي أعطاها أبدا) إلى ههنا انتهى الحديث المرفوع. وقوله: (لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث) مدرجٌ من قول أبي سلمة، بَيَّنَ ذلك ابنُ أبي ذئب عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن جابر عن النبي وَّ أنه قضى فيمن أعمر عمرى له ولعقبه فهي له بتلة، لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا مثنوية، قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث، فوقعت المواريث شرطه، رواه مسلم، قال ابن عبد البر: جوَّدَه ابنُ أبي ذئب، فَبَيَّنَ فيه موضع الرفع، وجعل سائره من قول أبي سلمة خلاف قول محمد بن يحيى ٢١١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٧) باب (١٤٦٨) حديث الذهلي: إنه من قول الزهري، ثم ذكر الزرقاني (١) روايات عن جابر خالية عن الزيادة . قال الباجي(٢): معنى العمرى هبة منافع الملك مدة عمر الموهوب له، أو مدة عمره، وعمر عقبه، وإنما يتناول الإعمار هبة المنافع لا هبة الرقبة، وقال ◌َله: ((من أعمر عمرى له ولعقبه))، يريد - والله أعلم - أن ما أعطي من المنافع يكون له ولعقبه، ولا تبطل لعقبه بعد موته. ولا ترجع بعد ذلك إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث، فوجب أن ينفذ عطيته على ما أعطاها من وجوب التوارث فيها، وأن ينتقل المنافع إلى عقب المعطي بعد موته، وهذا كله يرجع إلى المنافع دون رقبة الدار؛ لأن رقبتها لم يعطها عطاءً وقعت فيه المواريث ولا غيره، ولا خرجت عن ملكه. وفي معنى الحديث ثمانية أبواب: أحدها: في معنى العمرى وألفاظها، ومعنى الحبس والصدقة، وما يختلف لذلك من أحكامها. الثاني: فيمن يصح منه التحبيس، ومن يصح عليه وما يصح تحبيسه. الثالث: في دخول العقب مع المعطي، أو ترتيبه بعده. الرابع: في معنى العقب والذرية والبنين والمولى. الخامس: في قسمة منافع العمرى. السادس: في استحقاق القسم فيها بالولادة، وانتقاله بالموت. السابع: فيما يجوز من بيع العمرى والحبس. الثامن: فيمن تعود إليه منافع العمرى، والحبس بعد موت المعمر، ومن حبس عليهم. ثم بسط الكلام على هذه الأبواب الثمانية. وقال الزرقاني(٣): في الحديث صحة العمرى، وإليه ذهب الجمهور إلا (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٤٨/٤). (٢) ((المنتقى)) (١١٩/٦). (٣) (شرح الزرقاني)) (٤٨/٤). ٢١٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٧) باب (١٤٦٩) حديث ٤٤/١٤٦٩ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِمِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولاً الدِّمَشْقِيَّ ما حكي عن داود وطائفة، لكن ابن حزم قال بصحتها، وهو شيخ الظاهرية، ثم الجمهور على أنها تتوجه إلى الرقبة كسائر الهبات، وقال مالك والشافعي في القديم: تتوجه إلى المنفعة دون الرقبة، ففي رجوعها إليه معقبةٌ أم لا؟ قول مالك أولاً مطلقاً، وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد: ورجوعها إن لم تعقب لا إن عقبت، وهو قول ابن شهاب، قيل: وهو أسعد بظاهر الحديث. وأجاب عنه بعض المالكية بأن المراد منه أنه إذا أعطى المنافع لرجل ولعقبه، فلا يبطل حق عقبه بموته، بل حتى ينقرض حق العقب، قال ابن عبد البر: ومن أحسن ما احتجّوا به أن ملك المعطي ثابت بالإجماع قبل أن يحدث العمرى، فلما أحدثها اختلف العلماء، فقال بعضهم: قد أزال لفظه ذلك ملكه عن رقبة ما أعمره. وقال بعضهم: لم يزل ملكه عن رقبة ماله بهذا اللفظ، فالواجب بحق النظر أن لا يزول ملكه إلا بيقين، وهو الإجماع، اهـ. قال: وحاصل ما اجتمع من روايات الحديث السابقة ثلاثة أحوال، أحدها: أن يقول: هي لك ولعقبك، فهذا صريح في أنها له ولعقبه، لا ترجع إلى المعمر، حتى ينقرض العقب عند مالك، وعند غيره لا ترجع أبداً. ثانيها: أن يقول: هي لك ما عشت، فإذا مت رجعت إليّ، فهذه عارية مؤقتة، فإذا مات رجعت إلى المعطي، وبه قال أكثر العلماء، ورَجَّحَه جماعةٌ من الشافعية، والأصح عند أكثرهم لا ترجع، وقالوا: إنه شرط فاسد ملغّى. وثالثها: أن يقول: أعمرتكها، ويطلق، وفي رجوعها إلى المعمر الخلاف. فمالك يرجع، وغیرہ لا يرجع، اهـ. ٤٤/١٤٦٩ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عبد الرحمن ابن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق شيخ مالك، روى عنه ههنا بالواسطة (أنه سمع مكحولاً) أبا عبد الله الثقة الفقيه المشهور كثير الإرسال (الدمشقي) ٢١٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٧) باب (١٤٦٩) حديث يَسْأَلُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعُمْرَى، وَمَا يَقُولُ النَّاسُ فِيها؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: مَا أَدْرَكْتِ النَّاسَ إِلَّ وَهُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ. وَفِيمَا أُعْطُوا. بكسر الدال وفتح الميم، ويقال بكسرها نسبةٌ إلى دمشق، البلد المعروف بالشام، المتوفى سنة بضع عشرة ومائة (يسأل) مكحول أبا عبد الرحمن (القاسم بن محمد) بن أبي بكر (عن العمرى) قال الباجي: يحتمل أن يكون سأله لما بلغه فيها من اختلاف الناس، ويحتمل أن يسأله عنها لما أشكل عليه حكمها. وإن لم يبلغه فيها قول لمن يعتبر بقوله، فأراد أن يعلم ما عند القاسم من ذلك ليأخذ به أو لينظر فيه (وما يقول الناس فيها؟). قال الباجي(١): يحتمل أن يسأله العمرى، ويعلمه بقول الناس فيها، وسأله عما يختار الناس من ذلك، ويحتمل أن يريد أنه سأله عن العمرى، وعما عنده من قول الناس الذين لقيهم القاسم أو بلغه قولهم فيها، ولذلك أجابه القاسم بما عنده من أقوال الناس. (فقال القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم) والظاهر أنه أجابه على حسب سؤاله، ولو كان سأله عن الحكم خاصة لأجابه بما عنده في ذلك، ومعنى قوله أن المعمر لما شرط استيفاء الرقبة، وإفراد المنافع بالهبة مدة مقدرة بعمر المعطي أو بعمره، وعمر عقبه كان شرطه تاماً، وكانت عطيته على ما شرط، لا تتجاوز ذلك، وقد بين ذلك مالك بقوله: الأمر عندنا على ذلك، يريد أن الحكم جارٍ عند علماء المدينة بأن العمرى ترجع إلى الذي أعمرها بعد استيفاء منافعها الموهوبة منها؛ لأن العطية إنما تعلقت بالمنافع خاصة؛ لما تقدم من لفظ العمرى الذي يقتضي التوقيت، اهـ. (في أموالهم وفيما أعطوا) يعني في أموالهم الذي أعطوا المعمر. (١) ((المنتقى)) (١٣٣/٦). ٢١٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٧) باب (١٤٧٠) حدیث قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: وَعَلَى ذُلِكَ، الْأَمْرُ عِنْدَنَا. أَنَّ الْعُمْرَى تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا. إِذَا لَمْ يَقُلْ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ. ٤٥/١٤٧٠ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَرِثَ مِنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ دَارَهَا. قَالَ: وَكَّانَتْ حَفْصَةُ قَدْ أَسْكَنَتْ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ مَا عَاشَتْ. فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ بِنْتُ زَيْدٍ، قَبَضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْمَسْكَنَ. وَرَأَى أَنَّهُ لَهُ. (قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا) بالمدينة المنوّرة، كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية: والأمر عندنا مبتدأ خبره (أن العمرى ترجع) منافعها (إلى الذي أعمرها إذا لم يقل) المعمر: (هي لك ولعقبك) فإذا قالها فلا يتناوله جواب ابن القاسم، وتفسير مالك إلا بطريق المفهوم. ١٤٧٠/ ٤٥ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (وَرِثَ) بكسر الراء المخففة (حفصة بنت عمر) لأنها كانت أخته (دارَها) بالنصب أي بعد موتها (قال) نافع: (و کانت حفصة قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب) دارها المذكورة (ما عاشت) أي ما دامت حياتها (فلما توفيت بنت زيد) بن الخطاب المذكورة (قبض عبد الله بن عمر المسكن) المذكور (ورأى أنه له) بالميراث الذي حصل له من أخته. قال الباجي(١): قوله: وكانت حفصة قد أسكنت هذا هو معنى العمرى، فلما توفيت بنت زيد رأى ابن عمر أنه قد انقطع بذلك حكم العمرى، فإنّ ما تقدم فيها من العمرى لم يخرجه عن ملك موروثته، ولا منعه من تملكه بالميراث من حفصة، وهذا مذهب مالك وجماعة من أصحابه، اهـ. قال الزرقاني(٢): وذلك لأن الإسكان بمعنى العمرى، وهي ترجع لوارث (١) ((المنتقى)) (١٣٤/٦). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٥٠/٤). ٢١٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٧) باب (١٤٧٠) حديث . المعمر، لكن في ((التمهيد)) روى معمر عن أيوب عن حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت ابن عمر - رضي الله عنه -، وسأله أعرابي أعطى ابنه ناقة له حياته، فأنتجها فكانت له، فقال ابن عمر: هي له حياته وموته، قال: أفرأيت إن كان تصدق عليه، قال: فذلك أبعد له، وهذا يدل على أن مذهب ابن عمر أن العمرى خلاف السكنى، وعليه الأكثر، اهـ. وأخرج محمد في ((موطئه)) (١) حديث جابر المذكور في أول الباب، وأثر ابن عمر - رضي الله عنه - هذا، ثم قال: وبهذا نأخذ، العمرى هبة، فمن أعمر شيئاً فهو له، والسكنى له عارية ترجع إلى الذي أسكنها، وإلى وارثه من بعده، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، والعمرى إن قال: هي له ولعقبه، أو لم يقل: ولعقبه، فهو سواء، اهـ. وقال الموفق(٢): أما إذا قال: سكنى هذه الدار لك عمرك، أو اسكنها عمرك، أو نحو ذلك، فليس ذلك بعقدٍ لازم؛ لأنه في التحقيق هبة المنافع، والمنافع إنما تستوفى بمضيّ الزمان شيئاً فشيئاً، فلا تلزم إلا في قدر ما قبضه منها، واستوفاه بالسكنى، ولِلْمُسْكِنِ الرجوع متى شاء، وأيهما مات بطلت الإباحة، وبهذا قال أكثر العلماء، وجماعة أهل الفتوى، منهم الشعبي والنخعي والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، وروي معنى ذلك عن حفصة. وقال الحسن وعطاء وقتادة: هي كالعمرى تكون له ولعقبه؛ لأنها في معنى العمرى، فيثبت فيها مثل حكمها، وحكي عن الشعبي أنه إذا قال: هي لك، اسکن حتی تموت، فهي له حیاته وموته، وإن قال: داري هذه اسکنھا حتى تموت، فإنها ترجع إلى صاحبها؛ لأنه إذا قال: هي لك، فقد جعل له (١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٨٣/٣). (٢) («المغني)) (٢٨٨/٨). ٢١٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٨) باب (١٤٧١) حديث (٣٨) باب القضاء في اللقطة ٤٦/١٤٧١ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ يَزِيدَ، مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، رقبتها، فتكون عمرى، فإذا قال: اسكن داري هذه، فإنما جعل له نفعها دون رقبتها، فتكون عاريةً، ولنا، أن هذا إباحة المنافع، فلم يقع لازماً كالعارية، وفارق العمرى فإنها هبة للرقبة، اهـ. (٣٨) القضاء في اللقطة اللُّقطة: الشيء الذي يُلْتقط، وهي بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين، وقال عياض: لا يجوز غيره، وقال الزمخشري: بفتح القاف، والعامة تسكنها، وجزم الخليل بالسكون، وقال: أما بالفتح فهو اللاقط، وقال الأزهري: ما قاله هو القياس، لكن الذي سمع من العرب، وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح، قاله الزرقاني(١) تبعاً للحافظ. قال الدسوقي(٢): اشتهر على ألسنة الفقهاء فتح القاف مع أنّ قياس فعلة في المفعول الذي هو مراد ههنا السكون، كضحْكَةٍ لما يُضْحَكُ به، وقُدْوَةٍ لما يُقْتَدى به، والفتح إنما هو القياس في الفاعل، ومنه: هُمَزَة لُمَزَة، أي كثير الهمز واللمز، اهـ. ٤٦/١٤٧١ - (مالك عن ربيعة) الرأي (ابن أبي عبد الرحمن) فَرُّوُخٌ، فما في النسخ الهندية بحذف أبي بلفظ ((ابن عبد الرحمن)) تحريفٌ من الناسخ (عن يزيد) بتحتية، فزاي، المدني صدوقٌ، من رواة الستة (مولى المنبعث) بضم الميم وسكون النون، وفتح الموحدة وكسر العين المهملة آخره مثلثة، صحابيٍّ، (١) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٥٠). (٢) ((حاشية الدسوقي)) (١١٧/٤). ٢١٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٨) باب (١٤٧١) حديث عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَّةِ؟ نزل إلى النبي ◌ّلهم في حصار الطائف، كان يسمى المضطجع، فسماه النبي المنبعث (عن زيد بن خالد الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء، الصحابي الشهير (أنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله وَّه) بسط الحافظ الكلام في ((الفتح))(١) في تفسير هذا المبهم، وما قيل فيه من الأقوال، وتبعه الزرقاني، والشيخ في ((البذل)) من أنه بلال المؤذن، أو زيد بن خالد الراوي بنفسه، أو أبو ثعلبة، أو عمير، أو الجارود العبدي، ورجّح الحافظ بأنه سويد الجهني. (فسأله عن اللقطة؟) هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية سفيان الثوري عن ربيعة، فسأله عما يلتقطه، زاد مسلم من طريق يحيى بن سعيد عن يزيد: الذهب والفضة، وهو كالمثال، وإلا فلا فرق بينهما وبين الجوهر وغيره مما يستمتع به غير الحيوان في تسميته لقطةً، وفي إعطائه الحكم المذكور. قال الباجي(٢): يحتمل أن يكون سأله عن جواز أخذها، ويحتمل أن يكون سأله عن حكمها، وما يلزم فيها، وما يجوز لمن أخذها. فأما جواز أخذها، فقد روى نافع عن ابن عمر أنه كان يمر باللقطة، فلا يأخذها، وفي ((العتبية)) من سماع ابن القاسم عن مالك أنه قال: لا أحب أن يأخذها من وجدها إلا أن يكون لها قدر، وقال في موضع آخر: أو لذي رحمه، وأما الشيء الذي له بال فأرى له أخذها، وروى عنه أشهب: أما الدنانير، وشيء له بال، فأحبُّ إليّ أن يأخذه، وليس كالدرهم، وما لا بال له، لا أُحِبُّ له أن يأخذ الدرهم. ومعنى ذلك أن الشيء الكثير الذي له بالٌ، يخاف عليه الضياع إن تركه، (١) ((فتح الباري)) (٨٠/٥). (٢) ((المنتقى)) (١٣٤/٦). ٢١٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٨) باب (١٤٧١) حديث فأخذه له على وجه التعريف من أعمال البر، وأما الشيء اليسير، فالأغلب عليه أن يُؤْمَنُ عليه، فإن من يجده لا يسرع إليه، وبقاؤه مكانه أقربُ إلى أن يعود صاحبه، فيجده، ولو أخذه الملتقط لتكلف من تعريفه ما عليه فيه مشقة، وربما ضَيَّعَ ذلك لقلته، والعادة جارية بأن من سمع خبرها لا يكاد أن يبلغه، ولا يتحدث بخبره بخلاف اللقطة التي لها بال، فالعادة جارية بأن من سمع خبرها غفلةً تحدث به، حتى يصل خبرها إلى صاحبها، اهـ. وفي ((البذل))(١) عن ((المبسوط)) ما ملخصه: أنه اختلف الناس فيمن وجد لقطة، فالمتفلسفة يقولون: لا يحلّ له أن يرفعها؛ لأنه أخذ المال بغير إذن صاحبه، وذلك حرامٌ شرعاً. وبعض المتقدمين من أئمة التابعين كان يقول: يحِلُّ له أن يرفعها، والترك أفضل؛ لأن صاحبها يطلبها في الموضع الذي سقطت منه، ولأنه لا يأمن على نفسه أن يطمع فيها بعدما يرفعها، والمذهب عند علمائنا وعامة الفقهاء أن رفعها أفضل، اهـ. وقال الموفق(٢): قال إمامنا: الأفضل ترك الالتقاط، ورُوي معنى ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وبه قال جابر بن زيد والربيع بن خثيم وعطاء، ومَرَّ شريحٌ بدرهم، فلم يعرض له، واختار أبو الخطاب إذا وجدها بمضيعة، وأمن نفسه عليها، فالأفضل أخذها، وهذا قول الشافعي، وحُكِيَ عنه قول آخر أنه يجب أخذها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾(٣). فإذا كان وليه، يجب عليه حفظ ماله، وممن رأى أخذها ابنُ المسيِّب والحسن بن صالح وأبو حنيفة. وقال مالك: إن كان شيئاً له بال يأخذها أحبُّ إليّ. (١) (بذل المجهود)) (٢٥٣/٨). (٢) ((المغني)) (٢٩١/٨). (٣) سورة التوبة: الآية ٧١. ٢١٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٨) باب (١٤٧١) حديث فَقَالَ: ((اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا . ولنا، قول ابن عمر وابن عباس، ولا نعلم لهما مخالفاً في الصحابة، ولأنه تعريض لنفسه لأكل الحرام، وتضييع الواجب من تعريفها، وأداء الأمانة فيها، فكان تركه أولى وأسلم كولاية مال اليتيم، اهـ. وقال الدردير(١): وجب أخذه لخوف خائن، لو تركه مع علمه أمانة نفسه، لا إن علم خيانته هو فيحرم أخذه، ولو خاف خائناً، وإلا بأن لم يخف خائناً كره، ولو علم أمانة نفسه كأن خاف الخائن، وشكّ في أمانته هو، فالوجوب في صورة، والحرمة في صورتين، والكراهية في ثلاث، قال الدسوقي: الحاصل أن مجموع الصور ستٍّ؛ لأن مريد الالتقاط إما أن يعلم أمانة نفسه، أو خيانتها، أو شَكّ فيها، وعلى كلٍ، إما أن يخاف الخائن لو ترك الأخذ أو لا، اهـ. وفي ((الدر المختار)) (٢): ندب رفعها لصاحبها إن أمن على نفسه تعريفها وإلا فالترك أولى، ووجب عند خوف ضياعها؛ لأن لمال المسلم حرمة كما لنفسه، فلو تركها حتى ضاعت أثم، اهـ. (فقال: اعرف عفاصها) بكسر العين المهملة، ففاء خفيفة، وألف فصاد مهملة، أي وعاءها الذي يكون فيه النفقة، جلداً كان أو غيره من العفص، وهو الثنيّ لأن الوعاء يُثْنَى على ما فيه (ووكاءها) بكسر الواو الثانية وبالهمزة ممدوداً، الخيط الذي يُشَدُّ به الصرةُ والكيسُ ونحوهما، زاد مسلم من وجه آخر عن زيد ((وعددها)). قال الباجي(٣): معناه عندي أن يحفظه صفة العفاص، والوكاء، ويكتم (١) ((الشرح الكبير)) (١١٩/٤). (٢) (٤ / ٤٦٥). (٣) ((المنتقى)) (٢٣٦/٦). ٢٢٠